{ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي أن المشركين قالوا للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى : { قُلْ } الخ . وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأصنام . وفي توجيه الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من تعظيم شأن المؤمنين أو أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي أنعبد متجاوزين عبادة الله تعالى الجامع لجميع صفات الألوهية التي من جملتها القدرة على النفع والضر ما لا يقدر على نفعنا أن عبدناه ولا على ضرنا إذا تركناه ، وأدنى مراتب المعبودية القدرة على ذلك .
وفاعل { نَدْعُواْ } وكذا ما عطف عليه من قوله سبحانه : { وَنُرَدُّ على أعقابنا } عام لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم ولغيره وليس مخصوصاً بالصديق رضي الله تعالى عنه بناء على أنه سبب النزول . وفي الآية تغليب إذ لا يتصور الرد على العقب المراد به الرجوع إلى الشرك منه صلى الله عليه وسلم . والمعنى أيليق بنا معشر المسلمين ذلك . والأعقاب جمع عقب وهو مؤخر الرجل يقال : رجع على عقبه إذا انثى راجعاً . ويكنى به كما قيل عن الذهاب من غير رؤية موضع القدم وهو ذهاب بلا علم بخلاف الذهاب مع الإقبال ؛ وقيل : الرد على الأعقاب بمعنى الرجوع إلى الضلال والجهل ، شركاً أو غيره . والجمهور على الأول . والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب كما قال شيخ الإسلام لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد تركت ونبذت وراء الظهر . وإيثار { نُرَدُّ } على نرتد لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير تصريحاً بمخالفة المضلين وقطعاً لاطماعهم الفارغة وإيذاناً بأن الارتداد من غير راد ليس في حيز الاحتمال ليحتاج إلى نفيه وإنكاره .
{ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله } أي إلى التوحيد والإسلام أو إلى سائر ما يترتب عليه الفوز في الآخرة على ما قيل . والظرف متعلق بنرد مسوق لتأكيد النكير لا لتحقيق معنى الرد وتصويره فقط وإلا لكفى أن يقال : بعد إذ اهتدينا كأنه قيل : أنرد إلى ذلك بإضلال المضل بعد إذ هدانا الله الذي لا هادي سواه . وليست الآية من باب التنازع فيما يظهر ولا أن جملة { نُرَدُّ } في موضع الحال من ضمير { *ندعو } أي ونحن نرد وجوزه أبو البقاء .
وقوله سبحانه : { الله كالذى استهوته الشياطين } نعت لمصدر محذوف أي أنرد رداً مثل رد الذي استهوته الخ .
وقدر الطبرسي «أندعو دعاء مثل دعاء الذي » الخ وليس بشيء كما لا يخفى ، وقيل : إنه في موضع الحال من فاعل { نُرَدُّ } أي أنرد على أعقابنا مشبهين بذلك . واعترضه صاحب «الفرائد » بأن حاصل الحالية أنرد في حال مشابهتنا كقولك : جاء زيد راكباً أي في حال ركوبه والرد ليس في حال المشابهة كما أن المجيء في حال الركوب .
وأجاب عنه الطيبي بأن الحال مؤكدة كقوله سبحانه : { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } [ التوبة : 25 ] فلا يلزم ذلك ، ولا يخفى أنه في حيز المنع . والاستهواء استفعال من هوى في الأرض يهوي إذا ذهب كما هو المعروف في اللغة كأنها طلبت هويه وحرصت عليه أي كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامه والقفار . والكلام من المركب العقلي أو من التمثيل حيث شبه فيه من خلص من الشرك ثم نكص على عقبيه بحال من ذهبت به الشياطين في المهمه وأضلته بعد ما كان على الجادة المستقيمة . وليس هذا مبنياً على زعمات العرب كما زعم من استهوته الشياطين . وادعى بعضهم أن استهوى من هوى بمعنى سقط يقال : هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من أعلى إلى أسفل . والمقصود «تشبيه حال هذا الضال بحال من سقط من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة لأنه في غاية الاضطراب والضعف والدهشة . ونظير ذلك قوله تعالى : { مَن يُشْرِكْ بالله * فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء } [ الحج : 31 ] وفيه بعد وإن قال الإمام : إنه أولى من المعنى الأول » مع أنه يتوقف على ورود الاستفعال من هوى بهذى المعنى ، وجوز أبو البقاء في «الذي » أن يكون مفرداً أي كالرجل أو كالفريق الذي وأن يكون جنساً . والمراد الذين . قرأ حمزة { *استهواه } بألف ممالة مع التذكير .
