مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} (60)

قوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون }

اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض ، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار . قيل : إنه لما اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة ، والمراد بالقوة ههنا : ما يكون سببا لحصول القوة وذكروا فيه وجوها : الأول : المراد من القوة أنواع الأسلحة . الثاني : روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال : «ألا إن القوة الرمي » قالها ثلاثا . الثالث : قال بعضهم : القوة هي الحصون . الرابع : قال أصحاب المعاني الأولى أن يقال : هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة . وقوله عليه الصلاة والسلام : «القوة هي الرمي » لا ينفي كون غير الرمي معتبرا ، كما أن قوله عليه الصلاة والسلام : " الحج عرفة والندم توبة " لا ينفي اعتبار غيره ، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا ، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة ، إلا أنه من فروض الكفايات . وقوله : { ومن رباط الخيل } الرباط المرابطة أو جمع ربيط ، كفصال وفصيل ، ولا شك أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد . روي أن رجلا قال لابن سيرين : إن فلانا أوصى بثلث ماله للحصون . فقال ابن سيرين : يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها ، فقال الرجل إنما أوصى للحصون ، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر :

ولقد علمت على تجنبي الردى *** إن الحصون الخيل لا مدر القرى

قال عكرمة : ومن رباط الخيل الإناث وهو قول الفراء ، ووجه هذا القول أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطا واحدها ربيط ، ويجمع ربط على رباط وهو جمع الجمع ، فمعنى الرباط ههنا ، الخيل المربوط في سبيل الله ، وفسر بالإناث لأنها أولى ما يربط لتناسلها ونمائها بأولادها ، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول ، هذا ما ذكره الواحدي .

ولقائل أن يقول : بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى ، لأن المقصود من رباط الخيل المحاربة عليها ، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو ، فكانت المحاربة عليها أسهل ، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها ، ولما وقع التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي ، وهو كونه خيلا مربوطا ، سواء كان من الفحول أو من الإناث ، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء . فقال : { ترهبون به عدو الله وعدوكم } وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم ، وذلك الخوف يفيد أمورا كثيرة : أولها : أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام . وثانيها : أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية . وثالثها : أنه ربما صار ذلك داعيا لهم إلى الإيمان . ورابعها : أنهم لا يعينون سائر الكفار . وخامسها : أن يصير ذلك سببا لمزيد الزينة في دار الإسلام .

ثم قال تعالى : { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء ، كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء ، ثم فيه وجوه : الأول : وهو الأصح أنهم هم المنافقون ، والمعنى : أن تكثير أسباب الغزو كما يوجب رهبة الكفار فكذلك يوجب رهبة المنافقين .

فإن قيل : المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الإرهاب ؟

قلنا : هذا الإرهاب من وجهين : الأول : أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين ، وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان ، والثاني : أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق فيما بين المسلمين ، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة .

والقول الثاني : في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال : المراد كفار الجن . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } فقال إنهم الجن . ثم قال : «إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق » وقال الحسن : صهيل الفرس يرهب الجن ، وهذا القول مشكل ، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل تأثيره في إرهاب الجن .

والقول الثالث : أن المسلم كما يعاديه الكافر ، فكذلك قد يعاديه المسلم أيضا ، فإذا كان قوي الحال كثير السلاح ، فكما يخافه أعداؤه من الكفار ، فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلما كان أو كافرا .

ثم إنه تعالى قال : { وما تنفقوا من شيء في سبيل الله } وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات { يوف إليكم } قال ابن عباس : يوف لكم أجره ، أي لا يضيع في الآخرة أجره ، ويعجل الله عوضه في الدنيا { وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون من الثواب ، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى : { آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ} (60)

المفردات :

من قوة : من كل ما يتقوى به في الحرب .

رباط الخيل : المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدة للقتال .

ترهبون : تخوفون .

لا تعلمونهم : لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة .

60 – { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . . . } الآية .

انتصر المسلمون في غزوة بدر بفضل الله وعونه ، وأراد القرآن أن ينبه المسلمين ، على وجوب إعداد القوة الحربية والمادية والأدبية والنفسية والمعنوية ، وكل وسائل القوة يجب إعدادها وتجهيزها ؛ فلا شيء يمنع الحرب مثل الإعداد لها .

والمعنى :

هيئوا لقتال الأعداء ، وما أمكنكم من أنواع القوى المادية والمعنوية ، من كل ما يتقوى به عليهم في الحرب ؛ من حصون وقلاع وسلاح .

ويشمل ذلك وسائل القوة الحديثة كالمدافع والبوارج ، والدبابات ، والمصفحات ، والمدرعات ، ودراسة الفنون الحربية الحديثة التي تساعد على توجيه الأسلحة ، وإحكام تصويب القتال والرمي ، فإن النصر متوقف على استخدام القوة المتاحة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

{ ومن رباط الخيل } .

