{ قَالَ ياقوم أَرَءيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةً } حجة ظاهرة { مّن رَّبّى } ومالك أموري { وَرَزَقَنِى مِنْهُ } من لدنه سبحانه { رِزْقًا حَسَنًا } هو النبوة والحكمة يدل على ذلك ، والجواب عليه من باب إرخاء العنان . والكلام المنصف كأنه عليه السلام قال : صدقتم فيما قلتم إني لم أزل مرشداً لكم حليماً فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة بكم ، أنظروا بعين الانصاف وأنتم ألباء إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي وأنا مرشدكم والناصح لكم أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك ؟ ثم إنه عليه السلام أكد معنى الإرشاد ، وأدرج معنى الحلم فيما سيأتي من كلامه صلى الله عليه وسلم كذا قرره العلامة الطيبي .
واختار شيخ الإسلام عدم كونه باقياً على الظاهر لما أن مقام الاستهزاء آب عنه ، وذكر قدس سره أن المراد بالبينة والرزق الحسن النبوة والحكمة ، وأن التعبير عنهما بذلك للتنبيه على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن كيف لا وذلك مناط الحياة الأبدية له عليه السلام ولأمته ؟ وأن هذا الكلام منه عليه السلام رد على مقالتهم الشنعاء المتضمنة زعم عدم استناد أمره ونهيه إلى سند ، ثم قال : وجواب الشرط محذوف يدل عليه فحوى الكلام أي أتقولون . والمعنى أنكم عددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصح أن يتفوه به عاقبل وجعلتموه من أحكام الوسوسة والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي وقلتم ، فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالك أموري ثابتاً على النبوة والحكمة التي ليس وراءها غاية للكمال ولا مطمح لطامح ورزقني لذلك رزقاً حسناً أتقولون في شأني وشأن أفعالي ما تقولون مما لا خير فيه ولا شر وراءه ؟ا وادّعى أن هذا هو الجواب الذي يستدعيه السياق ويساعده النظم الكريم .
وفسر القاضي الرزق الحسن بما آتاه الله تعالى من المال الحلال ، ومعنى كون ذلك منه تعالى أنه من عنده سبحانه وباعانته بلا كد في تحصيله ، وقدر جواب الشرط فهل يسع لي مع هذا الانعام الجامع للسعادة الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه ، وذكر أن هذا الكلام منه عليه السلاماعتذارا عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء ، وقدر بعضهم ما قدره العلامة الطيبي .
وزعم شيخ الإسلام أن ذينك التقديرين بمعزل عما يستدعيه السياق ، وأنهما إنما يناسبان إن حمل كلامهم على الحقيقة ؛ وأريد بالصلاة الدين حسبما نقل عن أبي مسلم . وعطاء ، ويكون المراد بالرزق الحسن على ذلك ما آتاه الله تعالى من الحلال فقط كما روي عن الضحاك .
ويكون المعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبيا من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين أيصح أن أخالف أمره أو أوافقكم فيما تأتون وما تذرون انتهى .
وأقول : لا يخفى أن المناسب للمقام حمل الرزق الحسن على ما آتاه الله تعالى من الحلال الخالي عن التطفيف والبخس ، وتقدير جواب الشرط نحو ما قدره القاضي ليس في الكلام ما يأبى عنه ، ولا يتوقف على حمل الكلام على الحقيقة والصلاة على الدين بل يتأتى تقدير ذلك ، ولو كان الكلام على سبيل التهكم والصلاة بالمعنى المتابدر بأن يقال : إنهم قاتلهم الله تعالى لما قالوا في ظلال الضلال وقالوا ما قالوا في حق نبيهم وما صدر منه من الأفعال لم يكن لهم مقصود إلا ترك الدعوة وتركهم وما يفعلون ، ولم يتعرض عليه السلام صريحاً لرد قولهم المتضمن لرميه وحاشاه بالوسوسة . والجنون . والسفه . والغواية إيذاناً بأن ذلك مما لا يستحق جواباً لظهور بطلانه وتعرض لجوابهم عما قصدوه بكلامهم ذلك بما يكون فيه قطع أطماعهم من أول الأمر مع الإشارة إلى رد ما تضمنته مقالتهم الشنعاء فكأنه عليه السلام قال لهم : يا قوم إنكم اجترأتم على هذه المقالة الشنيعة وضمنتموها ما هو ظاهر البطلان لقصد أن أترككم وشأنكم من عبادة الأوثان ونقص المكيال والميزان فأخبروني إن كنت نبياً من عند الله تعالى ومستتنيا بما رزقني من المال الحلال عنكم وعن غيركم أيصح أن أخالف وحيه وأوافق هواكم لا يكون ذلك من أصلا فإذن لا فائدة لكم في هذا الكلام الشنيع ، وربما يقال : إن في هذا الجواب إشارة إلى وصفهم بنحو ما وصفوه به عليه السلام كأنه قال : إن طلبكم مني ترك الدعوة وموافقة الهوى مع أني مأمور بدعوتكم وغنى عنكم مما لا يصدر عن عاقل ولا يرتكبه إلا سفيه غاو ، وكأن التعرض لذكر الرزق مع الكون على بينة للإشارة إلى وجود المقتضى وارتفاع ما يظن مانعاً ، ولا يخفى ما في إخراج الجواب على هذا الوجه من الحسن فتأمل .
بقي أن الذي ذكره النحاة على ما قال أبو حيان في مثل هذا الكلام أعني { أَرَأَيْتُ إِن كُنتُ } الخ أن تقدر الجملة الاستفهامية على أنها في موضع المفعول الثاني لأرأيتم المتضمنة معنى أخبروني المتعدية إلى مفعولين والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية ، وجواب الشرط ما يدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها ، والتقدير إن كنت على بينة من ربي فأخبروني هل يسع لي الخ فافهم ولا تغفل { وَمَا أُرِيدُ } بنهي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف { أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ } أي أقصده بعد ما وليتم عنه فأستبد به دونكم كما هو شأن بعض الناس في المنع عن بعض الأمور يقال : خالفني فلأن إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه ، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده .
قال في البحر : والظاهر على ما ذكروه أن { أَنْ أُخَالِفَكُمْ } في موضع المفعول به لأريد أي وما أريد مخلفتكم ، ويكون خالف بمعنى خلف نحو جاوز وجاز ، ويكون المعنى وما أريد أن أكون خلفاً منكم ، و { إلى } متعلقة بأخالف أو بمحذوف أي مائلاً إلى ما أنهاكم عنه ، وقيل : في الكلام فعل محذوف معطوف على المذكور أي وأميل إلى الخ ، ويجوز أن يبقى أخالف على ظاهره من املخالفة ، ويكون { ءانٍ } وما بعدها في موضع المفعول به لأريد ويقدر مائلاً إلى كما تقدم ، أو يكون { ءانٍ } وما بعدها في موضع المفعول له ، و { إلى مَا } متعلقاً بأريد أي وما أقصد لأجل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه ، وقال الزجاج في معنى ذلك : أي ما أقد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه { إِنْ أُرِيدُ } أي ما أريد بما أقول لكم { إِلاَّ الإصلاح } أي إلا أن أصلحكم بالنصيحة والموعظة { مَا استطعت } أي مدة استطاعتي ذلك وتمكني منه لا آلو فيه جهداً فما مصدرية ظرفية .
وجوز فيها أن تكون موصولة بدلاً من الإصلاح أي المقدار الذي استطعته أو { إِلاَّ الإصلاح } إصلاح ما استطعت ، وهي إما بدل بعض أو كل لأن المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه ، وقيل : بدل اشتمال ، وعليه وعلى الأول يقدر ضمير أي منه لأنه في مثل ذلك لا بد منه ؛ وجوز أيضاً أن تكون مفعولاً به للمصدر المذكور كقوله
: ضعيف النكاية أعداءه *** يخال الفرار يراخي الأجل
أي ما أريد إلا أن أصلح ما استذعت إصلاحه من فاسدكم ، والأبلغ الأظهر ما قدمناه لأن في احتمال البدلية إضماراً وفوات المبالغة ؛ وفي الاحتمال الأخير إعمال المصدر المعروف في المفعول به ، وفيه مع أنه لا يجوز عند الكوفيين . ويقل عند البصريين فواتها ، وزيادة إضمار مفعول { استطعت } { وَمَا تَوْفِيقِى } أي ما كوني موفقاً لتحقيق ما أتوخاه من إصلاحكم { إِلاَّ بالله } أي بتأييده سبحانه ومعونته .
واختار بعضهم أن يكون المراد وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته تعالى ومعونته والظاهر أن المراد وما كل فرد من أفراد توفيقي لما صرحوا به من أن المصدر المضاف من صيغ العموم ، ويؤول إلى هذا ما قيل : إن المعنى ما جنس توفيقي لأن انحصار الجنس يقتضي انحصار أفراده لكن على الأول بطريق المفهوم . وعلى الثاني بطريق المنطوق ، وتقدير المضاف بعد الباء مما التزمه كثير ، وفيه على ما قيل : دفع الاستشكال بأن فاعل التوفيق هو الله تعالى ، وأهل العربية يستقبحون نسبة الفعل إلى الفاعل بالباء لأنها تدخل على الآلة فلا يحسن ضربي بزيد ، وإنما يقال : من زيد ، فالاستعمال الفصيح بناءاً على هذا وما توفيقي إلا من عند الله ووجه الدفع بذلك التقدير ظاهر لأن الدخول ليس على الفاعل حينئذ .
وجوز أن يكون ذلك التقدير لما أن التوفيق وهو كون فعل العبد موافقاً لما يحبه الله تعالى ويرضاه لا يكون إلا بدلالة الله تعالى عليه ، ومجرد الدلالة لا يجدي بدون المعونة منه عز شأنه { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في ذلك ، أو في جميع أمور لا على غيره فإنه سبحانه القادر المتمكن من كل شيء ، وغيره سبحانه عاجز في حد ذاته بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار كما أشار إليه الكتاب وعاينه أولو البصائر والألباب { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي أرجع فيما أنا بصدده ، أو أقبل بشراشرى في مجامع أموري لا إلى غيره ، والجملة معطوفة على ما قبلها ، وكأن إيثار صيغة الاستقبال فيها على الماضي الأنسب للتقرر والتحقق كما في التوكل لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار ، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام مما لا يكاد يوجد في كلام خطيب إلا أن يكون نبياً .
وفي أنوار التنزيل أن لأجوبته عليه السلام الثلاثة يعني { يَسْتَقْدِمُونَ قُلْ أَرَءيْتُمْ } الخ { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ } الخ و { إِنْ أُرِيدُ } الخ على هذا النسق شأناً ، وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعى في كل ما يأته ويذره ثلاثة حقوق أهمها وأعلاها حق الله تعالى ، فإن الجواب الأول : متضمن بيان حق الله تعالى من شكر نعمته والاجتهاد في خدمته . وثانيها : حق النفس ، فإن الجواب الثاني متضمن بيان حق نفسه من كفها عما ينبغي أن ينتهي عنه غيره . وثالثها : حق الناس فإن الجواب الثالث متضمن للإشارة إلى أن حق الغير عليه إصلاحه وإرشاده ؛ وإنما لم يعطف قوله : { إِنْ أُرِيدُ } الخ على ما قبله لكونه مؤكداً ومقرراً له لأنه لو أراد الاستئثار بما نهى عنه لم يكن مريداً للإصلاح ، ولا ينافي هذا كونه متضمناً لجواب آخر ، وكأن قوله : { وَمَا تَوْفِيقِى } الخ إزاحة لما عسى أن يوهمه إسناد الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده بذلك ، ونظير ذلك { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [ الفاتحة : 5 ] وفيه مع ما بعده إشارة إلى محض التوحيد ، وقال غير واحد : إنه قد اشتمل كلامه عليه السلام على مراعاة لطف المراجعة ورفق الاستنزال والمحافظة على حسن المجاراة والمحاورة ، وتمهيد معاقد الحق بطلب التوفيق من جانبه تعالى والاستعانة به عز شأنه في أموره وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم ، قيل : وفيه أيضاً تهديدهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء ، وذلك من قوله : { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } لأن الرجوع إليه سبحانه يكنى به عن الجزاء وهو وإن كان هنا مخصوصاً به لاقتضاء المقام له لكنه لا فرق فيه بينه وبين غيره ، وفيه مع خفاء وجه الإشارة أن الإنابة إنما هي الرجوع الاختياري بالفعل إليه سبحانه لا الرجوع الاضطراري للجزاء وما يعمه ، وقد يقال : إن في قوله : { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } إشارة أيضاً إلى تهديدهم لأنه عز وجل الكافي المعين لمن توكل عليه لكن لا يتعين أن يكون ذلك تهديداً بالجزاء يوم القيامة .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا}، يعني: الإيمان، وهو الهدى، {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}، يعني: وما أريد أن أنهاكم عن أمر، ثم أركبه، لقولهم لشعيب في الأعراف: {أو لتعودن في ملتنا} [الأعراف: 88]. ثم قال: {إن أريد}، يعني: ما أريد {إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي} في الإصلاح بالخير {إلا بالله عليه توكلت}، يقول: به وثقت، لقولهم: {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} [الأعراف:88]، {وإليه أنيب}: وإليه المرجع بعد الموت..
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال، "وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقا حَسَنا"، يعني: حلالاً طيبا.
{وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ إلى ما أنهاكُمْ عَنْهُ}، يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعل خلافه، بل لا أفعل إلا بما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.
{إنْ أُرِيدُ إلاّ الإصْلاحَ}، يقول: ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم، {ما اسْتَطَعْتُ}، يقول: ما قدرت على إصلاحه، لئلا ينالكم من الله عقوبة منكلة بخلافكم أمره ومعصيتكم رسوله.
{وَما تَوْفِيقي إلاّ باللّه}، ِ يقول: وما إصابتي الحقّ في محاولتي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بالله، فإنه هو المعين على ذلك، إن لا يعنّي عليه لم أصب الحقّ فيه.
{عَلَيهِ تَوَكّلْتُ}، يقول: إلى الله أفوّض أمري، فإنه ثقتي وعليه اعتمادي في أموري. {وَإلَيْهِ أُنِيبُ}: وإليه أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي على علم وبيان وحجج وبرهان من ربي: أي تعلمون أني كنت على بيان من ربي وحجج (ورزقني منه رزقا حسنا) أي قال: هو رزقني رزقا حسنا الدين والهدى والنبوة على ما ذكرنا. وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك، وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
يمكن للواعظ أو الناصح أنْ يساهِل المأمورَ في كل ما يأمره به، ولكن يجب ألا يجيز له ما ينهاه عنه؛ فإنَّ الإتيانَ بجميع الطاعات غير مُمْكن، ولكنَّ التجرُّد عن جميع المحرَّمات واجبٌ. ويقال مَنْ لم يكنْ له حُكْمٌ على نفسه في المنع عن الهوى لم يكن له حُكْمٌ على غيره فيما يرشده إليه من الهدى. مَدَارُ الأمر إلى الأغراض المقضية حُسْنُ القصد بالإصلاح، فيَقْرِنُ اللَّهُ به حسن التيسير، ومَنْ انطوى على قصدٍ بالسوء وَكَلَ الحقُّ بشأنه التعويق. حقيقةُ التوفيق ما ينفق به الشيء، وفي الشريعة التوفيق ما تنفق به الطاعة، وهو قدرة الطاعة، ثم كل ما تقرب العبد به من الطاعة من توفير الدواعي وفنون المَنْهيات يُعدُّ من جملة التوفيق- على التوسُّع. والتوفيق بالله ومن اللهِ، وهو -سبحانه- بإعطائه متفضِّلٌ. التوكل: تفويض الأمر إلى الله، وأمارته تركُ التدبير بشهود التقدير، والثقة بالموعود عند عدم الموجود، ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب. ويقال التوكلُ: السكون والثقةُ بالمضمون. ويقال التوكل: سكون القلب بمضمون الرَّبّ...
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :
والتوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
والمعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك. يقال: خالفني فلان إلى كذا: إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولي عنه وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه؟ فيقول: خالفني إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صادراً. ومنه قوله تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ} يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم. {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح}: ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر {مَا استطعت} ظرف، أي: مدّة استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهداً. أو بدل من الإصلاح، أي: المقدار الذي استطعته منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف على قولك: إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت. أو مفعول له... {وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله} وما كوني موفقاً لإصابة الحق فيما آتي وأذر، ووقوعه موافقاً لرضا الله إلا بمعونته وتأييده، والمعنى: أنه استوفق ربه في إمضاء الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار على عدوّه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم فيه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن واستدعاء رفيق ونحوها عن محاورة شعيب عليه السلام، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك خطيب الأنبياء...
اعلم أنه تعالى حكى عن شعيب عليه السلام ما ذكره في الجواب عن كلماتهم فالأول قوله: {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا} وفيه وجوه:
الأول: أن قوله: {إن كنت على بينة من ربي} إشارة إلى ما آتاه الله تعالى من العلم والهداية والدين والنبوة.
{ورزقني منه رزقا حسنا} إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، فإنه يروى أن شعيبا عليه السلام كان كثير المال...
أنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية وهي البينة والسعادات الجسمانية وهي المال والرزق الحسن فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه وأن أخالفه في أمره ونهيه،... وهذا الجواب شديد المطابقة لما تقدم وذلك لأنهم قالوا له: {إنك لأنت الحليم الرشيد} فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا فكأنه قال إنما أقدمت على هذا العمل، لأن نعم الله تعالى عندي كثيرة وهو أمرني بهذا التبليغ والرسالة، فكيف يليق بي مع كثرة نعم الله تعالى على أن أخالف أمره وتكليفه...
{ورزقني منه رزقا حسنا} يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته وأنه لا مدخل للكسب فيه، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله تعالى فأنا لا أبالي بمخالفتكم ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أكون على تقرير دين الله تعالى وإيضاح شرائع الله تعالى...
{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم فهذا بيان اللغة، وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا بأنه حليم رشيد، وذلك يدل على كمال العقل، وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح، فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعلموا أن الذي اختاره عقلي لنفسي لا بد وأن يكون أصوب الطرق وأصلحها والدعوة إلى توحيد الله تعالى وترك البخس والنقصان يرجع حاصلها إلى جزأين، التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى وأنا مواظب عليهما غير تارك لهما في شيء من الأحوال البتة فلما اعترفتم لي بالحلم والرشد وترون أني لا أترك هذه الطريقة، فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق، وأشرف الأديان والشرائع...
واعلم أن المقصود من هذا الكلام أن القوم كانوا قد أقروا بأنه حليم رشيد، وإما أقروا له بذلك لأنه كان مشهورا فيما بين الخلق بهذه الصفة، فكأنه عليه السلام قال لهم إنكم تعرفون من حالي أني لا أسعى إلا في الإصلاح وإزالة الفساد والخصومة، فلما أمرتكم بالتوحيد وترك إيذاء الناس، فاعلموا أنه دين حق وأنه ليس غرضي منه إيقاع الخصومة وإثارة الفتنة، فإنكم تعرفون أني أبغض ذلك الطريق ولا أدور إلا على ما يوجب الصلح والصلاح بقدر طاقتي، وذلك هو الإبلاغ والإنذار، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه، ثم إنه عليه السلام أكد ذلك بقوله: {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} وبين بهذا أن توكله واعتماده في تنفيذ كل الأعمال الصالحة على توفيق الله تعالى وهدايته. واعلم أن قوله عليه السلام توكلت إشارة إلى محض التوحيد، لأن قوله عليه السلام توكلت يفيد الحصر، وهو أنه لا ينبغي للإنسان أن يتوكل على أحد إلا على الله تعالى وكيف وكل ما سوى الحق سبحانه ممكن لذاته فإن بذاته، ولا يحصل إلا بإيجاده وتكوينه، وإذا كان كذلك لم يجز التوكل إلا على الله تعالى وأعظم مراتب معرفة المبدأ هو الذي ذكرناه.
وأما قوله: {وإليه أنيب} فهو إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضا يفيد الحصر لأن قوله: {وإليه أنيب} يدل على أنه لا مرجع للخلق إلا إلى الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ذكر شعيب عليه السلام قال:"ذاك خطيب الأنبياء" لحسن مراجعته في كلامه بين قومه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما اتهموه بالقطيعة والسفه، شرع في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيه وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال: ما أجابهم به؟ فقيل: {قال يا قوم} مستعطفاً لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبهاً لهم على حسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف... وقد نبهت... الأجوبة الثلاثة على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ويذر أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق العباد على وجه الإخلاص في الكل فثبت ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن المقاصد -حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده، فلذلك أتبعه بما تضمن معناه مصرحاً به فقال: {إن} أي ما {أريد} أي شيئاً من الأشياء {إلا الإصلاح} وأقر بالعجز فقال: {ما استطعت} أي مدة استطاعتي للإصلاح وهو كما أردت فإن مالي- مع اجتنابي ما أنتم عليه -صالح، ليس بدون مال أحد منكم، فعلم، مشاهدة أن لا تبذير في العدل، وأما التوحيد فهو- مع انتفاء التهمة عنى فيه -دعاء إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلا منه ولا محيص عن الرجوع إليه؛ ثم تبرأ من الحول والقوة، وأسند الأمر إلى من هو له فقال: {وما توفيقي} إي فيما استطعت من فعل الإصلاح {إلا بالله} أي الذي له الكمال كله؛ ثم بين أنه الأهل لأن يرجى فقال مشيراً إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ {عليه} أي وحده {توكلت} ولما طلب التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ويذر من الله والاستعانة به في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم، وكان في قوله {ما استطعت} إقرار بأنه محل التقصير، أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر، وعبر عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديداً لهم فقال منبهاً على معرفة المعاد ليكمل الإيمان بالله واليوم الآخر: {وإليه} أي خاصة {أنيب} أي أرجع معنى سبقي للتوبة وحساً تيقني بالبعث بعد الموت؛ والتوفيق: خلق قدرة ما هو وفق الأمر من الطاعة، من الموافقة للمطابقة؛ والتوكل على الله: تفويض الأمر إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} أي يا قومي الذين أنا منهم وهم مني، وأحب لهم ما أحب لنفسي، أخبروني عن شأني وشأنكم إن كنت على حجة واضحة من ربي فيما دعوتكم إليه وما أمرتكم به وما نهيتكم عنه فكان وحيا منه لا رأيا مني. {ورزقني منه رزقا حسنا} في كثرته وفي صفته، وهو كسبه بالحلال بدون تطفيف مكيال ولا ميزان، ولا بخس لحق أحد من الناس، فأنا مجرب في الكسب الطيب وما فيه من خير وبركة، لا فقير معدم أخترع الآراء النظرية فيما ليس لي خبرة به، أي أرأيتم والحالة هذه ماذا أفعل؟ وماذا أقول لكم غير الذي قلته عن نبوة ربانية، وتجارب غنى مالية؟ هل يسعني الكتمان أو التقصير في البيان؟... {وما توفيقي إلا بالله} التوفيق ضد الخذلان، وهو الفوز والفلاح في إصابة الإصلاح، وكل عمل صالح وسعي حسن، فإن حصوله يتوقف على التوفيق بين شيئين: أحدهما كسب العالم وطلبه الشيء من طريقه، وثانيهما موافقة الأسباب الكونية والخارجية التي يتوقف عليها النجاح في كسبه وسعيه، وتسخيرها إنما يكون من الله وحده، والمعنى: وما توفيقي لإصابة ذلك فيما أستطيعه منه إلا بحول الله وقوته، وفضله ومعونته، وأعلاها ما خصني به دونكم من نبوته ورسالته...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ويتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه؛ ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم.. يتلطف في إشعارهم أنه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه؛ وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا، وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات؛ فهو لا يبغي كسبا شخصيا من وراء دعوته لهم؛ فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو لتخلو له السوق! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس. وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم كما يتوهمون: (قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، ورزقني منه رزقا حسنا؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب).. (يا قوم...).. في تودد وتقرب، وتذكير بالأواصر القريبة. (أرأيتم إن كنت على بينة من ربي؟).. أجد حقيقته في نفسي وأستيقن أنه هو يوحي إلي ويأمرني بما أبلغكم إياه. وعن هذه البينة الواضحة في نفسي، أصدر واثقا مستيقنا. (ورزقني منه رزقا حسنا).. ومنه الثروة التي أتعامل مع الناس مثلكم فيها. (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه). فأنهاكم ثم أذهب من خلفكم فأفعل ما نهيتكم عنه لأحقق لنفسي نفعا به! (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت).. الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه؛ وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي، ويضيع بعض الفرص. فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة؛ ويعوض عنهما كسبا طيبا ورزقا حلالا، ومجتمعا متضامنا متعاونا لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام! (وما توفيقي إلا بالله). فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي، وبما يجزي على جهدي. (عليه توكلت).. عليه وحده لا اعتمد على غيره. (وإليه أنيب).. إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور، وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي. ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير، فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط: فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب ا [لق] اسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
المراد بالرزق الحسن هنا مثل المراد من الرحمة في كلام نوح وكلام صالح عليهما السلام وهو نعمة النبوءة، وإنّما عبّر شعيب عليه السّلام عن النبوءة بالرزق على وجه التشبيه مشاكلة لقولهم: {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87] لأنّ الأموال أرزاق. والذي يظهر لي في معنى الآية أن المراد من المخالفة المعاكسة والمنازعة؛ إما لأنه عرف من ملامح تكذيبهم أنهم توهّموه ساعياً إلى التملك عليهم والتجبر، وإما لأنّه أراد أن يقلع من نفوسهم خواطر الشر قبل أن تهجس فيها. وهذا المحمل في الآية يسمح به استعمال التركيب ومقاصد الرسل وهو أشمل للمعاني من تفسير المتقدّمين، فلا ينبغي قصر تفسير الآية على ما قالوه لأنّه لا يقابل قول قومه {أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87]، فإنهم ظنوا به أنه مَا قَصَدَ إلاّ مخالفتهم وتخطئتهم ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه، فكان مقتضى إبطال ظِنّتِهم أن يَنفي أن يريد مجرد مخالفتهم، بدليل قوله عقبه {إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استطعت}. فمعنى قوله: {وما أريد أن أخالفكم} أنّه ما يريد مجرّد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم...
فهذا التفسير له وجه وجيه في هذه الآية. وفي هذا ما يدلّ على أن المنتقدين قسمان قسم ينتقد الشيء ويقف عند حد النقد دون ارتقاء إلى بيان ما يصلح المنقود. وقسم ينتقد ليبيّن وجه الخطأ ثم يعقبه ببيان ما يصلح خطأه. وعلى هذا الوجه يتعلّق {إلى ما أنهاكم} بفعل {أريد} وكذلك {أن أخالفكم} يتعلق ب {أريد} على حذف حرف لام الجر. والتقدير: ما أريد إلى النهي لأجل أن أخالفكم، أي لمحبة خلافكم. وجملة {إن أريد إلاّ الإصلاح مَا استطعت} بيان لجملة {ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} لأنّ انتفاء إرادة المخالفة إلى ما نهاهم عنه مجمل فيما يريد إثباته من أضداد المنفي فبيّنهُ بأنّ الضد المراد إثباته هو الإصلاح في جميع أوقات استطاعته بتحصيل الإصلاح، فالقصر قصر قلب، وأفادت صيغة القصر تأكيد ذلك لأن القصر قد كان يحصل بمجرد الاقتصار على النفي والإثبات نحو أن يقول: ما أريد أن أخالفكم أريد الإصلاح... ولما بيّن لهم حقيقة عمله وكان في بيانه ما يجر الثناء على نفسه أعقبه بإرجاع الفضل في ذلك إلى الله فقال: {وما توفيقي إلاّ بالله} فسمّى إرادته الإصلاح توفيقاً وجعله من الله لا يحصل في وقت إلاّ بالله، أي بإرادته وهديه، فجملة {وما توفيقي إلاّ بالله} في موضع الحال من ضمير {أريد}. والتوفيق: جعل الشيء وفقاً لآخر، أي طبقاً له، ولذلك عرفوه بأنه خلقُ القدرة والدّاعية إلى الطاعة.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
بعد أن قالوا للنبي كما فهمنا، إن ما أنت عليه من عقل ورشد يمنعك من دعوتنا إلى ترك ما عليه آباؤنا، وإلى منع متاجرنا، ومكاسبنا، يقول لهم مؤكدا أمورا ثلاثة: الأمر الأول: أنه على بينة من ربه، وإنه مبعوث لهذه الدعوة، ولذا يقول منبها: {أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} وفي قوله: {أرأيتم} تنبيه الاستفهام فيه للتقرير وإثارة الانتباه الشديد، وقوله: {إن كنت على بينة من ربي {(إن) هنا مخففة من نون التوكيد، أي أنه الأمر، والثاني {كنت على بينة} أي بيان برسالتي من ربي الذي خلقني ورباني وقام على شئون الوجود. الأمر الثاني: أن الله رزقه رزقا حسنا طيبا لا ظلم ولا تطفيف ولا تدليس ولا بخسا للناس بغير حق وأريد منكم رزقا، ولكن أريده رزقا حلالا طيبا، وفي ذلك دعوة إلى القدوة به. الأمر الثالث: إنه يطبق على نفسه ما يدعوهم إليه فيقول: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}، أي أن اقصد ما نهيتكم عنه وأنتم مولون، أي إني أبتدئ بالأخذ بالنهي في الأمور التي نهيتكم فلا أنهاكم وأفعل ما أنهاكم عنه، وذلك ليتخذوا منه قدوة طيبة، ولا أخلفكم أي لا أقصد خلفكم إلى ما نهيتكم، ثم بين أن ما يدعوهم إليه هو الخير الذي فيه صلاحهم في دنياهم وآخرتهم وإصلاح نفوسهم وجماعتهم، فقال: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
لكن شعيبا لا يسلك في الرد على قومه مسلكهم في المراء والاستهزاء، بل يرد عليهم الرد اللائق بمقام الأنبياء والمصلحين، مؤكدا لهم أن التعليمات التي بلغها إليهم عن ربهم ليست موجهة إليهم دونه، بل هو أول من ينفذها، وأنه ليس ممن يأمر بالبر غيره، ثم ينسى نفسه {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}. ثم عقب شعيب على ما دار بينه وبين كفار قومه بما يوضح الهدف الأساسي، من كل رسالة إلهية بعث الله بها إلى الناس، وهذه الرسالة تتلخص أولا وأخيرا في إصلاح أحوال الناس إصلاحا شاملا، تصلح معه عقيدتهم، وتصلح معه شريعتهم، ويصلح معه سلوكهم، ويصلح معه مجتمعهم، وتصلح معه معايشهم، وتصلح معه علاقاتهم.. وهكذا يتسرب الإصلاح إلى كل زاوية من زوايا حياتهم الظاهرة والباطنة، فيصبحون أمة فاضلة وصالحة، ويصبح مجتمعهم مجتمعا فاضلا وصالحا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا على لسان شعيب عليه السلام {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب}. وها هنا كلمتان في غاية الأهمية لا بد من الوقوف عندهما ولو قليلا، ألا وهما كلمة {الإصلاح} وكلمة {التوفيق}. فكلمة الإصلاح تعني على العموم الإتيان بما هو صالح ونافع ومناسب، من الصلاح، ضد الفساد، وأصل معنى "الفساد "في لغة العرب زوال منفعة الشيء وتعذر المقصود منه، وأطلق الفساد في لسان الشرع على الشرك بالله الذي هو منبع جميع الضلالات والبدع، وعلى إذاية الخلق، كما في قوله تعالى: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] سواء كانت تلك الإذاية عامة لمجموعهم، أو خاصة ببعضهم، فيكون الصلاح الذي هو ضد الفساد عبارة عن سلوك طريق الهدى والاستقامة، والعمل على نفع الخلق نفعا عاما أو خاصا، ويكون {الصالح} هو الذي قام بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد. والمراد بكلمة {التوفيق} هنا ضد الخذلان، من "الوفق بين الشيئين"، بمعنى التحامهما، ولم ترد كلمة التوفيق بمعنى عدم الخذلان في آية أخرى من كتاب الله. ونعمة التوفيق بهذا المعنى من أجل النعم التي أنعم الله بها على الخواص من عباده، فمن رزق نعمة التوفيق فقد رزق خيرا كثيرا
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{قَالَ يا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} لما أعيشه في مسألة الإيمان من وضوح الرؤيا والدلائل والبينات التي أكرمني بها الله، إلى درجة عدم إحساسي بأيّ حالة من حالات الشك والريب في صحة ما أنا عليه، وفي صدق ما أدعو له، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} بما أغدقه علي من نعمه وألطافه، وبما رزقني من رسالته، فلا بد لي من أن أقف لأدعو، وأتحرّك لأتحدّى بالأسلوب الذي يحقق القناعة للفكر، ويركّز القوة للموقف، ويبعث الامتداد في الدعوة، وليست المشكلة هي أن يرضى الناس أو لا يرضوا، بل كل مشكلتي، هي أن يرضى الله عما أقوم به في مجال تأدية الرسالة، وإخلاص الدعوة. {وَما أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}، فلم أنهكم عن شيء إلا وقد ألزمت نفسي بتركه، انطلاقاً من قناعتي بما يتضمنه من المفسدة، وما يؤدّي إليه من الضرر، وبذلك فإن موقفي ينطلق من موقع القناعة والإيمان، لا من موقع الرغبة في التحكّم بكم، والتضييق عليكم، والتقييد لحريتكم، كما تزعمون. لأجل ذلك، كان لا بد لي من إثارة الفكرة أمامكم، لحثكم على الدخول معي في نقاش فكريّ حولها، ولكنكم واجهتم المسألة باللاّمبالاة، وابتعدتم عن مسؤولية ما تحملونه من عقيدة، وما يُلقى عليكم من فكر، فاستسلمتم لعقائد آبائكم التي لا ترتكز على أساس، ولحرية الأهواء التي لا تخضع لقاعدة، فوقفتم هذا الموقف السلبيّ الساخر المتعنِّت. إن ذلك شأنكم في التصرف الذي سوف تتحملون مسؤوليته أمام الله، في الدنيا والآخرة، أما أنا فسأبقى في ساحة الرسالة من أجلكم، لأقدّم لكم النصح الذي يصلح أمر دنياكم وآخرتكم. دين الله لإصلاح الإنسان والحياة {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} هذا هو الشعار الذي أرفعه في حركة الرسالة، وهذا هو مضمون مفاهيمها وتشريعاتها، وهذا هو الهدف الذي أسعى إليه من وراء موقفي معكم ومع الناس، فليس لدي هدفٌ شخصيّ في ما أدعوكم إليه، ولا أريد ممارسة السيطرة عليكم ولا التحكم بكم، بل كل ما أريده تأدية الرسالة في إصلاح الإنسان والحياة، على هدى دين الله، ولذا فإنني ألتزم في نفسي وفي حياتي العملية بما أدعوكم إليه، وهل يريد الإنسان لنفسه إلا الخير، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ} وسأستمر في السير إلى الهدف، متطلعاً إلى توفيق الله ورعايته، معتمداً على الله فهو الذي يهيئ لعباده الأسباب، ويدبّر لهم الأمور. الله هو الكافي {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في كل ما أريد أن أقدم عليه، في إمكاناتي الذاتية التي رزقني بها الله، وفي كل ما يمكن أن يواجهني في حاضر الحياة ومستقبلها، من تهاويل المجهول الذي جعل الله أمره بيده، فهو الكافي له، والحامي منه، لأنه يكفي رسله من كل شيء، في حدود الحكمة والمصلحة، ولا يكفي منه شيء، لأنه القادر على ما لا يقدرون عليه، والمهيمن على كل شيء من مخلوقاته الناطقة والصامتة، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} فهو المرجع في الدنيا، والملاذ في الآخرة، وإليه المصير. وهذا هو موقف القوة الواعية التي أراد شعيب أن يعيشها في نفسه لئلا تهتز أمام ضغوطهم، وليبنيها لهم، حتى يشعروا بطبيعة القوة التي يملكها بالاعتماد على الله، والتوكل عليه في جميع أموره مما يجعل لموقفه قوة بارتكازه على الغيب أولاً، وعلى قوة شعيب الذاتية ثانياً...