مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

قوله تعالى : { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون }

اعلم أن قوله : { كيف } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، وحذف الفعل كونه معلوما أي كيف يكون عهدهم وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم بعدما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق لم ينظروا إلى حلف ولا عهد ( ولم يبقوا عليكم ) هذا هو المعنى ، ولا بد من تفسير الألفاظ المذكورة في الآية يقال : ظهرت على فلان إذا علوته ، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه . قال الليث : الظهور الظفر بالشيء . وأظهر الله المسلمين على المشركين أي أعلاهم عليهم ومنه قوله تعالى : { فأصبحوا ظاهرين } وقوله : { ليظهره على الدين كله } أي ليعليه ، وتحقيق القول فيه أن من غلب غيره حصلت له صفة كمال ، ومن كان كذلك أظهر نفسه ومن صار مغلوبا صار كالناقص ، والناقص لا يظهر نفسه ويخفي نقصانه فصار الظهور كناية للغلبة لكونه من لوازمها فقوله : { إن يظهروا عليكم } يريد أن يقدروا عليكم وقوله : { لا يرقبوا فيكم } قال الليث : رقب الإنسان يرقبه رقبة ورقوبا وهو أن ينتظره ورقيب القوم حارسهم وقوله : { ولم ترقب قولي } أي لم تحفظه . أما الأول ففيه أقوال : الأول : أنه العهد قال الشاعر :

وأدناهم كاذبا الهم *** وذو الإل والعهد لا يكذب

يعني العهد الثاني : قال الفراء : الإل القرابة . قال حسان :

لعمرك أن الك من قريش *** كإل السقب من رأل النعام

يعني القرابة والثالث الإل الحلف . قال أوس بن حجر :

لولا بنو مالك والإل مرقبه *** ومالك فيهم الآلاء والشرف

يعني الحلف . والرابع : الإل هو الله عز وجل ، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لما سمع هذيان مسيلمة قال : إن هذا الكلام لم يخرج من إل ، وطعن الزجاج في هذا القول وقال : أسماء الله معلومة من الأخبار والقرآن ولم يسمع أحد يقول : يا إل . الخامس : قال الزجاج : حقيقة الإل عندي على ما توجبه اللغة تحديد الشيء ، فمن ذلك الآلة الحربة . وأذن مؤللة ، فالإل يخرج في جميع ما فسر من العهد والقرابة . السادس : قال الأزهري : أيل من أسماء الله عز وجل بالعبرانية ، فجائز أن يكون عرب . فقيل إل . السابع : قال بعضهم : الإل مأخوذ من قولهم إل يؤل ألا ، إذا صفا ولمع ومنه الآل للمعانة ، وأذن مؤللة شبيهة بالحربة في تحديدها وله أليل أي أنين يرفه به صوته ، ورفعت المرأة أليلها إذا ولولت ، فالعهد سمي إلا ، لظهوره وصفائه من شوائب الغدر ، أو لأن القوم إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه .

أما قوله : { ولا ذمة } فالذمة العهد ، وجمعها ذمم وذمام ، كل أمر لزمك ، وكان بحيث لو ضيعته لزمتك مذمة ، وقال أبو عبد الله الذمة ما يتذمم منه ، يعني ما يجتنب فيه الذم يقال : تذمم فلان ، أي ألقى على نفسه الذم ، ونظيره تحوب ، وتأثم وتحرج .

أما قوله : { يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم } أي يقولون بألسنتهم كلاما حلوا طيبا ، والذي في قلوبهم بخلاف ذلك ، فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه { وأكثرهم فاسقون } وفيه سؤالان :

السؤال الأول : الموصوفين بهذه الصفة كفار . والكفر أقبح وأخبث من الفسق ، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم .

السؤال الثاني : أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله : { وأكثرهم فاسقون } فائدة .

والجواب عن الأول : أن الكافر قد يكون عدلا في دينه ، وقد يكون فاسقا خبيث النفس في دينه ، فالمراد ههنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود { أكثرهم فاسقون } في دينهم وعند أقوامهم ، وذلك يوجب المبالغة في الذم .

والجواب عن الثاني : عين ما تقدم ، لأن الكافر قد يكون محترزا عن الكذب ، ونقض العهد والمكر والخديعة ، وقد يكون موصوفا بذلك ، ومثل هذا الشخص يكون مذموما عند جميع الناس وفي جميع الأديان ، فالمراد بقوله : { وأكثرهم فاسقون } أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة ، وأيضا قال ابن عباس : لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب ، فلهذا السبب قال : { وأكثرهم فاسقون } حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ} (8)

المفردات :

يظهروا عليكم : يغلبوكم .

لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة : لا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا .

8 – { كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } .

في تكرار الاستفهام بكيف ، تكرار وتأكيد لاستبعاد ثباتهم على العهد ، وحذف الفعل ؛ لكونه معلوما ، أي : كيف يكون لهم عهد .

والمعنى : كيف يكون للمشركين عهد معتد به ، ومراعاة لأحكامه عند الله وعند رسوله ، والحال أنهم إن يظهروا عليكم أيها المؤمنون ، ويظفروا بكم ويغلبوكم .

{ لا يرقبوا فيكم } . لا يراعوا في شأنكم .

{ إلا ولا ذمة } . أي : قرابة ولا عهدا .

قال ابن جرير الطبري بعد أن ساق أقوالا في معنى الإلّ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : والإل : اسم يشتمل على معان ثلاثة وهي : العهد والعقد ، والحلف ، والقرابة . . . .

وإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة ، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى ، فالصواب أن يعم ذلك معانيها الثلاثة .

وقال الدكتور/ حمد سيد طنطاوي ، في تفسير الآية .

والمعنى : بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، والحال المعهود منهم ، أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم ، لا يراعوا في أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ، ولا حقا من الحقوق . اه .

وجاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :

فإذا كانوا لا يرعون عهودهم وقرابتهم معكم ، فكيف تحافظون على عهود ضيعوها ونكثوها ، وشرط وجوب مراعاة حقوق العهد ، أن تكون محترمة من المتعاقدين ، فإن ضيعها أحدهما ؛ حل للآخر معاملته بالمثل .

{ يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون } .

أي : يقولون بألسنتهم ، ما فيه مجاملة ومحاسبة لكم ؛ طلبا لمرضاتكم ، وتطيب قلوبكم ، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه ، وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم .

قال الزمخشري :

{ وأكثرهم فاسقون } . متمردون خلعاء ، لا مروءة تمنعهم ، ولا شمائل مرضية . تردعهم . اه .

وتخصيص الأكثر بوصف الفسق والغدر ، لما في بعض الكفرة من البعد عن الغدر ، والتعفف عما يؤدى إلى سوء الأحدوثة ، وقبح السيرة .

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي :

وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين ، وصفا في نهاية الذم والقبح ؛ لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا ، وأسرفوا في الإيذاء ، نابذين كل عهد وقرابة وعرف . . .

أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين ، الذي تنطق به ألسنتهم ، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة . أي : أن الغدر ملازم لم في حال قوتهم وضعفهم ؛ لأنهم في حالة قوتهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وفي حالة ضعفهم يخادعون ويداهنون حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين14 .