مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ} (12)

ثم قال : { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم } يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه ، ومنه قوله تعالى : { من بعد قوة أنكاثا } والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف والقسم . وقيل : للحلف يمين ، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا . وقيل : سمي القسم يمينا ليمين البر فيه . فقوله : { وإن نكثوا أيمانهم } أي نقضوا عهودهم . وفيه قولان : الأول : هو قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثاني : أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان ، فيكون المراد ردتهم بعد الإيمان ، ولذلك قرأ بعضهم { وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم } والأول أولى للقراءة المشهورة ، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين ، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد . وقوله : { وطعنوا في دينكم } يقال طعنه بالرمح يطعنه ، وطعن بالقول السيئ يطعن . قال الليث : وبعضهم يقول : يطعن بالرمح ، ويطعن بالقول : فيفرق بينهما ، والمعنى أنهم عابوا دينكم ، وقدحوا فيه .

ثم قال : { فقاتلوا أئمة الكفر } أي متى فعلوا ذلك فافعلوا هذا ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو { أئمة الكفر } بهمزة واحدة غير ممدودة وتليين الثانية والباقون بهمزتين على التحقيق . قال الزجاج : الأصل في الأئمة أأمة ، لأنها جمع إمام ، مثل مثال وأمثلة ، لكن الميمين إذا اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية ، وألقيت حركتها على الهمزة ، فصارت أأمة ، فأبدلت من المكسورة الياء لكراهة اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة . هذا هو الاختيار عند جميع النحويين .

إذا عرفت هذا فنقول : قال صاحب «الكشاف » : لفظة «أئمة » همزة بعدها همزة بين بين ، والمراد بين مخرج الهمزة والياء . أما بتحقيق الهمزتين فقراءة مشهورة . وإن لم تكن مقبولة عند البصريين . وأما التصريح بالياء فليس بقراءة ، ولا يجوز أن يكون قراءة ، ومن صرح بها فهو لاحن محرف .

المسألة الثانية : قوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } معناه قاتلوا الكفار بأسرهم ، إلا أنه تعالى خص الأئمة والسادة منهم الذكر ، لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على هذه الأعمال الباطلة .

المسألة الثالثة : قال الزجاج : هذه الآية توجب قتل الذمي إذا أظهر الطعن في الإسلام ، لأن عهده مشروط بأن لا يطعن ، فإن طعن فقد نكث ونقض عهدهم .

ثم قال تعالى : { إنهم لا أيمان لهم } قرأ ابن عامر { لا أيمان لهم } بكسر الألف ولها وجهان : أحدها : لا أمان لهم ، أي لا تؤمنوهم . فيكون مصدرا من الإيمان الذي هو ضد الإخافة ، والثاني : أنهم كفرة لا إيمان لهم ، أي لا تصديق ولا دين لهم ، والباقون بفتح الهمزة وهو جمع يمين ، ومعناه لا أيمان لهم على الحقيقة . وأيمانهم ليست بأيمان ، وبه تمسك أبو حنيفة رحمه الله في أن يمين الكافر لا يكون يمينا ، وعند الشافعي رحمه الله يمينهم يمين ، ومعنى هذه الآية عنده : أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان . والدليل على أن أيمانهم أيمان ، أنه تعالى وصفها بالنكث في قوله : { وإن نكثوا أيمانهم } ولو لم يكن منعقدا لما صح وصفها بالنكث .

ثم قال تعالى : { لعلهم ينتهون } وهو متعلق بقوله : { فقاتلوا أئمة الكفر } أي ليكن غرضكم في مقاتلتهم بعدما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سببا في انتهائهم عما هم عليه من الكفر ، وهذا من غاية كرم الله وفضله على الإحسان .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ} (12)

{ وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ( 12 ) }

التفسير :

12 – { وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ . . . } الآية .

أي : إن نقض هؤلاء المشركون ما أبرم من عهود ، وطعنوا في دينكم ، أي : عابوا القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ، واستهزئوا بالمؤمنين كما كان يفعل شعراؤهم ، وزعماء الكفر فيهم ؛ فهم أئمة الكفر وقادته ورؤساؤه ، فقاتلوهم قتالا عنيفا ؛ إنهم لا عهود لهم ولا ذمة ؛ لأنهم لما لم يفوا بها ؛ صارت كأن لم تكن ، وذلك لتكون المقاتلة سببا في انتهائهم ورجوعهم ، عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال ، وهذا من غاية كرم الله وفضله على الإنسان فقوله : { لعلهم ينتهون } . أي : عن كفرهم وباطلهم وإيذائهم المسلمين .

وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإسلام ؛ فقد نكث عهده ، وعلى أن القتال ليس بقصد المنافع الدنيوية أو الغنائم أو إظهار الاستعلاء ، وحب السيطرة ، وإرادة الانتقام ، وإما هو من أجل التمكين من قبول دعوة الإسلام ، وما الحرب إلا ضرورة يقتصر فيها على قدر الضرورة .

قال ابن كثير : والصحيح أن الآية عامة ، وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم .

قتل من طعن في الدين

استدل بعض العلماء بهذه الآية ، على وجوب قتل كل من طعن في الدين ؛ إذ هو كافر ، والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق ، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين ؛ لما ثبت من الدليل القطعي ، على صحة أصوله واستقامة فروعه .

وقال ابن المنذر : أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم ؛ عليه القتل ، وممن قال ذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق ، وهو مذهب الشافعي ، وقد حكى عن أبي حنيفة أنه قال : لا يقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة ، وإنما يقتل بالحرابة والقتل15 .

قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم

أكثر العلماء على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة ، أو عرض به ، أو استخف بقدره ، أو وصفه بما لا يليق ، فإنه لم نعطه الذمة أو العهد على هذا ورأى أبو حنيفة والثوري ، أنه لا يقتل ، ما هو عليه من الشرك أعظم ، ولكن يعزر ويؤدب16 .