روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

أخرج أحمد وجماعة عن كعب بن مالك قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سمر عنده فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها فقالت : إني قد نمت فقال : ما نمت ، ثم وقع بها ؛ وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت . وفي رواية ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما هو نائم إذ سولت له نفسه فأتى أهله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله تعالى وإليك من نفسي هذه الخاطئة فإنها زينت لي فواقعت أهلي هل تجد لي من رخصة ؟ قال : لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن وأمر الله تعالى رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة فقال : { أُحِلَّ لَكُمُ } الخ وليلة الصيام الليلة التي يصبح منها صائماً فالإضافة لأدنى ملابسة ، والمراد بها الجنس وناصبها الرفث المذكور أو المحذوف الدال هو عليه بناءاً على أن المصدر لا يعمل متقدماً ، وجوز أن يكون ظرفاً لأحل لأن إحلال الرفث في ليلة الصيام وإحلال الرفث الذي فيها متلازمان ، والرفث من رفث في كلامه وأرفث وترفث أفحش وأفصح بما يكنى عنه ، والمراد به هنا الجماع لأنه لا يكاد يخلو من الإفصاح ، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أنشد وهو محرم :

وهن يمشين بنا هميسا *** إن صدق الطير ننك لميسا

فقيل له : أرفثت ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء ، فالرفث فيه يحتمل أن يكون قولاً وأن يكون فعلاً ، والأصل فيه أن يتعدى بالباء وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ولم يجعل من أول الأمر كناية عنه لأن المقصود هو/ الجماع فقصرت المسافة ، وإيثاره ههنا على ما كنى به عنه في جميع القرآن من التغشية والمباشرة واللمس والدخول ونحوها استقباحاً لما وجد منهم قبل الإباحة ، ولذا سماه اختيانا فيما بعد ، والنساء جمع نسوة فهو جمع الجمع أو جمع امرأة على غير اللفظ وإضافتها إلى ضمير المخاطبين للاختصاص إذ لا يحل الإفضاء إلا لمن اختص بالمفضي إما بتزويج أو ملك ، وقرأ عبد الله ( الرفوث ) .

{ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قاله ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق وأنشد رضي الله تعالى عنهما لما قال له : هل تعرف العرب ذلك ؟ قول الذبياني :

إذا ما الضجيع ثنى عطفه *** تثنت عليه فكانت ( لباساً )

ولما كان الرجل والمرأة يتعانقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه كل واحد بالنظر إلى صاحبه باللباس أو لأن كل واحد منهما يستر صاحبه ويمنعه عن الفجور ، وقد جاء في الخبر «من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه » والجملتان مستأنفتان استئنافاً نحوياً والبياني يأباه الذوق ، ومضمونهما بيان لسبب الحكم السابق وهو قلة الصبر عنهن كما يستفاد من الأولى ، وصعوبة اجتنابهن كما تفيده الثانية ولظهور احتياج الرجل إليهن وقلة صبره قدم الأولى ، وفي الخبر «لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ويغلبهن لئيم وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً »

{ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } جملة معترضة بين قوله تعالى : { أُحِلَّ } الخ وبين ما يتعلق به أعني { فالآن } الخ لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم قبل الإحلال ، ومعنى { عِلْمٍ } تعلق علمه ، والاختيان تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة أو الخيانة البليغة فيكون المعنى تنقصون أنفسكم تنقيصاً تاماً بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب ، ويؤول إلى معنى تظلمونها بذلك ، والمراد الاستمرار عليه فيما مضى قبل إخبارهم بالحال كما ينبئ عنه صيغتا الماضي والمضارع وهو متعلق العلم ، وما تفهمه الصيغة الأولى من تقدم كونهم على الخيانة على العلم يأبى حمله على الأزلي الذاهب إليه البعض .

{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } عطف على { عِلْمٍ } والفاء لمجرد التعقيب ، والمراد قبل توبتكم حين تبتم عن المحظور الذي ارتكبتموه { الضر عَنْكُمْ } أي محا أثره عنكم وأزال تحريمه ، وقيل : الأول لإزالة التحريم وهذا لغفران الخطيئة { فالآن } مرتب على قوله سبحانه وتعالى : { أُحِلَّ لَكُمُ } نظراً إلى ما هو المقصود من الإحلال وهو إزالة التحريم أي حين نسخ عنكم تحريم القربان وهو ليلة الصيام كما يدل عليه الغاية الآتية فإنها غاية للأوامر الأربعة التي هذا ظرفها ، والحضور المفهوم منه بالنظر إلى فعل نسخ التحريم وليس حاضراً بالنظر إلى الخطاب بقوله تعالى : { باشروهن } ، وقيل : إنه وإن كان حقيقة في الوقت الحاضر إلا أنه قد يطلق على المستقبل القريب تنزيلاً له منزلة الحاضر وهو المراد هنا أو إنه مستعمل في حقيقته والتقدير قد أبحنا لكم مباشرتهن ، وأصل المباشرة إلزاق البشرة بالبشرة وأطلقت على الجماع للزومها لها .

{ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } أي اطلبوا ما قدره الله تعالى لكم في اللوح من الولد ، وهو المروي عن ابن عباس . والضحاك .