{ ضَلَلْنَا فِى الارض } أي جنسها . والجار متعلق باستهوته أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله أي كائناً في الأرض . وكذا قوله سبحانه : { حَيْرَانَ } حال منه أيضاً على أنها بدل من الأولى أو حال ثانية عند من يجيزها أو من «الذي » أو من المستكن في الظرف . وجوز أبو البقاء أن يكون الجار حالاً من { حَيْرَانَ } وهو ممنوع من الصرف ومؤنثه حيرى أي تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري ما يصنع .
{ لَهُ } أي للمستهوي { أصحاب } أرى رفقة { يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } أي الطريق المستقيم أطلق عليه مبالغة على حد زيد عدل والجار الأول متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً و { أصحاب } مبتدأ ، والجملة إما في محل نصب على أنها صفة لحيران أو حال من الضمير فيه أو من الضمير في الظرف أو بدل من الحال التي قبلها . وإما لا محل لها على أنها مستأنفة ، وجملة { يَدْعُونَهُ } صفة لأصحاب . وقوله سبحانه : { ائتنا } يقدر فيه قول على أنه بدل من { يَدْعُونَهُ } أو حال من فاعله .
وقيل : محكي بالدعاء لأنه بمعنى القول . وهذا مبني على الخلاف بين البصريين والكوفيين في أمثال ذلك . والمشهور التقدير أي يقول ائتنا . وفيه إشارة إلى أنهم مهتدون ثابتون على الطريق المستقيم وأن من يدعونه ليس ممن يعرف الطريق ليدعى إلى إتيانه وإنما يدرك سمت الداعي ومورد النعيق . وقرأ ابن مسعود كما رواه ابن جرير وابن الأنباري عن أبي إسحق «بيناً » على أنه حال من الهدى أي واضحاً .
{ قُلْ } لهؤلاء الكفار { إِنَّ هُدَى الله } الذي هدانا إليه وهو الإسلام { هُوَ الهدى } أي وحده كما يدل عليه تعريف الطرفين أو ضمير الفصل وما عداه ضلال محض وغي صرف . وتكرير الأمر للاعتناء بشأن المأمور به أو لأن ما سبق للزجر عن الشرك وهذا حث على الإسلام وهو توطئة لما بعده فإن اختصاص الهدى بهداه تعالى مما يوجب امتثال الأوامر بعده { وَأُمِرْنَا } عطف على { إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } داخل معه تحت القول ، واللام في قوله سبحانه : { لِنُسْلِمَ } للتعليل ومفعول { أَمْرُنَا } الثاني محذوف أي أمرنا بالإخلاص لكي ننقاد ونستسلم { لِرَبّ العالمين } ، وقيل : هي بمعنى الباء أي أمرنا بالإسلام . وتعقبه أبو حيان بأنه غريب لا تعرفه النحاة ، وقيل : زائدة أي أمرنا أن نسلم على حذف الباء ، وقال الخليل وسيبويه ومن تابعهما : الفعل في هذا وفي نحو { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } [ النساء : 26 ] مؤول بالمصدر وهو مبتدأ واللام وما بعدها خبره أي أمرنا للإسلام ، وهو نظير تسمع بالمعيدى خير من أن تراه ولا يخفى بعده . وذهب الكسائي والفراء إلى أن اللام حرف مصدري بمعنى أن بعد أردت وأمرت خاصة فكأنه قيل : وأمرنا أن نسلم ، والتعرض لوصف ربوبيته تعالى للعالمين لتعليل الأمر وتأكيد وجوب الامتثال به .
