روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا} (18)

{ قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ } أي المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا } أي اقبلوا إلينا أو قربوا أنفسكم إلينا ، قال ابن السائب : الآية في عبد الله بن أبي . ومعتب بن قشير . ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له : ويحك اجلس ولا تخرج ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم ، وقال قتادة : هي في المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب إلى شقيقه فوجد عنده شواء ونبيذاً فقال له : أنت ههنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف فقال : هلم إلى فقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً فقال : كذبت والذي يحلف به لأخبرنه بأمرك فذهب ليخبره صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية .

وقيل : هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة : تعالوا إلينا وكونوا معنا ، وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلوم نفاقهم عند اليهود ؛ و { قَدْ } للتحقيق أو للتقليل وهو باعتبار المتعلق ، و { مّنكُمْ } بيان للمعوقين لأصلته كما أشير إليه ، والمراد بالأخوة التشارك في الصفة وهو النفاق على القول الأول ، والكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم على القول الأخير ، والصحبة والجوار وسكنى المدينة على القول الثاني وكذا على القول الثالث فإن ذلك يجامع الأخوة في النسب ، وظاهر صيغة الجمع يقتضي أن الآية لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين القائلين ذلك والأنصار المخلصين المقول لهم ، وجواز كونها نزلت في جماعة من الأخوان في النسب مجرد احتمال وإن كان له مستند سمعي فلتحمل الأخوة عليه على الآخوة في النسب ولا ضير ، والقول بجميع الأقوال الأربعة المذكورة وحمل الأخوة على الأخوة في الدين والأخوة في الصحبة والجوار والأخوة في النسب لا يخفى حاله ، { وهلم } عند أهل الحجاز يسوي فيه بين الواحد والجماعة ، وأما عند تميم فيقال : هلم يا رجل وهلموا يا رجال ، وهو عند بعض الأئمة صوت سمي به الفعل ، واشتهر أنه يكون متعدياً كلهم شهداءكم بمعنى أحضروا أو قربوا ولازماً كهلم إلينا بناء على تفسير بأقبلوا إلينا ؛ وأما على تفسيره بقربوا أنفسكم إلينا فالظاهر أنه متعد حذف مفعوله ، وجوز كونه لازماً وهذا تفسير لحاصل المعنى .

وفي «البحر » أن الذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً وإنما هو مركبك اختلف في أصل تركيبه فقيل : مركب من ها التي للتنبيه والميم بمعنى اقصد وأقيل وهو مذهب البصريين ، وقيل : من هل وأم ، والكلام على المختار من ذلك مبسوط في محله .

{ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس } أي الحرب والقتال وأصل معناه الشدة { إِلاَّ قَلِيلاً } أي إتياناً أو زماناً قليلا فقد كانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بداً من إتيانه فيأتون ليرى الناس وجوههم فإذا غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم ، ويجوز أن يكون صفة مفعول مقدر كما كان صفة المصدر أو الزمان أي إلا بأساً قليلاً على أنهم يعتذرون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل ، وإتيان البأس على هذه الأوجه على ظاهره ، ويجوز أن يكون كناية عن القتال ، والمعنى ولا يقاتلون إلا قتالاً قليلاً كقوله تعالى : { وَمَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } [ الأحزاب : 20 ] وقلته إما لقصر زمانه وإما لقلة غنائه ، وأياً ما كان فالجملة حال من { القائلين } وقيل : يجوز أيضاً أن تكون عطف بيان على { بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ } وهو كما ترى ، وقيل : هي من مقول القول وضمير الجمع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلاً ، وهذا القول خلاف المتبادر وكأنه ذهب إليه من قال إن الآية في اليهود .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا} (18)

قوله تعالى : { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 18 ) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }

ذلك إخبار من الله عن إحاطة علمه بالمعوِّقين الذين يصدون الناس عن دين الله ويصرفونهم عن شهود القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

نقول : عاقه عوقا وعوَّقه ، أي منعه{[3709]} فهؤلاء منافقون مثبّطون كانوا يصدون الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكرِّهون إليهم متابعته في قتال المشركين ، ويخذِّلونهم عن الإسلام وأهله تخذيلا .

قوله : { وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } { هَلُمَّ } ، بمعنى أقبل . وها ، للتنبيه ، ضُمت إليها لمَّ ، ثم حذفت الألف استخفافا وبنيت على الفتح ؛ أي تعالوا إلينا وفارقوا محمدا ودعوه وشأنه ولا تشهدوا نعه قتالا أو حربا فإنا نخشى عليكم الهلاك بهلاكه .

قوله : { وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لا يشهدون الحرب أو القتال إلا تعذيرا أو رياء وسمعة .

على أن الذين قالوا لإخوانهم { هَلُمَّ إِلَيْنَا } هم المنافقون ؛ إذ قالوا للمسلمين – على سبيل التخذيل والتثبيط – ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس – أي قلة يشبعهم رأس واحد فهو والذين معه هلكى ، فهلم إلينا . وقيل : قائل ذلك يهود بني قريظة . فقد قالوا لإخوانهم المنافقين – على سبيل الترويع – هلم إلينا . أي أقبلوا إلينا ودعوا محمد وأصحابه فإنهم هالكون ، ولئن ظفر بهم أبو سفيان فلن يبقي منهم أحدا .

وقيل : هذا يوم الأحزاب إذ انصرف رجل مؤمن من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه شواء ونبيذ ، فقال له : أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف . فقال : هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك – أي قد أحبط بك وبصاحبك . فقال له أخوه : كذبت أما والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك . وذهب إليه ليخبره فوجده قد نزل عليه جبريل عليه السلام بقوله : { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } الآية .


[3709]:المصباح المنير ج 2 ص 89