ومجاهد . رضي الله تعالى عنهم وغيرهم . والمراد الدعاء بطلب ذلك بأن يقولوا : اللهم ارزقنا ما كتبت لنا ، وهذا لا يتوقف على أن يعلم كل واحد أنه قدر له ولد ، وقيل : المراد ما قدره لجنسكم والتعبير بما نظراً إلى الوصف كما في قوله تعالى : { والسماء وَمَا بناها } [ الشمس : 5 ] وفي الآية دلالة على أن المباشر ينبغي أن يتحرى بالنكاح حفظ النسل لا قضاء الشهوة فقط لأنه سبحانه وتعالى جعل لنا شهوة الجماع لبقاء نوعنا إلى/ غاية كما جعل لنا شهوة الطعام لبقاء أشخاصنا إلى غاية ، ومجرد قضاء الشهوة لا ينبغي أن يكون إلا للبهائم ، وجعل بعضهم هذا الطلب كناية عن النهي عن العزل ، أو عن إتيان المحاش ، وبعض فسر من أول مرة ما كتب بما سن وشرع من صب الماء في محله ، أي اطلبوا ذلك دون العزل والإتيان المذكورين والمشهور حرمتهما أما الأول : فالمذكور في الكتب فيه أنه لا يعزل الرجل عن الحرة بغير رضاها ، وعن الأمة المنكوحة بغير رضاها أو رضا سيدها على الاختلاف بين الإمام وصاحبيه ، ولا بأس بالعزل عن أمته بغير رضاها إذ لا حق لها . وأما الثاني : فسيأتي بسط الكلام فيه على أتم وجه إن شاء الله تعالى . وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه تفسير ذلك بليلة القدر . وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أيضاً وعن قتادة أن المراد : ابتغوا الرخصة التي كتب الله تعالى لكم فإن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، وعليه تكون الجملة كالتأكيد لما قبلها ، وعن عطاء أنه سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كيف تقرأ هذه الآية { ابتغوا } أو ( ابتعوا ) ؟ فقال : أيهما شئت ، وعليك بالقراءة الأولى .

{ وَكُلُواْ واشربوا } الليل كله { حتى يَتَبَيَّنَ } أي يظهر { لَكُمُ الخيط الأبيض } وهو أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره ، وحمله على الفجر الكاذب المستطيل الممتد كذنب السرحان وهم { مِنَ الخيط الأسود } وهو ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة آخر الليل { مِنَ الفجر } بيان لأول الخيطين ومنه يتبين الثاني وخصه بالبيان لأنه المقصود وقيل : بيان لهما بناءاً على أن الفجر عبارة عن مجموعهما لقول الطائي :

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه *** فهو على وزان قولك : حتى يتبين العالم من الجاهل من القوم ، وبهذا البيان خرج الخيطان عن الاستعارة إلى التشبيه لأن شرطها عندهم تناسيه بالكلية ، وادعاء أن المشبه هو المشبه به لولا القرينة والبيان ينادي على أن المراد مثل هذا الخيط وهذا الخيط إذ هما لا يحتاجان إليه ، وجوّز أن تكون { مِنْ } تبعيضية لأن ما يبدو جزء من الفجر كما أنه فجر بناءً على أنه اسم للقدر المشترك بين الكل والجزاء ، و{ مِنْ } الأولى قيل : لابتداء للغاية ، وفيه أن الفعل المتعدي بها يكون ممتداً أو أصلاً للشيء الممتد ، وعلامتها أن يحسن في مقابلتها ( إلى ) أو ما يفيد مفادها وما هنا ليس كذلك فالظاهر أنها متعلقة ب { يَتَبَيَّنَ } بتضمين معنى التميز ، والمعنى حتى يتضح لكم الفجر متميزاً عن غبش الليل ، فالغاية إباحة ما تقدم حتى يتبين أحدهما من الآخر ويميز بينهما ، ومن هذا وجه عدم الاكتفاء ب { حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ } الفجر ، أو ( يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر ) لأن تبين الفجر له مراتب كثيرة ، فيصير الحكم مجملاً محتاجاً إلى البيان ، وما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال : أنزلت { وَكُلُواْ واشربوا } الخ ولم ينزل { مِنَ الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى بعد { مِنَ الفجر } فعلموا إنما يعني الليل والنهار ، فليس فيه نص على أن الآية قبل محتاجة إلى البيان بحيث لا يفهم منها المقصود إلا به وأن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز لجواز أن يكون الخيطان مشتهرين في المراد منهما ، إلا أنه صرح بالبيان لما التبس على بعضهم ، ويؤيد ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وصف من لم يفهم المقصود من الآية قبل التصريح بالبلادة ولو كان الأمر موقوفاً على البيان لاستوى فيه الذكي البليد ، فقد أخرج سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وجماعة عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال : لما أنزلت هذه الآية/ { وَكُلُواْ واشربوا } الخ عمدت إلى عقالين أحدهما : أسود والآخر : أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالذي صنعت فقال :

" إن وسادك إذاً لعريض إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل " وفي رواية : «إنك لعريض القفا » وقيل : إن نزول الآية كان قبل دخول رمضان وهي مبهمة والبيان ضروري إلا أنه تأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة وهو لا يضر ولا يخفى ما فيه وقال أبو حيان : إن هذا من باب النسخ ، ألا ترى أن الصحابة عملوا بظاهر ما دل عليه اللفظ ثم صار مجازاً بالبيان ويرده على ما فيه أن النسخ يكون بكلام مستقل ولم يعهد نسخ هكذا .

وفي هذه الأوامر دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب بل على وقوعه بناءاً على القول بأن الحكم المنسوخ من حرمة الوقاع والأكل والشرب كانت ثابتة بالسنة ، وليس في القرآن ما يدل عليها ، و{ أَحَلَّ } أيضاً يدل على ذلك إلا أنه نسخ بلا بدل وهو مختلف فيه ، واستدل بالآية على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنباً فإن لم يصح صومه لما جازت المباشرة لأن الجنابة لازمة لها ومنافي اللازم مناف للملزوم ، ولا يرد خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل قبله لأنه إنما يفسد الصوم لكونه مكمل الجماع فهو جماع واقع في الصبح ، وليس بلازم للجماع كالجنابة ، وخالف في ذلك بعضهم ومنع الصحة زاعماً أن الغاية متعلقة بما عندها ، واحتج بآثار صح لدى المحدثين خلافها .

واستدل بها أيضاً على جواز الأكل مثلاً لمن شك في طلوع الفجر لأنه تعالى أباح ما أباح مغيا بتبينه ولا تبين مع الشك خلافاً لمالك ومجاهد بها على عدم القضاء والحال هذه إذا بان أنه أكل بعد الفجر لأنه أكل في وقت أذن له فيه ، وعن سعيد بن منصور مثله وليس بالمنصور والأئمة الأربعة رضي الله تعالى عنهم على أن أول النهار الشرعي طلوع الفجر فلا يجوز فعل شيء من المحظورات بعده وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى ، فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر ، وكذا الإمامية وحمل { مِنَ الفجر } على التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه والذي دعاه لذلك خبر «صلاة النهار عجماء » وصلاة الفجر ليست بها فهي في الليل ، وأيده بعضهم بأن شوب الظلمة بالضياء كما أنه لم يمنع من الليليلة بعد غروب الشمس ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها وتساوي طرفي الشيء مما يستحسن في الحكمة وإلى البدء يكون العود ، وفيه أن النهار في الخبر بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون بالمعنى العرفي ولو أراده سبحانه وتعالى في هذا الحكم لقال : وكلوا واشربوا إلى النهار ثُمَّ أَتمُّواْ الصيام إلَى الليل . مع أنه أخصر وأوفق مما عدل إليه فحيث لم يفعل فهم أن الأمر مربوط بالفجر لا بطلوع الشمس سواء عد ذلك نهاراً أم لا ، وما ذكر من استحسان تساوي طرفي الشيء مع كونه مما لا يسمن ولا يغني من جوع في هذا الباب يمكن معارضته بأن جعل أول النهار كأول الليل وهما متقابلان مما يدل على عظم قدرة الصانع الحكيم وإلى الانتهاء غاية الإتمام ، ويجوز أن يكون حالاً من الصيام فيتعلق بمحذوف ولا يجوز جعله غاية للإيجاب لعدم امتداده ، وعلى التقديرين تدل الآية على نفي كون الليل محل الصوم وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة ، وقد استنبط النبي صلى الله عليه وسلم منها حرمة الوصال كما قيل ، فقد روى أحمد من طريق ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت : أردت أن أصوم يومين مواصلة فمنعني بشير وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال : يفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله تعالى ، وأتموا الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فافطروا ، ولا تدل الآية على أن لا يجوز الصوم حتى يتخلل الإفطار خلافاً لزاعمه ، / نعم استدل بها على صحة نية رمضان في النهار ، وتقرير ذلك أن قوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ معطوف على قوله : { باشروهن } إلى قوله سبحانه : { حتى يَتَبَيَّنَ } وكلمة { ثُمَّ } للتراخي والتعقيب بمهلة واللام في ( الصيام ) للعهد على ما هو الأصل ، فيكون مفاد { ثُمَّ أَتِمُّواْ } الخ الأمر بإتمام الصيام المعهود أي الإمساك المدلول عليه بالغاية سواء فسر بإتيانه تاماً ، أو بتصييره كذلك متراخياً عن الأمور المذكورة المنقضية بطلوع الفجر تحقيقاً لمعنى ( ثم ) فصارت نية الصوم بعد مضي جزء من الفجر لأن قصد الفعل إنما يلزمنا حين توجه الخطاب ، وتوجهه بالإتمام بعد الفجر لأنه بعد الجزء الذي هو غاية لانقضاء الليل تحقيقاً لمعنى التراخي ، والليل لا ينقضي إلا متصلاً بجزء من الفجر ، فتكون النية بعد مضي جزء الفجر الذي به انقطع الليل ، وحصل فيه الإمساك المدلول عليه بالغاية ، فإن قيل : لو كان كذلك وجب وجوب النية بعد المضي ، أجيب بأن ترك ذلك بالإجماع ، وبأن إعمال الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما ، فلو قلنا بوجوب النية كذلك عملاً بالآية بطل العمل بخبر «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل » ولو قلنا باشتراط النية قبله عملاً بالخبر بطل العمل بالآية ، فقلنا بالجواز عملاً بهما ، فإن قيل : مقتضى الآية على ما ذكر الوجوب وخبر الواحد لا يعارضها ، أجيب بأنها متروكة الظاهر بالإجماع فلم تبق قاطعة فيجوز أن يكون الخبر بياناً لها ولبعض الأصحاب تقرير الاستدلال بوجه آخر ، ولعل ما ذكرناه أقل مؤنة فتدبر .

وزعم بعض الشافعية أن الآية تدل على وجوب التبييت ، لأن معنى { ثُمَّ أَتِمُّواْ } صيروه تاماً بعد الانفجار ، وهو يقتضي الشروع فيه قبله وما ذاك إلا بالنية إذ لا وجوب للإمساك قبل ، ولا يخفى ما فيه .

{ وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } أي معتكفون فيها والاعتكاف في اللغة الاحتباس واللزوم مطلقاً ، ومنه قوله :

فباتت بنات الليل حولي عكفاً *** عكوف بواكي حولهن صريع

وفي الشرع لبث مخصوص ، والنهي عطف على أول الأوامر والمباشرة فيه كالمباشرة فيه وقد تقدم أن المراد بها الجماع ، إلا أنه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقبلة وغيرهما بخلاف النهي فإنه لا يستلزم النهي عن الجماع النهي عنهما ، فهما إما مباحان اتفاقاً بأن يكونا بغير شهوة ، وإما حرامان بأن يكونا بها يبطل الاعتكاف ما لم ينزل وصحح معظم أصحاب الشافعي البطلان وقيل : المراد من المباشرة ملاقاة البشرتين ، ففي الآية منع عن مطلق المباشرة وليس بشيء فقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها ترجل رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، وفي تقييد الاعتكاف بالمساجد دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت وهو باطل بالإجماع ويختص بالمسجد الجامع عند الزهري ، وروي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه مختص بمسجد له إمام ومؤذن راتب ، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه : يختص بالمساجد الثلاث ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه لا يجوز إلا في المسجد الحرام ، وعن ابن المسيب لا يجوز إلا فيه أو في المسجد النبوي ، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يصح في جميع المساجد مطلقاً بناءاً على عموم اللفظ وعدم اعتبار أن المطلق ينصرف إلى الكامل ، واستدل بالآية على صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد بناءاً على أنها لا تدخل في خطاب الرجال ، وعلى اشتراط الصوم في الاعتكاف لأنه قصر الخطاب على الصائمين ، فلو لم يكن الصوم من شرطه لم يكن لذلك معنى ، وهو المروي عن نافع مولى ابن عمر ، وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم كما أن الصوم لا يكون كذلك والشافعي رضي الله تعالى/ عنه لا يشترط يوماً ولا صوماً ، لما أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

«ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه » ومثله عن ابن مسعود ، وعن عليّ كرم الله تعالى وجهه روايتان أخرجهما ابن أبي شيبة من طريقين إحداهما : الاشتراط ، وثانيتهما : عدمه ، وعلى أن المعتكف إذا خرج من المسجد فباشر خارجاً جاز لأنه حصر المنع من المباشرة حال كونه فيه ، وأجيب بأن المعنى : لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد ومن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فاعتكافه باق ، ويؤيده ما روي عن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا عن ذلك واستدل بها أيضاً على أن الوطء يفسد الاعتكاف لأن النهي للتحريم ، وهو في العبادات يوجب الفساد ، وفيه أن المنهي عنه هنا المباشرة حال الاعتكاف وهو ليس من العبادات لا يقال : إذا وقع أمر منهي عنه في العبادة كالجماع في الاعتكاف كانت تلك العبادة منهية باعتبار اشتمالها على المنهي ومقارنتها إياه إذ يقال : فرق بين كون الشيء منهياً عنه باعتبار ما يقارنه ، وبين كون المقارن منهياً في ذلك الشيء والكلام في الأول ، وما نحن فيه من قبيل الثاني .

{ تِلْكَ } أي الأحكام الستة المذكورة المشتملة على إيجاب وتحريم وإباحة { حُدُودَ الله } أي حاجزة بين الحق والباطل { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } كيلا يدانى الباطل ، والنهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام كناية عن النهي عن قرب الباطل لكون الأول لازماً للثاني وهو أبلغ من ( لا تعتدوها ) لأنه نهي عن قرب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصريح ، وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح ، وعلى هذا لا يشكل لا تقربوها في تلك الأحكام مع اشتمالها على ما سمعت ، ولا وقوع { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة : 9 22 ] وفي آية أخرى إذ قد حصل الجمع وصح لا تقربوها في الكل ، وقيل : يجوز أن يراد بحدود الله تعالى محارمه ومناهيه إما لأن الأوامر السابقة تستلزم النواهي لكونها مغياة بالغاية ، وإما لأن المشار إليه قوله سبحانه : { وَلاَ تباشروهن } وأمثاله ، وقال أبو مسلم : معنى { لا تَقْرَبُوهَا } لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } [ الأنعام : 152 ] فيشمل جميع الأحكام ولا يخفى ما في الوجهين من التكليف والقول بأن تلك إشارة إلى الأحكام والحد إما بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشيئين ، فعلى الأول : يكون المعنى تلك الأحكام ممنوعات الله تعالى عن الغير ليس لغيره أن يحكم بشيء { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء فإن الحكم لله تعالى عز شأنه وعلى الثاني : يريد أن تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهية والعبودية ، فالإله يحكم والعباد تنقاد ، فلا تقربوا الأحكام لئلا تكونوا مشركين بالله تعالى لا يكاد يعرض على ذي لب فيرتضيه ، وهو بعيد بمراحل عن المقصود كما لا يخفى .

{ كذلك } أي مثل ذلك التبيين الواقع في أحكام الصوم { يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ } إما مطلقاً أو الآيات الدالة على سائر الأحكام التي شرعها { لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مخالفة أوامره ونواهيه ، والجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير الأحكام السابقة والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل تقواكم .

( ومن باب الإشارة ) :ولما كان للإنسان تلونات بحسب اختلاف الأسماء فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية ، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً بمقتضى الحكمة إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذا وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك الإمساك أباح له التنزل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس وهو الرفث إلى النساء وعلله بقوله سبحانه : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } أي لا صبر لكم عنها بمقتضى الطبيعة لكونها تلابسكم وكونكم تلابسونهن بالتعلق الضروري { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } وتنقصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ الفانية في أزمنة السلوك والرياضة { فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالآن } أي وقت الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء { باشروهن } بقدر الحاجة الضرورية { وابتغوا } بقوة هذه المباشرة { مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } من التقوى والتمكن على توفير حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية { وَكُلُواْ واشربوا } [ البقرة : 781 ] في ليالي الصحو حتى يظهر لكم بوادر الحضور ولوامعه وتغلب آثاره وأنواره على سواد الغفلة وظلمتها ثم كونوا على الإمساك الحقيقي بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى فإن لكل حاضر سهماً منها ولولا ذلك لتعطلت مصالح المعاش ، وإليه الإشارة بخبر «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولي وقت مع حفصة وزينب » ، ولا تقاربوهن حال اعتكافكم وحضوركم في مقامات القربة والأنس ومساجد القلوب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } . فالرفث كناية عن الجماع ، قال ابن عباس : إن الله تعالى حيي كريم يكنى كل ما ذكر في القرآن من المباشرة ، والملامسة والإفضاء والدخول والرفث . فإنما عنى به الجماع وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء ، قال أهل التفسير : كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع ، إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد قبلها ، فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والنساء إلى الليلة القابلة ، ثم " إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع أهله بعد ما صلى العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي ، هذه الخطيئة ، إني رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء فوجدت رائحة طيب ، فسولت لي نفسي فجامعت أهلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما كنت جديراً بذلك يا عمر " فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه . ( أحل لكم ليلة الصيام ) أي أبيح لكم ليلة الصيام ( الرفث إلى نسائكم ) .

قوله تعالى : { هن لباس لكم ) أي سكن لكم .

قوله تعالى : { وأنتم لباس لهن ) أي سكن لهن ، دليله قوله تعالى : ( وجعل منها زوجها ليسكن إليها ) وقيل : لا يسكن شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر ، وقيل : سمي كل واحد من الزوجين لباساً ، لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه ، وقال الربيع بن أنس : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن ، قال أبو عبيدة وغيره : يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك وقيل : اللباس اسم لما يواري الشيء ، فيجوز أن يكون كل واحد منهما ستراً لصاحبه عما لا يحل ، كما جاء في الحديث : " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " .

قوله تعالى : { علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } . أي تخونونها وتظلموها بالمجامعة بعد العشاء ، قال البراء : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل الله تعالى ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) .

قوله تعالى : { فتاب عليكم ) تجاوز عنكم .

قوله تعالى : { وعفا عنكم ) محا ذنوبكم .

قوله تعالى : { فالآن باشروهن } . جامعوهن حلالاً ، سميت المجامعة مباشرة لملاصقة بشرة كل واحد منهما صاحبه .

قوله تعالى : { وابتغوا ما كتب الله لكم } . أي فاطلبوا ما قضى الله لكم ، وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد ، قاله أكثر المفسرين ، قال مجاهد : ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه . وقال قتادة : وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ ، وقال معاذ بن جبل : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) يعني ليلة القدر .

قوله تعالى : { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض } . نزلت في رجل من الأنصار اسمه أبو صرمة ابن قيس بن صرمة ، وقال عكرمة : أبو قيس بن صرمه ، وقال الكلبي : أبو قيس صرمة بن أنس بن صرمة ، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم ، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر ، وقال لأهله قدمي الطعام ؟ فأرادت المرأة أن تطعمه شيئاً سخيناً فأخذت تعمل له سخينة ، وكان في الابتداء من صلى العشاء ونام حرم عليه الطعام والشراب ، فلما فرغت من طعامه إذ هو به قد نام وكان قد أعيا وكل ، فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله ، فأبى أن يأكل فأصبح صائماً مجهوداً ، فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه ، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه قال له : يا أبا قيس مالك أصبحت طليحاً ؟ فذكر له حاله ، فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل : ( وكلوا واشربوا ) يعني في ليالي الصوم ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ) .

قوله تعالى : { من الخيط الأسود } . يعني بياض النهار من سواد الليل ، سميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتداً كالخيط .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف ، ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال : أنزلت ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) ولم ينزل قوله : ( من الفجر ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله تعالى بعده .

قوله تعالى : { من الفجر } . فعلموا أنما يعني بهما الليل والنهار .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد ابن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا الحجاج بن منهال ، أخبرنا هشيم ، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن ، عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما وإلى الليل فلا يستبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك فقال : إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم " .

قال وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت .

واعلم أن الفجر فجران . كاذب وصادق ، فالكاذب يطلع أولاً مستطيلاً كذنب السرحان يصعد إلى السماء فبطلوعه لا يخرج الليل ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم ، ثم يغيب فيطلع بعده الفجر الصادق مستطيراً ، ينتشر سريعاً في الأفق ، فبطلوعه يدخل النهار ويحرم الطعام والشراب على الصائم .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراح ، أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا هناد بن يوسف بن عيسى قال : أخبرنا وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن سمرة بن جندب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ، ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطير في الأفق " .

قوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } . فالصائم يحرم عليه الطعام ، والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس فإذا غربت حصل الفطر .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحميدي أخبرنا سفيان الثوري أخبرنا هشام بن عروة قال : سمعت أبي يقول : سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقبل الليل من هاهنا ، وأدبر النهار من هاهنا ، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " .

قوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . والعكوف ، هو الإقامة على الشيء والاعتكاف في الشرع : هو الإقامة في المسجد على عبادة الله ، وهو سنة ولا يجوز في غير المسجد ويجوز في جميع المساجد .

أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ، ثم اعتكفت أزواجه من بعده " . والآية نزلت في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد ، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل ، فرجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك ليلاً ونهاراً حتى يفرغوا من اعتكافهم ، فالجماع حرام في حال الاعتكاف ويفسد به الاعتكاف ، أما ما دون الجماع من المباشرات كالقبلة واللمس بالشهوة ، فمكروه ولا يفسد به الاعتكاف عند أكثر أهل العلم وهو أظهر قولي الشافعي ، كما لا يبطل به الحج ، وقالت طائفة : يبطل بها اعتكافه وهو قول مالك ، وقيل إن أنزل بطل اعتكافه وإن لم ينزل فلا ، كالصوم ، وأما اللمس الذي لا يقصد به التلذذ فلا يفسد به الاعتكاف ، لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان . قوله تعالى : { تلك حدود الله } . يعني تلك الأحكام التي ذكرها في الصيام والاعتكاف ، حدود الله أي : ما منع الله عنها ، قال السدي : شروط الله ، وقال شهر بن حوشب : فرائض الله ، وأصل الحد في اللغة المنع ، ومنه يقال للبواب حداد ، لأنه يمنع الناس من الدخول ، وحدود الله ما منع الله من مخالفتها .

