روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

{ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في ذلك أبلغ التخويف والإنذار عقب بالمؤمنين وما لهم جرياً على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا يجديه التخويف ولا يجديه وينفعه اللطف ، ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصة على القصة ، والتناسب بينهما باعتبار أنه بيان لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين ، وهل هو معطوف على { وَإِن كُنتُمْ } [ البقرة : 3 2 ] إلى { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 4 2 ] أو على { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } [ البقرة : 4 2 ] الآية قولان ؟ اختار السيد أولهما ، وادعى بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة ، وادعى لتلائم النظم لأن { ياأيها الناس اعبدوا } [ البقرة : 1 2 ] خطاب عام يشمل الفريقين { وَإِن كُنتُمْ } [ البقرة : 23 ] الخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار { وَبَشّرِ } الخ مختص بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى عبادته ، ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق ، والسعد اختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم . وقيل عطف على { فاتقوا } [ البقرة : 4 2 ] وتغاير المخاطبين لا يضر ك { يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا واستغفري } [ يوسف : 9 2 ] وترتبه على الشرط بحكم العطف باعتبار أن اتقوا إنذار وتخويف للكفار { وَبَشّرِ } تبشيراً للمؤمنين ، وكل منهما مترتب على عدم المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم استيجاب منكره العقاب ، ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت ، واستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير ، فترتب الجملة الثانية على الشرط ترتب الأولى عليه بلا فرق ، وقد يقال إن الجزاء ( فآمنوا ) محذوفاً والمذكور قائم مقامه ؛ فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع الضمير ، وفيه حث لهم على الإيمان ، ولعله أقل مؤنة . واختار صاحب «الإيضاح » عطفه على أنذر مقدراً بعد جملة { أُعِدَّتْ } وقيل : عطف على قل قبل { وَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } وتقديره قبل { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } [ البقرة : 1 2 ] يحوج إلى إجراء { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] على طريقة كلام العظماء ، أو تقدير قال الله بعد قل ، والبشارة بالكسر والضم اسم من بشر بشراً وبشوراً وتفتح الباء فتكون بمعنى الجمال ، وفي الفعل لغتان ، التشديد وهي العليا ، والتخفيف وهي لغة أهل تهامة ، وقرئ بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد بالنسبة إلى المفعول ، فإن واحداً كان فعل فيه مغنياً عن فعل ، وفسروها في المشهور ، وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المختبر علم به ، واشترط بعضهم أن يكون صدقاً ، وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزناً أو سروراً وكثر استعماله في الخير ، وصححه في «البحر » { فبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 21 ] ظاهر عليه ، ومن باب التهكم/ على الأول والمأمور بالتبشير البشير النذير صلى الله عليه وسلم ، وقيل : كل من يتأتى منه ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين إلى المساجد » الحديث ففيه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك مجاز إن كان الضمير موضوعاً لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محله ، ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً تاماً فإنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم ، وقيل : تغيير للأسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين ، وعندي أنه سبحانه لما كسى رسوله صلى الله عليه وسلم حلة عبوديته في قوله : { مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } [ البقرة : 3 2 ] ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم ، وفي ذلك من اللطف به صلى الله عليه وسلم وبهم ما لا يخفى .

وقرأ زيد بن علي ( وبشر ) مبنياً للمفعول وهو معطوف على { أُعِدَّتْ } [ البقرة : 4 2 ] كما اشتهر ، وقيل : إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفاً ، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ، وجعل صلته فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر ، ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما هو رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإيمان ، ومتعلق { ءامَنُواْ } مما لا يخفى ، وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل ، و( الصالحات ) جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح صلوحاً وصلاحاً خلاف فسدت ، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه ، وأجريت مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره ، وتأنيثها على تقدير الخلة وللغلبة ترك ، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها اسماً وأل فيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو أريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الاثنان ، والمخصص حال المؤمن فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد ، فالمؤمن الذي لم يعمل أصلاً أو عمل عملاً واحداً غير داخل في الآية ، ومعرفة كونه مبشراً من مواقع أخر ، وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب من الصالحات إن وجب قليلاً كان أو كثيراً ، وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد ، وليس هذا توزيعاً في المشهور كركب القوم دوابهم إذ قد يطلق أيضاً على مقابلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد –كالمثال- أو الجمع الواحد- كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } [ المائدة : 6 ] والسيد يسمي هذا شائبة التوزيع .

{ أَنَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } أراد سبحانه : { بِأَنَّ لَهُمُ } الخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف الجار مع أنّ ، وأن بغير عوض لطولهما بالصلة ، ومع غيرهما فيه خلاف مشهور ، وفي المحل بعد الحذف قولان ، النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله ، والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للاستحقاق وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلاً وكرماً لكن بشرط الموت على الإيمان ، والجنة في الأصل المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره ، ومدار التركيب على الستر ثم سمي بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل/ فإن كرم ففردوس ، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى( {[150]} ) بمعنى النخل خاصة ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم «مالا ، ولا » مما هو مغيب الآن عنا ، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عدداً كقلة أنواع العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال ، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها سبع لم يقف على ثبوته الحفاظ ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم ، وتقديم الخبر لقرب مرجع الضمير وهو أسر للسامع ، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة ك { إِنَّ لَنَا لأجرا } [ الأعراف : 3 11 ] وتحت ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير ( من ) كما نص عليه أبو الحسن ، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة وإن أريد الأرض قيل من تحت أشجارها أو عاد عليها باعتبار الأشجار استخداماً ونحوه ، وقيل : إن تحت بمعنى جانب كداري تحت دار فلان وضعف كالقول من تحت أوامر أهلها وقيل : منازلها ، وإن أريد مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية كما قيل بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس :

وتحدث الماء الزلال مع الحصى *** فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى

والأنهار : جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح ، وأصله الشق ، والتركيب للسعة ولو معنوية كنهر السائل بناءً على أنه الزجر البليغ فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول ، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع ؟ قولان : أشهرهما الأول ، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها ، وتأنيث { تَجْرِى } رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع ، وفي الكلام مجاز في النقص أو في الطرف ( أولا ، ولا ) والإسناد مجازي ، وأل للعهد الذهني قيل : أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء } [ محمد : 5 1 ] الآية فإنها مكية على الأصح ، وذي مدنية نزلت بعدها ، واستبعده السيد والسعد ، وقيل : عوض عن المضاف إليه أي أنهارها وهو مذهب كوفي ، وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطئ الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار أبرد من الثلج ، ولا يخفى الكلام على جمع القلة .

{ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } صفة ثانية لجنات أخرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها ، وهذا باعتبار سكانها أو خبر مبتدأ محذوف أي هم والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة ، وكون الكلام مسوقاً لبيان أحوال المؤمنين ، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لأسميتها ، ومعنى لكونها جواب سؤال كأنه قيل : ما حالهم في تلك الجنات ؟ فأجيب بأن لهم فيها ثماراً لذيذة عجيبة وأزواجاً نظيفة { وَهُمْ فِيهَا خالدون } وتقدير المبتدأ هو أو هي للشأن أو القصة ليس بشيء بناءً على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير ، وإذا لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة اسمية ، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة كأنه لما وصف الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن ثمارها كثمار جنات الدنيا أولاً فبين حالها { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج } زيادة في الجواب ولو قدر السؤال نحو ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتم وأزيد ؟ كان أصح وأوضح ، وأجاز أبو البقاء كونها حالاً من { الذين } أو من { جنات } لوصفها وهي حينئذٍ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة ، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة ، و{ كُلَّمَا } نصب على الظرفية ب { قَالُواْ } ، و{ رِزْقاً } مفعول ثان لرزقوا كرزقه مالاً أي أعطاه ، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكداً لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف ، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما بعده له ، وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعاً لذيذاً غير ما تعرفونه ، و( من ) الأولى والثانية للابتداء قصد بهما مجرد كون المجرور بهما موضعاً انفصل عنه الشيء ، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو إلى وهما ظرفان مستقران واقعان حالاً على التداخل ، وصاحب الأولى : { رِزْقاً } والثانية : ضميره المستكن في الحال ، والمعنى كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة ، والشائع كونهما لغواً ، والرزق قد ابتدأ من الجنات ، والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول : أعطاني فلان ، فيقتل : من أين ؟ فتقول : من بستانه ، فيقول : من أي ثمرة ؟ فتقول : من الرمان ، وتحريره أن { رُزِقُواْ } جعل مطلقاً مبتدأ من الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ذلك مبتدأ من ثمرة ، وعلى القولين لا يرد أنهم منعوا تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد والآية تخالفه ، أما على الأول فظاهر ، وأما على الثاني فلأن ذاك إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداءً من غير تبعية .

وما نحن فيه ليس كذلك للإطلاق والتقييد والمراد من الثمرة على هذا النوع كالتفاح والرمان لا الفرد ؛ لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد يقتضي أن يكون المرزوق قطعة من لا جميعه وهو ركيك جداً ، ويحتمل أن تكون الثانية مبينة للمرزوق والظرف الأول لغو والثاني مستقر خلافاً لمن وهم فيه وقع حالاً من النكرة لتقدمه عليها ولتقدمها تقديراً جاز تقديم المبين على المبهم ، والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول ، و{ رِزْقاً } مصدر مؤكد أو في موقع الحال من { رِزْقاً } لبعده مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئياً فتأتي الركاكة ههنا ، وجمع سبحانه بين { مِنْهَا } و{ مِن ثَمَرَةٍ } ولم يقل من ثمرها بدل ذلك لأن تعلق { مِنْهَا } يفيد أن سكانها لا تحتاج لغيرها لأن فيها كل ما تشتهي الأنفس ، وتعلق { مِن ثَمَرَةٍ } يفيد أن المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق ، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ويكفي إحساس أفراده وهذا كقولك مشيراً إلى نهر جار هذا الماء لا ينقطع أو إلى شخصه ، والإخبار عنه ب ( الذي ) الخ على جعله عينه مبالغة أو تقدير مثل الذي رزقناه من قبل أي في الدنيا ، والحكمة في التشابه أن النفس تميل إلى ما يستطاب وتطلب زيادته .

أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره *** هو المسك ما كررته يتضوع

وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات ، أو لتبيين المزية وكنه النعمة فيما رزقوه هناك إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في الجنة ، والتشابه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم كما روي عن الحسن : «إن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك ؟ فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف » أو مع التشابه في الطعم أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها " فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم .

/ والمشهور أن كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى مما يقدم في الآخرة لأن ( كلما ) تفيد العموم ولا يتصور قولهم ذلك في أول ما قدم إليهم ، وقيل : كون المراد بها في الآخرة أولى لئلا يلزم انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا مع أن فيها ما علمت وما لم تعلم ، على أن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقته –لمتشابها- بعد فإنه في رزق الجنة أظهر ، وإعادة الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلف وستسمعه بمنه تعالى ، وفي الآية محمل آخر يميل إليه القلب بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة ، وهذا جزاء مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله تعالى : { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ العنكبوت : 55 ] أي جزاءه فالذي رزقناه مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم المسبب على السبب ولا يضر في ذلك أن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من الجزاء كما لا يخفى أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر ، وقيل : أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا كما يشير إليه بعض الآثار فثمرة النعيم ما غرسوه في الدنيا فتدبر { وَأُتُواْ بِهِ متشابها } تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما يشتمل على معناه لا محل له من الإعراب ، ويحتمل الاستئناف والحالية بتقدير ( قد ) وهو شائع ، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهراً الخدم والولدان كما يشير إليه قراءة هارون والعتكي ( وأتوا ) على الفاعل وفيها إضمار لدلالة المعنى عليه ، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى : { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ } إلى قوله سبحانه : { وفاكهة مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } [ الواقعة : 7 1 0 2 ] والضمير المجرور إما على تقدير أن يراد من قبل في الدنيا فراجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان : { هذا } و{ الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } وهو المرزوق في الدارين أي أوتوا بمرزوق الدارين متشابهاً بعضه بالبعض ويسمى هذا الطريق بالكناية الإيمائية ولو رجع إلى الملفوظ لقيل بهما ، وعبر عما بعضه ماض وبعضه مستقبل بالماضي لتحقق وقوعه ، وفي «الكشف » أن المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما ، وإما على تقدير أن يراد في الجنة فراجع إلى الرزق أي أوتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد .

قال أبو حيان : والظاهر هذا لأن مرزوقهم في الآخرة هو المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثاً بها عن الجنة وأحوالها وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف ، ولا يعكر على دعوى متشابه ما في الدارين ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : «ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء » لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وهو حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم وإن لم يكن في المقدار والطعم ، وتحريره أن إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي الاشتراك فيما هو مناطها وهو الصورة ، وبذلك يتحقق التشابه بينهما فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل { وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون } صفة ثالثة ورابعة للجنات ، وأوردت الأوليتان بالجملة الفعلية لإفادة التجدد ، وهاتان بالاسمية لإفادة الدوام ، وترك العاطف في البعض مع إيراده في البعض قيل : للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات ، واختص كل بما اختص به لمناسبة لا تخفى ، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتين الجملتين مستأنفتان ، وجوز أن تكون الثانية حالاً من ضمير الجمع في : ( لهم ) والعامل فيها معنى الاستقرار والأزواج جمع قلة وجمع الكثرة زوجة كعود وعودة ولم يكثر استعماله في الكلام ، قيل : ولهذا استغنى عنه بجمع القلة توسعاً ، وقد ورد في الآثار ما يدل على كثرة الأزواج في الجنة من الحور وغيرهن ، ويقال : الزوج للذكر والأنثى ، ويكون لأحد المزدوجين ولهما معاً ، ويقال : للأنثى زوجة في لغة تميم وكثير من قيس ، والمراد هنا بالأزواج النساء اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره ، وليس في المفهوم اعتبار التوالد الذي هو مدار بقاء/ النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد ، على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثاراً في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام ، وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون والله قادر على ما يشاء . ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل ما يشينهن ، فإن كن من الحور كما روي عن عبد الله فمعنى التطهر خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي ، وإن كن من بني آدم كما روي عن الحسن : «من عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب » فالمراد إذهاب كل شين عنهن من العيوب الذاتية وغيرها .

والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً ، فيكون عاماً هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقاً منصرفاً إلى الكامل ، وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل ، فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع ، وقرأ زيد بن علي ( مطهرات ) بناءً على طهرن لا طهرت كما في الأولى ولعلها أولى استعمالاً ، وإن كان الكل فصيحاً لأنهم قالوا : جمع ما لا يعقل إما أن يكون جمع قلة أو كثرة ، فإن كان جمع كثرة فمجيء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات ، وإن كان جمع قلة فالعكس ، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون التاء ك { بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } [ البقرة : 234 ] و{ يُرْضِعْنَ أولادهن } [ البقرة : 233 ] ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة ، ومجيء هذه الصفة مبينة للمفعول ، ولم تأت طاهرة وصف من طهر بالفتح على الأفصح ، أو طهر بالضم ، وعلى الأول قياس ، وعلى الثاني شاذ للتفخيم لأنه أفهم أن لها مطهراً وليس سوى الله تعالى ، وكيف يصف الواصفون من طهره الرب سبحانه ؟ا وقرأ عبيد بن عمير : { مُّطَهَّرَةٍ } وأصله متطهرة فأدغم ، ولما ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم ، وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل :

أشد الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالاً

أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة ، والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع ، وعندنا البقاء الطويل انقطع أو لم ينقطع ، واستعماله في المكث الدائم من حيث إنه مكث طويل لا من حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا ، وقد شهدت له الآيات والسنن ، والجهمية يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها ، والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر ، والأولية تقدمه على جميع المخلوقات ، والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي ، ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال ، ولأنه إن لم يعلم أنفاس أهل الجنة كان جاهلاً تعالى عن ذلك ، وإن علم لزم الانتهاء وهو بعد الفناء ، ولنا النصوص الدالة على التأبيد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن . والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل : البؤس خير من نعيم زائل ، والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص ، ومعنى : ( الأول والآخر ) ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا ابتداء ولا انتهاء له في ذاته من غير استناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم ، والخلق ليسوا كذلك ، فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى ، وما أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد ؟ أفيقال : إن الله سبحانه لا يعلمها أو يقال إنها متناهية ، تباً للجهمية ما أجهلهم ، وأجهل منهم من قال إن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانحلال والانفكاك فكيف يمكن التأبيد ، وذلك لأن مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة ، وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل على عالم الكون والفساد ؟ على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادراً مختاراً ولا فاعل في الوجود إلا هو فلمَ لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل ، أو إن تحللت فلمَ لا يجوز أن يخلق بدلا تحلل دائماً أبداً ؟ وسبحان القادر الحكيم الذي لا يعجزه شيء .


[150]:_ وهو قوله: كأن عيني في غربي.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

أما قوله تعالى:"وَبَشّرْ" فإنه يعني: أخبرهم. والبشارة أصلها: الخبر بما يسر المخبر به، إذا كان سابقا به كل مخبر سواه. وهذا أمر من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبماء جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له: يا محمد بَشّرْ من صدقك أنك رسولي وأن ما جئت به من الهدى والنور فمن عندي، وحقق تصديقه ذلك قولاً بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتها عليه وأوجبتها في كتابي على لسانك عليه، أن له جنات تجري من تحتها الأنهار خاصة، دون من كذّب بك وأنكر ما جئت به من الهدى من عندي وعاندك، ودون من أظهر تصديقك وأقرّ بأن ما جئته به فمن عندي قولاً، وجحده اعتقادا ولم يحققه عملاً. فإن لأولئك النار التي وقودها الناس والحجارة معدة عندي.

والجنات جمع جنة، والجنة: البستان. وإنما عنى جل ذكر بذكر الجنة ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عزّ ذكره: "تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ "لأنه معلوم أنه إنما أرَادَ جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تحت أرضها لأن الماء إذا كان جاريا تحت الأرض، فلا حظّ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه...

على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير أخاديد... عن مسروق، قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القِلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري في غير أخدود...

فإذا كان الأمر كذلك في أن أنهارها جارية في غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بالجنات أشجار الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تجري فوق أرضها وتحت غروسها وأشجارها، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جارية تحت أرضها. وإنما رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عباده في الإيمان وحضهم على عبادته، بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ لأهل الكفر به الجاعلين معه الاَلهة والأنداد من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته...

"كُلمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا قالُوا هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأتُوا بِهِ مُتَشَابِها ": كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا من الجنات، والهاء راجعة على «الجنات»، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال: كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا قالوا: هذا الذي رُزِقْنا من قبل...

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ"

فقال بعضهم: تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضا. ومن علة قائلي هذا القول أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله. قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت نظيرة التي نزعت فأكلت في كل معانيها. قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه: وأتُوا بِهِ مُتَشابِها لاشتباه جميعه في كل معانيه

وقال بعضهم: بل قالوا: هَذَا الّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ لمشابهته الذي قبله في اللون وإن خالفه في الطعم.

والذي يدل على صحته ظاهر الآية ويحقق صحته، قول القائلين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: "كُلّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا" فأخبر جل ثناؤه أن من قيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقا أن يقولوا: "هذا الذي رُزقنا من قبل". ولم يخصص بأن ذلك من قيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه محال أن يكون من قيلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الجنة: هَذَا الّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هذا من ثمار الجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيره...

"وأتُوا بِهِ مُتَشابِها": والهاء في قوله: "وأتُوا بِهِ مُتَشابِها" عائدة على الرزق، فتأويله: وأُتوا بالذي رزقوا من ثمارها متشابها.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل المتشابه في ذلك:

فقال بعضهم: تشابهه أن كله خيار لا رذل فيه.

وقال بعضهم: تشابهه في اللون وهو مختلف في الطعم. وقال بعضهم: تشابه في اللون والطعم وقال بعضهم: تشابهه تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون وإن اختلف طعومهما... يشبه ثمر الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب... وقال بعضهم: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء.

وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، تأويل من قال: وأُوتُوا بِهِ مُتَشابِها في اللون والمنظر، والطعمُ مختلفٌ. يعني بذلك اشتباه ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفا في الطعم والذوق لما قدمنا من العلة في تأويل قوله: "كُلما رُزِقُوا مِنْعها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقا قالُوا هَذَا الّذِي رِزِقنا مِنْ قَبْلُ" وأن معناه: كلما رزقوا من الجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالُوا: هَذَا الّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْل هذا في الدنيا. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أُتوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابها، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه والذي كانوا رزقوه في الدنيا في اللون والمرأى والمنظر وإن اختلفا في الطعم والذوق فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا...

"وَلَهُمْ فِيهَا أزْواجٌ مُطَهّرَةٌ": والهاء والميم اللتان في «لهم» عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والهاء والألف اللتان في «فيها» عائدتان على الجنات. وتأويل ذلك: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات فيها أزواج مطهرة. والأزواج جمع زوج، وهي امرأة الرجل، يقال: فلانة زوج فلان وزوجته.

وأما قوله: "مُطَهّرَةٌ" فإن تأويله أنهن طهرن من كل أذى وقَذًى وريبة، مما يكون في نساء أهل الدنيا من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره...

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أما أزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ فإنهن لا يحضن ولا يحدثن ولا يتنخمن...

[و] عن ابن عباس قوله: "أزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ" يقول: مطهرة من القذر والأذى...

"وَهُمْ فيها خالدُونَ": والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون، فالهاء والميم من قوله وَهُمْ عائدة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والهاء والألف في «فيها» على الجنات، وخلودهم فيها: دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الحَبْرَة والنعيم المقيم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب...

فإن قلت: من المأمور بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ}؟ قلت: يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون كل أحد. كما قال عليه الصلاة والسلام:"بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" لم يأمر بذلك واحداً بعينه. وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل؛ لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به.

والبشارة: الإخبار مما يظهر سرور المخبر به. ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حرّ، فبشروه فرادى، عتق أوّلهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال مكان «بشرني» أخبرني «عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه. ومنه: البشرة لظاهر الجلد. وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزَأ به وتألمه واغتمامه.

فإن قلت: ما معنى جمع الجنة وتنكيرها؟ قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان.

فإن قلت: كيف صورة جري الأنهار من تحتها؟ قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية. وعن مسروق: أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطردة. ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء الله تعالى بذكر الجنات مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه، ولما قدّمه على سائر نعوتها. والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى: نهر دمشق، وللنيل: نهر مصر. واللغة العالية «النهَر» بفتح الهاء.

فإن قلت: لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن أجناساً أخر؟ قلت: لأنّ الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد وتقدّم معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان جنساً لم يعهده وإن كان فائقاً، حسب أنّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين. فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حدّ البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمّانة الجنة تشبع السكن. والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أنّ ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم، ويستدعي تبجحهم في كل أوان...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{جنات} جمع جنة، وهي بستان الشجر والنخيل... وسميت جنة لأنها تجن من دخلها أي تستره، ومنه المجن والجنن، وجن الليل.

"وأتُوا بِهِ مُتَشابِها": قال ابن عباس: «ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة»...

وقال بعض المفسرين: «المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز».

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة، ولاسيما ما يختص بالنساء، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك.

قال أهل الإشارة. وهذا يدل على أنه لابد من التنبه لمسائل.

أحدها: أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها، فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثا بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى.

وثانيها: أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها.

وثالثها: من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقدر ما بشرك به، وضمنه لك، على أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه...

والأزواج: جمع «زوج». والمرأة زوج للرجل، وهو زوجها هذا هو الأفصح وهو لغة قريش. وبها نزل القرآن كقوله: {اسكن أنت وزوجك الجنة} [البقرة: 35] ومن العرب من يقول: زوجة، وهو نادر، لا يكادون يقولونه.

وأما «المطهرة»: فإن جرت صفة على الواحد، فيجرى صفة على جمع التكثير إجراء له مجرى جماعة، كقوله تعالى: {مساكن طيبة} [الصف: 12] وقولهم: وقوًى ظاهرة، ونظائره. و«المطهرة»: من طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر، وكل أذى يكون من نساء الدنيا، فظهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة، والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن "مثاني "على أصح أقوال العلماء... وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه... فلهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة، ومعنى {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} أي: من تحت أشجارها وغرفها، وقد جاء في الحديث: أن أنهارها تجري من غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف، ولا منافاة بينهما، وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله [وكرمه] إنه هو البر الرحيم...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

واعلم أن معظمَ اللذاتِ الحسية لما كان مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكِح حسبما يقضي به الاستقراءُ، وكان ملاك جميع ذلك الدوامَ والثباتَ، إذ كلُّ نعمة وإن جلت حيث كانت في شرف الزوال ومعرِضِ الاضمحلال فإنها منغِّصةٌ غيرُ صافيةٍ من شوائب الألم، بَشَّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلاً للبهجة والسرور، اللهم وفقنا لمراضيك، وثبتنا على ما يؤدي إليها من العقْد والعمل...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{الَّذِينَ آمَنُوا} بقلوبهم {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بجوارحهم، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.

ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.

فبشرهم {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة، والظل المديد، [والأغصان والأفنان وبذلك] صارت جنة يجتن بها داخلها، وينعم فيها ساكنها.

{تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: أنهار الماء، واللبن، والعسل، والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار.

{كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} أي: هذا من جنسه، وعلى وصفه، كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس لهم وقت خال من اللذة، فهم دائما متلذذون بأكلها...

ثم لما ذكر مسكنهم، وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه فقال: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} فلم يقل "مطهرة من العيب الفلاني "ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن، أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح.

ففي هذه الآية الكريمة، ذكر المبشِّر والمبشَّر، والمبشَّرُ به، والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك، هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب.

وفيه استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها]، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان، توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها -إلى جانب الأزواج المطهرة- تلك الثمار المتشابهة، التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل -أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل، وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل- فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة.. وهي ترسم جوا من الدعابة الحلوة، والرضى السابغ، والتفكه الجميل، بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة، وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد!

وهذا التشابه في الشكل، والتنوع في المزية، سمة واضحة في صنعة البارئ تعالى، تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره. ولنأخذ الإنسان وحده نموذجا كاشفا لهذه الحقيقة الكبيرة.. الناس كلهم ناس، من ناحية قاعدة التكوين: رأس وجسم وأطراف. لحم ودم وعظام وأعصاب. عينان وأذنان وفم ولسان. خلايا حية من نوع الخلايا الحية. تركيب متشابه في الشكل والمادة.. ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات؟ ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات؟ إن فارق ما بين إنسان وإنسان -على هذا التشابه- ليبلغ أحيانا أبعد مما بين الأرض والسماء!

وهكذا يبدو التنوع في صنعة البارئ هائلا يدير الرؤوس: التنوع في الأنواع والأجناس، والتنوع في الأشكال والسمات، والتنوع في المزايا والصفات.. وكله.. كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب.

فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده، وهذه آثار صنعته، وآيات قدرته؟ ومن ذا الذي يجعل لله اندادا، ويد الإعجاز واضحة الآثار، فيما تراه الأبصار، وفيما لا تدركه الأبصار؟

جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :

والظاهر أن المراد بالأزواج هنا ما يعم النوعين لكمال أنس المؤمنين بهما معا، ولتبرئة الله سبحانه الصالحات من نساء الدنيا في الجنة من كل العيوب الجسدية والنفسية، وذلك تطهير لهن مما كن متلوثات به في الدنيا.

وأما اللاتي ينشأن هناك فتنشئتهن من أول الأمر مطبوعة طبع السلامة من هذه العيوب، وجاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحوال نساء الجنة منها الصحيح ومنها الحسن، ومنها دون ذلك، وهي صريحة في أن الاتصال بين الزوجين يتم يوم القيامة على نحو ما يكون في الدنيا، وإن كان أكمل في اللذة وأبعد من الأذى... والحق أن الحكمة في ذلك معروفة، وهي لذة الاتصال بين الجنسين كما صرحت به الأحاديث النبوية، وأومت إليه الآيات القرآنية،

والإِنسان يوم القيامة لا يتحول عن إنسانيته، وقد وفر الله لعباده المؤمنين في دار كرامته جميع ما تتوق إليه أنفسهم في الدنيا من متع الحياة ونعيمها، فما يؤتونه في الدنيا إنما هو بقدر هذه الحياة المحدودة، وبقدر طبيعتها المقيدة التي تختلف تمام الاختلاف عن طبيعة الحياة الأخروية المطلقة، فالفارق بين لذات الدارين كالفارق بين البقاء فيهما...

وبما أن النعمة وإن كملت، واللذة وإن تناهت -إن لم يأمن صاحبهما زوالهما كان ذلك من أشد المنغصات عليه- جيء هنا بما يستأصل هذا الخوف وهو إثبات خلودهم في الجنة ونعيمها، فالحياة الأخروية لا انقطاع لها، ولا يكدر أمنها خوف، ولا يهدد شبابها هرم، ولا صحتها سقم، ولا غناها فقر، ولا نعيمها بؤس، والخلد يطلق على المكث الدائم الذي لا ينقطع...