روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (71)

{ وَالْمُؤْمنُونَ وَالمُؤْمنَاتُ } بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالا ومآلا بعد بيان حال أضدادهم عاجلاً وآجلاً ، وقوله سبحانه : { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } يقابل قوله تعالى فيما مر : { بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } [ التوبة : 67 ] ، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى تناصرهم وتعاضدهم بخلاف أولئك ؛ وقوله عز وجل : { يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } ظاهر المقابلة { يَأْمُرُونَ بالمنكر } الخ والكلام في المنكر والمعروف معروف ، وقوله جل وعلا : { وَيُقِيمُونَ الصلاة } في مقابلة { نَسُواْ الله } [ التوبة : 67 ] وقوله تعالى جده : { وَيُؤْتُونَ الزكواة } في مقابلة { يقبضون أَيْدِيهِمْ } [ التوبة : 67 ] وقوله تعبارك وتعالى : { وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي في سائر الأمور في مقابلة وصف المناقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة وقيل : هو في مقابلة { نَسُواْ الله } ، وقوله سبحانه : { وَيُقِيمُونَ الصلاة } زيادة مدح ، وقوله تعالى شأنه : { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله } في مقابلة { فَنَسِيَهُمْ } [ التوبة : 67 ] المفسر بمنع لطفه ورحمته سبحانه ، وقيل : في مقابلة { إنَّ المُنَافِقِينَ هُمُ الفاسقون } [ التوبة : 67 ] لأنه بمعنى المتقين المرحومين ، والإشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافهم بما سلف من الصفات الجليلة ، والاتيان بما يدل على البعد لما مر غير مرة .

والسين على ما قال الزمخشري وتبعه غير واحد لتأكيد الوعد وهي كما تفيد ذلك تفيد تأكيد الوعيد ، ونظر فيه صاحب التقريب ووجه ذلك بأن السين في الإثبات في مقابلة لن في النفي فتكون بهذا الاعتبار تأكيداً لما دخلت عليه ولا فرق في ذلك بين أن يكون وعداً أو وعيداً أو غيرهما . وقال العلامة ابن حجر : ما زعمه الزمخشري من أن السين تفيد القطع بمدخولها مردود بأن القطع إنما فهم من المقام لا من الوضع وهو توطئة لمذهبه الفاسد في تحتم الجزاء ومن غفل عن هذه الدسيسة وجهه ، وتعقبه الفهامة ابن قاسم بأن هذا لا وجه له لأنه أمر نقلي لا يدفعه ما ذكر ونسبة الغفلة للأئمة إنما أوجبه حب الاعتراض ، وحينئذ فالمعنى أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة يرحمهم الله تعالى لا محالة { أَنَّ الله عَزِيزٌ } قوي قادر على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها ومن ذلك النعمة والنقمة ؛ والجملة تعليل للوعد وقوله تعالى :

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (71)

قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة . { يأمرون بالمعروف } ، بالإيمان والطاعة والخير ، { وينهون عن المنكر } ، عن الشرك والمعصية وما لا يعرف في الشرع ، { ويقيمون الصلاة } ، المفروضة . { ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (71)

قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } بعد الحديث عن حال المنافقين في سوء خوضهم وكذبهم وفاحش أعمالهم ، يذكر الله في هذه الآية حال المؤمنين المتوادين المتآلفين مبينا بعض صفاتهم وهو أن بضعهم أعون بعض ؛ فهم فيما بينهم متناصرون متآخون في عقيدة الإسلام ؛ كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وشبك بين أصابعه .

وفي الصحيح كذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى لع سائر الجسد بالحمى والسمر ) .

قوله : { يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله } وهذه صفة ظاهرة ومميزة للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فهم يدعون الناس إلى الخير ، ويأمرونهم بكل وجوه المعروف ، ويأتي في طليعة ذلك حضهم ودعوتهم للإيمان بالله وحده دون غيره من الشركاء والأنداد ، وما يقتضيه ذلك من جوه العبادات وأعمال الإحسان والبر .

وهم كذلك ينهون الناس جميعا عن المنكر بكل صوره وأشكاله ، ويأتي في طليعة ذلك : الإشراك بالله ، والخضوع والاستسلام الامتثال لأوامره الشبر التي تخالف منهج الله ، ثم ينهون بعد ذلك عن كل وجوه المحظور والمنكر على اختلاف أنواعه وضروبه من المعاصي والآثام .

من الصفات الظاهرة المميزة لهذه الأمة : أداؤهم الصلوات المفروضة أداء صحيحا تاما من غير تثاقل أو إغفال او تفريط ؛ وذلك لما في الصلاة من بالغ الحكمة والمعنى وعظيم الرباط والصلة برب العباد ؛ وهي صلة روحية وثيقة تديم الخطاب المخلص المباشر والمناجاة العقلية والقلبية والوجدانية العليا بين العبد المخلوق ، والإله الخالق .

ومن صفاتهم الظاهرة المميزة : أنهم يبذلون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم إلى إخوانهم المؤمنين من المحاويج والعالة . وهم كذلك إنما يطيعون الله وحده فيما أمر ويزدجرون عما زجر ، ولا يذعنون للمعاصي والسيئات من أوامر البشر . يضاف إلى طاعتهم لله طاعتهم لرسوله المبلغ الهادي إلى سواء السبيل .

قوله : { أولئك سيرحمهم الله } هؤلاء المتصفون بهذه الصفات العظيمة المميزة ستنالهم من الله رحمة غامرة رضية ، فيمضون في الحياة آمنين كرماء في ظل منهج الله الحكيم الذي شرعه لعباده . ويوم القيامة يصيرون إلى السعادة الدائمة التي لا يأتي عليها فناء ولا نهاية .

قوله : { إن الله عزيز حكيم } الله قوي غالب على كل شيء ، لا يعز علي في الخلق ما يريد . وهو سبحانه حكيم في تدبيره وما يفعل ؛ فإنه يضع الأشياء في مواضعها دون خلل في ذلك ولا نقصان{[1849]} .


[1849]:تفسير الطبري جـ 10 ص 122، 123 وتفسير البيضاوي ص 260.