( ومن باب الإشارة ) : { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ على أعقابنا } بالشرك { بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله } إلى التوحيد الحقيقي { كالذى استهوته الشياطين } من الوهم والتخيل { فِى الارض } أي أرض الطبيعة ومهامه النفس { حَيْرَانَ } لا يدري أين يذهب { لَهُ أصحاب } من الفكر والقوى النظرية { يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } الحقيقي يقولون { ائتنا } فإن الطريق الحق عندنا وهو لا يسمع { قُلْ إِنَّ هُدَى الله } وهو طريق التوحيد { هُوَ الهدى } وغيره غيره { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } [ الأنعام : 71 ] بمحو صفاتنا
قوله تعالى : { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقبنا بعد إذ هدنا الله كالذي استهوته الشيطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العلمين ( 71 ) وأن أقيموا الصلوة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون } .
قيل : نزلت في المشركين ، إذ قالوا للمسلمين : اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد فأنزل الله هذه الآية { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } يعني أنعبد من دون الله آلهة مصطنعة اختلقتموها أنتم من أوثان وأنداد موهومة لا تضر ولا تنفع ؟ أتدعوننا أن نترك عبادة الله الأحد الصمد خالقكم وخالق كل شيء لننتكس مرتدين سفهاء عن دين الله الحق إلى شرككم وباطلكم وهوان أحلامكم ؟ !
قوله : { ونرد على أعقبنا بعد إذ هدانا الله } الأعقاب جمع عقب وهو مؤخر القدم{[1200]} والمراد بذلك الرجوع إلى الضلال والشرك والجاهلية . والتعبير بالأعقاب فيه تقبيح وإنكار للارتداد عن ملة الإسلام إلى ملل الكفر . وذلك بعد أن من الله على المؤمنين فهداهم إلى توحيد الإسلام وما يؤول إلى النجاة والفوز برضى الله ونعيمه في الآخرة .
قوله : { كالذي استهوته الشيطين في الأرض حيران } الكاف في الاسم الموصول في محل نصب نعت لمصدر محذوف . أي أنرد ردا مثل رد الذي استهوته الشياطين . وقيل : في موضع الحال ، واستهوته بمعنى هوت به إلى أسفل . وهو من الفعل هوى أي سقط ونزل من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة السحيقة من قعر الأرض . وهذا تشبيه لحال هذا المنتكس الضال بحال الساقط من العلا إلى حيث الهبوط والتردي مع السافلين .
وقيل : استهوته من الهوى والجنوح . أي أغوته وسولت له الكفر والباطل . وحيران ، منصوب على الحال . وهو من الحيرة بمعنى التردد في الأمر{[1201]} وهذه حال المنتكس الساقط الذي استزلته الشياطين فهوى من العلو حيث الهدى والإيمان ، إلى السفل حيث الضياع واليأس والاضطراب . فمن كان حاله هكذا لا جرم أنه يهيم في التردد والحيرة والجزع .
قوله : { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } قيل : نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر ، وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره أن يعرض عن الجهالة إلى الهداية وعن ظلام الباطل إلى ضياء الحق .
والمقصود أن ذلك فيمن أطاع الشيطان وعمل في حياته بالمعصية وضل عن طريق الله وله أصحاب يدعونه إلى الحق وإلى المحجة المستقيمة البيضاء ، محجة الإسلام . لكنه أبى وأعرض مستكبرا .
قوله : { قل إن هدى الله هو الهدى } هذا إعلان من الله للبشرية على أن هدى الله الذي هو دين الإسلام لهو الهدى وحده دون غيره من السبل والطرائق . فما من ملة ولا شرعة ولا منهاج غير دين الإسلام لا جرم أنه مخالف للمحجة السليمة المستقيمة ومغاير للحق الذي بينه الله للناس تفصيلا . ومن أجل ذلك أمرنا الله باتباعه دون غيره من الملل المحرفة القائمة على الإفراط والشطط . فقال سبحانه : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } أي أمرنا الله أن ننقاد له مخبتين مطيعين وأن نستسلم لأمره بالامتثال والعمل .