قوله تعالى : { فلا تقربوها } . فلا تأتوها .

قوله تعالى : { كذلك } . هكذا .

قوله تعالى : { يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } . لكي يتقوها فينجوا من العذاب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} (187)

قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفت إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } ( أحل ) فعل ماضي مبني للمجهول . ليلة منصوب على الظرفية الزمانية والصيام مضاف إليه . ( الرفث ) نائب فاعل مرفوع .

كان في ابتداء الإسلام إذا حل شهر الصيام فإنه يحل للمسلم الأكل والشرب والجماع بعد الغروب حتى صلاة العشاء أو النوم ، فإذا صلى العشاء أو نام- قل النوم أو كثر- فإنه ليس له بعد ذلك أن يأكل أو يشرب أو يواطئ ، بل يظل ممسكا بقية ليلته والنهار حتى المغرب . وذلك فيه من المشقة ما هو معلوم وما يضيق به كثير من الناس .

ونعرض الآن لما ورد من سبب في نزول هذه الآية ، فإن الكشف عن السبب يزيد كم بيان المقصود . فقد ذكر عن البراء بن عازب قال : كان أصحاب النبي ( ص ) إذا كان الرجل صائما ، فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها ، وأن قسي بن صرمة الأنصاري كان صائما وكان يومه ذلك يعمل في أرضه ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال " هل عندك طعام ؟ قال : لا ولكن أنطلق فأطلب لك . فغلبته عينه ، فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت : خيبة لك أنمت ؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ( ص ) فنزلت هذه الآية . ففرح المسلمون بها فرحا شديدا .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : إن الناس كانوا من قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء ، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة ، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله ، ثم جاء إلى النبي ( ص ) ، فقال : أشكوا إلى الله وإليك الذي صنعت . قال : " وما صنعت " قال : إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعدما نمت وأنا أريد الصوم ، فزعموا أن النبي ( ص ) قال : " ما كدت خلقا أن تفعل " فنزل قوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) والرفث هو معناه الجماع . فقد رخص الله للمسلمين في هذه الآية الأكل والشرب والجماع طيلة الليل بدءا بالمغرب حتى مطلع الفجر{[245]} .

وقوله : ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) ( هن ) ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ ( لباس ) خبر . ذلك تعبير رباني كريم غاية في التصوير الموحي الذي يعبر عن امتزاج الجسدين امتزاجا مباشرا ، كأنما الواحد منهما لباس يلتصق به الآخر ويستتر به . وهو التصادق مادي ومعنوي وثيق يكشف عن عمق المودة والانسجام والتلاحم بين الزوجين .

وقوله : ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ) ( تختانون أنفسكم ) أي تخونون أنفسكم بإيقاعها في المحظور وهو الجماع بعد صلاة العشاء أو بعد النوم قبيل العشاء في رمضان . وتلك خيانة من المسلم لنفسه ؛ إذ يوقعها في ما حرمه الله . وهي خيانة للنفس أساسها طبيعة الضعف في هذه النفس ؛ إذ يوقعها في ما حرمه الله . وهي خيانة للنفس أساسها طبيعة الضعف في هذه النفس التي تجنح للشهوة الغلابة ، وتضيق بما يصدها عن ممارسة ذلك ، فلا يتيح لها من فرص الإشباع بما فيه الكفاية لكن جل وعلا امتن بالتوبة والعفو عن عباده الذين اختانوا أنفسهم ، ورخص لهم بالجماع بعد العشاء وكذلك الأكل والشرب .

قوله : ( فالآن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ) المراد بالمباشرة الجماع

فقد أباح الله لعباده المواقعة في الليل من رمضان ما بين الغروب والفجر ، وأن يطلبوا ما كتب الله لهم والمراد به الولد المتحصل بعد الجماع . وقيل : المقصود بما كتب الله لهم ما أباحه لهم من الجماع في الليل من رمضان . وقيل غير ذلك .

وقوله : ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) أباح الله للمسلم التمتع بالأكل والشرب طيلة الليل إلى أن يستبين له بياض النهار من سواد الليل . وجاء التعبير في الآية عن ذلك بالخيط الأبيض والخيط الأسود . ولا ينبغي أن يفهم النص على ظاهره فيوعى وعيا حرفيا كما وعاه بعض الناس إذ وهموا أن المراد بالخيط هو الحبل الدقيق المعروف ؛ بل إن المقصود بالخيط الأبيض بياض النهار إذا انفجر ولاح ضوءه في الأفق . وأما الخيط الأسود فهو سواد الليل يغشى السماء . ومما يزيل اللبس والإبهام هنا قوله : ( من الفجر ) فذلك تبيين للمقصود من الخيط الأبيض والخيط الأسود . فليس المقصود من ذلك الحبل الدقيق كالعقال ونحوه وإنما النهار بضيائه والليل بسواده هما المقصودان .

فقد حدث الإمام أحمد بإسناده عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والأخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر إليهما ، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت ، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ( ص ) فأخبرته بالذي صنعت فقال : " إن وسادك إذا لعريض ، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل " وبذلك فإنه مباح للمسلم أن يأكل ويشرب ويواقع طيلة الليل حتى الفجر .

