روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ} (48)

{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ } الهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام . والرؤية بصرية مؤدية إلى التفكر والضمير للذين مكروا السيئات أي ألم ينظر هؤلاء الماكرون ولم يروا متوجهين { إلى مَا خَلَقَ الله } .

وقيل : الضمير للناس الشامل لأولئك وغيرهم والإنكار بالنسبة إليهم . وقرأ السلمي . والأعرج . والإخوان { أَوَ لَمْ * تَرَوْاْ } بتاء الخطاب جرياً على أسلوب قوله تعالى : { فَإِنَّ رَبَّكُمْ } [ النحل : 47 ] كما أن الجمهور قرءوا بالياء جرياً على أسلوب قوله تعالى : { أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ } [ النحل : 45 ] وذكر الخفاجي وغيره أن قراءة التاء على الالتفات أو تقدير قل أو الخطاب فيها عام للخلق و { مَا } موصولة مبهمة ، وقوله تعالى : { مِن شَىْء } بيان لها لكن باعتبار صفته وهي قوله تعالى : { يَتَفَيَّأُ ظلاله } فهي المبينة في الحقيقة والموصوف توطئة لها وإلا فأي بيان يحصل به نفسه ، والتفيؤ تفعل من فاء يفيء فيئاً إذا رجع وفاء لازم وإذا عدى فبالهمزة أو التضعيف كأفاءه الله تعالى وفيأه فتفيأ وتفيأ مطاوع له لازم ، وقد استعمله أبو تمام متعدياً في قوله من قصيدة يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني :

طلبت ربيع ربيعه الممهى لها . . . وتفيأت ظلاله ممدوداً

ويحتاج ذلك إلى نقل من كلام العرب ، والظلال جمع ظل وهو في قول ما يكون بالغداة وهو ما لم تنله الشمس والفيء ما يكون بالعشي وهو ما انصرفت عنه الشمس وأنشدوا له قول حميد بن ثور يصف سرحة وكنى( {[531]} ) بها عن امرأة :

فلا الظل من برد الضحى تستطيعه . . . ولاالفىء من برد العشي تذوق

ونقل ثعلب عن رؤبة ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل وما لم تكن عليه فهو ظل فالظل أعم من الفيء ، وقيل : هما مترادفان يطلق كل منهما على ما كان قبل الزوال وعلى خلافه ، وأنشد أبو زيد للنابغة الجعدي :

فسلام الإله يغدو عليهم . . . وفيوء الفردوس ذات الظلال

والمشهور أن الفيء لا يكون إلا بعد الزوال ، ومن هنا قال الأزهري : إن تفيء الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار ، وقال أبو حيان : إن الاعتبار من أول النهار إلى آخره ، وإضافة الظلال إلى ضمير المفرد لأن مرجعه وإن كان مفرداً في اللفظ لكنه كثير في المعنى ، ونظير ذلك أكثر من أن يحصى ، والمعنى أو لم يروا الأشياء التي ترجع وتتنقل ظلالها { عَنِ اليمين والشمآئل } والمراد بها الأشياء الكثيفة من الجبال والأشجار وغيرها سواء كان جماد أو إنساناً على ما عليه بعض المفسرين ، وخصها بعضهم بالجمادات التي لا يظهر لظلالها أثر سوي التفيء بواسطة الشمس على ما ستعلمه إن شاء الله تعالى دون ما يشمل الحيوان الذي يتحرك ظله بتحركه ، وكلا القولين على تقدير كون { مِنْ } بيانية كما سمعت ؛ وذهب بعض المحققين إلى العموم لكنه جعل من ابتدائية متعلقة بخلق والمراد بما خلقه من شيء عالم الأجسام المقابل لعالم الروح والأمر الذي لم يخلق من شيء بل وجد بأمر كن كما قال سبحانه :

{ ألا لَهُ الخلق والأمر } [ الأعراف : 54 ] ، ولا يخفى بعده ، واعترض أيضاً بأن السموات والجن من عالم الأجسام والخلق ولا ظل لها ومقتضى عموم { مَا } أنه لا يخلو شيء منها عنه بخلاف ما إذا جعلت من بيانية و { *يتفيؤ } صفة شيء مخصصة له . ورد بأن جملة { *يتفيؤ } حينئذ ليست صفة لشيء إذ المراد إثبات ذلك لما خلق من شيء لإله وليس صفة لما لتخالفهما تعريفاً وتنكيراً بل هي مستأنفة لإثبات أن له ظلالاً متفيئة وعموم { فِى مَا } لا يوجب أن يكون المعنى لكل منه هذه الصفة .

وتعقب بأنه إن أريد أنه لا يقتضي العموم ظاهراً فممنوع وإن أريد أنه يحتمل فلا يرد رداً لأنه مبني على الظاهر المتبادر ، والمراد باليمين والشمائل على ما قيل جانباً الشيء استعارة من يمين الإنسان وشماله أو مجازاً من إطلاق المقيد على المطلق أي ألم يروا الأشياء التي لها ظلال متفيئة عن جانبي كل واحد منها ترجع من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس وانحدارها أو باختلاف مشارقها ومغاربها فإن لها مشارق ومغارب بحسب مداراتها اليومية حال كون تلك الظلال { سُجَّدًا لِلَّهِ } أي منقادة له تعالى جارية على ما أراد من الامتداد والتقلص وغيرهما غير ممتنعة عليه سبحانه فيما سخرها له وهو المراد بسجودها ، وقد يفسر باللصوق في الأرض أي حال كونها لاصقة بالأرض على هيئة الساجد ، وقوله تعالى : { وَهُمْ داخرون } حال من ضمير { ظلاله } الراجع إلى شيء ، والجمع باعتبار المعنى وصح مجيء الحال من المضاف إليه لأنه كالجزء ، وإيراد الصيغة الخاصة بالعقلاء لما أن الدخور من خصائصهم فإنه التصاغر والذل ، قال ذو الرمة :

فلم يبق إلا داخر في مخيس( {[532]} ) . . . ومنحجر في غير أرضك في حجر

فالكلام على الاستعارة أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب ، ووجه التعبير بهم يعلم مما ذكر ، ويجوز أن يعتبر وجهه أولاً ويجعل ما بعده جارياً على المشاكلة له أي والحال أن أصحاب تلك الظلال ذليلة منقادة لحكمه تعالى ، ووصفها بالدخور مغن عن وصف ظلالها به ، وجوز كون { سُجَّدًا } والجملة حالين من الضمير أي ترجع ظلال تلك الأجرام حال كون تلك الأجرام منقادة له تعالى داخرة فوصفها بهما مغن عن وصف ظلالها بهما .

والمراد بالسجود أيضاً الانقياد سواء كان بالطبع أو بالقسر أو بالإرادة ، فلا يرد على احتمال أن يكون المراد { بِمَا خَلَقَ } شاملاً للعقلاء وغيرهم كيف يكون { سُجَّدًا } حالاً من ضميره وسجود العقلاء غير سجود غيرهم .

وحاصل ما أشرنا إليه أن ذلك من عموم المجاز ، والأمر على احتمال أن يراد من ذاك الجمادات ظاهر ، وزعم بعضهم أن السجود حقيقة مطلقاً وهو الوقوع على الأرض على قصد العبادة ويستدعي ذلك الحياة والعلم لتقصد العبادة ، وليس بشيء كما لا يخفى ، ثم إن قلنا على هذا الوجه : إن الواو حالية كما أشير إليه فالحالات مترادفتان ، وتعدد الحال جائز عند الجمهور ، ومن لم يجوز جعل الثانية بدل اشتمال أو بدل كل من كل كما فصله السمين ، وإن قلنا : إنها عاطفة فلا تكون الحال مترادفة بل متعاطفة ، وقال أبو البقاء : { سُجَّدًا } حال من الظلال { وَهُمْ داخرون } حال من الضمير في { سُجَّدًا } ويجوز أن يكون حالاً ثانية معطوفة اه ، وفيه القول بالتداخل وهو محتمل على تقدير كون { سُجَّدًا } حالاً من ضمير { ظلاله } والوجه الأول هو المختار عند الزمخشري ، ورجحه في «الكشف » فقال : إن انقياد الظل وذي الظل مطلوب ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { وظلالهم بالغدو والاصال } [ الرعد : 15 ] فجاعلهما حالاً من الضمير في { ظلاله } مقصر ، وفيه تكميل حسن لما وصف الظلال بالسجود وصف أصحابها بالدخور الذي هو أبلغ لأنه انقياد قهري مع صفة المنقاد ، ولم يجعل حالاً من الراجع إلى الموصول في { خَلَقَ الله } إذ المعنى على تصوير سجود الظل وذيه وتقارنهما في الوجود لا على مقارنة الخلق والدخور ، والعامل في الحال الثاني { *يتفيؤ } على ما قال ابن مالك في قوله تعالى : { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ البقرة : 135 ] اه ، ومنه يعلم ما في إعراب أبي البقاء . نعم أن في هذا الوجه بعداً لفظياً والأمر فيه هين ، وأما جعل { وَهُمْ داخرون } { وانشق القمر وَإِن يَرَوْاْ } فمما لا يصح بحال كما لا يخفى .

هذا وذكر الإمام في اليمين والشمال قولين غير ما تقدم . الأول : أن المراد بهما المشرق والمغرب تشبيهاً لهما بيمين الإنسان وشماله فإن الحركة اليومية آخذة من المشرق وهوى أقوى الجانبين فهو اليمين والجانب الآخر الشمال فالظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض وعند الزوال تبتدىء من الغرب واقعة على الربع الشرقي منها . والثاني : يمين البلد وشماله ، وذلك أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل الكلي وهو «كجل يز أو كحله » على اختلاف الارصاد فإن في الصيف تحصل الشمس على يمين تلك البلدة وحينئذ تقع الإظلال على يسارها وفي الشتاء بالعكس ، ولا يخفى ما في الثاني فإنه مختص بقطر مخصوص والكلام ظاهر في العموم ، وقيل : المراد باليمين والشمال يمين مستقبل الجنوب وشماله ، و { عَنْ } كما قال الحوفي متعلقة { *بيتفيؤ } وقال أبو البقاء : متعلقة بمحذوف وقع حالاً ، وقيل : هي اسم بمعنى جانب فتكون في موضع نصب على الظرفية ، ولهم في توحيد { عَنِ اليمين } وجمع { *الشمائل } وهو جمع غير قياسي كلام طويل .

فقيل : إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ المفرد كقوله تعالى : { جَعَلَ * الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] و { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ } [ البقرة : 7 ] وقيل : إذا فسرنا اليمين بالمشرق كان النقطة التي هي مشرق الشمس واحدة بعينها فكانت اليمين واحدة ، وأما الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الاظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة فلذلك عبر عنها بصيغة الجمع ، وقيل : اليمين مفرد لفظاً لكنه جمع معنى فيطابق الشمائل من حيث المعنى ، وقال الفراء : إنه يحتمل أن يكون مفرداً وجمعاً فإن كان مفرداً ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإن جان جمعاً ذهب إلى كلها لأن ما خلق الله لفظه واحد ومعناه الجمع ، وقال الكرماني : يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف لأن الظل يفيء من الجهات كلها فبدأ باليمين لأن ابتداء التفيء منها أو تيمناً بذكرها ، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين الشمال واليمين من التضاد ، ونزل الخلف والقدام منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف ، وهو قريب من الأول . وتعقب بأن فيه جمع اللفظ باعتبار حقيقته ومجازه وفي صحته مقال ، وقيل : المراد باليمين يمين الواقف مستقبل المشرق ويسمى الجنوب وبالشمال شماله فكأنه قيل : يتفيؤ ظلاله عن الجنوب إلى الشمال وعن الشمال إلى الجنوب ولما كان غالب المعمورة شمالي وظلالها كذلك جمع الشمال ولم يجمع اليمين ، وهو كما ترى ، ونقل أبو حيان عن أستاذه الحسن علي بن الصائغ أنه أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين لأن ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى مه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة ، وهو في العشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات فلحظت الغايتان ، هذا من جهة المعنى وأما منجهة اللفظ فجمع الثاني ليطابق { سُجَّدًا } المجاور له شمالاً كما أفرد الأول ليطابق ضمير { ظلاله } المجاور له يميناً ، ولا يخفى ما في التقديم والتأخير من حسن رعاية الأصل والفرع أيضاً ، فحصل في الآية مطلقة اللفظ للمعنى وملاحظتهما معاً وتلك الغاية في الإعجاز ، ويخطر لي وجه آخر في الأفراد والجمع مبني على أن المراد باليمين جهة المشرق وبالشمال جهة المغرب ، وهو أنه لما كانت الجهة الأولى مطلع النور والجهة الثانية مغربه ومظهر الظلمة أفرد ما يدل على الجهة الأولى كما أفرد { النور } في كل القرآن ، وجمع يدل على الجهة الثانية كما جمع الظلمة كذلك وإفراد النور وجمع الظلمة تقدم الكلام فيهما ، وقد يقال : إن جمع الظلال مع إفراد ما قبله وما بعده لأن الظل ظلمة حاصلة من حجب الكثيف الشمس مثلاً عن أن يقع ضوؤها على ما يقابله فجمعت الظلال كما جمعت الظلمات ، ولا يعكر على هذا أنه جمعت المشارق في القرآن كالمغارب إذ كثيراً ما يرتكب أمر لنكتة في مقام ولا يرتكب لها في مقام آخر ، وآخر أيضاً وهوأنه لما كان اليمين عبارة عن جهة المشرق وهو مبدأ الظل وحده مناسبته لتوحيد المبدأ الحقيقي وهو الله تعالى ولا كذلك جهة المغرب ، ولايناسب رعاية نحو هذا في الشمال كما يرشدك إلى ذلك و { كِلْتَا * يَدَيْهِ * يَمِينٍ } ويعين على ملاحظة المبدئية نسبة الخلق إليه تعالى ، وآخر أيضاً وهو أن الظل الجائي من جهة المشرق لا يتعلق به أمر شرعي والجائي من جهة المغرب يتعلق به ذلك ، فإن صلاة الظهر يدخل وقتها بأول حدوثه من تلك الجهة بزوال الشمس عن وسط الماء ، ووقت العصر بصيرورته مثل الشاخص أو مثليه بعد ظل الزوال إن كان كما في الآفاق المائلة ، ووقت المغرب بشموله البسيطة بغروب الشمس ، وما ألطف وقوع { سُجَّدًا } بعد { الشمائل } على هذا ؛ وآخر أيضاً وهو أوفق بباب الإشارة وسيأتي فيه إن شاء الله تعالى الفتاح ، وبعد لمسلك الذهن اتساع فتأمل فلعل ما ذكرته لا يرضيك .

وقد بين الإمام أن اختلاف الظلال دليل على كونها منقادة لله تعالى خاضعة لتقديره وتدبيره سبحانه ، ثم قال : فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اختلافها معلل باختلاف الشمس ؟ قلنا : قد دللنا على أن الجسم لا يكون متحركاً لذاته فلا بد أن يكون تحركه من غيره ولا بد من الاستناد بالآخرة إلى واجب الوجود جل شأنه فيرجع أمر اختلاف الظلال إليه تعالى على هذا التقدير .

وأنت تعلم أنه لا ينبغي أن يتردد في أن السبب الظاهري للظلال هو الشمس ونحوها وكثافة الشاخص ، نعم في كون ذلك مستنداً إليه تعالى في الحقيقة ابتداء أو بالواسطة خلاف ، ومذهب السلف غير خفي عليك فقد أشرنا إليه غير مرة فتذكره إن لم يكن على ذكر منك ، ثم الظاهر أن المراد بالظلال الظلال المبسوطة وتسمى المستوية ، ويجوز أن يراد بها ما يشمل الظلال المعكوسة فإنها أيضاً تتفيؤ عن اليمين والشمائل فاعرف ذلك ولا تغفل ، وقرأ أبو عمرو . وعيسى . ويعقوب { *تتفيؤ } بالتاء على التأنيث ، وأمر التأنيث والتذكير في الفعل المسند لمثل الجمع المذكور ظاهر .

وقرأ عيسى { يَتَفَيَّأُ ظلاله } وهو جمع ظلة كحلة وحلل ؛ قال «صاحب اللوامح » : الظلة بالضم الغيم وأما بالكسر فهو الفىء والأول جسم والثاني عرض ، فرأى عيسى أن التفيؤ الذي هو الرجوع بالأجسام أولى ، وأما في العامة فعلى الاستعارة اه ، ويلوح منه القول بالقراءة بالرأي ، ومن الناس من فر الظلال في قراءة العامة بالأشخاص لتكون على نحو قراءة عيسى ، وأنشدوا لاستعمال الظلال في ذلك قول عبدة :

إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية . . . وفار للقوم باللحم المراجيل

فإنه إنما تنصب الأخبية لا الظل الذي هو الفيء ، وقول الآخر :

يتبع أفياء الظلال عشية . . . فإنه أراد أفياء الأشخاص . وتعقب ذلك الراغب بأنه لا حجة فيما ذكر فإن قوله : رفعنا ظل أخبية معناه رفعنا الأخبية فرفعنا بها ظلها فكأنه رفع الظل ، وقوله : أفياء الظلال فالظلام فيه عام والفيء خاص والإضافة من إضافة الشيء إلى جنسه ، وقال بعضهم : المراد من الظلة في قراءة عيسى الظل الذي يشبه الظلة ، والمراد بها شيء كهيئة الصفة في الانتفاع به وقيل : الكلام في تلك القراءة على حذف مضاف أي ظلال ظلله ، وتفسير الظلة بما هو كهيئة الصفة ، والمتبادر من الظل حينئذ الظل المعكوس .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شيء } أي ذات وحقيقة مخلوقة أية ذات كانت { يَتَفَيَّأُ ظلاله } قيل : أي يتمثل صوره ومظاهره { عَنِ اليمين } جهة الخير { والشمآئل } [ النحل : 48 ] جهات الشرور ، ولما كانت جهة اليمين إشارة إلى جهة الخير الذي لا ينسب إلا إليه تعالى وحد اليمين ولما كانت جهة الشمال اشارة إلى جهة الشر الذي لا ينبغي أن ينسب إليه تعالى كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه وسلم : «والشر ليس إليك » ولكن ينسب إلى غيره سبحانه وكان في الغير تعدد ظاهر جمع الشمال .

وقيل في وجه الأفراد والجمع : إن جميع الموجودات تشترك في نوع من الخير لا تكاد تفئ عنه وهو العشق فقد برهن ابن سينا على سريان قوة العشق في كل واحد من الهويات ولا تكاد تشترك في شر كذلك فما تفئ عنه من الشر لا يكون إلا متعدداً فلذا جمع الشمال ولا كذلك ما تفئ عنه من الخير فلذا أفرد اليمين فليتأمل


[531]:- حيث يقول: أبى الله إلا أن سرحة مالك على كل أفنان العضاة تروق اهـ منه.
[532]:- أي سجن اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ} (48)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم وعظ كفار مكة ليعتبروا في صنعه، فقال سبحانه: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} في الأرض، {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا}، وذلك أن الشجر والبنيان والجبال والدواب وكل شيء إذا طلعت عليه الشمس يتحول ظل كل شيء عن اليمين قبل المغرب، فذلك قوله سبحانه: {يتفيأ ظلاله}، يعني: يتحول الظل، فإذا زالت الشمس، تحول الظل عن الشمال قبل المشرق، كسجود كل شيء في الأرض لله تعالى... {لله}، يقول: {وهم داخرون}، يعني: صاغرون.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

... أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم شجر أو جبل أو غير ذلك "يَتَفَيّأُ ظِلالَهُ عَنِ اليَمِينِ والشّمَائِلِ "يقول: يرجع من موضع إلى موضع، فهو في أوّل النهار على حال، ثم يتقلّص، ثم يعود إلى حال أخرى في آخر النهار.

وكان ابن عباس يقول في قوله: "يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ": تتميل.

واختلف في معنى قوله: "سُجّدا لِلّهِ"؛

فقال بعضهم: ظلّ كلّ شيء سجوده.

وقال آخرون: بل عنى بقوله: "يَتَفَيّأُ ظِلالُهُ" كلاّ عن اليمين والشمائل في حال سجودها، قالوا: وسجود الأشياء غير ظلالها.

وقال آخرون: بل الذي وصف الله بالسجود في هذه الآية ظلال الأشياء، فإنما يسجد ظلالها دون التي لها الظلال.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر في هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلى جانب وناحية إلى ناحية، كما قال ابن عباس يقال من ذلك: سجدت النخلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميل للركوب.

"وَهُمْ دَاخرُونَ" يعني: وهم صاغرون.

وأما توحيد اليمين في قوله: عَنِ اليَمِينِ و «الشّمائِلِ» فجمعها، فإن ذلك إنما جاء كذلك، لأن معنى الكلام: أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلال ما خلق من شيء عن يمينه: أي ما خلق، وشمائله. فلفظ «ما» لفظ واحد، ومعناه معنى الجمع، فقال: «عن اليمين» بمعنى: عن يمين ما خلق، ثم رجع إلى معناه في الشمائل. وكان بعض أهل العربية يقول: إنما تفعل العرب ذلك، لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد، فيقال للرجل: خذ عن يمينك، قال: فكأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من القوم، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فيه...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله} قوله: {أولم يروا} يحتمل وجهين:

أحدهما: أن قال ذلك لقوم قد تقرر عندهم وثبت أن كل شيء يسجد لله ويخضع له. فقال ذلك لهم على العتاب: إنكم قد علمتم أن كل شيء لم يركب فيه العقل ولم يجعل فيه الفهم والسمع، يخضع له ويسبح له، وأنتم لا تخضعون له مع ما ركب فيكم العقول، وجعل فيكم الأفهام وغيرها.

والثاني: على الأمر؛ أي اعلموا أن كل شيء من خلق الله يسجد لله ويخضع، وقد أقام لهم من الحجة على ذلك ما لو تأملوا وتفكروا لعلموا أن كل ذلك يخضع ويسبح، وإلا ظاهر قوله: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله} أن يقولوا {ألم تر} أن كان الخطاب لأهل مكة على ما ذكره أهل التأويل؟ لكن يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرهما. ويشبه أن يكون ذكر قوله: {أو لم يروا إلى ما خلق الله} الآية لما استوحش أهل الإسلام مما عبد أولئك الكفرة الأصنام، وعظم ما قالوا في الله، فقال لذلك: {أو لم يروا إلى} كذا.

وقوله تعالى: {يتفيأ ظلاله} قال بعضهم: يريد بالظلال شخص ذلك الشيء، والظلال كناية عن الشخص؛ كما يقال: رأيت ظل فلان أي شخصه، وقال بعضهم: أراد بالظل الظل نفسه. لكن خضوعه وسجوده يكون للشمس والقمر. وعلى تأويل من يجعل الظل كناية عن الشخص يجعل كل نفس تتفيأ خضوعا وسجودا. ثم معنى سجود هذه الأشياء الموات، وخضوعهن من قوله: {يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا}. ومن نحو. قوله: {يسبحن بالعشي والإشراق} (ص: 18) وقوله: {يا جبال أوبي معه والطير} (سبأ: 10) وقوله: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (الإسراء: 44) وقوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه} (مريم: 90) وأمثاله يحتمل وجوها:

أحدها: أن يجعل الله سبحانه وتعالى بلطفه في سيرة الأشياء معنى تعلم السجود لله والخضوع له؛ وهو ما ذكر في الريح التي {تجري بأمره رخاء حيث أصاب} (ص: 36) أخبر أنها تجري بأمره، دل أنها تعلم أمر الله وقوله: {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} (فصلت: 20 و 21) أخبر أنها تشهد، وتنطق، ولو أنها (لا) تفهم، ولا تعلم الخطاب ما خوطبت، وإن كانت مواتا. فعلى ذلك تسبيحها وخضوعها جائز أن يكون الله يجعل في سيرة هذه الأشياء ما تعرف السجود والتسبيح، وتفهمه.

والثاني: يكون سجود هذه الأشياء وتسبيحها بالتسخير؛ جعلها مسخرات لذلك، وإن لم تعلم هي ذلك، ولم تعرف، لكن جعلها بالخلقة كذلك.

والثالث: أنه جعل خلقة هذه الأشياء دالة شاهدة على وحدانية الله وألوهيته؛ فهن مسبحات لله وساجدات وخاشعات له بالخلقة التي جعلها دالة وشاهدة على وحدانية الله وألوهيته. هذا، والله أعلم، معنى سجودهن وخضوعهن.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

"سجدا لله وهم داخرون" معناه: إنها خاضعة لله ذليلة، بما فيها من الدلالة على الحاجة إلى واضعها ومدبرها، بما لولاه لبطلت، ولم يكن لها قوام طرفة عين، فهي في ذلك كالساجد من العباد بفعله الخاضع بذاته، كأنه من بسط الشمس عليه في أول النهار ثم قبضها عنه إلى الجهة الأخرى ثم قبضها أيضا عنه، فتغيرت حاله. والتغيير يقتضي مغيرا غيره ومدبرا دبره.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

كل مخلوقٍ من عين أو أثر، مِنْ حَجَر أو مَدَرٍ أو غَبَرٍ فلله- من حيث البرهان -ساجد، ومن حيث البيان على الوحدانية شاهد..

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

...وأما الفرق بين الفيء والظل: فيقال: إن الظل بالغداة، والفيء بالعشي، ويقال: إن معناهما واحد.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن إيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها. وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، لا تمتنع.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما خوف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي، وتدبير أحوال الأرواح والأجسام، ليظهر لهم أن مع كمال هذه القدرة القاهرة، والقوة الغير المتناهية، لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأقسام الأربعة.

المسألة الثالثة: قوله: {أو لم يروا إلى ما خلق الله} لما كانت الرؤية ههنا بمعنى النظر وصلت ب (إلى)، لأن المراد به الاعتبار، والاعتبار لا يكون بنفس الرؤية حتى يكون معها نظر إلى الشيء وتأمل لأحواله...

أما قوله: {عن اليمين والشمائل} ففيه بحثان: البحث الأول: في المراد باليمين والشمائل قولان:

القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنسان يمينه، ومنه تظهر الحركة القوية، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شمال. إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس، وعلى هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض.

{وهم داخرون} حال أيضا من الظلال. فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟ قلنا: لأنه تعالى لما وصفهم بالطاعة والدخور أشبهوا العقلاء.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

عن اليمين والشمائل:... وقال الكرماني يحتمل أن يراد بالشمائل الشمال والقدام والخلف، لأنّ الظل يفيء من الجهات كلها فبدئ باليمين لأن ابتداء التفيؤ منها، أو تيمناً بذكرها، ثم جمع الباقي على لفظ الشمال لما بين اليمين والشمال من التضاد، وتنزل القدام والخلف منزلة الشمال لما بينهما وبين اليمين من الخلاف.

وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي المعروف بابن الصائغ: أفرد وجمع بالنظر إلى الغايتين، لأنّ ظل الغداة يضمحل حتى لا يبقى منه إلا اليسير فكأنه في جهة واحدة، وهو بالعشي على العكس لاستيلائه على جميع الجهات، فلحظت الغايتان في الآية: هذا من جهة المعنى، وفيه من جهة اللفظ المطابقة، لأنّ سجداً جمع فطابقه جمع الشمائل لاتصاله به، فحصل في الآية مطابقة اللفظ للمعنى، ولحظهما معاً وتلك الغاية في الإعجاز انتهى. والظاهر حمل الظلال على حقيقتها، وعلى ذلك وقع كلام أكثر المفسرين وقالوا: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك، فإذا ارتفعت كان على يمينك، فإذا كان بعد ذلك كان خلفك فإذا أرادت الغروب كان على يسارك.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما خوفهم، دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله: عاطفاً على ما تقديره: أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا يريدون، فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم، فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان منه إليهم ولطف بهم: {أولم} ولما كان حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا، أعرض عنهم في قراءة الجماعة تخويفاً فقال تعالى: {يروا} بالياء التحتية، وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله، أي ينظروا بعيون الأبصار متفكرين بالبصائر، وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال تعالى: {إلى ما خلق الله} أي الذي له جميع الأمر {من شيء} أي له ظل {يتفيؤا} أي تترجع إلى جهة الشاخص {ظلاله} وهو ما ستره الشاخص عن الشمس متجاوزة له {عن اليمين} وهي ما على يمين المستدير للشمال، المستقبل للجنوب، الذي هو ناحية الكعبة لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء عليهم السلام، وأفراد لأن الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيماً إلى تلك الجهة على استواء، وجمع في قوله: {والشمائل} لأن الشمس كلما ارتفعت تحول ذلك الظل راجعاً إلى جهة ما وراء الشاخص، ولا يزال كذلك إلى أن ينتصب عند الغروب إلى جهة يساره قصداً على ضد ما كان انتصب إليه عند الشروق، فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالباً في تفيئه جهة اليسار، سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيهاً على ذلك، وفيه إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء.

ولما كانت كثرة الخاضعين أدل على القهر وأهيب، جمع بالنظر إلى معنى "ما "في قوله: {سجداً} أي حال كونهم خضعاً {لله} أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى مدبرهم.

ولما كان امتداد الظل قسرياً لا يمكن أحداً الانفصال عنه، قال جامعاً بالواو والنون تغليباً: {وهم داخرون} ذلاً وصغاراً، لا يمتنع شيء منهم على تصريفه، وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره، والتغير دال على المغير.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي: ذليلون تحت التسخير والتدبير والقهر، ما منهم أحد إلا وناصيته بيد الله وتدبيره عنده.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

أفأمن الذين مكروا السيئات أن يأخذهم الله؟ فهم لاجون في مكرهم سادرون في غيهم لا يثوبون ولا يتقون. ذلك والكون من حولهم بنواميسه وظواهره يوحي بالإيمان، و يوحي بالخشوع: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون).. ومشهد الظلال تمتد وتتراجع، تثبت وتتمايل، مشهد موح لمن يفتح قلبه، ويوقظ حسه، ويتجاوب مع الكون حوله. والسياق القرآني يعبر عن خضوع الأشياء لنواميس الله بالسجود -وهو أقصى مظاهر الخضوع- ويوجه إلى حركة الظلال المتفيئة -أي الراجعة بعد امتداد- وهي حركة لطيفة خفية ذات دبيب في المشاعر وئيد عميق.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

بعد أن نهضت براهين انفراده تعالى بالخلق بما ذكر من تعداد مخلوقاته العظيمة جاء الانتقال إلى دلالة من حال الأجسام التي على الأرض كلّها مشعرةٍ بخضوعها لله تعالى خضوعاً مقارناً لوجودها وتقلّبها آناً فَآناً علم بذلك من علمه وجهله من جهله. وأنبأ عنه لسان الحال بالنسبة لِما لا علم له، وهو ما خلق الله عليه النظام الأرضي خلقاً ينطق لسان حاله بالعبودية لله تعالى، وذلك في أشدّ الأعراض مُلازمةً للذوات، ومطابَقَةً لأشكالها وهو الظلّ. وقد مضى تفصيل هذا الاستدلال عند قوله تعالى: {وظلالهم بالغدوّ والآصال} في سورة الرعد (15). فالجملة معطوفة على الجُمل التي قبلها عطف القصّة على القصّة. والاستفهام إنكاري، أي قد رأوا، والرؤية بصرية.

وأفرد اليمين، لأن المراد به جنس الجهة كما يقال المَشرق. وجمع {الشمائل} مراداً به تعدّد جنس جهة الشمال بتعدّد أصحابها، كما قال: {فلا أقسم برب المشارق} [سورة المعارج: 40]. فالمخالفة بالإفراد والجمع تفنّن.

و {سجداً} حال من ضمير {ظلاله} العائد إلى {من شيء} فهو قيد للتفيّؤ، أي أن ذلك التفيّؤ يقارنه السجود مقارنة الحصول ضمنه. وقد مضى بيان ذلك عند قوله تعالى: {وظلالهم بالغدوّ والآصال في سورة الرعد.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

{أو لم يروا} المعنى: أعموا ولم يروا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟. {من شيءٍ} كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس، و (من) تفيد ابتداء ما يقال له شيء، أي: أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس.. وتفيد أيضاً العموم فيكون: {من شيءٍ} أي: كل شيء. فانظر إلى أي شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظلاً: {يتفيأ ظلاله} يتفيأ: من فاء أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل.

فلو نظرنا إلى الظل نجده نوعين: ظل ثابت مستمر، وظل متغير، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظل ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات. والظل المتحرك الذي يسمى الفيء لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يسمى الظل فيئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه. ولكن.. كيف يتكون الظل؟ يتكون الظل إذا ما استعرض الشمس جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ظلاً له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طولان وله استواء واحد. طول عند الشروق إلى أن يبلغ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس، فإذا ما استوت الشمس في السماء يصبح ظل الشيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظل الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق. ويلفتنا الحق تبارك وتعالى إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا "45 "ثم قبضناه إلينا قبضا يسيراً "46 "} (سورة الفرقان).

ذلك لأنك لو نظرت إلى الظل وكيف يمتد، وكيف ينقبض وينحسر لوجدت شيئاً عجيباً حقاً.. ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سيراً انسيابياً. ما معنى: (انسيابي)؟ هو نوع من أنواع الحركة...تعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة.. أي: حركة مستمرة وموزعة بانتظام على الزمن... وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث توزع جزئيات الحركة على جزئيات الزمن، فالشمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس كالساعة مثلاً، لا.. بل مركونة إلى أمر الله، موصولة بكن الدائمة. وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يلفت خلقه إلى ظاهرة كونية في الوجود محسة، يدركها كل منا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظل التي يعجز الإنسان عن إدراك حركته. وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى: {وظلالهم بالغدو والآصال" 15 "} (سورة الرعد) فالحق سبحانه يريد أن يعمم الفكرة التسبيحية في الكون كله، كما قال تعالى: {وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" 44 "} (سورة الإسراء) فكل ما يطلق عليه شيء فهو يسبح مهما كان صغيراً.

{يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل} لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث أتى باليمين مفرداً، في حين أتى بالشمائل على صورة الجمع؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى لما قال: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء} أتى بأقل ما يتصور من مخلوقاته سبحانه (من شيء) وهو مفرد، ثم قال سبحانه: {ظلاله} بصيغة الجمع، أي: مجمع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظل شيء واحد، لا.. بل ظل أشياء متعددة. و (من) هنا أفادت العموم: {من شيء} أي: كل شيء، فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشمائل.

ثم يقول تعالى: {سجداً لله وهم داخرون} فما العلاقة بين حركة الظل وبين السجود؟. معنى: سجداً أي: خضوعاً لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليل على أنه موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل الأعلى ل "كن"، والظل آية من آياته سبحانه مسخرة له ساجدة خاضعة لقوله: كن فيكون. وقلنا: إن هناك فرقاً بين الشيء تعده إعداداً كونياً، والشيء تعده إعداداً قدرياً.. فصانع القنبلة الزمنية يعدها لأن تنفجر في الزمن الذي يريده، وليس الأمر كذلك في إعداد الكون. الكون أعده الله إعداداً قدرياً قائماً على قوله كن، وفي انتظار لهذا الأمر الإلهي باستمرار (كن فيكون). وهكذا.. فليست المسألة مضبوطة ميكانيكاً، لا.. بل مضبوطة قدرياً. لذلك يحلو لبعض الناس أن يقول: باقٍ للشمس كذا من السنين ثم ينتهي ضوؤها، ويرتب على هذا الحكم أشياء أخرى.. نقول: لا.. ليس الأمر كذلك.. فالشمس خاضعة للإعداد القدري منضبطة به ومنتظرة ل" كن "التي يصغي لها الكون كله؛ ولذلك يقول تعالى: {كل يومٍ هو في شأنٍ" 29 "} (سورة الرحمن) هكذا بينت الآية الكريمة أن كل ما يقال له "شيء" يسجد لله عز وجل، وكلمة "شيء" جاءت مفردة دالة على العموم.. وقد عرفنا السجود فيما كلفنا الله به من ركن في الصلاة، وهو منتهى الخضوع، خضوع الذات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين، ونخضع قاعدين، ولكن أتم الخضوع يكون بأن نسجد لله.. ولماذا كان أتم الخضوع أن نسجد لله؟. نقول: لأن الإنسان له ذات عامة، وفي هذا الذات سيد للذات، بحيث إذا أطلق انصرف إلى الذات، والمراد به الوجه؛ لذلك حينما يعبر الحق تبارك وتعالى عن فناء الوجود يقول: {كل شيء هالك إلا وجهه.. "88 "} (سورة القصص) وكذلك في قوله: {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى" 20 "ولسوف يرضى" 21 "} (سورة الليل). فيطلق الوجه ويراد به الذات، فإذا ما سجد الوجه لله تعالى دل ذلك على خضوع الذات كلها؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع بكل ذاته للمعبود عز وجل. كما دلت الآية على أن الظل أيضاً يسجد لربه وخالقه سبحانه، والظلال قد تكون لجمادات كالشجر مثلاً، أو بناية أو جبل، وهذه الأشياء الثابتة يكون ظلها أيضاً ثابتاً لا يتحرك، أما ظل الإنسان أو الحيوان فهو ظل متحرك، وقد ضرب لنا الحق تبارك وتعالى مثلاً في الخضوع التام بالظلال؛ لأن ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبداً، وهذا مثال للخضوع الكامل. ثم يرتفع الحق تبارك وتعالى بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله: {وظلالهم بالغدو والآصال "15 "} (سورة الرعد) يعني الذوات تسجد، وكذلك الظلال تسجد؛ ولذلك يتعجب بعض العارفين من الكافر.. يقول: أيها الكافر ظلك ساجد وأنت جاحد..

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

...وإِذا ما نظرنا إلى تسمية (الفيء) لقسم من الأموال والغنائم لوجدنا إِشارة لطيفة لحقيقة.. إِنّ أفضل غنائم وأموال الدنيا لا تلبث أنْ تزول ولا يعدو كونها كالظل عند العصر.