روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا} (164)

{ وَرُسُلاً } نصب بمضمر أي أرسلنا رسلاً ؛ والقرينة عليه قوله سبحانه : { أَوْحَيْنَا } [ النساء : 163 ] السابق لاستلزامه الإرسال ، وهو معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه ، وقيل : القرينة قوله تعالى : { قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ } لا أنه منصوب بقصصنا بحذف مضاف أي قصصنا أخبار رسل ، ولا أنه منصوب بنزع الخافض أي كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل كما قيل لخلوه عما في الوجه الأول من تحقيق المماثلة بين شأنه صلى الله عليه وسلم وبين شؤون من يعترفون بنبوته من الأنبياء عليهم السلام في مطلق الإيحاء ، ثم في إيتاء الكتاب ، ثم في الإرسال ، فإن قوله سبحانه : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ النساء : 163 ] منتظم لمعنى { ءاتيناك } [ طه : 99 ] و { أرسلناك } [ البقرة : 119 ] حتماً فكأنه قيل : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى فلان وفلان ، وآتيناك مثل ما آتينا فلاناً ، وأرسلناك مثل ما أرسلنا الرسل الذي قصصناهم وغيرهم ولا تفاوت بينك وبينهم في حقيقة الإيحاء والإرسال فما للكفرة يسألونك شيئاً لم يعطه أحد من هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام ؟ ومعنى قصهم عليه عليه الصلاة والسلام حكاية أخبارهم له وتعريف شأنهم وأمورهم { مِن قَبْلُ } أي من قبل هذه السورة أو اليوم ، قيل : قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بمكة في سورة الأنعام ( 83 86 ) وغيرها ، وقال بعضهم : قصهم سبحانه عليه عليه الصلاة والسلام بالوحي في غير القرآن ثم قصهم عليهم بعد في القرآن .

{ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ } أي من قبل فلا تنافي الآية ما ورد في الخبر من أن الرسل ثلثمائة وثلاثة عشر ، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، وعن كعب أنهم ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لأن نفي قصهم من قبل لا يستلزم نفي قصهم مطلقاً ، فإن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام ، فيمكن أن يكون قصهم عليه صلى الله عليه وسلم بعد فعلمهم ، فأخبر بما أخبر على أن القبلية تفهم من الكلام ولو لم تكن في القابل لأن { لَمْ } في المشهور إذا دخلت على المضارع تقلب معناه للمضي على أن القص ذكر الأخبار ، ولا يلزم من نفي ذكر أخبارهم له صلى الله عليه وسلم نفي ذكر عددهم مجرداً من ذكر الأخبار والقصص ، فيمكن أن يقال : لم يذكر سبحانه له صلى الله عليه وسلم أخبارهم أصلاً لكن ذكر جل شأنه له عليه الصلاة والسلام أنهم كذا رجلاً فاندفع ما توهمه بعض المعاصرين من أن الآية نص في عدم علمه وحاشاه عليه الصلاة والسلام عدة المرسلين عليهم الصلاة والسلام فيأخذ بها ويرد الحديث وكأن الذي أوقعه في الوهم كلام بعض المحققين والأولى أن لا يقتصر على عدد الآية ، فأخطأ في الفهم ومات في ربقة التقليد نسأل الله تعالى العافية .

{ وَكَلَّمَ الله موسى } برفع الجلالة ونصب موسى ، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرآ على القلب . { تَكْلِيماً } مصدر مؤكد رافع لاحتمال المجاز على ما ذكره غير واحد ، ونظر فيه الشهاب بأنه مؤكد للفعل فيرفع المجاز عنه ، وأما رفعه المجاز عن الإسناد بأن يكون المكلم رسله من الملائكة ، كما يقال : قال الخليفة كذا إذا قاله وزيره فلا ، مع أنه أكد الفعل ، والمراد به معنى مجازي كقول هند بنت النعمان في زوجها روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان :

بكى الخز من روح وأنكر جلده *** وعجت عجيجاً من جذام المطارف

فأكدت «عجت » مع أنه مجاز لأن الثياب لا تعج ، وما نقل عن الفراء من أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر فإذا أكد به لم يكن إلا حقيقة الكلام لا يفي بالمقصود إذ نهاية ما فيه رفع المجاز عن الفعل في هذه المادة ، ولا تعرض له لرفع المجاز عن الإسناد فللخصم أن يقول : التكليم حقيقة إلا أن إسناده إلى الله تعالى مجاز ولا تقوم الآية حجة عليه إلا بنفي ذلك الاحتمال ، نعم إنها ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة والجملة إما معطوفة على قوله تعالى : { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ النساء : 163 ] عطف القصة على القصة لا على { ءاتَيْنَا } [ النساء : 163 ] وما عطف عليه ، وإما حال بتقدير قد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات ، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي وأعلاها ، وقد خص به من بين الأنبياء الذين اعترفتم بنبوتهم موسى عليه السلام ولم يقدح ذلك فيهم أصلاً فكيف يتوهم أن نزول التوراة عليه جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلاً مع ظهور حكمة ذلك .