{ رباط الخيل } : هو المكان الذي تربط فيه الخيل عند الحدود ، ليحرس فرسانه الثغور ، ويراقبوا العدو ، وقد كانت الخيول أداة الحرب البرية الرهيبة في الماضي ، وما تزال لها أهميتها أحيانا في الحاضر ، مثل نقل بعض المؤن و الذخيرة في الطرق الجبلية . وإن كان الدور الحاسم اليوم هو لسلاح الطيران ، والمدافع ، والدبابات ، والغواصات البحرية ، المزودة بوسائل التقنية الحديثة ، المساعدة على إحكام الرمي وإصابة الهدف .

ومن الحديث الشريف : " ألا إن القوة الرمي " l .

وقد كان الرمي وسيلة لإصابة أهداف العدو من بعيد ؛ فكل ما يحقق النصر يجب اتخاذه من عدد الحرب ؛ لأن المهم تحقيق الأهداف ، وأما الوسائل والآلات ؛ فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات العصر ، ويكون المقصود إعداد جيش دائم ، مستعد للدفاع عن البلاد ، مزود بأحدث الأسلحة وأقدرها على إحراز النصر . مع التدريب المستمر ، وإنفاق المال على تسليح الجيش ؛ بحسب الطاقة .

وقد خص الله الخيل بالذكر ، وإن كانت داخلة في القوة ؛ تشريفا لها وتكريما ، واعتدادا بأهميتها .

كما ذكر جبريل وميكائيل مع الملائكة تشريفا لهما .

{ ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .

تبين الآية هنا سبب الإعداد وحكمته وهو إرهاب عدو الله وعدو المسلمين ، من الكفار الذين ظهرت عداوتهم . مثل مشركي مكة في الماضي ، وإرهاب العدو الخفي الموالي لهؤلاء الأعداء ، سواء أكان معلوما لنا أم معلوم بل الله يعلمهم ؛ لأنه علام الغيوب ، وهذا يشمل اليهود والنافقين في الماضي ، ومن تظهر عداوتهم مثل فارس والروم ، وسلالتهم ف دول العالم المعاصر .

وقد رجح ابن جرير الطبري أن المراد بقوله تعالى : { لا تعلمونهم الله يعلمهم } . كفار الجن أي : ترهبون بني آدم وترهبون جنسا آخر من غير بني آدم لا ترونهم ولا تعلمونهم ولكن الله يعلمهم ، ورجح الفخر الرازي أن المراد بهم : المنافقون ؛ فعداوتهم للمؤمنين قد تكون خفية ؛ وهم يتربصون بهم الدوائر ؛ فإذا لاحظوا ضعفا منهم تحرشوا بهم ، ولا شك أن العدو المجاهر والمستخفي إذا عرف قوة استعدادنا الحربي ؛ منعه ذلك من التحرش بنا ، أو التفكير في أن يجرب حظه معنا .

{ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } .

تأتي هذه الفقرة في أعقاب الحث على الإعداد ؛ لبيان أن الإعداد الملائم للحرب يحتاج إلى المال ، والإنفاق منه في سبيل الله ، فبينت الآية : أن أي شيء تقدمونه من مال قل أو كثر ، في إعداد الجيوش أو رعاية المحاربين وأسرهم بما يحتاجون إليه ؛ فإن الله يوفى أجره كاملا للمنافقين ، ويجازيهم عليه على أتم وجه ، ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم ، مهما قلت أو كثرت .

من هدى السنة النبوية

روى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" من جهز فقد غزا ، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا " li .

وجاء في رياض الصالحين للإمام النووي عن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف " .

قال تعالى :

{ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } . ( البقرة : 261 ) .

مما يتعلق بالآية

1 – لا يزال الإعداد المادي والمعنوي ، وتجهيز الجيوش الضاربة المقاتلة ؛ هدف كل أمة في القديم والحديث .

2 – سبق القرآن على دعوة المسلمين وتوجيههم إلى إعداد القوة المادية والمعنوية ، وسائر وسائل الحرب الحديثة ؛ حتى يكونوا أعزة أقوياء ، وقد تمسك المسلمون الأولون بذلك ؛ فتقدموا وانتصروا ، ودالت لهم دول الأكاسرة والقياصرة .

3 – إن وضع المسلمين الآن لا يسر الصديق ، ولا يكيد العدو ؛ فبلاد المسلمين تتخطف من حولهم ، ويطمع فيها الأعداء ، والمسلمون متقاعسون عن الجهاد وعن الإنفاق في سبيل الله .

4 – يجب أن تعود معامل الأسلحة وصيانتها إلى بلاد المسلمين ، وأن نعمل بقوله الله تعالى ؛ فنعد العدة التي أمر الله بإعدادها ، ونتلافى ما فرطنا ، ونأخذ بأسباب الوحدة والقوة .

5 – المقصود من إعداد العدة : إرهاب الأعداء ؛ حتى لا يكفروا في الاعتداء على المسلمين ، وحتى يعيش المسلمون في ديارهم آمنين مطمئنين .

وليس المقصود من إعداد العدة إرهاب المسلمين ، أو العدوان على الآمنين ، أو قهر الناس واستغلالهم .

قال تعالى : { ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } .

6 – ينبغي أن نعود إلى هدى القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ، وسيرة السلف الصالح ، وأن نهجر الهوى والترف ، وأن نبني الأفراد والأسر والمجتمعات بالخلق السليم ، والتربية الصالحة ، والمحضن الصالح ، والمجتمع المتميز ، والجيش القوي .

قال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } . ( الكهف : 30 ) .