وهنا يرد الكلام عن أكلة السحور وهو ما كان قبيل الفجر بزمن قصير . والسحور مستحب شرعا للمؤمن ، فقد ندب إليه النبي ( ص ) ؛ لما فيه من تقوية للبدن على الإمساك طوال النهار ، ولما فيه كذلك من صحوة في الليل ترافقها صحوة للحس والقلب والذهن في فترة ساكنة هادئة من الليل . وهي فترة تحلو فيها اليقظة وتنبعث فيها النفس ناشطة بعد رقاد ، إنها فترة السحر الوادع الذي تجد فيه الروح وأشواقها ، فتفيض على الحياة والواقع بنسائم الأمن والراحة والإحساس بالطمأنينة الكاملة والحبور الغامر ، هي فترى السحور التي يسن فيها الأكل شرعا ؛ لما فيها من بركة ، فهي بركة الطعام الذي يغدو البدن بطاقة الاقتدار والاحتمال ، وبركة اليقظة التي تفيق فيها الروح بعد سهادٍ راقد لتعيش فترة وجيزة من الزمن حافلة بالرضا والسكينة .

وفي السحور يقول النبي ( ص ) في رواية الصحيحين عن أنس : " تسحروا فإن في السحور بركة " . وروى مسلم عن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله ( ص ) : " إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور " .

وفي حديث آخر لأبي سعيد قال : قال رسول الله ( ص ) : " السحور أكله بركة فلا تدعوه ، ولو أن أحدكم تجرع جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسرحين " .

ويستحب للمتسحرين تأخير السحور إلى قبيل الفجر بمدة وجيزة من الزمن مقدرة بتلاوة خمسين آية القرآن . فقد جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال : تسحرنا مع رسول الله ( ص ) ثم قمنا إلى الصلاة . قال أنس : قلت ليزيد : كم كان بين الأذان والسحور ؟ قال قدر خمسين آية .

وفي حديث للإمام أحمد عن أبي ذر قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور " .

وجدير بالبيان هنا أن الفجر فجران . أولهما : ما كان ضياء ساطعا على هيئة بياض مستطيل في الأفق لا يلبث أن يزول لتعقبه ظلمة .

وثانيهما : ما جاء عقيب الفجر الأول وكان ضوءه منتشرا ، وهو إيذان بطلوع النهار . ومن أجل ذلك ينادي المؤذن بأذانين .

والأذان الأول منهما إنما هو لإيقاظ النائم وتذكير الساهي وإرجاع القائم . أما الثاني فهو الفجر المقصود الذي يجب معه الإمساك . يقول الرسول ( ص ) : " الفجر فجران ، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا ، وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يُحل الصلاة ويُحرم الطعام .

وقد ورد في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم ؛ فإنه ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " .

وعنه ( ص ) قال : " لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره- أو قال نداء- بلال ؛ فإن بلالا يؤذن بليل أو قال : ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم " .

وفيما رواه مسلم عن إسماعيل بن إبراهيم أن رسول الله ( ص ) قال : " لا يغرنكم أذات بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير " وفي رواية أخرى عنه ( ص ) : " ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر " .

يؤخذ من هذه الأدلة أن ما تعورف عليه من أذان الإمساك في هذه الأيام والذي يسبق أذان الفجر لا يَصْدق عليه هذا الاسم . فإن أذان الإمساك في هذه الأيام هو في حقيقته مرادف لأذان بلال عندما كان يؤذن بليل لإيقاظ النائم وتحذير الساهي وإرجاع القائم . فإنه بعد هذا الأذان لا ينبغي الإمساك عن طعام أو شراب أو جماع ، بل إن ذلك كله مباح حتى يحين وقت الأذان الثاني وهو أذان الفجر الذي يسبق طلوع النهار .

ومما يتبع ذلك من مسائل أن من أصبح جنبا في رمضان فلا حرج عليه . وعليه أن يغتسل نهارا . فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة- رضي الله عنهما- أنهما قالتا : كان رسول الله ( ص ) يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم .

وأما الحائض أو النفساء فليس لها أن تصوم ، بل إن إفطارها واجب حتى وإن جاءها المخاض أو الحيضة قبيل الغروب بزمن قصير ، وعليها القضاء بعدة أيام أخر خارج شهر رمضان ، أما الصلاة فلا قضاء فيها تخفيفا من الله ورحمة ، فلا تقضي المرأة الحائض ولا النفساء ما فاتها من صلوات بسبب الحيض أو النفاس{[246]} .

وفيما يتعلق بالنية فإن تبييتها في الصوم من قبل الفجر واجب ؛ ذلك أن الصيام ضرب من العبادة التي لا تتم إلا بالنية . وهي غير النية ليست إلا عملا من الأعمال العادية التي لا يَصدق عليها اسم العبادة المراد بها وجه الله . فقد روى الدارقطني عن السيدة عائشة عن النبي ( ص ) قال : " من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له " .

وروى الدارقطني عن حفصة أن النبي ( ص ) قال : " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " ذلك الذي ذهب إليه جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة إذ قال : لا يشترط تبييت النية قبل الفجر . وقول الجمهور هو الراجح والمعتمد{[247]} .

وقوله : ( ثم أتمموا الصيام إلى الليل ) فرض على الصائم أن يظل ممسكا عن الجماع وعن كل ما يلج الجوف طيلة النهار حتى تغرب الشمس ، وبذلك فمجال الصيام من حيث الزمن ما بين الفجر والغروب ، فإذا غربت الشمس أفطر الصائم ولا مساغ حينئذ للتأخير . وقد جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله ( ص ) : " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم " .

والحكم بإتمام الصيام إلى الليل يستلزم الحديث عن الوصال في الصيام . وهو أن يصل الصائم يوما بيوم يليه من غير أن يأكل أو يشرب بينهما شيئا ، وذلك أمر منهي عنه شرعا ؛ لما فيها من ضرر يلحق بصحة البدن أو احتمال الهلاك من طول الإمساك عما يسد الرمق .

