إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود - أبو السعود  
{إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ} (3)

وكذا قوله تعالى { إله الناس } فإِنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم ، والقيام بتدبير أمورهم ، وسياستهم ، والتولي لترتيب مبادئ حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر المملوك ؛ بل هو بطريق المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلى فيهم ، إحياء وإماتة ، وإيجاداً وإعداماً . وتخصيص الإِضافة بالناس مع انتظام جميع العاملين في سلك ربوبيته تعالى وملكوتيته وألوهيته للإرشاد إلى منهاج الاستعاذة المرضية عنده تعالى الحقيقية بالإِعادة ؛ فإِن توسل العائذ بربه ، وانتسابه إليه تعالى بالمربوبية والمملوكية والعبودية في ضمن جنس هو فرد من أفراده ، من دواعي مزيد الرحمة والرأفة ، وأمره تعالى بذلك من دلائل الوعد الكريم بالإعاذة لا محالة ، ولأن المستعاذ منه شر الشيطان المعروف بعداوتهم ، ففي التنصيص على انتظامهم في سلك عبوديته تعالى وملكوته رمز إلى إنجائهم من ملكة الشيطان ، وتسلطه عليهم حسبما ينطق به قوله تعالى : { إِن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ سورة الحجر ، الآية 42 ] ، فمن جعل مدار تخصيص الإضافة مجرد كون الاستعاذة من المضار المختصة بالنفوس البشرية ، فقد قصر في توفية المقام حقه ، وأما جعل المستعاذ منه فيما سبق المضار البدنية فقد عرفت حاله ، وتكرير المضاف إليه لمزيد الكشف والتقرير والتشريف بالإضافة .