السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني - الشربيني  
{إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ} (3)

وقوله تعالى : { إله الناس } إشارة إلى أنه تعالى كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد ، فكذلك هو وحده إلههم لا يشركه في ألوهيته أحد ، وقد اشتملت هذه الإضافات الثلاث على جميع قواعد الإيمان ، وتضمنت معاني أسمائه الحسنى ، فإنّ الرب هو القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة الذي هو بمعنى الربوبية عليه من أوصاف الجمال . والملك هو الآمر والناهي المعز المذل إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال ، وأمّا الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، فيدخل فيه جميع الأسماء الحسنى ، ولتضمنها لجميع معاني الأسماء الحسنى كان المستعيذ جديراً بأن يعاذ ، وقد يوقع ترتيبها على الوجه الأكمل الدال على الوحدانية ؛ لأنّ من رأى ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة علم أنّ له مربياً ، فإذا درج في العروج في درج معارفه سبحانه علم أنه غني عن الكل ، والكل إليه محتاج ، وعن أمره تعالى تجري أمورهم فيعلم أنه ملكهم ، ثم يعلم بانفراده بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها .

فائدة : قد أجمع جميع القراء في هذه السورة على إسقاط الألف من مالك ، بخلاف الفاتحة كما مضى ؛ لأنّ المالك إذا أضيف إلى اليوم أفهم اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض ، وأنه لا أمر لأحد معه ، ولا مشاركة في شيء من ذلك ، وهو معنى المُلك بالضم . وأمّا إضافة المالك إلى الناس فإنها لا تستلزم أن يكون ملكهم ، فلو قرئ به هنا لنقص الملك بالضم ، وأطبقوا في آل عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف إليه ؛ لأنّ المقصود من السياق أنه سبحانه يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء ، والمِلك بكسر الميم أليق بهذا المعنى ، وأسرار كلام الله تعالى أعظم من أن تحيط بها العقول ، وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ظهر منها .

تنبيه : يجوز في ملك الناس وإله الناس أن يكونا وصفين لرب الناس ، وأن يكونا بدلين ، وأن يكونا عطف بيان ، واقتصر عليه الزمخشري قال : كقولك : سيرة أبي حفص عمر الفاروق ، بين بملك الناس ، ثم زيد بياناً بإله الناس ؛ لأنه قد يقال لغيره : رب الناس ، كقوله تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } [ التوبة : 31 ] ، وقد يقال : ملك الناس . وأمّا إله الناس فخاص لا شركة فيه ، فجعل غاية للبيان . فإن قيل : هلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرّة واحدة ؟ أجيب : بأنّ عطف البيان للبيان ، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار .