روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

{ وَمنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائذن لِّي } في القعود عن الجهاد { وَلاَ تَفْتِنّى } أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم .

أخرج ابن المنذر . والطبراني . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس : يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الاصفر ؟ فقال : يا رسول الله إني امرأ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الاصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت ، وروي نحوه عن عائشة . وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، أولا توقعني في المعصية والاثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد ، وروي هذا عن الحسن . وقتادة . واختاره الجبائي ، وفي الكلام على هذا إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له صلى الله عليه وسلم أو لم يأذن . وفسر بعضهم الفتنة بالضرر أي لا توقعني في ذلك فاني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم بمصالحهم ، وقال أبو مسلم : أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر ، وقرىء { وَلاَ تَفْتِنّى } من أفتنه بمعنى فتنة { أَلا فِى الفتنة } أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغنى عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به { سَقَطُواْ } لا في شيء مغاير لها فضلاً عن أن يكون مهرباً ومخلصاً عنها ، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة ، وفي مصحف أبي { سُقِطَ } بالافراد مراعاة للفظ { مِنْ } ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق ، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردي أسفل سافلين ، وتقديم الجار والمجرور لا يخفى وجهه { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } وعيد لهم على ما فعلوا وهو عطف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه ، أي جامعة لهم من كل جانب لا محالة وذلك يوم القيامة ، فالمجاز في اسم الفاعل حيث استعمل في الاستقبال بناء على أنه حقيقة في الحال ، ويحتمل أن يكون المراد أنها حيطة بهم الآن بأن يراد من جهنم أسبابها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها ونحو ذلك مجازاً .

وقد يجعل الكلام تمثيلاً بأن تشبه حالهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند إحاطة النار ، وكون الأعمال التي هم فيها هي النار بعينها لكنها ظهرت بصورة الأعمال في هذه النشأة وتظهر بالصورة النارية في النشأة الأخرى كما قيل نظيره في قوله تعالى : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } [ النساء : 10 ] منزع صوفي ، والمراد بالكافرين إما المنافقون المبحوث عنهم ، وإيثار وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والاشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين ويدخل هؤلاء دخولاً أولياً .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

قوله تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } ، نزلت في جد بن قيس المنافق ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال : يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ يعنى الروم ، تتخذ منهم سراري ووصفاء ، فقال جد : يا رسول الله لقد عرفت قومي أني رجل مغرم بالنساء ، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ، ائذن لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينك بمالي . قال ابن عباس : اعتل جد بن قيس ولم تكن له علة إلا الإنفاق ، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أذنت لك فأنزل الله عز وجل : { ومنهم } يعنى من المنافقين { من يقول ائذن لي } في التخلف { ولا تفتني } ببنات الأصفر . قال قتادة : ولا تؤثمني : { ألا في الفتنة سقطوا } ، أي : في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمر الله وأمر رسوله .

وقوله تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } ، مطبقة بهم وجامعة لهم فيها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ} (49)

قوله تعالى : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين 49 إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون 50 قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فيتوكل المؤمنون } من المنافقين من استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن الخروج للقاء الروم متذرعا بخشيته من الافتتان بالجواري من نساء الروم ؛ فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم للجد بن قيس أخي بني سلمة : ( هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر ؟ ) فقال : يا رسول الله ، أو تأذن لي ولا تفتني ، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد أذنت لك ) ففي الجد بن قيس نزل قوله : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } الآية{[1797]} .

والمعنى : أن المنافقين المتخلفين عن الخروج للجهاد إن كانوا يتذرعون بالاحتراز عن الوقوع في فتنة النساء ؛ فقد وقعوا في عين الفتنة ؛ لقد وقعوا فيما هو أشد من فتنة النساء وأعظم وهو الكفر بالله ورسوله والتمرد على دينه بعصيانه ومخالفة أمره .

قوله : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } النار الحامية المستعرة يوم القيامة مطبقة على الكافرين الجاحدين ؛ فهي تحدق إليهم بهم إحداقا لا منجاة لهم منه ولا مهرب .


[1797]:تفسير ابن كثير 2 ص 362.