هذا وقد تقدم لك كيفية سماع موسى عليه السلام لكلام الله عز وجل ، وقد وقع التكليم أيضاً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الإسراء مع زيادة رفعة ، بل ما من معجزة لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم مثلها مع زيادة شرف له شرفه الله تعالى ، بل ما من ذرة نور شعت في العالمين إلا تصدقت بها شمس ذاته صلى الله عليه وسلم ، ولله سبحانه در البوصيري حيث يقول :

وكل آي أتى الرسل الكرام بها *** فإنما اتصلت من نوره بهم

فصلى الله تعالى عليه وسلم تسليماً كثيراً .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا} (164)

قوله تعالى : ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ) رسلا مفعول به لفعل محذوف تقديره أرسلنا ، والقصص معناه الحديث ، فقد قص الله على نبيه أخبار الرسل من قبل ، أي من قبل الهجرة من مكة . وثمة رسل آخرون لم يحدث الله نبيه عنهم .

على أن النبيين والمرسلين كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله ، والمرسلون أخص منهم فهم أقل ، وقد ورد في ذلك روايات وأقوال شتى تتعلق بأعداد النبيين والمرسلين لكنها روايات وأقوال قابلة للنقد والتجريح وهي لا يطمئن لثبوتها وصدقها الباحث المتحقق ، فنؤثر مع ذلك ألا نركن إليها في مثل هذا المجال . لكن المرسلين الذين ذكرت أسماؤهم في القرآن أربعة وعشرون رسولا ، واختلفوا في ذا الكفل إن كان رسولا أو غيره ، والراجح أنه رسول . والأربعة والعشرون هم على النحو التالي : آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام .

والملاحظ أن عددا عظيما من المرسلين هم من بني إسرائيل بدءا بأبيهم يعقوب وانتهاء بعيسى المسيح عليهم صلاة الله وسلامه . أما العرب فلم يبعث من بينهم إلا أربعة من المرسلين وهم : هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام . وقد أورد مثل هذا أبو ذر الغفاري فيما يرويه عن النبي ( ص ) .

قوله : ( وكلم الله موسى تكليما ) تكليما مفعول مطلق منصوب ، وهو دليل تأكيد الكلام من الله لنبيه موسى عليه السلام ؛ كيلا يظن متأول أو واهم بأن الكلام لم يكن من الله على الحقيقة بل على المجاز . والمعلوم أن الفعل إذا عقبه ما يؤكده فقد أفاد أنه بعيد عن المجاز ؛ لأن المجاز مع تأكيد الفعل غير محتمل . وقد أفاد هذا النص القرآني عن عظيم المنزلة التي أنزلها الله نبيه موسى بما يكشف عن مرتبة عظيمة كريمة يحتلها موسى الكليم من بين رسل الله الطاهرين الأبرار ، أو من بين الصفوة أولي العزم من الرسل الذين يجتازون إلى السنام من طليعة البشر المؤمن المفضل . نقول ذلك في غير ما تعصب لجنس أو عرق أو قوم أو غير ذلك مما اعتاد الناس وأصحاب الملل والديانات أن يتعصبوا من أجله . وشأن المسلم وهو يكتب أو يتحدث في مسألة أو قضية أن يصدق مع الله ليكون صادقا مع نفسه والآخرين . إن شاء المسلم في ذلك ألا يجانب الصواب وألا يحابي تحت ضاغط من تعصب لجنس أو عرق أو قوم أو ملة مثلما يفعل المتعصبون والموتورون والدجاجلة من الصليبين واليهود وعبدة الأوثان .

أما التكليم من الله فلا ندري كيف يكون ولا ينسب إلى الله بعد ذلك تشبيه فإنه ( ليس كمثله شيء ) وكل الذي نستطيع أن نتصوره في تصديق ويقين أن الله جلت قدرته قد خاطب نبيه مباشرة على نحو من التكليم الإلهي والطريقة الإلهية .