روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

{ مَا كَانَ للْمُشْركينَ } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ } أي لا ينبغي لهم ولا يليق وإن وقع { أَن يَعْمُرُواْ * مساجد الله } الظاهر أن المراد شيئاً من المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً ، وتعميره مناط افتخارهم ، ونفي الجمع يدل على النفي عن كل فرد فيلزم نفيه عن الفرد المعين بطريق الكناية ، وعن عكرمة . وغيره أن المراد به المسجد الحرام واختاره بعض المحققين ، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وأمامها المتوجهة إليه محاريبها فعامره كعامرها ، أو لأن كل مسجد ناحية من نواحيه المختلفة مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد ، ويؤيد ذلك قراءة أبي عمرو . ويعقوب . وابن كثير . وكثير( {[308]} ) { مساجد } بالتوحيد ، وحمل بعضهم { مَا كَانَ } على نفي الوجود والتحقق ، وقدر بأن يعمروا بحق لأنهم عمروها بدونه ولا حاجة إلى ذلك على ما ذكرنا { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } باظهارهم ما يدل عليه وإن لم يقولوا نحن كفار ، وقيل : بقولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ، وقيل : بقولهم كفرنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو حال من الضمير في { يَعْمُرُواْ } قيل : أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة البيت والكفر بربه سبحانه ، وقال بعضهم : ءن المراد محال أن يكون ما سموه عمارة بيت الله تعالى مع ملابستهم لما ينافيها ويحبطها من عبادة غيره سبحانه فإنها ليست من العمارة في شيء ، واعترض على قولهم : إن المعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين متنافيين بأنه ليس بمعرب عن كنه المرام ، فإن عدم استقامة الجميع بين المتنافيين إنما يستدعي انتفاء أحدهما لا بعينه لا انتفاء العمارة الذي هو المقصود ، وظاهره أن النفي في الكلام راجع إلى المقيد ، وحينئد لا مانع من أن يكون المراد من { مَا كَانَ } نفي اللياقة على ما ذكرنا ، والغرض ابطال افتخار المشركين بذلك لاقترانه بما ينافيه وهو الشرك . وجوز أن يوجه النفي إلى القيد كما هو الشائع وتكلف له بما لا يخلو عن نظر . ولعل من قال في بيان المعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا الخ جعل محط النظر المقارنة التي أشعر بها الحال ، ومع هذا لا يأبى أن يكون المقصود نظراً للمقام نفي صحة الافتخار بالعمارة والسقاية فتدبر جداً .

/ ومما يدل على أن المقام لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ . وابن جرير عن الضحاك أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحمن وأغلظ عليه علي كرم الله تعالى وجهه في القول ، فقال : تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونقرى الحجيج ونفك العاني فنزلت : وأخرج ابن جرير .

وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه { أولئك } أي المشركون المذكورون { حَبِطَتْ أعمالهم } التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت كلا شيء { وَفِى النار هُمْ * خالدون } لعظم ما ارتكبوه ، وإيراد الجملة اسمية للمبالغة في الخلود ، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاة للفاصلة .

وهذه الجملة قيل : عطف على جملة { حَبِطَتْ } على أنها خبر آخر لأولئك ، وقيل : هي مستأنفة كجملة { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ } وفائدتهما تقرير النفي السابق الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب .


[308]:- كابن عباس. ومجاهد. وابن جبير اهـ منه.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

قوله تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } الآية . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم ، وأغلظ علي رضي الله عنه له القول . فقال العباس : مالكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ . فقال له علي رضي الله عنه : ألكم محاسن ؟ فقال نعم : إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } ، أي : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله . أوجب على المسلمين منعهم من ذلك ، لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده ، فمن كان كافرا بالله فليس من شأنه أن يعمرها . فذهب جماعة إلى أن المراد منه : العمارة المعروفة من بناء المساجد ومرمته عند الخراب فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا يمتثل . وحمل بعضهم العمارة ههنا على دخول المسجد والقعود فيه . قال الحسن : ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام . قرأ ابن كثير وأهل البصرة : مسجد الله على التوحيد ، وأراد به المسجد الحرام ، لقوله تعالى :{ وعمارة المسجد الحرام } ، ولقوله تعالى { فلا يقربوا المسجد الحرام } ، وقرأ الآخرون : مساجد الله بالجمع والمراد منه أيضا المسجد الحرام . قال الحسن : إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها . قال الفراء : ربما ذهب العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد ، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول : أخذت في ركوب البراذين ، ويقال : فلان كثير الدرهم والدينار ، يريد الدراهم والدنانير .

