{ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } لما بين سبحانه فرق المكلفين وقسمهم إلى مؤمنين وكفار ومذبذبين ، وقال في الطائفة الأولى : { الذين يُؤْمِنُونَ } [ البقرة : 3 ] وفي الثانية : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } [ البقرة : 6 ] وفي الثالثة : { يخادعون الله } [ البقرة : 9 ] وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا وأخرى فقال سبحانه في الأولى : { أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } [ البقرة : 5 ] وفي الثانية : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } [ البقرة : 7 ] وفي الثالثة : { فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } [ البقرة : 0 1 ] أقبل عز شأنه عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقي وجبراً لما في العبادة من الكلفة بلذيذ المخاطبة ويكفي للنكتة الوجود في البعض ، و( يا ) حرف لا اسم فعل على الصحيح وضع لنداء البعيد ، وقيل : لمطلق النداء أو مشتركة بين أقسامه ، وعلى الأول ينادي بها القريب لتنزيله منزلة غيره إما لعلو مرتبة المنادي أو المنادى ، وقد ينزل غفلة السامع وسوء فهمه منزلة بعده ، وقد يكون ذلك للاعتناء بأمر المدعو له والحث عليه لأن نداء البعيد وتكليفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث ، فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية في الحرف أو مكنية وتخييلية وهو مع المنادى المنصوب لفظاً أو تقديراً به لنيابته عن نحو ناديت الإنشائي أو بناديت اللازم الإضمار لظهور معناه مع قصد الإنشاء كلام يحسن السكوت عليه كما يحسن في نحو ( لا ، ونعم ) و( أي ) لها معان شهيرة والواقعة في النداء نكرة موضوعة لبعض من كل ، ثم تعرفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه أل لأن ( يا ) لا يدخل عليها في غير الله إلا شذوذاً لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا فيما شذ من نحو :
فلا والله لا يلفى لما بي *** ولا للما بهم أبداً دواء
وأعطيت حكم المنادى وجعل المقصود بالنداء وصفاً لها والتزم فيه هذه الحركة الخاصة المسماة بالضمة خلافاً للمازني فإنه أجاز نصبه وليس له في ذلك سلف ولا خلف لمخالفته للمسموع وإنما التزم ذلك إشعاراً بأنه المقصود بالنداء ولا ينافي هذا كون الوصف تابعاً غير مقصود بالنسبة لمتبوعه لأن ذلك بحسب الوضع الأصلي حيث لم يطرأ عليه ما يجعله مقصوداً في حد ذاته ككونه مفسراً لمبهم ومن هنا لم يشترطوا في هذا الوصف الاشتقاق مع أن النحويين إلا النذر كابن الحاجب اشترطوا ذلك في النعوت على ما بين في محله ، و( ها ) التنبيهية زائدة لازمة للتأكيد والتعويض عما تستحق من المضاف إليه أو ما في حكمه من التنوين كما في { أَيّا مَّا تَدْعُواْ } [ الإسراء : 0 11 ] وإن لم يستعمل هنا مضافاً أصلاً وكثر النداء في الكتاب المجيد على هذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيراً ما يقتضيه المقام بتكرر الذكر والإيضاح بعد الإيهام والتأكيد بحرف التنبيه واجتماع التعريفين . هذا ما ذهب إليه الجمهور ، وقطع الأخفش لضعف نظره بأن ( أيّاً ) الواقعة في النداء موصولة حذف صدر صلتها وجوباً لمناسبة التخفيف للمنادى وأيد بكثرة وقوعها في كلامهم موصولة ، وندرة وقوعها موصوفة ، واعتذر عن عدم نصبها حينئذ مع أنها مضارعة للمضاف بأنه إذا حذف صدر صلتها كان الأغلب فيها البناء على الضم ، فحرف النداء على هذا يكون داخلاً على مبنى على الضم ولم يغيره ، وإن كان مضارعاً للمضاف ، ويؤيد الأول عدم الاحتياج إلى الحذف وصدق تعريف النعت والموافقة مع هذا وأنها لو كانت موصولة لجاز أن توصل بجملة فعلية أو ظرفية إلى غير ذلك مما يقطع المنصف معه بأرجحية مذهب الجمهور ، نعم أورد عليه إشكال استصعبه بعض من سلف من علماء العربية وقال : إنه لا جواب له وهو أن ما ادعوا كونه تابعاً معرف بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هناك لأن متبوعه مبني لفظاً ومنصوب محلاً فلا وجه لرفعه .
وأقول : إن هذا من الأبحاث الواقعة بين أبي نزار وابن الشجري ، وذلك أنه وقع سؤال عن ضمة هذا التابع فكتب أبو نزار أنها ضمة بناء وليست ضمة إعراب لأن ضمة الإعراب لا بد لها من عامل يوجبها ولا عامل هنا يوجب هذه الضمة ، وكتب الشيخ منصور موهوب بن أحمد أنها ضمة إعراب ولا يجوز أن تكون ضمة بناء ، ومن قال ذلك فقد غفل عن الصواب ، وذلك لأن الواقع عليه النداء أي المبني على الضم لوقوعه موقع الحرف والاسم الواقع بعد وإن كان مقصوداً بالنداء إلا أنه صفة أي فمحال أن يبنى أيضاً لأنه مرفوع رفعاً صحيحاً ، ولهذا أجاز فيه المازني النصب على الموضع كما يجوز في ( يا ) زيد الظريف . وعلة الرفع أنه لما استمر الضم في كل منادى معرفة أشبه ما أسند إليه الفعل فأجريت صفته على اللفظ فرفعت ، وأجاب ابن الشجري بما أجاب به الشيخ وكتب أنها ضمة إعراب لأن ضمة المنادى المفرد لها باطرادها منزلة بين منزلتين فليست كضمة حيث لأنها غير مطردة لعدم اطراد العلة التي أوجبتها ولا كضمة زيد في نحو خرج زيد لأنها حدثت بعامل لفظي ولما اطردت الضمة في نحو : يا زيد يا عمرو وكذلك اطردت في نحو يا رجل يا غلام إلى ما لا يحصى نزل الاطراد فيها منزلة العامل المعنوي الواقع للمبتدأ من حيث اطردت الرفعة في كل اسم ابتدئ به مجرداً عن عامل لفظي وجيء له بخبر كعمرو ومنطلق ، وزيد ذاهب إلى غير ذلك فلما استمرت ضمة المنادى في معظم الأسماء كما استمرت الأسماء المعربة الضمة الحادثة عن الابتداء شبهتها العرب بضمة المبتدأ فأتبعها ضمة الإعراب في صفة المنادى في نحو ( يا زيد الطويل ) وجمع بينهما أيضاً أن الاطراد معنى كما أن الابتداء كذلك ، ومن شأن العرب أن تحمل الشيء على الشيء مع حصول أدنى مناسبة بينهما حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها ، ألا ترى أنهم أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء في قراءة من قرأ { الحمد لله } [ الفاتحة : 2 ] بضم اللام وكذلك أتبعوا حركة البناء حركة الإعراب في نحو : يا زيد بن عمرو في قول من فتح الدال من زيد انتهى ملخصاً ، وقد ذكر ذلك ابن الشجري في «أماليه » وأكثر في الحط على ابن نزار وبين ما وقع بينه وبينه مشافهة ، ولولا مزيد الإطالة لذكرته بعجره وبجره ، وأنت تعلم ما في ذلك كله من الوهن ، ولهذا قال بعض المحققين : إن الحق أنها حركة اتباع ومناسبة لضمة المنادى ككسر الميم من غلامي وحينئذ يندفع الإشكال كما لا يخفى على ذوي الكمال .
بقي الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت هل هي للتعريف أم لا ؟ والذي عليه الجمهور وهو المشهور أنها للتعريف كما تقدمت الإشارة إليه ، ولما سئل عن ذلك أبو نزار قال : إنها هناك ليست للتعريف لأن التعريف لا يكون إلا بين اثنين في ثالث واللام فيما نحن فيه داخلة في اسم المخاطب ، ثم قال : والصحيح أنها دخلت بدلاً من ( يا ) ، و( أي ) وإن كان منادى إلا أن نداءه لفظي ، والمنادى على الحقيقة هو المقرون بأل ولما قصدوا تأكيد التنبيه وقدروا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف النداء ثانياً ( ها ) وثالثاً ( أل ) وتعقبه ابن الشجري قائلاً : إن هذا قول فاسد بل اللام هناك لتعريف الحضور كالتعريف في قولك جاء هذا الرجل مثلاً ولكنها لما دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا يا أيها الرجل معناه يا رجل ، ولما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب فاكتفى باثنين لأن أسماء الخطاب لا تفتقر في تعريفها إلى حضور ثالث ، ألا ترى أن قولك خرجت يا هذا وانطلقت وأكرمتك لا حاجة به إلى ثالث ؟ وليس كل وجوه التعريف يقتضي أن يكون بين اثنين في ثالث فإن ضمير المتكلم في ( أنا خرجت ) معرفة إجماعاً ولا يتوقف تعريفه على حضور ثالث ، وأيضاً ما قص من حديث التعويض يستدعي بظاهره أن يكون أصل يا أيها الرجل مثلاً : ( يا أي يايا رجل ) وأنهم عوضوا من ( يا ) الثانية ( ها ) ومن الثالثة الألف واللام ، وأنت تعلم أن هذا مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجه السمع وينكره الطبع فليفهم .
والناس : اسم جمع على ما حققه جمع ، والجموع وأسماؤها المحلاة بأل للعموم حيث لا عهد خارجي كما يدل عليه وقوع الاستثناء والأصل فيه الاتصال هو يقتضي الدخول يقيناً ولا يتصور إلا بالعموم ، ونحو ضربت زيداً إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشره الأخير عام تأويلاً ، وكذا التأكيد بما يفيد العموم إذا لو لم يكن هناك عموم كان التأكيد تأسيساً والاتفاق على خلافه ، وشيوع استدلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعموم كما في حديث السقيفة وهم أئمة الهدى . ثم هذا الخطاب في نحو { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } يسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين قالوا : وليس عاماً لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي ، والأول : هو الوجه وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع ، وأما بمجرد الصيغة فلا ، وقالت الحنابلة : بل هو عام لمن بعدهم إلى يوم القيامة واستدل الأولون بأنا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } قال العضد : وإنكاره مكابرة وبأنه امتنع خطاب الصبي والمجنون بنحوه وإذا لم نوجهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع لأن تناوله أبعد ، واستدل الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً به لمن بعدهم لم يكن مرسلاً إليهم واللازم منتف وبأنه لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك ، وهو إجماع على العموم لهم .
وأجيب : أما عن الأول فبأن الرسالة إنما تستدعي التبليغ في الجملة وهو لا يتوقف على المشافهة بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاهاً وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم ، وأما عن الثاني : فبأنه لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر قاله غير واحد .
وفي «شرح العلامة » الثاني «للشرح العضدي » أن القول بعموم الشفاهي وإن نسب إلى الحنابلة ليس ببعيد . وقال بعض أجلة المحققين : إنه المشهور حتى قالوا إن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من الدين المحمدي وهو الأقرب ، وقول العضد : إن إنكاره مكابرة حق لو كان الخطاب للمعدومين خاصة ، أما إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا ، ومثله فصيح شائع وكل ما استدل به على خلافه ضعيف انتهى . وإلى العموم ذهب كثير من الشافعية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر ، وقد قيل : إنه من قبيل الخطاب العام الذي أجري على غير ظاهره كما في قوله :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته *** وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
هذا وعلى كل حال ما روى عن ابن مسعود وعلقمة من أن كل شيء نزل فيه { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } مكي و{ ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ } مدني إن صح ولم يؤول لا يوجب تخصيص هذا العام بوجه بالكفار بل هم أيضاً داخلون فيه ومأمورون بأداء العبادة كالاعتقاد ، والأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به وكون الإيمان أصل العبادات ، ولو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعاً مردود بأن الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنه واجب استقلالاً أيضاً ، والعجب كيف خفي على مشايخ سمرقند ؟ وهذا ما ذهب إليه العراقيون والشافعية ، ويؤيده ظواهر الآيات كقوله تعالى : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة } [ فصلت : 6 ، 7 ] وقوله سبحانه : { مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين } [ المدثر : 2 4 44 ] وذهب البخاريون إلى أنهم مكلفون في حق الاعتقاد فقط ، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم ينص ظاهراً على شيء في المسألة لكن في كلام صاحبه الثاني ما يدل عليها ، ولعل ذلك من الإمام لأنه لا ثمرة للخلاف في الدنيا للاتفاق على أنهم ما داموا كفاراً يمتنع منه الإقدام عليها ولا يؤمرون بها وإذا أسلموا لم يجب قضاؤها عليهم ، وإنما ثمرته في الآخرة وهو أنهم يعذبون على تركها كما يعذبون على ترك الإيمان عند من قال بوجوبها عليهم ، وعلى ترك الإيمان فقط عند من لم يقل ، وهذا في غير العقوبات والمعاملات ، أما هي فمتفق على خطابهم بها ، والأمر بالعبادة هنا للطوائف الثلاث باعتبار أن المراد بها الشامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات فاعبدوا يدل على طلب في الحال لعبادة مستقلة وهي من الكفار ابتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين مواظبة ، وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلاً في المفهوم وضعاً فلا محذور في شيء أصلاً خلافاً لمن توهمه فتكلف في دفعه وذكر سبحانه الرب ليشير إلى أن الموجب القريب للعبادة هي نعمة التربية ، وإن كانت عبادة الكاملين لذاته تعالى من غير واسطة أصلاً سوى أنه هو هو فسبحانه من إله ما أعظمه ومن رب ما أكرمه .
{ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ } الموصول صفة مادحة للرب ، وفيها أيضاً تعليل العبادة أو الربوبية على ما قل ، فإن كان الخطاب في { رَبُّكُمْ } شاملاً للفرق الثلاث فذاك وإن خص بالمشركين وأريد بالرب ما تعورف بينهم من إطلاقه على غيره تعالى احتمل أن تكون مقيدة إن حملت الإضافة على الجنس وموضحة إن حملت على العهد ، ولا يبعد على هذا أن تكون مادحة لأن المطلق يتبادر منه رب الأرباب إلا إن جعلها للتقييد والتوضيح أظهر بناء على ما كانوا فيه وتعريضاً بما كانوا عليه ولأنه الأصل فلا يترك إلا بدليل ، والخلق الاختراع بلا مثال ويكون بمعنى التقدير وعلى الأول لا يتصف به سواه سبحانه ، وعلى الثاني قد يتصف به غير ومنه { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 4 1 ] { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين } [ المائدة : 0 11 ] وقول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري
ومن العجب أن أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال : إطلاق الخالق عليه تعالى محال لأن التقدير/ يستدعي الفكر والحسبان وهي مسألة خلافية بينه وبين الله تعالى القائل : { هُوَ الله الخالق البارئ } [ الحشر : 4 2 ] وبقول الله تعالى أقول ، والموصول الثاني عطف على المنصوب في { خَلَقَكُمْ } و( قبل ) ظرف زمان بكثرة ومكان بقلة ويتجوز بها عن التقدم بالشرف والرتبة ، والخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بالذين قبلهم من تقدمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم وفي هذا تذكير لكمال جلال الله تعالى وربوبيته وفيه من تأكيد أمر العبادة ما لا يخفى ، وقدم سبحانه التنبيه على خلقهم وإن كان متأخراً بالزمان لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة فتنبيههم أولاً على أنفسهم آكد وأهم ، وأتى بالخلق صلة والصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب عند المخاطب ، ولذا يعرف الموصول عنده بما فيها من العهد ، واشترطت خبريتها إشارة إلى أنه ليس في المخاطبين من ينكر كون الخالق هو الله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ } [ الزخرف : 7 8 ] أو { منْ خلق السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ الزمر : 8 3 ] وانفهام ذلك من الوصف بناء على ما قالوا الإخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار مما قاله بعض المحققين وإن كان هناك من لا يعلم أن الله تعالى خالقه وخالق من قبله احتيج إلى ادعاء التغليب أو تنزيل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين فتخرج الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر ، وقرأ ابن السميقع ( وخلق من قبلكم ) وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والذين من قبلكم بفتح الميم ، واستشكل لتوالي موصولين والصلة واحدة وخرجت على جعل ( من ) تأكيداً للذين فلا يحتاج إلى صلة نحو قوله :
من النفر اللائي الذين إذا هم *** تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
واعترض بأن الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك إذ يكاد أن يكون تأكيده كتأكيد بعض الاسم ( فمن ) حينئذ موصولة أو موصوفة وهي خبر مبتدأ مقدر وما بعدها صلة أو صفة وهي مع المقدر صلة الموصول الأول ويكون على أحد الاحتمالين نظير .
وتخريج البيت على نحو هذا ، وقيل : { مِنْ } زائدة ، وقد أجاز بعض النحاة زيادة الأسماء ؛ والكسائي زيادة { مِنْ } الموصولة ، و( جعل ) من ذلك :
وكفى بنا فضلاً على من غيرنا *** حب النبي محمد إيانا
وبعضهم استشكل القراءة المشهورة أيضاً بأن الذين أعيان و{ مِن قَبْلِكُمْ } ناقص ليس في الإخبار به عنها فائدة ، فكذلك الوصل به إلا على تأويل وتأويل أن ظرف الزمان إذا وصف لفظاً أو تقديراً مع القرينة صح الإخبار والوصل به تقول : نحن في يوم طيب ، و( ما ) هنا في تقدير : والذين كانوا من زمان قبل زمانكم ، وقدر أبو البقاء : والذين خلقهم من قبل خلقكم فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه فتدبر .
{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ( لعل ) في المشهور موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن ، والظاهر التقابل فتكون مشتركة ، وذكر الرضي أنها للترجي وهو ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله فيدخل فيه الطمع والإشفاق ، والذي يميل إليه القلب ما ذكره بعض المحققين أنها لإنشاء توقع أمر متردد بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول ، إما محبوب فيسمى رجاء أو مكروه فيسمى إشفاقاً وذلك قد يعتبر تحققه بالفعل إما من جهة المتكلم وهو الشائع لأن معاني الإنشاآت قائمة به . وإمّا من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلة المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري بينهما ، ومنه { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وقد يعتبر تحققه بالقوة بضرب من التجوز إيذاناً بأن ذلك الأمر في نفسه مئنة للتوقع متصف بحيثية مصححة له من غير أن يعتبر هناك توقع بالفعل من متوقع أصلاً .
ففي الآية الكريمة إن جعلت الجملة حالاً من مفعول { خَلَقَكُمْ } وما عطف عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين لأنهم المأمورون بالعبادة امتنع حمل لعل على حقيقتها لا بالنظر إلى المتكلم لاستحالة الترجي على عالم الغيب والشهادة الفاعل لما يشاء ، ولا بالنظر إلى المخاطبين لأنهم حين الخلق لم يكونوا عالمين فكيف يتصور الرجاء منهم ؟ ولا يجوز جعلها حالاً مقدرة لأن المقدر حال الخلق التقوى لا رجاؤها فلا بد أن يحمل على المعنى المجازي بأن يشبه طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابه ودواعيه بالترجي في أن متعلق كل واحد منهما مخير بين أن يفعل وأن لا يفعل مع رجحان ما بجانب الفعل فيستعمل كلمة لعل الموضوع له فيه فيكون استعارة تبعية أو تشبه صورة منتزعة من حال خالقهم بالقياس إليهم بعد أن مكنهم على التقوى وتركها مع رجحانها منهم بحال المرتجى بالقياس إلى المرتجى منه القادر على المرتجى ، وتركه مع رجحان وجوده فيكون استعارة تمثيلية إلا أنه ذكر من المشبه به ما هو العمدة فيه أعني كلمة لعل أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض لوازمه أعني الرجاء فيكون استعارة بالكناية ، وجعل المشبه إرادته تعالى في الاستعارة والتمثيل نزغة اعتزالية مؤسسة على القاعدة القائلة بجواز تخلف المراد عن إرادته تعالى شأنه وبعضهم( {[140]} ) قال بالترجي هنا إلا أنه ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } [ هود : 2 1 ] لأنه لما ولد كل مولود على الفطرة كان بحيث أن تأمله متأمل توقع منه رجاء أن يكون متقياً وليس بالبعيد ، وإن جعلت حالاً من فاعل { خَلَقَكُمْ } امتنعت الحقيقة أيضاً وتعينت بعض الوجوه ، وإن جعلت حالاً من ضمير { اعبدوا } جاز إبقاء الترجي على حقيقته مصروفاً إلى المخاطبين أي راجين التقوى والمراد بها حينئذ منتهى درجات السالكين وهو طرح الهوى ونبذ السوى والفوز بالمحبوب الأعلى ، وفي ذلك غاية المبتغى والعروج فوق سدرة المنتهى . وقد شاع ذلك عند الأقصى والأدنى وبذلك يصح الترغيب ويندفع ما قيل إن اللائق بالبلاغة القرآنية أن يعتبر من أول الأمر غاية عبادتهم وما هو لذة لهم أعني الثواب لا ما يشق عليهم وهو التقوى وإن كان مفضياً إليه ووجه الدفع ظاهر ، وما قاله المولى التفتازاني من أن تقييد العبادة بترجي التقوى ليس له كثير معنى إنما المناسب تقييدها بالتقوى أو اقترانها برجاء ثوابها يدفعه أن في الترجي تنبيهاً على أن العابد ينبغي أن لا يفتر في عبادته ويكون ذا خوف ورجاء ، نعم قالوا : الحال قيد لعاملها وهو هنا الأمر ، فإن قلنا : إنه أعم من الوجوب فلا إشكال ، وإن قلنا : إنه حقيقة في الوجوب اقتضى وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها ولعله ليس بواجب والقول بأنه يقتضي وجوب المقيد دون القيد فيه كلام في الأصول لا يخفى على ذويه . وما أورد من أنه يلزم على هذا الوجه التوسط بين العصا ولحائها ، فإن { الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض } [ البقرة : 22 ] موصول بربكم صفة له يجاب عنه بأن القطع يهون الفصل وإن كان هناك اتصال معنوي ، وإن جعل { الذي جَعَلَ } مبتدأ خبره { لا تجعلوا } [ البقرة : 22 ] كاد يزول الإشكال ويرتفع المقال ، ومع هذا لا شك في مرجوحية هذا الوجه وإن أشعر كلام مولانا البيضاوي بأرجحيته ، ثم لا يبعد أن يقال : إن المعنى في الآية على التعليل إما لأن ( لعل ) تجيء بمعنى كي كما ذهب إليه ابن الأنباري وغيره( {[141]} ) واستشهدوا بقوله :
فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا *** نكف ووثقتم( {[142]} ) لنا كل موثق
أو لأنها تجيء للأطماع فيكنى به بقرينة المقام عن تحقق ما بعدها على عادة الكبراء ، ثم يتجوز به عن كل متحقق كتحقق العلة سواء كان معه إطماع أم لا على ما قيل . ولا يرد أن تعليل الخلق وهو فعله تعالى مما لم يجوزه أكثر الأشاعرة حيث منعوا تعليل أفعاله سبحان بالأغراض لئلا يلزم استكماله عز شأنه بالغير وهو محال ؛ لأنا نقول الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح ، ومن أنكر تعليل بعض الأفعال لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة ، والوقوف على ذلك في كل محل مما لا يلزم ، على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظياً لأن العلة إن فسرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه سبحانه ، وإن فسرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهراً مع الغنى الذاتي فلا شبهة في وقوعها ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند ، وإنما لم يقل سبحانه في النظم تعبدون لأجل اعبدوا أو اتقوا لأجل تتقون ليتجاوب طرفاه مع اشتماله على صنعة بديعة من رد العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فيكون الكلام أبعث على العبادة وأشد إلزاماً كذا قيل ، وفي القلب منه شيء ، وسبب حذف مفعول { تَتَّقُونَ } مما لا يخفى ، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقدره الشرك ، والضحاك النار ، وأظنك لا تقدر شيئاً ، ولما أمر سبحانه المكلفين بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه ، ومعلوم أن الصفة آلة لتمييز الموصوف عما عداه وأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية أشعرت الآية أن طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه العبادة النظر في صنعه ، ولما كان التربية والخلق اللذان نيط بهما العبادة سابقين على طلبها فهم أن العبد لا يستحق ثواباً حيث أنعم عليه قبل العبادة بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته عشر عشره ، واستدل بالآية من زعم أن التكليف بالمحال واقع حيث أمر سبحانه بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون ، وقد تقدم الكلام في ذلك فارجع إليه .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
فأمر جل ثناؤه الفريقين اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء عليهم أأنذروا أم لم يُنذروا أنهم لا يؤمنون، لطبعه على قلوبهم، وعلى سمعهم وأبصارهم، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله: آمنا بالله واليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه في حقيقة ما يبدي من ذلك وغيرهم من سائر خلقه المكلفين، بالاستكانة والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له، والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادكم وسائر الخلق غيركم وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر.
وكان ابن عباس فيما رُوي لنا عنه يقول في ذلك نظير ما قلنا فيه، غير أنه ذكر عنه أنه كان يقول في معنى:"اعْبُدُوا رَبكُمْ": وَحّدوا ربكم. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة والتذلل له بالاستكانة. والذي أراد ابن عباس إن شاء الله بقوله في تأويل قوله: "اعْبُدُوا رَبّكُمْ": وَحّدُوه: أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه...
"لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ": لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم الذي خلقكم، وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكم له العبادة، لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم. وكان مجاهد يقول في تأويل قوله: "لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ": تطيعون...
فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه: لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ؟ أوَ لم يكن عالما بما يصير إليه أمرهم إذا هم عبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشك؟ قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهمت، وإنما معنى ذلك: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وهذه الآية متوجهة إلى جميع الناس: مؤمنهم وكافرهم لحصول العموم فيها، إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والأطفال...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
لما عدّد الله تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند الله ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات المذكور عند قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ}، وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع ... وهذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول.
بلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: (يا أيها الناس) فهو مكي، و (يا أيها الذين آمنوا) فهو مدني. فقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) خطاب لمشركي مكة، و«يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء القريب فله أي والهمزة، ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب، تنزيلاً له منزلة من بعد. فإذا نودي به القريب المفاطن، فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً.
و«أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام... وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء... وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد.
وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضاً مما يستحقه أيّ من الإضافة.
فإن قلت: لم كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة: لأن كل ما نادى الله له عباده من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون. فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ.
فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجهاً إلى المؤمنين والكافرين جميعاً، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روي عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم، فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وأما الكفار فلا يعرفون الله، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟
قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها. وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بد لها منه وهو الإقرار، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه. على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} [الزخرف: 87].
فإن قلت: فقد جعلت قوله {اعبدوا} متناولاً شيئين معاً: الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها. قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئاً آخر.
فإن قلت: {رَبَّكُمُ} ما المراد به؟ قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية الله، وربوبية آلهتهم. فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أرباباً وكان قوله: {الذى خَلَقَكُمْ} صفة موضحة مميزة. وإن كان الخطاب للفرق جميعاً، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة. والذي خلقكم: صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم. ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن الأول أوضح وأصح.
والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء.
ولعل للترجي أو الإشفاق.وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به... أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله: {يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم} [التحريم: 8].
فإن قلت: ف«لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت: ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله: {خَلَقَكُمْ}، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة: وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً. ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة، لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى. فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا يترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله عز وجل: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7]، [الملك: 2].
فإن قلت: كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك، فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت: لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعاً.
فإن قلت: فهلا قيل تعبدون لأجل اعبدوا؟ أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم. قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّي ذلك إلى تنافر النظم. وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده. فإذا قال: {اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ} للاستيلاء على أقصى غايات العبادة، كان أبعث على العبادة، وأشدّ إلزاماً لها، وأثبت لها في النفوس.
المسألة الأولى: أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين. أقبل عليهم بالخطاب...كأنه سبحانه وتعالى يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولا، ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة، شرف المخاطبة والمكالمة. [و] أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلا بالعبودية فإنه يكون أبدا في الترقي، بدليل أنه في هذه الآية، انتقل من الغيبة إلى الحضور. [و] أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف، ففيه كلفة ومشقة فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، كما أن العبد إذا ألزم تكليفا شاقا فلو شافهه المولى وقال أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذا لأجل ذلك الخطاب.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
قوله تعالى:"الذي خلقكم" خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته، إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم. وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.
"والذين من قبلكم"... إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا. والله أعلم.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
الآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة، النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثوابا، فإنها لما وجبت عليه شكرا لما عدده عليه من النعم السابقة، فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما ثبت بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القدرة [و] شمول العلم المستلزمان للواحدانية أنتج قطعاً إفراده بالعبادة الموجبة للسعادة المضمنة لإياك نعبد، فوصل بذلك قوله مقبلاً عليهم بعد الإعراض عنهم عند التقسيم إيذاناً بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من حيز المتأهل للخطاب من غير واسطة تنشيطاً لهم في عبادته وترغيباً وتحريكاً إلى رفع أنفسهم بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل دونهم وبشارة لمن أقبل عليه بعد أن كان معرضاً عنه بدوام الترقية، فيزال ما أشار إليه حرف النداء والتعبير عن المنادى من بقية البعد بالسهو والغفلة والإعراض بالتقصير في العبادة والاضطراب والذبذبة {يا أيها الناس}.
قال الحرالي: في تفسيره... وأكد سبحانه الكلام بالإبهام والتنبيه والتوضيح بتعيين المقصود بالنداء تنبيهاً على أن ما يأتي بعده أمور مهمة يحق لها تشمير الذيول والقيام على ساق الجد.
وقال الحرالي:: اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب فكذلك أيضاً جعل لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني آيها، وخاتمة تلتئم وتنتظم بترجمتها، ولذلك تترجم السورة عدة سور، وسيقع التنبيه على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. واعلم مع ذلك أن كل نبيء، فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه، وأن الله عز وجل جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم نبياً منبياً من النبوة -. ومعناه رفعة القدر والعلو، فمما أعلاه الله به أن قدم له بين يدي دعوته علم طيّة أمره ومكنون علمه تعالى في سر التقدير الذي لم يزل خبأ في كل كتاب، فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم وبين مرجع إلى ذكر ربهم على ثلاثة أضرب: منهم من فُطِر على الإيمان ولم يطبع عليه أي على قلبه فهو مجيب ولا بد، ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد، ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ظاهراً والكفر باطناً، وإن كلاًّ ميسر لما خلق له؛ فكان بذلك انشراح صدره في حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء -بالهمز، ثم علا بعد ذلك إلى مستحق رتبته العلية، فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما تضمنته {الم} ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا الكتاب، وحينئذ شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس، فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء والدعوة إلى العبادة يعني بهذه الآية، وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن.
ولما ضمن صدرها من الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه، ولما فيها من السطوة وخطاب الملك والجزاء ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول رحمة للعالمين فلم ينبغ إجراؤها على لسانه لذلك، وغيره من الرسل فعامة دعوة من خص الله سبحانه خبر دعوته فهي مجراة على ألسنتهم ولذلك كثرت مقاواة قومهم ومدعويهم لهم، ولما أجرى الحق تعالى هذه الدعوة من قبله كان فيها بشرى بالغلبة وإظهار دينه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاويه خلقه، ولما انتهى إلى البشرى التي هي رحمة أجرى الكلام على مخاطبته عليه السلام بقوله:
{وبشر} [البقرة: 25] ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله بلفظ
{أن اعبدوا الله} [المائدة: 117] ونحوه، فعزّ على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن إدراك العقول، ومع تولي الله سبحانه لهذه الدعوة بسلطانه العلي أجراها باسم الربوبية وهو اسم أقرب مثالاً على النفوس، لأنها تشاهد آياته بمعنى التربية والربابة، ومع ذلك أيضاً فذكر اسم الله في دعوة المرسلين غير متبع ولا موصوف بآيات الإلهية، ولو ذكر لما قرب مثالاً علمها فهي كالشمس والقمر ونحو ذلك، وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس ولا يمكن إنكارها، ووجه بعد النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور بإضافتها لاسم الله ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة، وتضيف النفوس الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد، كالفصول التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه أو إلى أسباب هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك، فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر التوقف والإباء، واقتضى اليسر الذي أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية منوطاً بآياتها- انتهى.
ولما كانت العبادة المختلّة بشرك أو غيره ساقطة والازدياد من الصحيحة والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب الفريقين فقال: {اعبدوا ربكم} أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث يقبلها الغني. ثم وصفه بما أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيهاً على وجوده ووجوب العبادة له بوجوب شكر المنعم فقال: {الذي خلقكم}.
ثم بين نتيجتها بقوله: {لعلكم تتقون} أي لتكون حالكم بعبادته لأنها كلها محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى، وهي اجتناب القبيح من خوف الله، وسيأتي في قوله: {لعلكم تشكرون} ما ينفع هنا. وقال الحرالي:: لعل كلمة ترج لما تقدم سببه، وبدأ من آيات الربوبية بذكر الخلق لأنه في ذواتهم، ووصل ذلك بخلق من قبلهم حتى لا يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم من حيث نظرهم إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم، لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم وأفعالهم فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم فينشأ لهم بذلك تقوى -انتهى.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
(أحدهما). أنهم الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ذلك الإيمان الذي يملك القلب ويصرف النفس في الأعمال، وهو المقبول عند الله تعالى. وإنما هم آخذون بتقاليد ظاهرية ليس لها ذلك الأثر الصالح في أخلاقهم وأعمالهم. فهم يخادعون الله تعالى بالتلبس ببعض صور العبادات والأقوال و "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "والكلام على هذا لا يزال في الصنف الرابع من أصناف البشر المخاطبين بالقرآن كما تقدم، فلا حاجة إلى بيان وجه الاتصال بين الآيات.
(الوجه الثاني) – وهو الراجح أن الخطاب عام للناس كافة، ووجه الاتصال بين الآيات على هذا أنه لما بين تعالى في أصناف الناس هذا الصنف الذي احتقر أفراده نعم الله تعالى عليهم. واستعظموها وأكبروها على من قبلهم. فحرموا أنفسهم من أجل المزايا الإنسانية. وأجلوا سلفهم حتى رفعوهم إلى مرتبة الربوبية. خاطب الناس عامة بأن يعبدوه ملاحظين معنى الربوبية والخالقية التي تشملهم ومن قبلهم من السلف فتنظمهم جميعا في سلك العبودية للخالق تعالى شأنه. ولا يكون كذلك الصنف الخاسر الكفور بنعم المشاعر والعقل وهداية الدين. إذ لم يستعملوا عقولهم في فهم ما أنزل عليهم. بل اكتفوا بتقليد بعض رؤسائهم وعلمائهم، زاعمين أنه لا يقوى على فهم كتاب الله تعالى غيرهم، كأن الله تعالى أنزل كتبه وخاطب بها نفرا معدودين في وقت محدود، ولم يجعله هداية عامة للأمة، وإنما ألزم سائر الناس في سائر الأوقات الاكتفاء باتباع أولئك الرؤساء واتباع أتباعهم وهلم جرا 203 ثم تركوا أتباعهم اتكالا على شفاعتهم، واكتفاء بالانتساب إليهم، وزعما أن الله أعطاهم ما لا يعطى مثله لأحد سواهم، وإن عملوا مثل عملهم؛ تعالى الله عن الظلم والمحاباة وهو ذو الرحمة التي لا تنتهي وذو الفضل العظيم.
هذا النداء الإلهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة: هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعين، -حجة علينا وعلى جميع من استنّ بسنة ذلك الصنف من قبلنا. (قال شيخنا): وأخصّ طلاب علوم الدين بالذكر فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن، ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام التي أشار إليها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله" أدبني ربي فأحسن تأديبي" وإنما كان أدبه، ومن اشتغل بهذا الاشتغال وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك. وأن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علما إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى وذلك هو الضلال البعيد.
كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن، فإذا قال {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والأسرار؛ وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى: {51: 20، 21 وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون} وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا، كما قال في آية أخرى: {30، 42 قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} وأمثال ذلك كثير.
لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، لا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو؛ كنحو أن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر، وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن. قال الإمام أبو بكر الباقلاني: من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل.
فهل يصلح لمسلم بلغ ورشد وطلب العلم أن لا يجعل القرآن إمامه ويتخذه فورا يمشي به في الناس ويهتدي به في ظلمات البدع؟
أمامنا عقبتان كؤودان لا نرتقي عما نحن فيه إلا باقتحامهما، وهما الكسل وتسجيل القصور على أنفسهما بجهل قيمة نعم الله تعالى علينا. وصاحب هاتين الخلتين يمقت كل من يرشده إلى الخير ويهديه للحق. لأنه يكلفه ضد طبعه. فلا يرى مهربا من الاعتراف بضلاله وغيه، إلا بالقدح بمرشده وناصحه.
على كل منا أن ينظر في نفسه وينظر في القرآن العظيم ويزن به ما هو عليه من العقائد والأخلاق والأعمال. فإن رجح به ميزانه فهو مسلم حقيقي فليحمد الله تعالى. وإلا فليسع فيما يكون به الرجحان.
لا بد لنا من النظر الطويل والفكر القويم فيما نحن فيه. فمن لم يتفكر لم يهتد إلى الحق. ومن لم يهتد إليه فهو ضال. فماذا بعد الحق إلا الضلال).
هذا ما تذكرناه من التنبيه الذي قلنا إن الأستاذ قفى به على تفسير الآيات التي وردت في صنفي المنافقين ومرضى القلوب بإزاء القرآن، ووصل به بينها وبين قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} الآيات. وهاك تفسيرها بالتفصيل.
{يا أيها الناس اعبدوا ربكم} أقول: إن الله تعالى قد افتتح هذه السورة بذكر كتابه القرآن وكونه حقا لا ريب فيه. وذكر بعد ذلك أصناف البشر تجاهه من المهتدين به بالقوة وبالفعل. ومن الكافرين الذين فقدوا الاستعداد للهدى. ومن المنافقين المذبذبين بين المؤمنين والكافرين. وفيه ما يفهم منه أن هؤلاء متفاوتون، منهم المستعد للإخلاص في الإيمان ومن فقد الاستعداد له. وحكمة بيان حال الميؤوس من إيمانهم أنهم ليسوا حجة على هداية القرآن بل هو حجة عليهم.
بعد هذا التمهيد جاءت هذه الآية والآيات الأربع بعدها مصرحات بدعوة جميع الناس إلى دين الله تعالى الحق ببيان أصوله وأسسه وهي:
(1) توحيد الألوهية بعبادة الله تعالى وحده. مع ملاحظة توحيد الربوبية.
(2) القرآن. آيته الكبرى ودينه التفصيلي.
(3) نبوة محمد صلى الله عليه وسلم المرسل بهذا القرآن.
(4) الجزاء في الآخرة على الكفر وأعماله بالنار. وعلى الإيمان وأعماله بالجنة.
تقدم تحقيق معنى العبادة ومعنى الرب في تفسير الفاتحة. وبدء الدعوة بالأمر بعبادة الله تعالى وحده هو سنة جميع المرسلين قال تعالى {16: 36 ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فكان كل رسول يبدأ دعوته بقوله {يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره} وذلك أن جميع تلك الأمم كانت تؤمن بأن الله خالق الخلق هو ربهم مدبر أمورهم، وإنما كان كفرهم الأعظم بعبادة غير الله تعالى بالدعاء الذي هو ركن العبادة الأعظم في وجدان جميع البشر، وبغير الدعاء والاستغاثة من العبادات العرفية، كالتقرب إلى المعبود بالنذور وذبح القرابين أو الطواف والتمسح به، إن كان جسما أو تمثالا لملك أو بشر أو حيوان أو قبرا لإنسان، ومنهم من كان ينكر البعث أيضا، ولما كان المخاطبون بالدعوة هنا أولا وبالذات في ضمن الدعوة العامة، وهم اليهود والعرب في المدينة وما حولها يؤمنون برب العالمين ووحدانيته ويعبدون غيره إما بدعائه مع الله أو من دون الله وإما يجعله شارعا يتبعونه فيما يصدره من أحكام التعبد أو الحرام والحلال – لما كانوا كذلك احتج على دعوتهم إلى توحيد الله تعالى بالتعبير بلفظ "رب" مضافا إليهم فقال {اعبدوا ربكم} ووصفه بما يدل على انفراده بالربوبية من الصفات المسلمة عندهم وهي الخلق والتكوين والرزق فقال {الذي خلقكم والذين من قبلكم} إلى آخر الآية التالية – أي إذا كان ربكم هو الذي خلقكم وخلق من قبلكم، وهو سخر لكم السماء والأرض لرزقكم ومنافعكم فيجب أن تعبدوه وحده ولا تشركوا بعبادته أحدا من خلقه فتجعلونه مساويا له وتفضلونه على أنفسكم تفضيلا من نوع تفضيل الخالق على المخلوق والرب على المربوب.
وهاك تفضيل ذلك بما كتبته من سياق درس شيخنا مفصلا له تفصيلا:
يقول تعالى {يا أيها الناس} الذين يدعون الإيمان بالله قولا بأفواههم ولم يمس الإيمان الحق سواد قلوبهم، ولا كان له سلطان على أرواحهم، ويدعون الإيمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم وإصلاح أعمالهم، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة، وقلوبهم مشغولة عن الله الذي لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته، والشعور بعظمته وجلاله، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التي لا معنى لها، والصور التي لا روح فيها، وإنما يخدعون في الحقيقة أنفسهم لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة.
ويا أيها الناس الذين لم يرزؤوا بهذا الخذلان، ولم يبتلوا بهذا الافتتان، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، {اعبدوا ربكم} جميعا عبادة خشوع وإخلاص وأدب وحضور، كأنكم تنظرون إليه وترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم، وينظر دائما إلى محل الإخلاص منكم وهو قلوبكم، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والإخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون {16: 78 وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} وغذاكم بنعمه، ونماكم بكرمه، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية، ومعظمين لهذه المنة، فليدع ذلك الصنف احتقارهم النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة الله على السلف فقط فإن هذا الرب العظيم {الذي خلقكم و} خلق {الذين من قبلكم} قد رباكم كما ربى سلفكم، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبكم، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعما، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقما ليكون عبرة ومثلا للآخرين. وذلك من رحمته بالعالمين. وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد. فقال {14: 7 لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} وفي القصص حياة لأولي الألباب. وما يتذكر إلا من أناب.
هكذا أمر الله تعالى عباده أجمعين. بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين. وأرشدهم بإعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية – إلى الاستقلال بالعمل. وقدر نعمته عليهم قدرها. ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر – وهي ما عدا النبوة – مقدورة لهم. كما كانت مقدورة لمن قبلهم. وأنهم إذا زادوا على أنفسهم شكرا يزادون نعما. و ما الشكر إلا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله. فالذين يقولون إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة. وإنما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا. لأن عقولهم كانت أقوى. وكانوا على فهم الدين أقدر. بل لا يمكن أن يفهمه غيرهم، أولئك كافرون بنعمة العقل، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمة والفضل. وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين الله تعالى لأجل التقريب إليه زلفى بغير ما شرعه لهم من الدين ما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام – وهم الوسائل في الهداية والإرشاد – أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين. من غير طريق العمل به وإتباع المرسلين – قد احتقروا نعم الله تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية لأنهم قد جعلوا لله أندادا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ما حكم الله بأن يطلبه الناس بإيمانهم وأعمالهم. فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء لله يغنونهم عن شريعته. شعروا بذلك أم لم يشعروا. يقول تعالى لجميع عباده: اعبدوني ملاحظين معنى الربوبية. والمساواة في المواهب الخلقية. التي تؤهلهم للسعادة الحقيقية.
{لعلكم تتقون} فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى. ويرجى بها بلوغ غاية الكمال القصوى. قال الأستاذ: الشائع أن "لعل" للترجي في ذاتها وإذا وقعت في كلام الله تعالى يكون معناها التحقيق. وغرض القائلين بهذا تنزيه الله سبحانه عن الترجي بمعناه اللغوي الآتي. ولكنه رمي للكلام بدون بيان. وحقيقته أن "لعل" للترجي ولكنها تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء. وفي هذا معنى الترجي. فحيث وقعت "لعل" في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناها به آنفا. وهو يستلزم التحقيق [لأن الإعداد بما تأتي "لعل" بعده أمر محقق لا ريبة فيه] فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية الخ ما تقدم شرحه تطبع في النفس ملكة خشية الله وتعظيمه ومراقبته. وتعلي همة العابد وتقوي عزيمته وإرادته. فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل. وتألف الطاعات والفضائل. وهذه هي التقوى. وإذا قلنا: إن الرجاء متعلق بالناس فالإعداد فيه ظاهر ومتحقق، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد.
ومعنى الترجي في أصل اللغة: توقع حصول الشيء القريب بحصول سببه والاستعداد له. سواء كان الاستعداد كسبيا أو طبيعيا، فاستعملنا "لعل" المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الإعداد الذي هو جعل المرء مستعدا والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع في استعمال اللغة، وقد عدوا الترجي والتمني من الأخبار وصيغهما صيغ إنشاء فقط.
وأقول: إن ما ذكره من الإعداد صحيح ولكنه غير مطرد. والتحقيق أن الترجي عبارة عن كون الشيء مأمولا بما يذكر من سببه غير مقطوع به لذاته بل يتبع قوة أسبابه مع انتفاء الموانع ويتعلق تارة بالمتكلم وتارة بالمخاطب وتارة بالمتكلم عنه وتارة بغيرهما، فتأمل قوله تعالى {25: 1 لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} وقوله حكاية عن قوم موسى {26: 40 لعلنا نتبع السحرة} وقوله {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب} الخ وقوله لموسى وهارون {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} وقد علم أن هذا مقطوع بعدم وقوعه عند الله ولكن الرجاء فيه متعلق بموسى وهارون أي {20: 44 فقولا له قولا لينا} راجين به أن يتذكر أو يخشى لا قولا غليظا منفرا. وتأتي "لعل" للإشفاق وإفادة التحذير من أمر وقعت أسبابه فكان بها مظنة الوقوع كقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {18: 6 فلعلك باخع نفسك} الآية وقوله {11: 11 فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك} الآية.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
ثم استدل على وجوب عبادته وحده، بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم، فخلقكم بعد العدم، وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة...
وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته، وبطلان عبادة من سواه، وهو [ذكر] توحيد الربوبية، المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنه ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن إقراره بأن [الله] لا شريك له في العبادة، وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك.
وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يحتمل أن المعنى: أنكم إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم الله، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة، كان من المتقين، ومن كان من المتقين، حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وعندما يتم استعراض الصور الثلاث يرتد السياق في السورة نداء للناس كافة، وأمرا للبشرية جمعاء، أن تختار الصورة الكريمة المستقيمة. الصورة النقية الخالصة. الصورة العاملة النافعة. الصورة المهتدية المفلحة.. صورة المتقين:
(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)..
إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم. ربهم الذي تفرد بالخلق، فوجب أن يتفرد بالعبادة.. وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققوه:
(لعلكم تتقون).. لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية. صورة العابدين لله. المتقين لله. الذين أدوا حق الربوبية الخالقة، فعبدوا الخالق وحده؛ رب الحاضرين والغابرين، وخالق الناس أجمعين، ورازقهم كذلك من الأرض والسماء بلا ند ولا شريك.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف ابتدائي ثني به العِنان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله، ومثلت حال كل فريق وضربت له أمثاله فإنه لما استوفى أحوالاً للمؤمنين وأضدادِهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ينفعهم إرشاداً لهم ورحمة بهم، لأنه لا يرضى لهم الضلال، ولم يكن ما ذكر آنفاً من سوء صنعهم حائلاً دون إعادة إرشادهم والإقبال عليهم بالخطاب، ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ عليهم ليس إلا حرصاً على صلاحهم وأنه غني عنهم كما يفعله المربي الناصح حين يزجر أو يوبخ فيرى انكسار نفس مرباه فيجبر خاطره بكلمة لينة ليريه أنه إنما أساء إليه استصلاحاً وحباً لخيره فلم يترك من رحمته لخلقه حتى في حال عتوهم وضلالهم وفي حال حملهم إلى مصالحهم.
وبعد فهذا الاستئناس وجبر الخواطر يزداد به المحسنون إحساناً وينكف به المجرمون عن سوء صنعهم فيأخذ كل فريق من الذين ذكروا فيما سلف حظَّه منه. فالمقصود بالنداء من قوله: {يأيها الناس} الإقبال على موعظة نبذ الشرك وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب ب"يأيها الناس"، وقرينة ذلك هنا قوله: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} [البقرة: 22].وافتتح الخطاب بالنداء تنويهاً به.
فإن نظرت إلى صورة الخطاب، فهو إنما واجه به ناساً سامعين، فعمومه لمن لم يحضر وقت سماع هذه الآية، ولمن سيوجد من بعد يكون بقرينة عموم التكليف وعدم قصد تخصيص الحاضرين، وذلك أمر قد تواتر نقلاً ومعنى، فلا جرم أن يعم الجميع من غير حاجة إلى القياس، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك، وهذا شأن الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم: يا قوم، ويا فتى، وأنتَ ترى، وبهذا تعلم... ونحو ذلك، فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاماً لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة بدليل آخر...
[و] الظاهر أن خطابات التشريع ونحوها غير جارية على المعروف في توجه الخطاب في أصل اللغات لأن المشرع لا يقصد لفريق معين.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
في الآية الكريمة... عدة ملاحظات نشير إليها فيما يلي:
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) تكرر في القرآن عشرين مرّة تقريباً، وهو نداء عام شامل يشير إلى أن القرآن لا يختص بعنصر أو قبيلة أو طائفة أو فئة خاصة، بل يوجّه دعوته إلى البشرية عامة لعبادة الله، وللثورة على كل ألوان الشرك والانحراف عن طريق التوحيد.
يركّز القرآن، في دعوته إلى عبادة الله وإلى شكر الله على نعمة خلق البشر، وهي نعمة تتجلى فيها قدرة الله كما يتجلى فيها علم الله وحكمته وكذلك رحمته العامة والخاصّة. لأن الموجود البشري سيّد الموجودات، ومظهر علم الله وقدرته اللامتناهية ونعمه الكثيرة الواسعة. أُولئك الذين يستنكفون عن عبادة الله والخضوع له، غافلون غالباً عن العظمة المنطوية في خلقهم وخلق الذين من قبلهم، وعن اليد المدبّرة المقدّرة التي أوجدت هذا الخلق، وأودعت فيه النعم الدقيقة المدروسة المتجلية في جسم الإنسان وروحه. فالتذكير بهذه النعم دليل لمعرفة الله، ومحرك للشكر على هذه النعم.
نتيجة هذه العبادة هي التقوى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فعباداتنا لا تزيد الله عظمة وجلالا، كما أن إعراضنا عن العبادة لا ينقص من عظمة الله شيئاً. هذه العبادات مدرسة لتعليم التقوى، والتقوى هي الإحساس بالمسؤولية والمحرّك الذاتي للفرد، وهي معيار قيمة الإنسان وميزان تقييم شخصيته.
عبارة: (الذين مِنْ قَبْلِكُمْ) لعلها ردّ على استدلال المشركين الذين برروا عبادتهم للأصنام بتمسكهم بسنة آبائهم. والآية الكريمة تشير بهذه العبارة إلى أن الله الواحد الأحد، خالق البشر وخالق آبائهم، وكل شرك يعتري المسيرة البشرية في حاضرها وسالفها هو انحراف عن الخط الصحيح.