نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَـٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (71)

ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما{[36854]} استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه ، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم ، عطف ببيان حال المؤمنين ترغيباً في التوبة طمعاً في مثل حالهم فقال : { والمؤمنون } { والمؤمنات } أي بما جاءهم عن ربهم { بعضهم أولياء } ولم يقل : من{[36855]} ، كما قال في المنافقين : من { بعض } دلالة على أن أحداً منهم لم يقلد أحداً في أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى ، بل كلهم مصوبون{[36856]} بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد{[36857]} منهم ، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم ؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال : { يأمرون } أي كلهم على وجه التعاضد والتناصر { بالمعروف } وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه { وينهون } أي{[36858]} كذلك { عن المنكر } لا يحابون أحداً .

ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان ، أتبعه أفضل العبادات فقال : { ويقيمون الصلاة } أي يوجدونها{[36859]} على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم { ويؤتون الزكاة } أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق ، وذلك مواز لقوله في المنافقين { ويقبضون أيديهم } ولما خص أمهات الدين ، عم بياناً لأنهم لا ينسون الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله : { ويطيعون الله } أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { ورسوله } إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم .

ولما ذكر مكارم أفعالهم ، أتبعه حسن مآلهم فقال : { أولئك } أي العظماء الشأن { سيرحمهم الله } أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه ، وهذا مع الجملة قبله مواز لقوله في المنافقين { نسوا الله فنسيهم } وهو إشارة إلى أن الطريق وعر والأمر شديد{[36860]} عسر ، فالسائر مضطر إلى الرحمة ، وهي المعاملة بعد الغفران بالإكرام ، لا قدرة له على قطع مفاوز الطريق إلا بها ، ولا وصول له أصلاً من غير سببها .

ولما بين أن حال المؤمنين مبني على الموالاة {[36861]}وكانت الموالاة{[36862]} فقيرة إلى الإعانة قال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { عزيز } أي غالب غير مغلوب بوجه ، فهو قادر على نصر من يوالي حزبه وأن ينيله من ثمرات الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد على أن يحول بينه وبين شيء من ذلك { حكيم* } أي فلا يقدر أحد على نقض ما يحكمه وحل ما يبرمه ، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين لا يزالون منصورين على كل مفسد ما داموا على هذه الخلال من الموالاة وما معها من حميد الخصال .


[36854]:من ظ، وفي الأصل: لما.
[36855]:سقط من ظ.
[36856]:في ظ: مصونون.
[36857]:في ظ: واحد.
[36858]:زيد من ظ.
[36859]:في ظ: توجدونها.
[36860]:سقط من ظ.
[36861]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36862]:سقط ما بين الرقمين من ظ.