روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

أخرج أحمد وجماعة عن كعب بن مالك قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت : إني قد نمت فقال : ما نمت ، ثم وقع بها ؛ وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت . وفي رواية ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله تعالى وإليك من نفسي هذه الخاطئة فإنها زينت لي فواقعت أهلي هل تجد لي من رخصة ؟ قال : لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وأمر الله تعالى رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال : { أُحِلَّ لَكُمُ } الخ وليلة الصيام الليلة التي يصبح منها صائماً فالإضافة لأدنى ملابسة ، والمراد بها الجنس وناصبها الرفث المذكور أو المحذوف الدال هو عليه بناءاً على أن المصدر لا يعمل متقدماً ، وجوز أن يكون ظرفاً لأحل لأن إحلال الرفث في ليلة الصيام وإحلال الرفث الذي فيها متلازمان ، والرفث من رفث في كلامه وأرفث وترفث أفحش وأفصح بما يكنى عنه ، والمراد به هنا الجماع لأنه لا يكاد يخلو من الإفصاح ، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أنشد وهو محرم :

وهن يمشين بنا هميسا *** إن صدق الطير ننك لميسا

فقيل له : أرفثت ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء ، فالرفث فيه يحتمل أن يكون قولاً وأن يكون فعلاً ، والأصل فيه أن يتعدى بالباء وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ولم يجعل من أول الأمر كناية عنه لأن المقصود هو/ الجماع فقصرت المسافة ، وإيثاره ههنا على ما كنى به عنه في جميع القرآن من التغشية والمباشرة واللمس والدخول ونحوها استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة ، ولذا سماه اختيانا فيما بعد ، والنساء جمع نسوة فهو جمع الجمع أو جمع امرأة على غير اللفظ وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص إذ لا يحل الإفضاء إلا لمن اختص بالمفضي إما بتزويج أو ملك ، وقرأ عبد الله ( الرفوث ) .

{ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قاله ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق وأنشد رضي الله تعالى عنهما لما قال له : هل تعرف العرب ذلك ؟ قول الذبياني :

إذا ما الضجيع ثنى عطفه *** تثنت عليه فكانت ( لباساً )

ولما كان الرجل والمرأة يتعانقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه كل واحد بالنظر إلى صاحبه باللباس أو لأن كل واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه عن الفجور ، وقد جاء في الخبر «من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه » والجملتان مستأنفتان استئنافاً نحوياً والبياني يأباه الذوق ، ومضمونهما بيان لسبب الحكم السابق وهو قلة الصبر عنهن كما يستفاد من الأولى ، وصعوبة اجتنابهن كما تفيده الثانية ولظهور احتياج الرجل إليهن وقلة صبره قدم الأولى ، وفي الخبر «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً »

{ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } جملة معترضة بين قوله تعالى : { أُحِلَّ } الخ وبين ما يتعلق به أعني { فالآن } الخ لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم قبل الإحلال ، ومعنى { عِلْمٍ } تعلق علمه ، والاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة أو الخيانة البليغة فيكون المعنى تنقصون أنفسكم تنقيصاً تاماً بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب ، ويؤول إلى معنى تظلمونها بذلك ، والمراد الاستمرار عليه فيما مضى قبل إخبارهم بالحال كما ينبئ عنه صيغتا الماضي والمضارع وهو متعلق العلم ، وما تفهمه الصيغة الأولى من تقدم كونهم على الخيانة على العلم يأبى حمله على الأزلي الذاهب إليه البعض .

{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } عطف على { عِلْمٍ } والفاء لمجرد التعقيب ، والمراد قبل توبتكم حين تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه { الضر عَنْكُمْ } أي محا أثره عنكم وأزال تحريمه ، وقيل : الأول لإزالة التحريم وهذا لغفران الخطيئة { فالآن } مرتب على قوله سبحانه وتعالى : { أُحِلَّ لَكُمُ } نظراً إلى ما هو المقصود من الإحلال وهو إزالة التحريم أي حين نسخ عنكم تحريم القربان وهو ليلة الصيام كما يدل عليه الغاية الآتية فإنها غاية للأوامر الأربعة التي هذا ظرفها ، والحضور المفهوم منه بالنظر إلى فعل نسخ التحريم وليس حاضراً بالنظر إلى الخطاب بقوله تعالى : { باشروهن } ، وقيل : إنه وإن كان حقيقة في الوقت الحاضر إلا أنه قد يطلق على المستقبل القريب تنزيلاً له منزلة الحاضر وهو المراد هنا أو إنه مستعمل في حقيقته والتقدير قد أبحنا لكم مباشرتهن ، وأصل المباشرة إلزاق البشرة بالبشرة وأطلقت على الجماع للزومها لها .

{ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } أي اطلبوا ما قدره الله تعالى لكم في اللوح من الولد ، وهو المروي عن ابن عباس . والضحاك .

ومجاهد . رضي الله تعالى عنهم وغيرهم . والمراد الدعاء بطلب ذلك بأن يقولوا : اللهم ارزقنا ما كتبت لنا ، وهذا لا يتوقف على أن يعلم كل واحد أنه قدر له ولد ، وقيل : المراد ما قدره لجنسكم والتعبير بما نظراً إلى الوصف كما في قوله تعالى : { والسماء وَمَا بناها } [ الشمس : 5 ] وفي الآية دلالة على أن المباشر ينبغي أن يتحرى بالنكاح حفظ النسل لا قضاء الشهوة فقط لأنه سبحانه وتعالى جعل لنا شهوة الجماع لبقاء نوعنا إلى/ غاية كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية ، ومجرد قضاء الشهوة لا ينبغي أن يكون إلا للبهائم ، وجعل بعضهم هذا الطلب كناية عن النهي عن العزل ، أو عن إتيان المحاش ، وبعض فسر من أول مرة ما كتب بما سن وشرع من صب الماء في محله ، أي اطلبوا ذلك دون العزل والإتيان المذكورين والمشهور حرمتهما أما الأول : فالمذكور في الكتب فيه أنه لا يعزل الرجل عن الحرة بغير رضاها ، وعن الأمة المنكوحة بغير رضاها أو رضا سيدها على الاختلاف بين الإمام وصاحبيه ، ولا بأس بالعزل عن أمته بغير رضاها إذ لا حق لها . وأما الثاني : فسيأتي بسط الكلام فيه على أتم وجه إن شاء الله تعالى . وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه تفسير ذلك بليلة القدر . وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً وعن قتادة أن المراد : ابتغوا الرخصة التي كتب الله تعالى لكم فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، وعليه تكون الجملة كالتأكيد لما قبلها ، وعن عطاء أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف تقرأ هذه الآية { ابتغوا } أو ( ابتعوا ) ؟ فقال : أيهما شئت ، وعليك بالقراءة الأولى .

{ وَكُلُواْ واشربوا } الليل كله { حتى يَتَبَيَّنَ } أي يظهر { لَكُمُ الخيط الأبيض } وهو أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره ، وحمله على الفجر الكاذب المستطيل الممتد كذنب السرحان وهم { مِنَ الخيط الأسود } وهو ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة آخر الليل { مِنَ الفجر } بيان لأول الخيطين ومنه يتبين الثاني وخصه بالبيان لأنه المقصود وقيل : بيان لهما بناءاً على أن الفجر عبارة عن مجموعهما لقول الطائي :

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه *** فهو على وزان قولك : حتى يتبين العالم من الجاهل من القوم ، وبهذا البيان خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه لأن شرطها عندهم تناسيه بالكلية ، وادعاء أن المشبه هو المشبه به لولا القرينة والبيان ينادي على أن المراد مثل هذا الخيط وهذا الخيط إذ هما لا يحتاجان إليه ، وجوّز أن تكون { مِنْ } تبعيضية لأن ما يبدو جزء من الفجر كما أنه فجر بناءً على أنه اسم للقدر المشترك بين الكل والجزاء ، و{ مِنْ } الأولى قيل : لابتداء للغاية ، وفيه أن الفعل المتعدي بها يكون ممتداً أو أصلاً للشيء الممتد ، وعلامتها أن يحسن في مقابلتها ( إلى ) أو ما يفيد مفادها وما هنا ليس كذلك فالظاهر أنها متعلقة ب { يَتَبَيَّنَ } بتضمين معنى التميز ، والمعنى حتى يتضح لكم الفجر متميزاً عن غبش الليل ، فالغاية إباحة ما تقدم حتى يتبين أحدهما من الآخر ويميز بينهما ، ومن هذا وجه عدم الاكتفاء ب { حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ } الفجر ، أو ( يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر ) لأن تبين الفجر له مراتب كثيرة ، فيصير الحكم مجملاً محتاجاً إلى البيان ، وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال : أنزلت { وَكُلُواْ واشربوا } الخ ولم ينزل { مِنَ الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى بعد { مِنَ الفجر } فعلموا إنما يعني الليل والنهار ، فليس فيه نص على أن الآية قبل محتاجة إلى البيان بحيث لا يفهم منها المقصود إلا به وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين في المراد منهما ، إلا أنه صرح بالبيان لما التبس على بعضهم ، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وصف من لم يفهم المقصود من الآية قبل التصريح بالبلادة ولو كان الأمر موقوفاً على البيان لاستوى فيه الذكي البليد ، فقد أخرج سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وجماعة عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال : لما أنزلت هذه الآية/ { وَكُلُواْ واشربوا } الخ عمدت إلى عقالين أحدهما : أسود والآخر : أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال :

" إن وسادك إذاً لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل " وفي رواية : «إنك لعريض القفا » وقيل : إن نزول الآية كان قبل دخول رمضان وهي مبهمة والبيان ضروري إلا أنه تأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة وهو لا يضر ولا يخفى ما فيه وقال أبو حيان : إن هذا من باب النسخ ، ألا ترى أن الصحابة عملوا بظاهر ما دل عليه اللفظ ثم صار مجازاً بالبيان ويرده على ما فيه أن النسخ يكون بكلام مستقل ولم يعهد نسخ هكذا .

وفي هذه الأوامر دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب بل على وقوعه بناءاً على القول بأن الحكم المنسوخ من حرمة الوقاع والأكل والشرب كانت ثابتة بالسنة ، وليس في القرآن ما يدل عليها ، و{ أَحَلَّ } أيضاً يدل على ذلك إلا أنه نسخ بلا بدل وهو مختلف فيه ، واستدل بالآية على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنباً فإن لم يصح صومه لما جازت المباشرة لأن الجنابة لازمة لها ومنافي اللازم مناف للملزوم ، ولا يرد خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل قبله لأنه إنما يفسد الصوم لكونه مكمل الجماع فهو جماع واقع في الصبح ، وليس بلازم للجماع كالجنابة ، وخالف في ذلك بعضهم ومنع الصحة زاعماً أن الغاية متعلقة بما عندها ، واحتج بآثار صح لدى المحدثين خلافها .

واستدل بها أيضاً على جواز الأكل مثلاً لمن شك في طلوع الفجر لأنه تعالى أباح ما أباح مغيا بتبينه ولا تبين مع الشك خلافاً لمالك ومجاهد بها على عدم القضاء والحال هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر لأنه أكل في وقت أذن له فيه ، وعن سعيد بن منصور مثله وليس بالمنصور والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم على أن أول النهار الشرعي طلوع الفجر فلا يجوز فعل شيء من المحظورات بعده وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى ، فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر ، وكذا الإمامية وحمل { مِنَ الفجر } على التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه والذي دعاه لذلك خبر «صلاة النهار عجماء » وصلاة الفجر ليست بها فهي في الليل ، وأيده بعضهم بأن شوب الظلمة بالضياء كما أنه لم يمنع من الليليلة بعد غروب الشمس ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها وتساوي طرفي الشيء مما يستحسن في الحكمة وإلى البدء يكون العود ، وفيه أن النهار في الخبر بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون بالمعنى العرفي ولو أراده سبحانه وتعالى في هذا الحكم لقال : وكلوا واشربوا إلى النهار ثُمَّ أَتمُّواْ الصيام إلَى الليل . مع أنه أخصر وأوفق مما عدل إليه فحيث لم يفعل فهم أن الأمر مربوط بالفجر لا بطلوع الشمس سواء عد ذلك نهاراً أم لا ، وما ذكر من استحسان تساوي طرفي الشيء مع كونه مما لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا الباب يمكن معارضته بأن جعل أول النهار كأول الليل وهما متقابلان مما يدل على عظم قدرة الصانع الحكيم وإلى الانتهاء غاية الإتمام ، ويجوز أن يكون حالاً من الصيام فيتعلق بمحذوف ولا يجوز جعله غاية للإيجاب لعدم امتداده ، وعلى التقديرين تدل الآية على نفي كون الليل محل الصوم وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة ، وقد استنبط النبي صلى الله عليه وسلم منها حرمة الوصال كما قيل ، فقد روى أحمد من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال : يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى ، وأتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فافطروا ، ولا تدل الآية على أن لا يجوز الصوم حتى يتخلل الإفطار خلافاً لزاعمه ، / نعم استدل بها على صحة نية رمضان في النهار ، وتقرير ذلك أن قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ معطوف على قوله : { باشروهن } إلى قوله سبحانه : { حتى يَتَبَيَّنَ } وكلمة { ثُمَّ } للتراخي والتعقيب بمهلة واللام في ( الصيام ) للعهد على ما هو الأصل ، فيكون مفاد { ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ الأمر بإتمام الصيام المعهود أي الإمساك المدلول عليه بالغاية سواء فسر بإتيانه تاماً ، أو بتصييره كذلك متراخياً عن الأمور المذكورة المنقضية بطلوع الفجر تحقيقاً لمعنى ( ثم ) فصارت نية الصوم بعد مضي جزء من الفجر لأن قصد الفعل إنما يلزمنا حين توجه الخطاب ، وتوجهه بالإتمام بعد الفجر لأنه بعد الجزء الذي هو غاية لانقضاء الليل تحقيقاً لمعنى التراخي ، والليل لا ينقضي إلا متصلاً بجزء من الفجر ، فتكون النية بعد مضي جزء الفجر الذي به انقطع الليل ، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية ، فإن قيل : لو كان كذلك وجب وجوب النية بعد المضي ، أجيب بأن ترك ذلك بالإجماع ، وبأن إعمال الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما ، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملاً بالآية بطل العمل بخبر «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل » ولو قلنا باشتراط النية قبله عملاً بالخبر بطل العمل بالآية ، فقلنا بالجواز عملاً بهما ، فإن قيل : مقتضى الآية على ما ذكر الوجوب وخبر الواحد لا يعارضها ، أجيب بأنها متروكة الظاهر بالإجماع فلم تبق قاطعة فيجوز أن يكون الخبر بياناً لها ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر ، ولعل ما ذكرناه أقل مؤنة فتدبر .

وزعم بعض الشافعية أن الآية تدل على وجوب التبييت ، لأن معنى { ثُمَّ أَتِمُّواْ } صيروه تاماً بعد الانفجار ، وهو يقتضي الشروع فيه قبله وما ذاك إلا بالنية إذ لا وجوب للإمساك قبل ، ولا يخفى ما فيه .

{ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } أي معتكفون فيها والاعتكاف في اللغة الاحتباس واللزوم مطلقاً ، ومنه قوله :

فباتت بنات الليل حولي عكفاً *** عكوف بواكي حولهن صريع

وفي الشرع لبث مخصوص ، والنهي عطف على أول الأوامر والمباشرة فيه كالمباشرة فيه وقد تقدم أن المراد بها الجماع ، إلا أنه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقبلة وغيرهما بخلاف النهي فإنه لا يستلزم النهي عن الجماع النهي عنهما ، فهما إما مباحان اتفاقاً بأن يكونا بغير شهوة ، وإما حرامان بأن يكونا بها يبطل الاعتكاف ما لم ينزل وصحح معظم أصحاب الشافعي البطلان وقيل : المراد من المباشرة ملاقاة البشرتين ، ففي الآية منع عن مطلق المباشرة وليس بشيء فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترجل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، وفي تقييد الاعتكاف بالمساجد دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت وهو باطل بالإجماع ويختص بالمسجد الجامع عند الزهري ، وروي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه مختص بمسجد له إمام ومؤذن راتب ، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه : يختص بالمساجد الثلاث ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه لا يجوز إلا في المسجد الحرام ، وعن ابن المسيب لا يجوز إلا فيه أو في المسجد النبوي ، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يصح في جميع المساجد مطلقاً بناءاً على عموم اللفظ وعدم اعتبار أن المطلق ينصرف إلى الكامل ، واستدل بالآية على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد بناءاً على أنها لا تدخل في خطاب الرجال ، وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف لأنه قصر الخطاب على الصائمين ، فلو لم يكن الصوم من شرطه لم يكن لذلك معنى ، وهو المروي عن نافع مولى ابن عمر ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم كما أن الصوم لا يكون كذلك والشافعي رضي الله تعالى/ عنه لا يشترط يوماً ولا صوماً ، لما أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

«ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه » ومثله عن ابن مسعود ، وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابن أبي شيبة من طريقين إحداهما : الاشتراط ، وثانيتهما : عدمه ، وعلى أن المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجاً جاز لأنه حصر المنع من المباشرة حال كونه فيه ، وأجيب بأن المعنى : لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باق ، ويؤيده ما روي عن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا عن ذلك واستدل بها أيضاً على أن الوطء يفسد الاعتكاف لأن النهي للتحريم ، وهو في العبادات يوجب الفساد ، وفيه أن المنهي عنه هنا المباشرة حال الاعتكاف وهو ليس من العبادات لا يقال : إذا وقع أمر منهي عنه في العبادة كالجماع في الاعتكاف كانت تلك العبادة منهية باعتبار اشتمالها على المنهي ومقارنتها إياه إذ يقال : فرق بين كون الشيء منهياً عنه باعتبار ما يقارنه ، وبين كون المقارن منهياً في ذلك الشيء والكلام في الأول ، وما نحن فيه من قبيل الثاني .

{ تِلْكَ } أي الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة { حُدُودَ الله } أي حاجزة بين الحق والباطل { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } كيلا يدانى الباطل ، والنهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من ( لا تعتدوها ) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح ، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح ، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت ، ولا وقوع { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة : 9 22 ] وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل ، وقيل : يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية ، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه : { وَلاَ تباشروهن } وأمثاله ، وقال أبو مسلم : معنى { لا تَقْرَبُوهَا } لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } [ الأنعام : 152 ] فيشمل جميع الأحكام ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف والقول بأن تلك إشارة إلى الأحكام والحد إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين ، فعلى الأول : يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء فإن الحكم لله تعالى عز شأنه وعلى الثاني : يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية ، فالإله يحكم والعباد تنقاد ، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه ، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى .

{ كذلك } أي مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم { يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ } إما مطلقاً أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي شرعها { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مخالفة أوامره ونواهيه ، والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل تقواكم .

( ومن باب الإشارة ) :ولما كان للإنسان تلونات بحسب اختلاف الأسماء فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية ، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً بمقتضى الحكمة إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذا وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك الإمساك أباح له التنزل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس وهو الرفث إلى النساء وعلله بقوله سبحانه : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } أي لا صبر لكم عنها بمقتضى الطبيعة لكونها تلابسكم وكونكم تلابسونهن بالتعلق الضروري { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } وتنقصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ الفانية في أزمنة السلوك والرياضة { فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالآن } أي وقت الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء { باشروهن } بقدر الحاجة الضرورية { وابتغوا } بقوة هذه المباشرة { مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } من التقوى والتمكن على توفير حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية { وَكُلُواْ واشربوا } [ البقرة : 781 ] في ليالي الصحو حتى يظهر لكم بوادر الحضور ولوامعه وتغلب آثاره وأنواره على سواد الغفلة وظلمتها ثم كونوا على الإمساك الحقيقي بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى فإن لكل حاضر سهماً منها ولولا ذلك لتعطلت مصالح المعاش ، وإليه الإشارة بخبر «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولي وقت مع حفصة وزينب » ، ولا تقاربوهن حال اعتكافكم وحضوركم في مقامات القربة والأنس ومساجد القلوب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفت إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } ( أحل ) فعل ماضي مبني للمجهول . ليلة منصوب على الظرفية الزمانية والصيام مضاف إليه . ( الرفث ) نائب فاعل مرفوع .

كان في ابتداء الإسلام إذا حل شهر الصيام فإنه يحل للمسلم الأكل والشرب والجماع بعد الغروب حتى صلاة العشاء أو النوم ، فإذا صلى العشاء أو نام- قل النوم أو كثر- فإنه ليس له بعد ذلك أن يأكل أو يشرب أو يواطئ ، بل يظل ممسكا بقية ليلته والنهار حتى المغرب . وذلك فيه من المشقة ما هو معلوم وما يضيق به كثير من الناس .

ونعرض الآن لما ورد من سبب في نزول هذه الآية ، فإن الكشف عن السبب يزيد كم بيان المقصود . فقد ذكر عن البراء بن عازب قال : كان أصحاب النبي ( ص ) إذا كان الرجل صائما ، فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها ، وأن قسي بن صرمة الأنصاري كان صائما وكان يومه ذلك يعمل في أرضه ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال " هل عندك طعام ؟ قال : لا ولكن أنطلق فأطلب لك . فغلبته عينه ، فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت : خيبة لك أنمت ؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ( ص ) فنزلت هذه الآية . ففرح المسلمون بها فرحا شديدا .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : إن الناس كانوا من قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء ، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة ، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله ، ثم جاء إلى النبي ( ص ) ، فقال : أشكوا إلى الله وإليك الذي صنعت . قال : " وما صنعت " قال : إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعدما نمت وأنا أريد الصوم ، فزعموا أن النبي ( ص ) قال : " ما كدت خلقا أن تفعل " فنزل قوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) والرفث هو معناه الجماع . فقد رخص الله للمسلمين في هذه الآية الأكل والشرب والجماع طيلة الليل بدءا بالمغرب حتى مطلع الفجر{[245]} .

وقوله : ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) ( هن ) ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ( لباس ) خبر . ذلك تعبير رباني كريم غاية في التصوير الموحي الذي يعبر عن امتزاج الجسدين امتزاجا مباشرا ، كأنما الواحد منهما لباس يلتصق به الآخر ويستتر به . وهو التصادق مادي ومعنوي وثيق يكشف عن عمق المودة والانسجام والتلاحم بين الزوجين .

وقوله : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ) ( تختانون أنفسكم ) أي تخونون أنفسكم بإيقاعها في المحظور وهو الجماع بعد صلاة العشاء أو بعد النوم قبيل العشاء في رمضان . وتلك خيانة من المسلم لنفسه ؛ إذ يوقعها في ما حرمه الله . وهي خيانة للنفس أساسها طبيعة الضعف في هذه النفس ؛ إذ يوقعها في ما حرمه الله . وهي خيانة للنفس أساسها طبيعة الضعف في هذه النفس التي تجنح للشهوة الغلابة ، وتضيق بما يصدها عن ممارسة ذلك ، فلا يتيح لها من فرص الإشباع بما فيه الكفاية لكن جل وعلا امتن بالتوبة والعفو عن عباده الذين اختانوا أنفسهم ، ورخص لهم بالجماع بعد العشاء وكذلك الأكل والشرب .

قوله : ( فالآن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ) المراد بالمباشرة الجماع

فقد أباح الله لعباده المواقعة في الليل من رمضان ما بين الغروب والفجر ، وأن يطلبوا ما كتب الله لهم والمراد به الولد المتحصل بعد الجماع . وقيل : المقصود بما كتب الله لهم ما أباحه لهم من الجماع في الليل من رمضان . وقيل غير ذلك .

وقوله : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) أباح الله للمسلم التمتع بالأكل والشرب طيلة الليل إلى أن يستبين له بياض النهار من سواد الليل . وجاء التعبير في الآية عن ذلك بالخيط الأبيض والخيط الأسود . ولا ينبغي أن يفهم النص على ظاهره فيوعى وعيا حرفيا كما وعاه بعض الناس إذ وهموا أن المراد بالخيط هو الحبل الدقيق المعروف ؛ بل إن المقصود بالخيط الأبيض بياض النهار إذا انفجر ولاح ضوءه في الأفق . وأما الخيط الأسود فهو سواد الليل يغشى السماء . ومما يزيل اللبس والإبهام هنا قوله : ( من الفجر ) فذلك تبيين للمقصود من الخيط الأبيض والخيط الأسود . فليس المقصود من ذلك الحبل الدقيق كالعقال ونحوه وإنما النهار بضيائه والليل بسواده هما المقصودان .

فقد حدث الإمام أحمد بإسناده عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والأخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر إليهما ، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ( ص ) فأخبرته بالذي صنعت فقال : " إن وسادك إذا لعريض ، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل " وبذلك فإنه مباح للمسلم أن يأكل ويشرب ويواقع طيلة الليل حتى الفجر .

وهنا يرد الكلام عن أكلة السحور وهو ما كان قبيل الفجر بزمن قصير . والسحور مستحب شرعا للمؤمن ، فقد ندب إليه النبي ( ص ) ؛ لما فيه من تقوية للبدن على الإمساك طوال النهار ، ولما فيه كذلك من صحوة في الليل ترافقها صحوة للحس والقلب والذهن في فترة ساكنة هادئة من الليل . وهي فترة تحلو فيها اليقظة وتنبعث فيها النفس ناشطة بعد رقاد ، إنها فترة السحر الوادع الذي تجد فيه الروح وأشواقها ، فتفيض على الحياة والواقع بنسائم الأمن والراحة والإحساس بالطمأنينة الكاملة والحبور الغامر ، هي فترى السحور التي يسن فيها الأكل شرعا ؛ لما فيها من بركة ، فهي بركة الطعام الذي يغدو البدن بطاقة الاقتدار والاحتمال ، وبركة اليقظة التي تفيق فيها الروح بعد سهادٍ راقد لتعيش فترة وجيزة من الزمن حافلة بالرضا والسكينة .

وفي السحور يقول النبي ( ص ) في رواية الصحيحين عن أنس : " تسحروا فإن في السحور بركة " . وروى مسلم عن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله ( ص ) : " إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور " .

وفي حديث آخر لأبي سعيد قال : قال رسول الله ( ص ) : " السحور أكله بركة فلا تدعوه ، ولو أن أحدكم تجرع جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسرحين " .

ويستحب للمتسحرين تأخير السحور إلى قبيل الفجر بمدة وجيزة من الزمن مقدرة بتلاوة خمسين آية القرآن . فقد جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال : تسحرنا مع رسول الله ( ص ) ثم قمنا إلى الصلاة . قال أنس : قلت ليزيد : كم كان بين الأذان والسحور ؟ قال قدر خمسين آية .

وفي حديث للإمام أحمد عن أبي ذر قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور " .

وجدير بالبيان هنا أن الفجر فجران . أولهما : ما كان ضياء ساطعا على هيئة بياض مستطيل في الأفق لا يلبث أن يزول لتعقبه ظلمة .

وثانيهما : ما جاء عقيب الفجر الأول وكان ضوءه منتشرا ، وهو إيذان بطلوع النهار . ومن أجل ذلك ينادي المؤذن بأذانين .

والأذان الأول منهما إنما هو لإيقاظ النائم وتذكير الساهي وإرجاع القائم . أما الثاني فهو الفجر المقصود الذي يجب معه الإمساك . يقول الرسول ( ص ) : " الفجر فجران ، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا ، وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يُحل الصلاة ويُحرم الطعام .

وقد ورد في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم ؛ فإنه ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " .

وعنه ( ص ) قال : " لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره- أو قال نداء- بلال ؛ فإن بلالا يؤذن بليل أو قال : ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم " .

وفيما رواه مسلم عن إسماعيل بن إبراهيم أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يغرنكم أذات بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير " وفي رواية أخرى عنه ( ص ) : " ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر " .

يؤخذ من هذه الأدلة أن ما تعورف عليه من أذان الإمساك في هذه الأيام والذي يسبق أذان الفجر لا يَصْدق عليه هذا الاسم . فإن أذان الإمساك في هذه الأيام هو في حقيقته مرادف لأذان بلال عندما كان يؤذن بليل لإيقاظ النائم وتحذير الساهي وإرجاع القائم . فإنه بعد هذا الأذان لا ينبغي الإمساك عن طعام أو شراب أو جماع ، بل إن ذلك كله مباح حتى يحين وقت الأذان الثاني وهو أذان الفجر الذي يسبق طلوع النهار .

ومما يتبع ذلك من مسائل أن من أصبح جنبا في رمضان فلا حرج عليه . وعليه أن يغتسل نهارا . فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة- رضي الله عنهما- أنهما قالتا : كان رسول الله ( ص ) يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم .

وأما الحائض أو النفساء فليس لها أن تصوم ، بل إن إفطارها واجب حتى وإن جاءها المخاض أو الحيضة قبيل الغروب بزمن قصير ، وعليها القضاء بعدة أيام أخر خارج شهر رمضان ، أما الصلاة فلا قضاء فيها تخفيفا من الله ورحمة ، فلا تقضي المرأة الحائض ولا النفساء ما فاتها من صلوات بسبب الحيض أو النفاس{[246]} .

وفيما يتعلق بالنية فإن تبييتها في الصوم من قبل الفجر واجب ؛ ذلك أن الصيام ضرب من العبادة التي لا تتم إلا بالنية . وهي غير النية ليست إلا عملا من الأعمال العادية التي لا يَصدق عليها اسم العبادة المراد بها وجه الله . فقد روى الدارقطني عن السيدة عائشة عن النبي ( ص ) قال : " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " .

وروى الدارقطني عن حفصة أن النبي ( ص ) قال : " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " ذلك الذي ذهب إليه جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة إذ قال : لا يشترط تبييت النية قبل الفجر . وقول الجمهور هو الراجح والمعتمد{[247]} .

وقوله : ( ثم أتمموا الصيام إلى الليل ) فرض على الصائم أن يظل ممسكا عن الجماع وعن كل ما يلج الجوف طيلة النهار حتى تغرب الشمس ، وبذلك فمجال الصيام من حيث الزمن ما بين الفجر والغروب ، فإذا غربت الشمس أفطر الصائم ولا مساغ حينئذ للتأخير . وقد جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله ( ص ) : " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم " .

والحكم بإتمام الصيام إلى الليل يستلزم الحديث عن الوصال في الصيام . وهو أن يصل الصائم يوما بيوم يليه من غير أن يأكل أو يشرب بينهما شيئا ، وذلك أمر منهي عنه شرعا ؛ لما فيها من ضرر يلحق بصحة البدن أو احتمال الهلاك من طول الإمساك عما يسد الرمق .

وقد جاء في الحديث مما رواه أحمد عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا تواصلوا " قالوا : " يا رسول الله ! إنك تواصل ، قال : " فإني ليست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " قال : فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي ( ص ) يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال : " لو تأخر الهلال لزدتكم " كالمنكل لهم .

وعن عائشة رضي الله عنهما قالت : نهى رسول الله ( ص ) عن الوصال رحمة لهم فقالوا : إنك تواصل . قال : " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني " وبذلك فإن وصال النبي ( ص ) في الصيام كان من خصوصياته وهو مقتدر على ذلك ومعان عليه ، أما إطعامه عليه السلام وسقيه فما كان حقيقيا حسيا وإنما كان معنويا روحيا .

ولا نستطيع في هذا المجال من التفسير أن نفيض من الأحكام والمسائل الفقهية بأكثر من ذلك . وعلى المستزيد أني عود لذلك في مظانة من كتب الفقه على اختلاف مذاهبه .

وقوله : ( ولا تبشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) ( وأنتم ) ، الواو للحال . أنتم في محل رفع مبدأ . ( عاكفون ) خبر مرفوع . والجملة الإسمية في محل نصب للحال . وعاكفون من الاسم الاعتكاف وهو لغة الاحتباس والملازمة ، ومنه الفعل عكف يعكف . عكف على الشيء الاعتكاف وهو لغة الاحتباس والملازمة ، ومنه الفعل عكف يعكف . عكف على الشيء بمعنى أقبل عليه مواضبا{[248]} يقول الله سبحانه في آية أخرى : ( يعطفون على أصنام لهم ) .

والاعتكاف في الشرع هو كما عرفه القرطبي في تفسيره : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص .

في هذه الآية نهى الله عن الجماع في فترة الاعتكاف . ومن أتى الجماع حال اعتكافه فسد اعتكافه ، حتى إن أفعالا دون النكاح كالتقبيل وغيره حين الاعتكاف مكروه شرعا .

على أن الاعتكاف ركنه ملازمة العبادة والمواظبة في مدة مخصوصة . وليس ذلك واجبا على المسلم ولكنه نافلة من النوافل يتقرب بها المرء إلى ربه مثلما كان النبي ( ص ) والصحابة والتابعون من بعده يفعلون .

أما وقت الاعتكاف ومكانه ، فإنه يستحب أن يكون في رمضان خصوصا العشر الأواخر منه ، كما كان يفعل الرسول ( ص ) ، واستحبابه في رمضان يستأنس له بذكر الاعتكاف في آية الصيام ، مع أنه يجوز للمسلم أن يعتكف في أي وقت من السنة .

وأما مكان الاعتكاف فقد أجمع العلماء على اشتراطه في المساجد ، لكنهم اختلفوا في حقيقة هذه المساجد المذكور في الآية ( عاكفون في المساجد ) فقد قيل إنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة . وذهب آخرون إلى جواز الاعتكاف في كل مسجد . وه الراجح لدليلين : أولهما : أن المساجد في الآية ذكرت على سبيل العموم ولم يخصصها شيء وثانيهما : ما روي عن النبي ( ص ) قوله في هذا الصدد : " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " .

وأما الاعتكاف من حيث مدته فقد اختلفوا : إذ ذهب الإمامان مالك وأبو حنيفة إلى أن أقل مدته يوم وليلة ، وقال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره ، وهو ما نرجحه ؛ ذلك أن الآية جاءت بصيغة العموم فلم تحدد الاعتكاف بمدة لأقله أو أكثره .

واشترط فريق من أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد في أحد قوليه ؛ الصوم لصحة الاعتكاف ، فلا بد للمعتكف أن يصوم نهاره حال اعتكافه ، واستدلوا على ذلك بالظاهر من النص الكريم ؛ إذ ذكر الاعتكاف عقيب التكليف بالصوم . واستدلوا كذلك بما روي عن السيدة عائشة أن النبي ( ص ) قال : " لا اعتكاف إلا بصيام " وذهب آخرون وفيهم الشافعي وداود الظاهري وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف . واحتجوا لذلك بأن النبي ( ص ) كان قد اعتكف في رمضان ، ولا يمكن أن يكون صوم رمضان لرمضان وغيره . حتى إن المعتكف في رمضان بصوم التطوع والفرض معا يفسد صومه لجمعه في النية بين فعلين . وذلك ما قاله الإمام مالك .

ويظهر لنا من ذلك أن اشتراط الصوم للاعتكاف هو الصحيح استنادا إلى الحديث : " لا اعتكاف إلا بصيام " والله تعالى أعلم{[249]} .

وقوله : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . ( حدود الله ) خبر . ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة . وحدود مفردها حد وهو المنع . والحدود هي الموانع أو الحواجز التي لا ينبغي أن يتجاوزها أحد ؛ لما في ذلك من معصية وعدوان .

والمراد بحدود الله في الآية أحكامه التي بينها فليس لأحد أن يقربها . أي يتعداها ويتجاوزها بالانتهاك والعصيان .

وقوله : ( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) أي مثلما بين الله في الآية هنا الصيام وأحكامه وما تبع ذلك من تشريع للاعتكاف ، فإنه سبحانه يبين للناس في آياته الكريمة سائر الأحكام ليكون في ذلك الهداية لهم وما يجعلهم على صراط الله المستقيم ومنهجه الكامل القويم .


[245]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 30.
[246]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 222 والمهذب للشيرازي جـ 1 ص 177.
[247]:- المغني جـ 3 ص 91 وبداية المجتهد جـ 1 ص 248.
[248]:- مختار الصحاح ص 449.
[249]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 333 وتفسير الطبري جـ 2 ص 105 والمهذب جـ 1 ص 191.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

{ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]. 77م-... قال مالك: ولا ينبغي أن يدخل الرجل في شيء من الأعمال الصالحة: الصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه هذا من الأعمال الصالحة التي يتطوع بها الناس فيقطعه حتى يتمه على سنته: إذا كبر لم ينصرف حتى يصلي ركعتين وإذا صام لم يفطر حتى يتم صوم يومه وإذا أهل لم يرجع حتى يتم حجه، وإذا دخل في الطواف لم يقطعه حتى يتم سبوعه، ولا ينبغي أن يترك شيئا من هذا إذا دخل فيه حتى يقضيه إلا من أمر يعرض له مما يعرض للناس من الأسقام التي يعذرون بها والأمور التي يعذرون بها وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} فعليه إتمام الصيام كما قال الله. وقال الله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} فلو أن رجلا أهل بالحج تطوعا وقد قضى الفريضة لم يكن له أن يترك الحج بعد أن دخل فيه ويرجع حلالا من الطريق، وكل أحد دخل في نافلة فعليه إتمامها إذا دخل فيها كما يتم الفريضة، وهذا أحسن ما سمعت.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{أُحِلّ لَكُمْ}: أطلق لكم وأبيح . {لَيْلَةَ الصّيَامِ}: في ليلة الصيام. فأما {الرفث}: فأنه كناية عن الجماع في هذا الموضع...

{هُنّ لِباسٌ لَكُمْ وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنّ}: نساؤكم لباس لكم، وأنتم لباس لهنّ. فإن قال قائل: وكيف يكون نساؤنا لباسا لنا ونحن لهن لباسا واللباس إنما هو ما لبس؟ قيل: لذلك وجهان من المعاني:

أحدهما أن يكون كل واحد منهما جُعل لصاحبه لباسا، لتخرجهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما هو لباس لصاحبه،

والوجه الاَخر أن يكون جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسا لأنه سَكَنٌ له، كما قال جل ثناؤه: {جَعَلَ لَكُمُ اللّيْلَ لِباسا} يعني بذلك سكنا تسكنون فيه. وكذلك زوجة الرجل سكنه يسكن إليها، كما قال تعالى ذكره: {وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْهَا} فيكون كل واحد منهما لباسا لصاحبه، بمعنى سكونه إليه، وبذلك كان مجاهد وغيره يقولون في ذلك.

وقد يقال لما ستر الشيء وواراه عن أبصار الناظرين إليه هو لباسه وغشاؤه، فجائز أن يكون قيل: هن لباس لكم، وأنتم لباس لهنّ، بمعنى أن كل واحد منكم ستر لصاحبه فيما يكون بينكم من الجماع عن أبصار سائر الناس...

{عَلِمَ اللّهُ أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فالاَنَ باشِرُوهُنّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} إن قال لنا قائل: وما هذه الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم التي تاب الله منها عليهم فعفا عنهم؟ قيل: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين: أحدهما جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراما ذلك عليهم... عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، فلما دخل رمضان كانوا يصومون، فإذا لم يأكل الرجل عند فطره حتى ينام لم يأكل إلى مثلها، وإن نام أو نامت امرأته لم يكن له أن يأتيها إلى مثلها. فجاء شيخ من الأنصار يقال له صرمة بن مالك، فقال لأهله: أطعموني فقالت: حتى أجعل لك شيئا سخنا، قال: فغلبته عينه فنام. ثم جاء عمر فقالت له امرأته: إني قد نمت فلم يعذرها وظن أنها تعتلّ فواقعها. فبات هذا وهذا يتقلبان ليلتهما ظهرا وبطنا، فأنزل الله في ذلك: {وكُلُوا واشْرَبُوا حتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنِ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْر} وقال: {فَالاَنَ باشِرُوهُنّ} فعفا الله عن ذلك. وكانت سنة... عن البراء، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، وكان توجه ذلك اليوم فعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندكم طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته قالت: قد نمت فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيه هذه الآية: {أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيامِ الرّفَثُ إلى نِسائِكُمْ} إلى: مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ ففرحوا بها فرحا شديدا...

فأما المباشرة في كلام العرب: فإنه ملاقاة بشرة ببشرة، وبشرة الرجل: جلدته الظاهرة. وإنما كنى الله بقوله:"فالآنَ باشِرُوهُنّ" عن الجماع: يقول: فالاَن إذ أحللت لكم الرفث إلى نسائكم فجامعوهنّ في ليالي شهر رمضان حتى يطلع الفجر، وهي تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر...

واختلفوا في تأويل قوله "وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ"؛

فقال بعضهم: الولد.

وقال بعضهم: معنى ذلك ليلة القدر.

وقال آخرون: بل معناه: ما أحلّه الله لكم ورخصه لكم.

والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره قال: وَابْتَغُوا بمعنى: اطلبوا ما كتب الله لكم، يعني الذي قضى الله تعالى لكم. وإنما يريد الله تعالى ذكره: اطلبوا الذي كتبت لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح فيطلق لكم وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه المرأة مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحلّ الله وأباحه، فهو مما كتبه له في اللوح المحفوظ.

وقد يدخل في قوله: {وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} جميع معاني الخير المطلوبة، غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: "فالاَنَ باشِرُوهنّ "بمعنى: جامعوهنّ فلأن يكون قوله: "وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ" بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهنّ من الولد والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم...

[و] اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {حَتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ}...

فقال بعضهم: يعني بقوله: الخيط الأبيض: ضوء النهار. وبقوله: الخيط الأسود: سواد الليل. فتأويله على قول قائل هذه المقالة: وكلوا بالليل في شهر صومكم، واشربوا، وباشروا نساءكم، مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده... حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن نمير وعبد الرحيم بن سليمان، عن مجالد، عن سعيد، عن عامر، عن عديّ بن حاتم، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمني الإسلام، ونعت لي الصلوات، كيف أصلي كل صلاة لوقتها، ثم قال: «إذا جَاءَ رَمَضانُ فَكُلْ واشْرَبْ حتى يَتَبَيّنَ لك الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ، ثُمّ أتِمّ الصّيَامَ إلى الليلِ»، ولم أدر ما هو، ففتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما عند الفجر، فرأيتهما سواء. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت، غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: «وَمَا مَنَعَكَ يا ابنَ حاتمٍ؟» وتبسم كأنه قد علم ما فعلت. قلت: فتلت خيطين من أبيض وأسود فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رُئي نواجذه، ثم قال: «ألَمْ أقُلْ لَكَ مِنَ الفَجْرِ؟ إنمَا هُوَ ضَوْءُ النهَارِ وَظُلْمَةُ اللّيْلِ»... وقال متأولو قول الله تعالى ذكره: "حتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسوَدِ مِنَ الفَجْرِ": أنه بياض النهار وسواد الليل، صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءه الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: الخَيْط الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع وإسماعيل بن صبيح وأبو أسامة، عن أبي هلال، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَمْنَعْكُمْ مِنَ سُحْورِكُمْ أذَانُ بِلالٍ وَلا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ».

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا معاوية بن هشام الأسدي، قال: حدثنا شعبة، عن سوادة قال: سمعت سمرة بن جندب يذكر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سمعه وهو يقول: «لا يَغُرّنّكُمْ نِدَاءُ بِلالٍ وَلا هَذَا البَياضُ حتّى يَبْدُوَ الفَجْرُ وَيَنفَجِرَ.

وقال آخرون: الخيط الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سواد الليل... عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خرجت مع حذيفة إلى المدائن في رمضان، فلما طلع الفجر، قال: هل منكم من أحد آكل أو شارب؟ قلنا: أما رجل يريد أن يصوم فلا. قال: لكني، قال: ثم سرنا حتى استبطأنا الصلاة، قال: هل منكم أحد يريد أن يتسحر؟ قال: قلنا أما من يريد الصوم فلا. قال: لكنّي، ثم نزل فتسحّر، ثم صلى... وعلة من قال هذا القول أن الوقت إنما هو النهار دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوع الشمس، كما أن آخره غروبها. قالوا: ولو كان أوله طلوع الفجر لوجب أن يكون آخره غروب الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أن آخر النهار غروب الشمس دليل واضح، على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طلوع الفجر أوضح الدليل على صحة قولنا.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، قال: قلت: تسحرتَ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: لو أشاء لأقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.

وأولى التأويلين بالآية؛ التأويل الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «الخَيْطُ الأبْيَضُ: بَياضُ النهارِ، والخَيْطُ الأسْوَدُ: سَوَادُ اللّيْلِ» وهو المعروف في كلام العرب...

وفي قوله تعالى ذكره: {وكُلُوا وَاشْرَبُوا حتّى يَتَبَيّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمّ أتمّوا الصّيَامَ إلى اللّيْلِ}،أوضح الدلالة على خطأ قول من قال: حلال الأكل والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس لأن الخيط الأبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حدّا لمن لزمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأكل والشرب والمباشرة...

وأما {الفجر}، فإنه مصدر من قول القائل: تفجر الماء يتفجر فجرا: إذا انبعث وجرى، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس فجر، لانبعاث ضوئه عليهم وتورّده عليهم بطرقهم ومحاجهم تفجر الماء المنفجر من منبعه...

وأما قوله: {ثُمّ أتِمُوا الصيّامَ إلى اللّيْلِ} فإنه تعالى ذكره حدّ الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل، كما حدّ الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل، فدل بذلك على أن لا صوم بالليل كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم، وعلى أن المواصل مجوّع نفسه في غير طاعة ربه...

فتأول الآية إذن: ثم أتموا الكفّ عما أمركم الله بالكفّ عنه، من حين يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى الليل، ثم حلّ لكم ذلك بعده إلى مثل ذلك الوقت...

"وَلا تُباشِرُوهُنّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِد": وَلا تُباشِرُوهُنّ لا تجامعوا نساءكم.

"وأنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِدِ": في حال عكوفكم في المساجد، وتلك حال حبسهم أنفسهم على عبادة الله في مساجدهم. والعكوف أصله المقام، وحبس النفس على الشيء...

وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة التي عنى الله بقوله: "وَلا تُباشِرُوهُنّ"؛

فقال بعضهم: معنى ذلك الجماع دون غيره من معاني المباشرة... عن ابن عباس في قوله: "وَلا تُباشِرُوهُنّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِدِ"؛ في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله أن ينكح النساء ليلاً ونهارا حتى يقضي اعتكافه.

وقال آخرون: معنى ذلك على جميع معاني المباشرة من لمس وقبلة وجماع... وعلة من قال هذا القول، أن الله تعالى ذكره عمّ بالنهي عن المباشرة ولم يخصص منها شيئا دون شيء فذلك على ما عمه حتى تأتي حجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرة دون مباشرة.

وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك الجماع أو ما قام مقام الجماع مما أوجب غسلاً إيجابه، وذلك أنه لا قول في ذلك إلا أحد قولين: إما من جعل حكم الآية عاما، أو جعل حكمها في خاصّ من معاني المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نساءه كن يرجلنه وهو معتكف، فلما صحّ ذلك عنه، علم أن الذي عنى به من معاني المباشرة البعض دون الجميع.

حدثنا عليّ بن شعيب، قال: حدثنا معن بن عيسى القزاز، قال: أخبرنا مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجّله».

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة أن عائشة قالت: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، وكان يُدخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأرجّله».

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدني إليّ رأسه وهو مجاور في المسجد وأنا في حجرتي وأنا حائض، فأغسله وأرجله».

فإذا كان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من غسل عائشة رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: "وَلا تُباشِروهُن وأنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِدِ" غير جميع ما لزمه اسم المباشرة وأنه معنيّ به البعض من معاني المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك، وكان مجمعا على أن الجماع مما عنى به كان واجبا تحريم الجماع على المعتكف وما أشبهه، وذلك كل ما قام في الالتذاذ مقامه من المباشرة.

"تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَقْرَبُوها": هذه الأشياء التي بينتها من الأكل والشرب والجماع في شهر رمضان نهارا في غير عذر، وجماع النساء في الاعتكاف في المساجد.

يقول: هذه الأشياء حددتها لكم، وأمرتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها وحرّمتها فيها عليكم، فلا تقربوها وابعدوا منها أن تركبوها، فتستحقوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدى حدودي وخالف أمري وركب معاصيّ.

وكان بعض أهل التأويل يقول: حدود الله: شروطه. وذلك معنى قريب من المعنى الذي قلنا، غير أن الذي قلنا في ذلك أشبه بتأويل الكلمة، وذلك أن حدّ كل شيء ما حصره من المعاني وميز بينه وبين غيره، فقوله: تِلْكَ حُدوُدُ اللّهِ من ذلك، يعني به المحارم التي ميزها من الحلال المطلق فحددها بنعوتها وصفاتها وعرّفها عباده.

وقال بعضهم: حدود الله: معاصيه.

"كَذِلَكَ يُبَيّنُ اللّهُ آياتِهِ للنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتّقُون": كما بينت لكم أيها الناس واجب فرائضي عليكم من الصوم، وعرّفتكم حدوده وأوقاته، وما عليكم منه في الحضر، وما لكم فيه في السفر والمرض، وما اللازم لكم تجنبه في حال اعتكافكم في مساجدكم، فأوضحت جميع ذلك لكم، فكذلك أبين أحكامي وحلالي وحرامي وحدودي ونهيي في كتابي وتنزيلي، وعلى لسان رسولي وصلى الله عليه وسلم للناس.

"ولَعَلَهُمْ يَتَقُونَ": أبين ذلك لهم ليتقوا محارمي ومعاصيّ، ويتجنبوا سخطي وغضبي بتركهم ركوب ما أبين لهم في آياتي أني قد حرمته عليهم، وأمرتهم بهجره وتركه.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي ما حرم، وفي تسميتها حدود الله وجهان:

أحدهما: لأن الله تعالى حدها بالذكر والبيان.

والثاني: لما أوجبه في أكثر المحرمات من الحدود.

وقوله تعالى: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} فيه وجهان:

أحدهما: يعني بآياته علامات متعبداته.

والثاني: أنه يريد بالآيات هنا الفرائض والأحكام...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

قوله {وكلوا واشربوا} إباحة للأكل والشرب.

{حتى يتبين}: يظهر، والتبين: تميز الشيء الذي يظهر للنفس على التحقيق.

{الخيط الأبيض من الخيط الأسود}: بياض الفجر من سواد الليل [و هو قول] أكثر المفسرين... وعليه جميع الفقهاء، لا خلاف فيه بين الأمة اليوم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: كيف قيل: {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} مع قوله: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله} [البقرة: 229]؟ قلت: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحدّ الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلاً عن أن يتخطاه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنّ لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصاً، لقوله: {وَلاَ تباشروهن} وهي حدود لا تقرب.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

رَوَى الْأَئِمَّةُ: الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، عَن الْبَرَاءِ: «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إذَا حَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَأَنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِّي أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ، وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَدْ نَامَ قَالَتْ: خَيْبَةً لَك؛ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ}، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فتاب عليكم}: قال الحرالي: ففيه يسر من حيث لم يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه عليهم، وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب "التائب من الذنب كمن لا ذنب له".

وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع اليمن في الطائفتين، فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله حكمها بوسيلة مخالفته، كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه، وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي لو ترك ودواعيه لاجتنبها، فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة، وإذا شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها على فعله، فتفشو فيها المخالفة لذلك، وهو من أشد الآصار التي كانت على الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها، فسارع سبحانه وتعالى لهم إلى حظ من هواهم...

[و] كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع بالحرب ويكف الجبان عنه، حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا يزعه وازع الرفق، وذلك قصد العلماء الربانيين الذين يجرون المجرب والمدرب على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه، ففيه أعظم اللطف لهذه الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس و الروم يصنعون ذلك فلا يضر ذلك أولادهم شيئاً "لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم لكونه رسولاً إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم، وما في السنة والفقه من ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على وفق ما تستقر فيه أمانتهم وتندفع عنهم خيانتهم...

فإذا حقيقة الصوم هو الصوم لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلاً ونهاراً، قال صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر "وقال صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر "وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة يقول قائلهم: أنا صائم، ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك فيقول: قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر، فأنا صائم في فضل الله مفطر في ضيافة الله، كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنُّهى بحقيقة الصوم أكثر من الاعتداد بصورة ظاهرة...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به.

{فتاب} الله {عليكم} بأن وسع لكم أمرا كان -لولا توسعته- موجبا للإثم {وعفا عنكم} ما سلف من التخون.

{فالآن} بعد هذه الرخصة والسعة من الله {باشروهن} وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك.

{وابتغوا ما كتب الله لكم} أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح.

ومما كتب الله لكم ليلة القدر، الموافقة لليالي صيام رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك.

{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه.

وفيه: دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد.

وفيه أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق.

{ثم} إذا طلع الفجر {أتموا الصيام} أي: الإمساك عن المفطرات {إلى الليل} وهو غروب الشمس ولما كان إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا يحل له ذلك، استثناه بقوله: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} أي: وأنتم متصفون بذلك، ودلت الآية على مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وانقطاعا إليه، وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد.

ويستفاد من تعريف المساجد، أنها المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس.

وفيه أن الوطء من مفسدات الاعتكاف.

{تلك} المذكورات -وهو تحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات {حدود الله} التي حدها لعباده، ونهاهم عنها، فقال: {فلا تقربوها} أبلغ من قوله:"فلا تفعلوها" لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه.

والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول الله فيها: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} فينهى عن مجاوزتها.

{كذلك} أي: بيَّن الله لعباده الأحكام السابقة أتم تبيين، وأوضحها لهم أكمل إيضاح.

{يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون} فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببا للتقوى.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والرفث مقدمات المباشرة، أو المباشرة ذاتها، وكلاهما مقصود هنا ومباح.. ولكن القرآن لا يمر على هذا المعنى دون لمسة حانية رفافة، تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقا ونداوة، وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته، وتوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}..

واللباس ساتر وواق.. وكذلك هذه الصلة بين الزوجين. تستر كلا منهما وتقيه.

والإسلام الذي يأخذ هذا الكائن الإنساني بواقعه كله، ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي، ويأخذ بيده إلى معارج الارتفاع بكليته.. [هذا هو] الإسلام وهذه نظرته يلبي دفعة اللحم والدم. وينسم عليها هذه النسمة اللطيفة، ويدثرها بها الدثار اللطيف.. في آن.. ويكشف... عن خبيئة [المشاعر]، وهو يكشف... عن رحمته بالاستجابة لهواتف [الفطرة]: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم. فتاب عليكم وعفا عنكم).. وهذه الخيانة [للأنفس] التي يحدث عنها، تتمثل في الهواتف الحبيسة، والرغبات المكبوتة؛ أو تتمثل في الفعل ذاته،

وقد ورد أن بعضهم أتاه.. وفي كلتا الحالتين لقد تاب عليهم وعفا عنهم، مذ ظهر ضعفهم وعلمه الله منهم.. فأباح لهم ما كانوا يختانون فيه أنفسهم:...

{فالآن باشروهن}.. ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تربط بالله، ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله أيضا: {وابتغوا ما كتب الله لكم}... ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء، ومن المتعة بالذرية، ثمرة المباشرة. فكلتاهما من أمر الله، ومن المتاع الذي أعطاكم إياه، ومن إباحتها وإتاحتها يباح لكم طلبها وابتغاؤها. وهي موصولة بالله فهي من عطاياه. ومن ورائها حكمة، ولها في حسابه غاية. فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد، منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط... بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما، وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما. وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى..

ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها، في حدود فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها. وهذا هو المنهج الإسلامي للتربية والاستعلاء والنماء. المنهج الخارج من يد الخالق. وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير... وكذلك تلوح التقوى غاية يبين الله آياته للناس ليبلغوها، وهي غاية كبيرة يدرك قيمتها الذين آمنوا، المخاطبون بهذا القرآن في كل حين...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

بعد أن أورد لنا الحق آداب الدعاء ومزجها وأدخلها في الصوم، يشرح لنا سبحانه آداب التعامل بين الزوجين في أثناء الصيام، ويأتي هذا التداخل والامتزاج بين الموضوعات المختلفة في القرآن لنفهم منه أن الدين وحدة متكاتفة تخاطب كل الملكات الإنسانية، ولا يريد سبحانه أن تظهر أو تطغى ملكة على ملكة أبدا...

[و] كلمة {تختانون أنفسكم)} هذه تعلمنا أن الإنسان لم يقو على الصوم كل الوقت عن شهوة الفرج، فعندما تركك تختان نفسك، ثم أنزل لك الترخيص، هنا تشعر بفضل الله عليك. إذن فبعض الرخص التي يرخص الله لعباده في التكاليف: رخصة تأتي مع التشريع، ورخصة تخفيفية تأتي بعد أن يجيء التشريع، لينبه الحق أنه لو لم يفعل ذلك لتعرضتم للخيانة والحرج {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم}...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

[والملاحظ أن التقوى ذكرت]... في أوّل آية ترتبط بأحكام الصوم ورد ذكر التقوى على أنها الهدف النهائي للصوم، وفي آخر آية أيضاً وردت عبارة (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وهذا يؤكد أن كل مناهج الإِسلام وسيلة لتربية الروح والتقوى والفضيلة والإِرادة والإِحساس بالمسؤولية...