قوله تعالى : { شاهدين على أنفسهم بالكفر } ، أراد : وهم شاهدون ، فلما طرحت " وهم " نصبت ، قال الحسن : لم يقولوا نحن كفار ، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر . وقال الضحاك عن ابن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام ، وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد ، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم ، ولم يزدادوا بذلك من الله تعالى إلا بعدا . وقال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت ؟ فيقول : أنا نصراني ، واليهودي ، يقول : أنا يهودي ، ويقال للمشرك : ما دينك ؟ فيقول : مشرك . قال الله تعالى

قوله تعالى : { أولئك حبطت أعمالهم } لأنها لغير الله عز وجل .

قوله تعالى : { وفي النار هم خالدون } . قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : معناه شاهدين على رسولهم بالكفر ، لأنه ما في بطن إلا ولدته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ} (17)

قوله تعالى : { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون 17 إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الأخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } أي ليس من المستقيم ولا الصحيح أن المساجد كلها وإمامها . أو لأن كل بقعة منه مسجد . وقيل : المراد جنس المساجد ؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها . أو لأن كل بقعة منه مسجد . وقيل : المراد جنس المساجد . فإذا لم يصلح المشركون لإعمار جنسها دخل ذلك في أن لا يعمروا المسجد الحرام { شاهدين على أنفسهم بالكفر } { شاهدين } ، منصوب على الحال ؛ أي ما ينبغي للمشركين إعمار مساجد الله وحالهم يشهد على أنهم كافرون . وشهادتهم هي ظهور كفرهم وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت ليعبدوها ويطوفوا من حولها عراة . وكانوا كلما طافوا شوطا سجدوا لها . فكيف يعقل أن يعمر هؤلاء الضالون السفهاء مساجد الله .

ولما أسر العباس يوم بدر أقبل عليه المسلمون فغيروه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ له علي ، وقال : ألكم محاسن ؟ فقال : نعمر المسجد الحرام ، ونحجب الكعبة ( من الحجابة ) ونسقي الحاج ، ونفك العاني . فانزل الله تعالى ردا على العباس { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } {[1738]} .

على أن عمارة المساجد قسمان : أولهما : لزومها وكثرة الإقبال عليها من أجل الصلاة أو العبادة والذكر . وثانيهما : العمارة من حيث البناء . فإن أريد المعنى الثاني ؛ فغنه لا يجوز للكافر إذن أن يقوم بعمارة مسجد من مساجد المسلمين . ولو أوصى بها لم تقبل وصيته . وليس لغير المسلم أن يدخل مسجدا إلا بإذن من المسلمين . وإن دخل بغير إذن منهم استحق التعزيز .

قوله : { أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون } أعمال هؤلاء المشركين قد أتى عليها الحبوط وهو البطلان . فلا جدوى لهم في الآخرة من أعمالهم . وليس لهم من ذاك إلا ثناء المطرين والمداحين في الدنيا . لكن أعمالهم في الآخرة ماضية بغير اعتبار كأنما هي هباء متناثر في أجواز الفضاء بغير وزن أو قيمة ؛ لأن المشركون لم يقصدوا من أعمالهم وجه الله أو طاعته ولم يكونوا في الأصل مخلصين لله بحسن العبادة وتمام التوحيد ولكنهم كانوا ضالعين في الشرك والوثنية . وفوق ما أصابهم من الحبوط ؛ فإنهم ماكثون في النار طيلة الآباد .


[1738]:أسباب النزول للنيسابوري ص 163.