{ قَالُواْ ياشعيب أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } من الأصنام أجابوا بذلك أمره عليه السلام إياهم بعبادة الله تعالى وحده المتضمن لنهيهم عن عبادة الأصنام وغرضهم منه إنكار الوحي الآملا لكنهم بالغوا في ذلك إلى حيث أنكروا أن يكون هناك آمر من العقل وزعموا أن ذلك من أحكام الوسوسة والجنون قاتلهم الله أني يؤفكون ، وعلى هذا بنوا استفهامهم وأخرجوا كلامهم وقالوا بطريق الاستهزاء : { *أصلاتك } التي هي من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين تأمرك بأن نترك ما استمر على عبادته آباؤنا جيلاً بعد جيل من الأوثان والتماثيل . وإنما جعلوه عليه السلام لم يكن يأمرهم من تلقاء نفسه بل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه مأمور بتبليغه إليهم ، وتخصيصهم إسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكام النبوة لأنه عليه السلام كان كثير الصلاة معروفاً بذلك ، بل أخرج ابن عساكر عن الأحنف أنه عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكوم فكانت هي من بين شعائر الدين ضحكة لهم ، وقيل : إن ذلك لأنه عليه السلام كان يصلي ويقول لهم : إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر ، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإلى الأول ذهب غير واحد ، وهذا الإسناد حقيقي لا مجازي غاية ما في الباب أنهم قصدوا الحقيقة تهكماً ، واختيار المضارع ليدل على العموم بحسب الزمان ، وقوله سبحانه : { تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ } على تقدير بتكليف أن نترك فحذف المضاف وهو تكليف ، فدخل الجار على { ءانٍ } ثم حذف وحذفه قبلها مطرد ، وعرف التخاطب في مثله يقتضي ذلك ، وقيل : إن الداعي إليه أن الشخص لا يكلف بفعل غيره لأنه غير مقدور له أصلاً ، وقيل : لا تقدير ، والمعنى أصلاتك تأمرك بما ليس في وسعك وعهدتك من أفاعيل غيرك وغرضهم من ذلك التعريض بركاكة رأيه وحاشاه عليه السلام ، والاستهزاء به من تلك الجهة ، وتعقب بأنه يأباه دخول الهمزة على الصلاة دون الأمر ، ويستدعي أن يصدر عنه عليه السلام في أثناء الدعوة ما يدل على ذلك أو يوهمه ، وأني ذلك ؟ فتأمل ، وقرأ أكثر السبعة أصلواتك بالجمع ، وأمر الجمع بين القراءتين سهل ، وقوله تعالى : { أَوْ أَن نَّفْعَلَ في * أموالنا *مَا نَشَؤُا } أجابوا به أمره عليه السلام بإيفاء الحقوق ونهيه عن البخس والنقص وهو عطف على { مَا } وأو بمعنى الواو أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا من التطفيف وغيره ، ولا يصح عطفه على { أَن نَّتْرُكَ } لاستحالة المعنى إذ يصير حينئذ تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاء من التطفيف وغيره وهم منهيون عن ذلك لا مأمورون به ، وحمل { مَا } على ما أشرنا إليه هو الظاهر ، وقيل : كانوا يقرضون الدراهم والدنانير ويجرونها مع الصحيحة على جهة التدليس فنهوا عن ذلك فقالوا ما قالوا ، وروي هذا عن محمد بن كعب ، وأدخل بعضهم ذلك الفعل في العثى في الأرض فيكون انلهي عنه نهياً عنه .
ولا مانع من اندراجه في عموم { مَا } ، وقرأ الضحاك بن قيس . وابن أبي عبلة . وزيد بن علي بالتاء في الفعلين على الخطاب فعالعطف على مفعول { تَأْمُرُكَ } أي أصلاتك تأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء أي من إيفاء المكيال والميزان كما هو الظاهر ، وقيل : من الزكاة ، فقد كان عليه السلام يأمرهم بها كما روي عن سفيان الثوري ، قيل : وفي الآية على هذا مع حمل الصلاة على ما يتبادر منها دليل على أنه كان في شريعته عليه السلام صلاة وزكاة ، وأيد بما روي عن الحسن أنه قال : لم يبعث الله تعالى نبياً إلا فرض عليه الصلاة والزكاة ، وأنت تعلم أن حمل { مَا * تَشَاء } على الزكاة غير متعين بل هو خلاف ظاهر السوق ، وحمل الصلاة على ذلك وإن كان ظاهراً إلا أنه روى ابن المنذر . وغيره عن الأعمش تفسيرها بالقراءة ، ونقل عن غيره تفسيرها بالدعاء الذي هو المعنى اللغوي لها .
وعن أبي مسلم تفسيرها بالدين لأنها من أجل أموره ، وعلى تقدير أن يراد منها الصلاة بالمعنى الآخر لا تدل الآية على أكثر من أن يكون له عليه السلام صلاة ، ولا تدل على أنها من الأمور المكلف بها أحد من أمته فيمكن أن يكون ذلك من خصوصياته عليه السلام ، وما وري عن الحسن ليس نصاً في الغرض كما لا يخفى ، هذا وجوز أن يكون العطف على هذه القراءة على { مَا } وتعقب بأنه يستدعي أن يحمل الترك على معنيين مختلفين ولا يترك على ما يتبادر منه .
وقرأ أبو عبد الرحمن . وطلحة بالنون في الأول والتاء في الثاني ، والعطف على مفعول { تَأْمُرُكَ } والمعنى ظاهر مما تقدم { إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد } وصفوه عليه السلام بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية ، فالمراد بهما ضد معناهما ، وهذا هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإليه ذهب قتادة . والمبرد .
وجوز أن يكونوا وصفوه بذلك بناءاً على الزعم ، والجملة تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه كأنهم قالوا : كيف تكلفنا بما تكلفنا مع أنك أنت الحليم الرشيد بزعمك ؛ وقيل : يجوز أن يكون تعليلاً باقياً على ظاهره بناءاً على أنه عليه السلام كان موصوفاً عندهم بالحلم والرشد ، وكان ذلك بزعمهم مانعاً من صدور ما صدر منه عليه السلام ، ورجح الأول بأنه الأنسب بما قبله لأنه تهكم أيضاً ، ورجح الأخير بأنه يكون الكلام عليه نظير ما مر في قصة صالح عليه السلام من قوله له : { قَدْ كنت * فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } [ هود : 62 ] وتعقيبه بمثل ما عقب به ذلك حسبما تضمنه قوله سبحانه :
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك}، يعني: أن نعتزل {ما} كان {يعبد آباؤنا}، وكانوا يعبدون الأوثان، {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء}، يعنون: إن شيئا نقصنا الكيل والميزان، وإن شئنا وفينا.
{إنك لأنت الحليم}... قالوا ذلك لشعيب استهزاء.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: قال قوم شعيب: يا شُعَيْبُ، أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ عبادة ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأوثان والأصنام، "أوْ أنْ نَفْعَلَ فِي أمْوَالِنا ما نَشاءُ"، من كسر الدراهم وقطعها، وبخس الناس في الكيل والوزن.
{إنّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ}، وهو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لم يكن ليفعله في حال الرضى، {الرّشِيدُ}، يعني: رشيد الأمر في أمره إياهم أن يتركوا عبادة الأوثان... وأما قولهم لشعيب: {إنّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرّشِيدُ}، فإنهم أعداء الله قالوا ذلك له استهزاء به، وإنما سفهوه وجهلوه بهذا الكلام.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال ابن عباس: قالوا ذلك له لأن شعيبا كان يكثر الصلاة كأنه يخرج على الإضمار؛ يقولون: أصلاتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا...
فتخصيص الصلاة من بين غيرها من الطاعات لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا. ثم يحتمل وجهين:
أحدهما: كأنهم قالوا: (أَصَلواتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) أو أن نفعل كذا على التسفيه له أو التجهيل... كمن يوبخ آخر ويسفهه ويقول: أعلمك يأمرك بذلك؟ وإيمانك يأمرك. هذا كقوله (بئس ما يأمركم به إيمانكم) [البقرة: 98] ونحوه من الكلام يخرج على التسفيه له أو التجهيل.
والثاني: يقال ذلك على الإنكار؛ يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا؛ أي لا يأمرك بذلك، يحتمل قول هؤلاء (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) أي لا يأمرك بذلك هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم. فإن لم تكن مرضية فالتأويل هو الأول. وقوله تعالى: (أصلواتك تأمرك...) حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم... والأموال التي كانت لهم، فمنعهم هذا عن النظر في الحجج والآيات لما حبب إليهم ذلك. وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات الله والتأمل في حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب الذات ودوام الرئاسات والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتعبوا رسل الله، وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه لذهب عنهم ذلك.
(أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) يحتمل قضاء جميع الشهوات ويحتمل ما ذكر من نقصان المكيال والميزان... يقولون أموالنا... ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها ما نشاء. وقال بعضهم: قوله (أو نفعل) [الألف صلة] [من م، ساقطة من الأصل] و (أن نفعل في أموالنا ما نشاء)...
(إنك لأنت الحليم الرشيد) أي كنت هكذا، فكيف تركت ذلك؟ وهو ما قال قوم صالح لصالح حين قالوا: (يا صالح قد كنت فينا مرجوا) [الآية: 62]...
{أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}. وإنما قيل أصلاتك تأمرك لأنها بمنزلة الآمر بالخير والناهي عن الشر، كما قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]... وعن الحسن: أدينك يأمرك؟ أي فيه الأمر بهذا...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
استوطؤوا مركب الجهل، واستحلبوا مشْربَ التقليد، وأعْفُوا قلوبَهم من استعمال الفكرِ، واستبصارِ طريقِ الرُّشدِ.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم: {أصلواتك تَأْمُرُكَ} السخرية والهزء -والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] وأن يقال: إنّ الصلاة تأمر بالجميل والمعروف، كما يقال: تدعو إليه وتبعث عليه- إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز وجعلوا الصلاة آمرة على سبيل التهكم بصلاته، وأرادوا أنّ هذا الذي تأمر به من ترك عبادة الأوثان باطل لا وجه لصحته، وأنّ مثله لا يدعوك إليه داعي عقل، ولا يأمرك به آمر فطنة، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان، وهو صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك، وعندهم أنها من باب الجنون ومما يتولع به المجانين والموسوسون من بعض الأقوال والأفعال...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وجعلوا الأمر من فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع: فمعنى هذا: ألما كنت مصلياً تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من الصلاة جسرته على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالى:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"...
اعلم أن شعيبا عليه السلام أمرهم بشيئين، بالتوحيد وترك البخس فالقوم أنكروا عليه أمره بهذين النوعين من الطاعة، فقوله: {أن نترك ما يعبد آباؤنا} إشارة إلى أنه أمرهم بالتوحيد.
وقوله: {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} إشارة إلى أنه أمرهم بترك البخس...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما كان حاصل ما دعاهم إليه ترك ما كان عليه آباؤهم من السفه في حق الخالق بالشرك والخلائق بالخيانة، وكان ذلك الترك عندهم قطيعة وسفهاً، كان ذلك محكاً للعقول ومحزاً للآراء يعرف به نافذها من جامدها، فكان كأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا يا شعيب} سموه باسمه جفاء وغلظة وأنكروا عليه مستهزئين بصلاته {أصلواتك تأمرك} أي تفعل معك فعل من كان يأمر دائماً بتكليفنا {أن نترك ما يعبد} أي على سبيل المواظبة {آباؤنا أو} نترك {أن نفعل} أي دائماً {في أموالنا ما نشاء} من قطع الدرهم والدينار وإفساد المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفساداً للمال، يعنون أن ما تأمرنا به لا يمشي على منهاج العقل، فما يأمرك به إلا ما نراك تفعله من هذا الشيء الذي تسميه صلاة... فمعنى الآية حينئذ: أما تعانيه من الصلوات: الحقيقية ذات الأركان، والمعنوية من الدعاء والاستغفار وجميع أفعال البر الحاملة على أنواع الوصل الناهية عن كل قطيعة تأمرك بمجاهرتنا لآبائنا بالقطيعة مع تقدير حضورهم ومشاهدتهم لما نفعل مما يخالف أغراضهم وبترك التنمية لأموالنا بالنقص وهو مع مخالفة أفعال الآباء تبذير فهو سفه -فدارت شبهتهم في الأمرين على تقليد الآباء وتنزيههم عن الغلط لاحتمال أن يكون لأفعالهم وجه من الصواب خفي عنهم، وزادت في الأموال بظن التبذير- فقد صرت بدعائنا إلى كل من الأمرين حينئذ داعياً إلى ضد ما أنت متلبس به {إنك} إذاً {لأنت} وحدك {الحليم} في رضاك بما يغضب منه ذوو الأرحام {الرشيد*} في تضييع الأموال، يريدون بهذا كما زعموا -سلخه من كل ما هو متصف به دونهم من هاتين الصفتين الفائقتين بما خيل إليهم سفههم أنه دليل عليه قاطع، وعنوا بذلك نسبته إلى السفه والغي على طريق التهكم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا} قرأ جمهور القراء [صلواتك] بالجمع، واستدل بها على أنه كان كثير الصلاة، وحمزة والكسائي [صلاتك] بالإفراد، والاستفهام للإنكار، والاستهزاء به وبعبادته عليه السلام، والصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر بما تكسبه من مراقبة الله تعالى، ومن نهى نفسه كان جديرا بأن ينهى غيره، يعنون أهذه الصلاة التي تداوم عليها تقتضي بتأثيرها في نفسك أن تحملنا على ما ترك ما كان عليه آباؤنا من عبادة هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها تقربا إلى الله بها، وتشفعا عنده بجاه الأرواح التي تحتلها، أو الأولياء التي وضعت لذكارهم، وما أنت خير منهم، وأجدر باتباعهم.
{أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} من تنمية واستغلال، وتصرف في الكسب من الناس بما نستطيع من حذق واحتيال، وخديعة واهتبال، وهو حجر على حريتنا، وتحكم في ذكائنا؟ ردوا بهذا وبما قبله عليه دعوته من جانبيها الديني والدنيوي نشرا مرتبا على لف، ونقضا لما بنيت عليه من حجة وعطف، ولذلك ذيلوه بما يشير إلى هذا النقض، فقالوا بصد التعريض والتنديد.
{إنك لأنت الحليم الرشيد} الحليم العاقل الكامل في أناته وترويه فلا يتعجل بأمر قبل الثقة من صحته، والرشيد الراسخ في هدايته وهديه، فلا يأمر إلا بما استبان به من الخير والرشد، ووصفه بهما وصفا مركبا بالجملة الاسمية وإن واللام في تعليل إنكارهم لما أمرهم به وما نهاهم عنه كلاهما صريح في الاستهزاء به، والتعريض بما يعتقدون من اتصافه بضدهما، وهو الجهالة والسفه في الرأي، والغواية في الفعل، بهوس الصلاة، قال ابن عباس [رضي الله عنه]: يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ولكن القوم كانوا قد عتوا ومردوا على الانحراف والفساد، وسوء الاستغلال: (قالوا: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ إنك لأنت الحليم الرشيد!).. وهو رد واضح التهكم، بين السخرية في كل مقطع من مقاطعه. وإن كانت سخرية الجاهل المطموس، والمعاند بلا معرفة ولا فقه. (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟).. فهم لا يدركون -أو لا يريدون أن يدركوا- أن الصلاة هي من مقتضيات العقيدة، ومن صور العبودية والدينونة. وأن العقيدة لا تقوم بغير توحيد الله، ونبذ ما يعبدونه من دونه هم وآباؤهم، كما أنها لا تقوم إلا بتنفيذ شرائع الله في التجارة وفي تداول الأموال وفي كل شأن من شئون الحياة والتعامل. فهي لحمة واحدة لا يفترق فيها الاعتقاد عن الصلاة عن شرائع الحياة وعن أوضاع الحياة. وقبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور السقيم لارتباط الشعائر بالعقيدة. وارتباطهما معا بالمعاملات.. قبل أن نمضي طويلا في تسفيه هذا التصور من أهل مدين قبل ألوف السنين، يحسن أن نذكر أن الناس اليوم لا يفترقون في تصورهم ولا في إنكارهم لمثل هذه الدعوة عن قوم شعيب. وأن الجاهلية التي نعيش فيها اليوم ليست أفضل ولا أذكى ولا أكثر إدراكا من الجاهلية الأولى! وأن الشرك الذي كان يزاوله قوم شعيب هو ذاته الشرك الذي تزاوله اليوم البشرية بجملتها -بما فيها أولئك الذين يقولون: إنهم يهود أو نصارى أو مسلمون- فكلهم يفصل بين العقيدة والشعائر. والشريعة والتعامل. فيجعل العقيدة والشعائر لله ووفق أمره، ويجعل الشريعة والتعامل لغير الله، ووفق أمر غيره.. وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله.. وإن كان لا يفوتنا أن اليهود وحدهم اليوم هم الذين يتمسكون بأن تكون أوضاعهم ومعاملاتهم وفق ما يزعمونه عقيدتهم وشريعتهم -وذلك بغض النظر عما في هذه العقيدة من انحراف وما في هذه الشريعة من تحريف- فلقد قامت أزمة في "الكنيست "مجلس تشريعهم في إسرائيل بسبب أن باخرة إسرائيلية تقدم لركابها -من غير اليهود- أطعمة غير شرعية. وأرغمت الشركة والسفينة على تقديم الطعام الشرعي وحده -مهما تعرضت للخسارة- فأين من يدعون أنفسهم "مسلمين!" من هذا الاستمساك بالدين؟!! إن بيننا اليوم -ممن يقولون: إنهم مسلمون!- من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق، وبخاصة أخلاق المعاملات المادية. وحاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم. يتساءلون أولا في استنكار: وما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ ما للإسلام والعري في الشواطئ؟ ما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ ما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل؟ ما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟ ما للإسلام وهذا الذي يفعله "المتحضرون "؟!.. فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟).. وهم يتساءلون ثانيا. بل ينكرون بشدة وعنف. أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد.. فما للدين والمعاملات الربوية؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي؟ لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد تفسده. وينكرون حتى على بعض أصحاب النظريات الاقتصادية الغربية -النظرية الأخلاقية مثلا- ويعدونها تخليطا من أيام زمان! فلا يذهبن بنا الترفع كثيرا على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى. ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله، والسلوك الشخصي في الحياة، والمعاملات المادية في السوق.. تتهمهم بالرجعية والتعصب والجمود!!! وما تستقيم عقيدة توحيد الله في القلب، ثم تترك شريعة الله المتعلقة بالسلوك والمعاملة إلى غيرها من قوانين الأرض. فما يمكن أن يجتمع التوحيد والشرك في قلب واحد. والشرك ألوان. منه هذا اللون الذي نعيش به الآن. وهو يمثل أصل الشرك وحقيقته التي يلتقي عليها المشركون في كل زمان وفي كل مكان! ويسخر أهل مدين من شعيب -كما يتوقع بالسخرية اليوم ناس على دعاة التوحيد الحق- فيقولون: (إنك لأنت الحليم الرشيد!).. وهم يعنون عكس معناها. فالحلم والرشد عندهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم بلا تفكير، وأن يفصلوا بين العبادة والتعامل في السوق! وكذلك هو عند المثقفين المتحضرين اليوم الذين يعيبون على المتعصبين الرجعيين!!!...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
كانت الصلاة من عماد الأديان كلّها. وكان المكذبون الملحدون قد تمالؤوا في كل أمة على إنكارها والاستهزاء بفاعلها {أتواصوا به بل هم قومٌ طاغون} [الذاريات: 53]، فلما كانت الصلاة أخص أعماله المخالفة لمعتادهم جعلوها المشيرة عليه بما بلّغه إليهم من أمور مخالفة لمعتادهم بناء على التناسب بين السبب والمسبب في مخالفة المعتاد قصداً للتهكم به والسخرية عليه تكذيباً له فيما جاءهم به، فإسناد الأمر إلى الصلوات غير حقيقي إذ قد علِم كل العقلاء أن الأفعال لا تأمر> والمعنى أنّ صلاته تأمره بأنهم يتركون، أي تأمره بأن يحملهم على ترك ما يعبد آباؤهم. إذ معنى كونه مأموراً بعمل غيره أنه مأمور بالسعي في ذلك بأن يأمرهم بأشياء. و {ما} في قوله: {ما يعبد آباؤنا} موصولة صادقة على المعبودات. ومعنى تركها ترك عبادتها كما يؤذن به فعل {يعبد}. ويجوز أن تكون {ما} مصدرية بتقدير: أن نترك مثل عبادة آبائنا...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
غير أن المستغلين الشرهين من قوم شعيب لم يتمالكوا أنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح ممكن، بأقل عوض ممكن، وهم يعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، وما دونه سفه وبله. ثم يختمون ردهم عليه بقول ظاهره المدح وباطنه القدح، فيقولون: {إنك لأنت الحليم الرشيد}، ومرادهم منه أن من يدعو إلى العدل والإنصاف في البيع والشراء مثل دعوته يعد في نظرهم جاهلا وسفيها، لا حليما ورشيدا، فالرشد في نظر المستغلين، تجارا أو غير تجار، هو ابتزاز أموال الناس بأدنى مقابل، أو بدون مقابل بتاتا، وهذه سنتهم المتوارثة في كل عصر وجيل...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
السخرية سلاح القوم... وهكذا ينتهي حديث شعيب في الدعوة إلى توحيد الله، وفي تطبيق تعليماته، ليبدأ ردّهم عليه، فماذا قالوا؟ هل ناقشوا التوحيد كفكرة في مقابل فكرة الشرك؟ أو هل دافعوا عن فكرة التطفيف من الموقع الذي هاجمه شعيب؟ هل أكدوا فكرة الصلاح فيها، في مواجهة ما أثاره من فكرة الفساد والإفساد، لتكون القضية هي قضية فكر يواجه فكراً؟ إنهم لم يفعلوا ذلك، بل لجأوا إلى أسلوب الإثارة لمواجهة الموقف معتمدين على السخريّة، والكلمات الاستعراضية التي لا ترتكز على حجّة أو دليل بغرض التهرُّب من المسؤولية، وتحطيمه نفسياً. وأخذوا يسخرون من صلاته باعتبارها المظهر البارز لتوحيد العبادة لله، والخط الفاصل بين موقفه وموقفهم، حسب ما ورد في دعوته لهم إلى عبادة الله بأسلوب الصلاة، فحاولوا أن ينظروا إليها باستهانةٍ وازدراءٍ وتهكّمٍ، باعتبارها مصدر الإيحاء في حديثه، فهم لم يجدوا فيها شيئاً مهماً، شكلاً ومضموناً، لأنهم لا يستطيعون استيعاب المعنى الروحي العميق للصلاة، لأن تأثيراتها لا تتمثل في الشكل، بل تحتاج إلى المعاناة الداخلية التي تثير الفكر، وتهز الكيان، وتوقظ الروح...
{أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشاء} إنك تتحدث إلينا بلغة غير سليمة، فلا علاقة للصلاة بأموالنا، ولا علاقة للتوحيد والشرك في ذلك، ولا علاقة لك أنت بأموالنا التي ورثناها من آبائنا، أو التي حصلنا عليها بجدّنا وجهدنا وسعينا، فهي تخصنا وحدنا، وليس لأحد أن يفرض علينا كيفية التصرف بها؛ إننا نملك فيها كل الحرّية التي هي فوق كل أمرٍ، وفوق كل تشريع...
محاولات غير مجدية لاحتواء الرسول {إِنَّكَ لأنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} بما تملكه من هدوء الطبع وسعة الأفق، وعمق النظرة للأمور بحيث تراعي الموازين الحقيقية للأشياء، فكيف صدر منك هذا التصرف، وهذا الكلام الذي يدّل على النزق، وعلى عدم الحكم السليم على القضايا؟ إنهم يحاولون بهذا الأسلوب القيام بعملية تطويق عاطفيّ، واحتواءٍ نفسي له، بإثارة شعوره بمكانته الرفيعة عندهم، كي يقوده ذلك إلى التراجع عن موقفه، ليحتفظ بهذه المكانة، كما هو شأن الكثير من الناس الذين يريدون الحصول على ثقة المجتمع، بالانسجام مع ما يحب ويرغب. ولكن أنبياء الله لا يعيشون لأنفسهم، بل يعيشون لرسالتهم، ولذلك فإنّهم لا يتنازلون عن خط الرسالة لحساب الذات، وإذا أرادوا الوصول إلى ثقة المجتمع، فإنما يريدونها على أساس الثقة بالرسالة، لتكون قيمة الذات، في ما تجسّده من السلوك الرساليّ، لا في ما تجسّده من صفات الذات، ولذلك رأينا النبيّ شعيب يقف أمامهم بقوّة من دون أيّ تأثّرٍ عاطفيّ بما قالوه...