ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار وفي زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { فاصبر لحكم ربك } وفيه وجهان ( الأول ) فاصبر لحكم ربك في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ( والثاني ) فاصبر لحكم ربك في أن أوجب عليك التبليغ والوحي وأداء الرسالة ، وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة .
قوله تعالى : { ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : العامل في { إذ } معنى قوله : { كصاحب الحوت } يريد لا تكن كصاحب الحوت حال ندائه وذلك لأنه في ذلك الوقت كان مكظوما فكأنه قيل : لا تكن مكظوما .
المسألة الثانية : صاحب الحوت يونس عليه السلام ، إذ نادى في بطن الحوت بقوله : { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } ، { وهو مكظوم } مملوء غيظا من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة ، فتبلى ببلائه .
حكم ربك : هو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم .
صاحب الحوت : يونس عليه السلام .
مكظوم : مملوء غيظا وغمّا ، من قولهم : كظم السقاء ، إذا ملأه .
فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم .
اصبر يا محمد لحكم ربك في إمهال النصر ، وفي شدة البلاء عليك وعلى أصحابك ، لحكمة إلهية عليا ، هي تدريب المؤمنين على الصبر والمصابرة ، وتحمل تبعات الجهاد ، وضرب الحق سبحانه نموذجا عمليّا بنبي الله يونس حين كذّبه قومه ، وقد أرسله الله إلى قرية نينوى بالموصل ، فأبطأوا في الاستجابة لدعوته ، فهجر القرية غضبان منهم ، وركب سفينة تنقله إلى جهة أخرى ، وفي منتصف البحر أوشكت السفينة على الغرق ، وأجريت قرعة لإلقاء أحد الركاب في البحر ، فخرجت القرعة على نبي الله يونس ، فألقي في البحر ، وفي شدة الظلمات والغم والألم نادى ربه : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . ( الأنبياء : 87 ) .
فاستجاب الله دعاءه ، وألهم الحوت أن يقذفه على الشاطئ ، وأنبت الله عليه شجرة القرع فأظلّته ، ويسر له طريق النجاة ، وطريق العودة إلى الرسالة والهداية ، وأرسله الله إلى قرية بها مائة ألف أو يزيد فآمنوا به .
روي أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يدعو على ثقيف ، لمّا آذوه حين عرض نفسه على القبائل بمكة ، فنزل قوله تعالى : ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ربه وهو مكظوم .
وصاحب الحوت هو يونس عليه السلام ، وقد التقمه الحوت ، ونادى ربه وهو في ظلمات البحر ، والغمّ والكرب والضيق ، فاستجاب الله له .
قال تعالى : فاستجبنا له ، ونجّيناه من الغمّ وكذلك ننجي المؤمنين . ( الأنبياء : 88 ) .
وقد أراد الله تعالى أن يجعل الرسل نموذجا عمليّا في الصبر والمصابرة ، ليكونوا قدوة للمؤمنين ولأصحاب الدعوات .
قال تعالى : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . . . ( الأحقاف : 35 ) .
وقال عز شأنه : حتى إذا استيئس الرسل وظنّوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا . . . ( يوسف : 110 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.