وأما قوله : { وإما تخافن من قوم خيانة } يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثا بأمارات ظاهرة { فانبذ إليهم } فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر ، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم أخبارا مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم ، ولا تبادرهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد ، فيكون ذلك خيانة منك { إن الله لا يحب الخائنين } في العهود وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه . قال أهل العلم : آثار نقض العهد إذا ظهرت ، فإما أن تظهر ظهورا محتملا ، أو ظهورا مقطوعا به ، فإن كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية ، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب ، أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا مقطوعا به فههنا لا حاجة إلى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران ، وذلك على أربعة فراسخ من مكة . والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .
تخافن من قوم خيانة : أي : تتوقع من قوم خيانة بنقض العهد ونكثه .
فانبذ إليهم على سواء : فاطرح إليهم عهدهم على طريق سوى من العدل بأن تخبرهم بذلك .
58 – { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ } .
أي : إن توقعت من قوم معاهدين الخيانة ، وغلب ذلك على ظنك ، بأمارات غالبة ، بنقض العهد الذي بينك وبينهم .
فاطرح إليهم عهدهم ، وأعلمهم بذلك وأنه لا عهد بعد اليوم ، ولتكن أنت وهم في ذلك العلم وطرح العهد على سواء ، فتكون أنت وهم متساوين في العلم بنقض العهد ، وبأنك حرب لهم ، وهم حرب لك .
أي : قيام حالة الحرب ؛ لئلا يتهموك بالغدر إن أخذتهم بغتة . والنبذ لغة : الرمي والرفض ، والسواء : المساواة والاعتدال .
إن الله يكره الخيانة ، ويعاقب عليها ، حتى ولو حتى ولو في حق الكفار ، فلا يك منك إخفاء نكث العهد .
أورد الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية ، تحث على الوفاء وتحرم الغدر ، وتدعو إلى أداء الأمانة إلى أهلها ؛ سواء أكان صاحبها مسلما أم كافرا .
قال الإمام أحمد : عن شعبة عن سليم بن عامر قال : كان معاوية يسير في أرض الروم ، وكان بينه وبينهم أمد ، فأراد أن يدنو منهم ، فإذا انقضى المد غزاهم ، فإذا غزاهم ، فإذا شيخ على دابة يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، وفاء لا غدرا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان بينه وبين قوم عهدا فلا يحلن عقدة ولا يشدها ، حتى ينقضي أمدها ، أو ينبذ إليهم على سواء ، مبلغ ذلك معاوية فرجع ، فإذا بالشيخ عمرو بن عبسة رضي الله عنهxlviii .
وروى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" ثلاثة : المسلم والكافر فيهن سواء :
من عاهدته فوفّ بعهده مسلما كان أو كافرا ؛ فإنما العهد لله ، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها ، مسلما كان أو كافرا ، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه ، مسلما كان أو كافرا " xlix .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.