وقد جاء في الحديث مما رواه أحمد عن أبي هريرة أنه قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا تواصلوا " قالوا : " يا رسول الله ! إنك تواصل ، قال : " فإني ليست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " قال : فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي ( ص ) يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال : " لو تأخر الهلال لزدتكم " كالمنكل لهم .

وعن عائشة رضي الله عنهما قالت : نهى رسول الله ( ص ) عن الوصال رحمة لهم فقالوا : إنك تواصل . قال : " إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني " وبذلك فإن وصال النبي ( ص ) في الصيام كان من خصوصياته وهو مقتدر على ذلك ومعان عليه ، أما إطعامه عليه السلام وسقيه فما كان حقيقيا حسيا وإنما كان معنويا روحيا .

ولا نستطيع في هذا المجال من التفسير أن نفيض من الأحكام والمسائل الفقهية بأكثر من ذلك . وعلى المستزيد أني عود لذلك في مظانة من كتب الفقه على اختلاف مذاهبه .

وقوله : ( ولا تبشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) ( وأنتم ) ، الواو للحال . أنتم في محل رفع مبدأ . ( عاكفون ) خبر مرفوع . والجملة الإسمية في محل نصب للحال . وعاكفون من الاسم الاعتكاف وهو لغة الاحتباس والملازمة ، ومنه الفعل عكف يعكف . عكف على الشيء الاعتكاف وهو لغة الاحتباس والملازمة ، ومنه الفعل عكف يعكف . عكف على الشيء بمعنى أقبل عليه مواضبا{[248]} يقول الله سبحانه في آية أخرى : ( يعطفون على أصنام لهم ) .

والاعتكاف في الشرع هو كما عرفه القرطبي في تفسيره : ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص .

في هذه الآية نهى الله عن الجماع في فترة الاعتكاف . ومن أتى الجماع حال اعتكافه فسد اعتكافه ، حتى إن أفعالا دون النكاح كالتقبيل وغيره حين الاعتكاف مكروه شرعا .

على أن الاعتكاف ركنه ملازمة العبادة والمواظبة في مدة مخصوصة . وليس ذلك واجبا على المسلم ولكنه نافلة من النوافل يتقرب بها المرء إلى ربه مثلما كان النبي ( ص ) والصحابة والتابعون من بعده يفعلون .

أما وقت الاعتكاف ومكانه ، فإنه يستحب أن يكون في رمضان خصوصا العشر الأواخر منه ، كما كان يفعل الرسول ( ص ) ، واستحبابه في رمضان يستأنس له بذكر الاعتكاف في آية الصيام ، مع أنه يجوز للمسلم أن يعتكف في أي وقت من السنة .

وأما مكان الاعتكاف فقد أجمع العلماء على اشتراطه في المساجد ، لكنهم اختلفوا في حقيقة هذه المساجد المذكور في الآية ( عاكفون في المساجد ) فقد قيل إنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة . وذهب آخرون إلى جواز الاعتكاف في كل مسجد . وه الراجح لدليلين : أولهما : أن المساجد في الآية ذكرت على سبيل العموم ولم يخصصها شيء وثانيهما : ما روي عن النبي ( ص ) قوله في هذا الصدد : " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " .

وأما الاعتكاف من حيث مدته فقد اختلفوا : إذ ذهب الإمامان مالك وأبو حنيفة إلى أن أقل مدته يوم وليلة ، وقال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره ، وهو ما نرجحه ؛ ذلك أن الآية جاءت بصيغة العموم فلم تحدد الاعتكاف بمدة لأقله أو أكثره .

واشترط فريق من أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد في أحد قوليه ؛ الصوم لصحة الاعتكاف ، فلا بد للمعتكف أن يصوم نهاره حال اعتكافه ، واستدلوا على ذلك بالظاهر من النص الكريم ؛ إذ ذكر الاعتكاف عقيب التكليف بالصوم . واستدلوا كذلك بما روي عن السيدة عائشة أن النبي ( ص ) قال : " لا اعتكاف إلا بصيام " وذهب آخرون وفيهم الشافعي وداود الظاهري وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف . واحتجوا لذلك بأن النبي ( ص ) كان قد اعتكف في رمضان ، ولا يمكن أن يكون صوم رمضان لرمضان وغيره . حتى إن المعتكف في رمضان بصوم التطوع والفرض معا يفسد صومه لجمعه في النية بين فعلين . وذلك ما قاله الإمام مالك .

ويظهر لنا من ذلك أن اشتراط الصوم للاعتكاف هو الصحيح استنادا إلى الحديث : " لا اعتكاف إلا بصيام " والله تعالى أعلم{[249]} .

وقوله : ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ . ( حدود الله ) خبر . ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة . وحدود مفردها حد وهو المنع . والحدود هي الموانع أو الحواجز التي لا ينبغي أن يتجاوزها أحد ؛ لما في ذلك من معصية وعدوان .

والمراد بحدود الله في الآية أحكامه التي بينها فليس لأحد أن يقربها . أي يتعداها ويتجاوزها بالانتهاك والعصيان .

وقوله : ( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) أي مثلما بين الله في الآية هنا الصيام وأحكامه وما تبع ذلك من تشريع للاعتكاف ، فإنه سبحانه يبين للناس في آياته الكريمة سائر الأحكام ليكون في ذلك الهداية لهم وما يجعلهم على صراط الله المستقيم ومنهجه الكامل القويم .


[245]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 30.
[246]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 222 والمهذب للشيرازي جـ 1 ص 177.
[247]:- المغني جـ 3 ص 91 وبداية المجتهد جـ 1 ص 248.
[248]:- مختار الصحاح ص 449.
[249]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 333 وتفسير الطبري جـ 2 ص 105 والمهذب جـ 1 ص 191.