بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي - السمرقندي  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَاءكُمْ } ، يعني الجماع . وروى بكر ، عن عبد الله المزني ، عن ابن عباس أنه قال : الغشيان واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الجماع ، ولكن الله حيي كريم يكني بما شاء . وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع امرأته بعد صلاة العشاء في شهر رمضان بعد النوم ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَا كُنْتَ جَدِيراً بذلك » فرجع مغتماً فنزلت هذه الآية : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ } ، أي رخص لكم الجماع مع نسائكم . { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ، أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن . ويقال : هن ستر لكم من النار وأنتم ستر لهن من النار . { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } ، أي تظلمون أنفسكم . قال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه . وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة ، لأن الإنسان قد اؤتمن على دينه فإذا فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه ، فقد خانه بمعصيته . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } ، أي فتجاوز عنكم { وَعَفَا عَنكُمْ } ولم يعاقبكم بما فعلتم .

{ فالآن باشروهن } ، أي جامعوهن { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } ، يعني اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد الصالح . وقال الزجاج : { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } ، أي اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به . { وَكُلُواْ واشربوا } ، نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل بالنهار ، فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئاً ، فأصبح صائماً فأجهده الصوم ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر النهار فقال له : « مَا لَكَ يَا ابْنَ قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَليحاً ؟ » فقال : ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين ، حتى أمسيت فأتيت أهلي ، فأرادت أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت علي فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الطعام والشراب ، فلم آكل فأصبحت صائماً فأمسيت وقد أجهدني الصوم . فنزلت هذه الآية { وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض } ، وهذا أمر أباحه الله وليس بأمر حتم . كقوله : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الارض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

[ الجمعة : 10 ] وكقوله : { يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله وَلاَ الشهر الحرام وَلاَ الهدى وَلاَ القلائد ولا ءَامِّينَ البيت الحرام يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ ورضوانا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ آلْعِقَابِ } [ المائدة : 2 ] . فلفظه لفظ الأمر والمراد به الإباحة . وقد أباح الله الأكل والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله : { وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الابيض مِنَ الخيط الأسود من الفجر } ، أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل .

ويقال : في الابتداء لما نزل قوله تعالى : { حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر } ، كان بعضهم يأخذ خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب ، حتى يتبين له الأسود من الأبيض . وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال : أخذت خيطين ، فجعلت أنظر إليهما ، فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فتبسم وقال : « إِنّكَ لَعَرِيضُ القَفَا ؛ إِنَّما هُوَ سَوادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ » ، فنزل قوله : { مِنَ الفجر } فارتفع الاشتباه . ثم قال تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } أي إلى أول الليل وهو غروب الشمس .

{ وَلاَ تباشروهن } ، يقول : ولا تجامعوهن { وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } ، يقول : ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها ، وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام ، فكان الرجل إذا كان معتكفاً فإذا بدا له ، خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى المسجد ، فنزلت هذه الآية : { وَلاَ تباشروهن } ، أي لا تجامعوهن ليلاً ولا نهاراً { وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد تِلْكَ حُدُودُ الله } ؛ قال الكلبي : يعني المباشرة في الاعتكاف معصية الله { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } في الاعتكاف . وقال الزجاج : الحد في اللغة هو المنع ، فكل من منع فهو حداد . ولهذا سمي حد الدار حداً ، لأنه يمنع الغير عن دخولها . { كذلك يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ } ، يعني النهي عن الجماع { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف . ويقال { تِلْكَ حُدُودُ الله } ، أي جميع ما ذكر الله تعالى من أول الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره ، ونبين لهم الآيات { لعلهم يتقون } : فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم .