( صح من حديث الإمام أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه والطبراني وغيرهم عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( يس ) قلب القرآن وعد ذلك أحد أسمائها وبين حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة وجه إطلاق ذلك عليها بأن المدار على الإيمان وصحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر فيها على أبلغ وجه وأحسنه ولذا شبهت بالقلب الذي به صحة البدن وقوامه وأستحسنه الإمام الرازي وأورد على ظاهره أن كل ما يجب الإيمان به لا يصح الإيمان بدونه فلا وجه لاختصاص الحشر والنشر بذلك وأجيب بأن المراد بالصحة في كلام الحجة ما يقابل السقم والمرض ولا شك أن من صح إيمانه بالحشر يخاف من النار ويرغب في الجنة دار الأبرار فيرتدع عن المعاصي التي هي كأسقام الإيمان إذ بها يختل ويضعف ويشتغل بالطاعات التي هي كحفظ الصحة ومن لم يقو إيمانه به كان حاله على العكس فشابه الاعتراف به بالقلب الذي بصلاحه يصلح البدن وبفساده يفسد وجوز أن يقال وجه الشبه بالقلب أن به صلاح البدن وفساده وهو غير مشاهد في الحس وهو محل لانكشاف الحقائق والأمور الخفية وكذا الحشر من المغيبات وفيه يكون انكشاف الأمور والوقوف على حقائق المقدور وبملاحظته وإصلاح أسبابه تكون السعادة الأبدية وبالإعراض عنه وإفساد أسبابه يبتلي بالشقاوة السرمدية وفي الكشف لعل الإشارة النبوة في تسمية هذه السورة قلبا وقلب كل شيء عليه وأصله الذي ما سواه إما من مقدماته وإما من متمماته إلى ما أسلفناه في تسمية الفاتحة بأم القرآن من أن مقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب إرشاد العباد إلى غايتهم الكمالية في المعاد وذلك بالتحقق والتخلق المذكورين هنالك وهو المعبر عنه بسلوك الصراط المستقيم ومدار هذه السورة الكريمة على بيان ذلك أتم بيان ويعلم منه وجه اختصاص الحشر بما ذكر في كلام الحجة فلا وجه لقول البعض في الاعتراض عليه فلا وجه إلخ وسيأتي إن شاء الله تعالى آخر الكلام في تفسير السورة الإشارة إلى ما اشتملت عليه من أمهات علم الأصول والمسائل المعتبرة بين الفحول وتقريرها إياها بأبلغ وجه وأتمه ولعل هذا هو السر في الأمر الوارد في صحيح الأخبار بقراءتها على الموتى أي المحتضرين وتسمى أيضا العظيمة عند الله تعالى أخرج أبو نصر السجزي في الإبانة وحسنه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في القرآن لسورة تدعى العظيمة عند الله تعالى ويدعى صاحبها الشريف عند الله تعالى يشفع صاحبها يوم القيامة في أكثر من ربيعة ومضر وهي سورة ( يس ) وذكر أنها تسمى أيضا المعمة والمدافعة القاضية أخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن حسان بن عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سورة يس تدعى في التوراة المعمة تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة وتكابد عنه بلوى الدنيا والآخرة وتدفع عنه أهاويل الدنيا والآخرة وتدعى المدافعة القاضية تدفع عن صاحبها كل سوء وتقضي له كل حاجة الخبر وتعقبه البيهقي فقال : تفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الجدعاني عن سليمان بن دفاع وهو منكر وهي على ما أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس مكية وأستثنى منها بعضهم قوله تعالى : إنا نحن نحيي الموتى الآية مدعيا أنها نزلت بالمدينة لما أراد بنو سمة النقلة إلى قرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا في ناحية المدينة فقال عليه الصلاة والسلام إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا وسيأتي إن شاء الله تعالى ما قيل في ذلك وقوله سبحانه وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله الآية لأنها نزلت في المنافقين فتكون مدنية وتعقب بأنه لا صحة له وأيها ثلاث وثمانون آية في الكوفي وإثنتان وثمانون في غيره وجاء مما يشهد بفضلها وعلو شأنها عدة أخبار وآثار وقد مر آنفا بعض ذلك وصح من حديث معقل بن يسار لا يقرؤها عبد يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له ما تقدم من ذنبه وأخرج الترمذي والدارمي من حديث أنس من قرأ يس كتب الله تعالى له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات ولا يلزم من هذا تفضيل الشيء على نفسه إذ المراد بقراءة القرآن قراءته دون يس وقال الخفاجي : لا يلزم ذلك إذ يكفي في صحة التفضيل المذكور التغاير الإعتباري فإن يس من حيث تلاوتها فردة غير كونها مقروءة في جملته كما إذا قلت : الحسناء في الحلة الحمراء أحسن منها في البيضاء وقد يكون للشيء مفردا ما ليس له مجموعا مع غيره كما يشاهد في بعض الأدوية ورجا أن يكون أقرب مما قدمنا وأنا لا أرجو ذلك والظاهر أنه يكتب له الثواب المذكور مضاعفا أي كل حرف بعشرة حسنات ولا بدع في تفضيل العمل القليل على الكثير فلله تعالى أن يمن بما شاء على من شاء ألا ترى ما صح أن هذه الأمة أقصر الأمم أعمارا وأكثرها ثوابا وإنكار الخصوصيات مكابرة ولله تعالى در من قال : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال وذكر بعضهم أن من قرأها أعطى من الأجر كمن قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي قلابة وهو من كبار التابعين أن من قرأها فكأنما قرأ القرآن إحدى عشرة مرة وعن أبي سعيد أنه قال من قرأ يس مرة فكأنما قرأ القرآن مرتين وحديث العشر مرفوع عن ابن عباس ومعقل بن يسار وعقبة بن عامر وأبي هريرة وأنس رضي الله تعالى عنهم فعليه المعول ووجه إتصالها بما قبلها على ما قاله الجلال السيوطي أنه لما ذكر في سورة فاطر قوله سبحانه ( وجاءكم النذير ) وقوله تعالى ( وأقسموا بالله جهد أيمانكم لئن جاءهم نذير ) إلى قوله سبحانه ( فلما جاءهم نذير ) وأريد به محمد صلى الله عليه وسلم وقد أعرضوا عنه وكذبوه أفتتح هذه السورة بالإقسام على صحة رسالته عليه الصلاة والسلام وأنه على صراط مستقيم لينذر قوما ما أنذر آباؤهم وقال سبحانه في فاطر ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل ) وفي هذه السورة ( والشمس تجري لمستقر لها والقمر قدرناه منازل ) إلى غير ذلك ولا يخفى أن أمر المناسبة يتم على تفسير النذير بغيره صلى الله عليه وسلم أيضا فتأمل .
{ يس } الكلام فيه كالكلام في { الم } [ البقرة : 1 ] ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل السور إعراباً ومعنى عند كثير . وأخرج ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس أنه قال : يس يا انسان . وفي رواية أخرى عنه زيادة بالحبشية . وفي أخرى عنه أيضاً في لغة طي .
قال الزمخشري : إن صح هذا فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنهم حتى اقتصروا على شطره كما في القسم م الله في أيمن الله . وتعقبه أبو حيان بأن المنقول عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان بياء قبل الألف وهو دليل على أن الإنسان من النسيان وأصله انسيان فلما صغر رده التصغير إلى أصله ولا نعلمهم قالوا في تصغيره انيسين ، وعلى تقدير أنه بقية أنيسين فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم ولا يبقى موقوفاً لأنه منادى مقبل عليه ومع ذلك لا يجوز التصغير في أسماء الأنبياء عليهم السلام كما لا يجوز في أسماء الله عز وجل ، وما ذكره في م من أنه شطر أيمن قول ، ومن النحويين من يقول م حرف قسم وليس شطر أيمن انتهى .
قال الخفاجي : لزوم البناء على الضم مما لا كلام فيه فلعل من فسره بذلك يقرؤه بالضم على الأوجه فيه ، وأما الاعتراضان الآخران فلا ورود لهما أصلاً ، فأما الأول فلأن من يقول أنيسيان على خلاف القياس وهو الأصح لا يلزمه فيما غير منه أن يقدره كذلك وهو لم يلفظ به حتى يقال له : نطقت بما لم تنطق به العرب بل هو أمر تقديري ، فإذا قال : المقدر مفروض عندي على القياس هل يتوجه عليه السؤال ، وأما الأخير فلأن التصغير في نحو ذلك إنما يمتنع منا وأما من الله تعالى فله سبحانه أن يطلق على نفسه عز وجل وعظماء خلقه ما أراد ويحمل حينئذ على ما يليق كالتعظيم والتحبيب ونحوه من معاني التصغير كما قال ابن الفارض :
ما قلت حبيبي من التحقير *** بل يعذب اسم الشيء بالتصغير
والذي قاله أبو حيان في توجيه ذلك أنهم يقولون إيسان بمعنى إنسان ويجمعون على أياسين فهذا منه ولا يخفى أنه يحتاج إلى إثبات وبعده لا يخفى ما في التخريج عليه ، وقالت فرقة : يا حرف نداء والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه ، ونظيره ما جاء في الحديث «كفى بالسيف شا » أي شاهداً ، وأيد بما ذهب إليه ابن عباس في { حم عسق } [ الشورى : 1 ، 2 ] ونحوه من أنها حروف من جملة أسماء له تعالى وهي رحيم وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك .
وظاهر كلام بعضهم كابن جبير أن يس بمجموعه اسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام وهو ظاهر قول السيد الحمري :
يا نفس لا تمحضي بالود جاهدة *** على المودة إلا آل ياسينا
ولتسميته صلى الله عليه وسلم بهذين الحرفين الجليلين سر جليل عند الواقفين على أسرار الحروف ، وقد تكلمت ولله تعالى الحمد فيما تعلق بهذه الكلمة الشريفة ثلاثة أيام أشرع كل يوم منها بعد العصر وأختم قبيل المغرب وذلك في مجلس وعظي في المسجد الجامع الداودي واليوم لا أستطيع أن أذكر من ذاك بنت شفة بل لا أتذكر منه إلا رسماً هب عليه عاصف الزمان الغشوم فنسفه فحسبي الله عمن سواه فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره .
وقرئ بفتح الياء وإمالتها محضاً وبين بين .
وقرأ جمع بسكون النون مدغمة في الواو ، وآخرون بسكونها مظهرة والقراءتان سبعيتان ، وقرأ ابن أبي إسحاق . وعيسى بفتح النون ، قال أبو حاتم قياس قول قتادة : إنه قسم أن يكون على حد الله لأفعلن بالنصب .
ويجوز أن يكون مجروراً بإضمار باء القسم وهو ممنوع من الصرف . وقال الزجاج : النصب على تقدير أتل يس وهذا على قول سيبويه أنه اسم للسورة ، وقيل هو مبني والتحريك للجد في الهرب من التقاء الساكنين والفتح للخفة كما في أين ، وسبب البناء غير خفي عليك إذا أحطت خبراً بما قرروا في { الم } أول سورة البقرة .
ولا تغفل عما قالوا في النصب بإضمار فعل القسم من أنه لا يسوغ لما فيه من جمع قسمين على مقسم عليه واحد وهو مستكره ، ولا سبيل إلى جعل الواو بعد للعطف لا للقسم لمكان الاختلاف إعراباً .
وقرأ الكلبي بضم النون وخرج على أنه منادى مقصود بناءً على أنه بمعنى إنسان أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف ، ويقدر هذه إذا كان اسماً للسورة وهذا إن كان اسماً للقرآن وهو يطلق على البعض كما يطلق على الكل ، وجعله مبتدأ محذوف الخبر وهو قسم أي يس قسمي نحو أمانة الله لأفعلن بالرفع لا يخفى حاله ، وقيل الضمة فيه ضمة بناءً كما في حيث .
وقرأ أبو السمال . وابن أبي إسحاق أيضاً بكسرها ، وخرج على أنه للجد في الهرب عن الساكنين بما هو الأصلي فتأمل وتذكر .
ومن باب الإشارة : قيل إن قوله سبحانه يس إشارة إلى سيادته عليه الصلاة و السلام على جميع المخلوقات فالسيد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة وهي ههنا جميع الخلق فكأنه قيل : يا سيد الخلق وتوليته عليه الصلاة و السلام عاليهم لأنه الواسطة العظمى في الإفاضة والإمداد وفي الخبر الله تعالى المعطي وأنا القاسم فمنزلته صلى الله تعالى عليه وسلم بأسره بمنزلة القلب من البدن فما ألطف افتتاح قلب القرآن بقلب الأكوان وفي السين بيناتها وزبرها أسرار لا تحصى وكذا في مجموع يس والقرآن قد يكون إشارة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فقد ذكر الصوفية أنه يشار إلى الإنسان الكامل وكذا الكتاب المبين وعلى ذلك جاء قول الشيخ الأكبر قدس سره : أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح الأواني ولا أحد أكمل من النبي عليه الصلاة و السلام
قوله تعالى : { يس } وإن قرأ بإخفاء النون فيهما : ابن عامر ، و الكسائي ، و أبو بكر وورش . بخلف عنه ، في نون والقلم ، والباقون يظهرون فيهما . واختلفوا في تأويل { يس } حسب اختلافهم في حروف التهجي ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : قسم ، ويروى عنه أن معناه : يا إنسان ، بلغة طيء ، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم ، وهو قول الحسن ، و سعيد بن جبير ، وجماعة . وقال أبو العالية : يا رجل . وقال أبو بكر الوراق : يا سيد البشر .
1- سورة " يس " من السور التي يحفظها كثير من الناس ، لاشتهارها فيما بينهم ، وهي السورة السادسة والثلاثون في ترتيب المصحف ، وكان نزولها بعد سورة " الجن " .
قال القرطبي : وهي مكية بإجماع ، وهي ثلاث وثمانون آية . إلا أن فرقة قالت : إن قوله –تعالى- : [ ونكتب ما قدموا وآثارهم . . . ] نزلت في بني سلمة من الأنصار ، حين أرادوا أن يتركوا ديارهم ، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم( {[1]} ) .
2- وقد ذكروا في فضلها كثيرا من الآثار ، إلا أن معظم هذه الآثار ضعفها المحققون من العلماء ، لذا نكتفي بذكر ما هو مقبول منها .
قال ابن كثير ما ملخصه : أخرج الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من قرأ " يس " في ليلة أصبح مغفورا له " . . .
وأخرج ابن حبان في صحيحه ، عن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ " يس " في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له " .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده ، عن معقل بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البقرة سنام القرآن ، ويس قلب القرآن . لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، واقرءوها على موتاكم " أي : في ساعات الاحتضار وعند خروج الروح .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان . قال : كان المشيخة يقولون : إذا قرئت –يعني يس- عند الميت ، خفف عنه بها( {[2]} ) .
وقال الآلوسي ما ملخصه : صح من حديث الإمام أحمد ، وأبي داود ، وابن ماجه ، والطبراني ، وغيرهم عن معقل بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يس قلب القرآن " .
وذُكِرَ أنها تسمى المُعِمَّةُ ، والمدافعة ، والقاضية ، ومعنى المعمة : التي تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة . ومعنى المدافعة التي تدفع عن صاحبها كل سوء ، ومعنى القاضية : التي تقضي له حاجة –بإذن الله وفضله( {[3]} ) .
3- وقد افتتحت سورة " يس " بتأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وبتكذيب أعدائه الذين أعرضوا عن دعوته ، وبتسليته عما أصابه منهم من أذى .
قال –تعالى- : [ يس والقرآن الحكيم . إنك لمن المرسلين . على صراط مستقيم . تنزيلي العزيز الرحيم . لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون . لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ] .
4- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك قصة أصحاب القرية ، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا إليهم لهدايتهم ، وكيف أهلك الله –تعالى- المكذبين لرسله . . .
قال –سبحانه- : [ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون . قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون . قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون . وما علينا إلا البلاغ المبين ] .
5- ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ، ألوانا من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، ومن نعمه على عباده ، تلك النعم التي نراها في الأرض التي نعيش عليها ، وفي الخيرات التي تخرج منها ، كما نراها في الليل والنهار . وفي الشمس وفي القمر ، وفي غير ذلك من مظاهر نعمه التي لا تحصى .
قال –تعالى- [ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ، وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون . وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ، وفجرنا فيها من العيون . ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون . سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض . ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ] .
6- وبعد هذا البيان الحكيم لمظاهر قدرة الله –تعالى- ، وفضله على عباده ، حكت السورة الكريمة جانبا من دعاوي المشركين الباطلة ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم ، وصورت أحوالهم عندما يخرجون من قبورهم مسرعين ، ليقفوا بين يدي الله –تعالى- للحساب والجزاء . . .
قال –تعالى- : [ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون . قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون . فاليوم لا تظلم نفس شيئا ، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ] .
7- وبعد أن تحكي السورة الكريمة ما أعده الله تعالى بفضله وكرمه لعباده المؤمنين ، من جنات النعيم ، ومن خير عميم ، تعود فتحكي ما سيكون عليه الكافرون من هم وغم ، وكرب وبلاء ، بسبب كفرهم ، وتكذيبهم للحق الذي جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم .
قال –تعالى- : [ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ، إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون . هذه جهنم التي كنتم توعدون . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ] .
8- ثم تنزه السورة الكريمة النبي صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به أعداؤه ، من أنه شاعر ، وتسليه عما أصابه منهم ، وتبين للناس أن وظيفته صلى الله عليه وسلم إنما هي الإنذار والبلاغ .
قال –تعالى- [ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين . لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ] .
إلى أن يقول –سبحانه- : [ فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ] .
9- ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث والحساب ، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم ، برشد كل عاقل إلى إمكانية البعث ، وأنه حق لا شك فيه . .
قال –تعالى- : [ أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين . وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ، قال من يحيي العظام وهي رميم . قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم . الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون . أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ، بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ] .
10- وبعد . فهذا عرض مجمل لسورة " يس " ومنه نرى أن هذه السورة الكريمة قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية الله –تعالى- وعلى كمال قدرته كما اهتمت بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق ، وعلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه . . .
كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار .
كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، يغلب عليه قصر الآيات ، وإيراد الشواهد المتنوعة على قدرة الله –تعالى- ، عن طريق مخلوقاته المبثوثة في هذا الكون ، والتي من شأن المتأمل فيها بعقل سليم ، أن يهتدي إلى الحق ، وإلى الصراط المستقيم .
وصدق الله –تعالى- في قوله : [ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ] .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، ،
قوله - تعالى - يس من الألفاظ التى اختلف المفسرون فى معناها ، فمنهم من يرى أن هذه الكلمة اسم للسورة ، أو للقرآن ، أو للرسول صلى الله عليه وسلم .
ومنهم من يرى أن معناها : يا رجل ، أو يا إنسان .
ولعل أرجح الأقوال أن هذه الكلمة من الألفاظ المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، للإِشارة إلى إعجاز القرآن الكريم ، وللتنبيه إلى أن هذا القرآن المؤلف من جنس الألفاظ التى ينطقون بها ، هو من عند الله - تعالى - ، وأنهم ليس فى إمكانهم أو إمكان غيرهم أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله . . .
قال الآلوسى : قوله - تعالى { يس } الكلام فيه كالكلام فى " ألم " ونحوه من الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور ، إعرابا ومعنى عند الكثيرين .
وظاهر كلام بعضهم أن " يس " بمجموعة ، اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم .
وقرأ جمع بسكون النون مدغمة فى الواو ، وقرأ آخرون بسكونها مظهرة ، والقراءتان سبعيتان . .
هذه السورة مكية كلها ، وفيها من جليل المعاني والأمثال وألوان التذكير والتحذير والعبر ما فيه للناس من بالغ المزدجر وما به ينبهر أولو النُُّهى ويزداد به النابهون الذاكرون يقينا بأن هذا القرآن معجز وأنه منزّل من لدن حكيم خبير مقتدر .
وتعْرضُ هذه السورة لفيض من الحقائق والمشاهد والعبر المختلفة التي تلتئم فيما بينها وتنسجم لتتكون من مجموعها هذه السورة المباركة الفضلى وهي سورة تفيض بالبركة والعظة والنور ، وفيها من بالغ المواعظ ما يمسُّ الحس والوجدان أوقع حس .
وفي بركة هذه السورة وعظيم شأنها أخرج أبو يعلى عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ يس في ليلة ، أصبح مغفورا له " وروى الإمام أحمد عن معقل بن يسار ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرؤوها على موتاكم " يعني يس . والمراد قراءتها عند الاحتضار تسهيلا لخروج الروح ؛ ولهذا قال بعض العلماء : إن من خصائص سورة يس أن لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسَّره الله تعالى ؛ وذلك لأن قراءتها عند الميت تتنزل بها الرحمة والبركة ، فيسهل عليه خروج الروح .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ يس ( 1 ) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 4 ) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 5 ) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ( 6 ) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } .
اختلفوا في المراد بقوله : { يس } على عدة أقوال منها : أن هذا قسم أقسمه الله ، وهو من أسماء الله تعالى . ومنها : أن { يس } يعني : يا إنسان بلسان الحبشة ، أو يا رجل . ومنها : أنه كنّى به النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : يا ياسين . أي يا سيد . ومنها : أنه اسم من أسماء القرآن . ومنها : أنه مفتاح كلام افتتح الله به كلامه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .