روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

{ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً والسماء بِنَاء } الموصول إما منصوب على أنه نعت { رَبُّكُمْ } [ البقرة : 1 2 ] أو بدل منه أو مقطوع بتقدير أخص أو أمدح وكونه مفعول { تَتَّقُونَ } [ البقرة : 12 ] كما قاله أبو البقاء إعراب غث ينزه القرآن عنه ، وكونه نعت الأول يرد عليه أن النعت لا ينعت عند الجمهور إلا في مثل يا أيها الفارس ذو الجمة ، وفيه أيضاً غير مجمع عليه ، وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره جملة { فَلاَ تَجْعَلُواْ } والفاء قد تدخل في خبر الموصول بالماضي كقوله تعالى : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين } إلى قوله تعالى : { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } [ البروج : 0 1 ] والاسم الظاهر يقوم مقام الرابط عند الأخفش والإنشاء يقع خبراً بالتأويل المشهور ، ومع هذا كله الأولى ترك ما أوجبه وأبرد من يخ قول من زعم أنه مبتدأ خبره { رِزْقاً لَّكُمْ } بتقدير يرزق ، و{ جَعَلَ } بمعنى صير والمنصوبان بعده مفعولاه ، وقيل : بمعنى أوجد وانتصاب الثاني على الحالية أي أوجد الأرض حالة كونها مفترشة لكم فلا تحتاجون للسعي في جعلها كذلك ، ومعنى تصييرها فراشاً أي كالفراش في صحة القعود والنوم عليها أنه سبحانه جعل بعضها بارزاً عن الماء مع أن مقتضى طبعها أن يكون الماء محيطاً بأعلاها لثقلها وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين ليتيسر التمكن عليها بلا مزيد كلفة ، فالتصيير باعتبار أنه لما كانت قابلة لما عدا ذلك فكأنه نقلت منه ، وإن صح ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الأرض خلقت قبل خلق السماء غير مدحوة فدحيت بعد خلقها ومدت فأمر التصيير حينئذ ظاهر إلا أن كل الناس غير عالمين به ، والصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب والذهاب إلى الطوفان ، واعتبار التصيير بالقياس إليه من اضطراب أمواج الجهل ولا ينافي كرويتها كونها فراشاً لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في افتراشه كما لا يخفى . وعبر سبحانه هنا بجعل وفيما تقدم بخلق لاختلاف المقام أو تفنناً في التعبير كما في قوله تعالى : { خلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام : 1 ] وتقديم المفعول الغير الصريح لتعجيل المسرة ببيان كون ما يعقبه من منافع المخاطبين أو للتشويق إلى ما يأتي بعده لا سيما بعد الإشعار بمنفعته فيتمكن عند وروده فضل تمكن ، أو لما في المؤخر وما عطف عليه من نوع طول فلو قدم لفات تجاوب الأطراف ، واختار سبحانه لفظ السماء على السموات موافقة للفظ الأرض وليس في التصريح بتعددها هنا كثير نفع ، ومع هذا يحتمل أن يراد بها مجموع السموات ، وكل طبقة وجهة منها ، والبناء في الأصل مصدر أطلق على المبني بيتاً كان( {[143]} ) أو قبة أو خباء أو طرافاً ، ومنه بنى بأهله أو على أهله خلافاً للحريري لأنهم كانوا إذا تزوّجوا ضربوا خباء جديداً ليدخلوا على العروس فيه ، والمراد بكون السماء بناء أنها كالقبة المضروبة أو أنها كالسقف للأرض ، ويقال لسقف البيت بناء ، وروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقدم سبحانه حال الأرض لما أن احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثر وأظهر ، أو لأنه تعالى لما ذكر خلقهم ناسب أن يعقبه بذكر أول ما يحتاجونه بعده وهو المستقر أو ليحصل العروج من الأدنى إلى الأعلى ، أو لأن خلق الأرض متقدم على خلق السماء كما يدل عليه ظواهر كثير من الآيات أو لأن الأرض لكونها مسكن النبيين ومنها خلقوا أفضل من السماء ، وفي ذلك خلاف مشهور ، وقرأ يزيد الشامي ( بساطاً ) ، وطلحة ( مهاداً ) وهي نظائر ، وأدغم أبو عمرو لام ( جعل ) في لام ( لكم ) .

{ وَأَنزَلَ مِنَ السماء ماء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } عطف على ( جعل ) و{ مِنْ } الأولى للابتداء متعلقة بأنزل أو بمحذوف وقع حالاً من المفعول وقدم عليه للتشويق على الأول مع ما فيه من مزيد الانتظام مع ما بعد ، أو لأن السماء أصله ومبدؤه ولتتأتى الحالية على الثاني إذ لو قدم المفعول وهو نكرة صار الظرف صفة ، وذكر في «البحر » أن { مِنْ } على هذا للتبعيض أي من مياه السماء وهو كما ترى . والمراد من السماء جهة العلو أو السحاب وإرادة الفلك المخصوص بناء على الظواهر غير بعيدة نظراً إلى قدرة الملك القادر جل جلاله وسمت عن مدارك العقل أفعاله ، إلا أن الشائع أن الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخاراً رطباً ومن البراري يابساً ، فإذا صعد البخاري إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قوياً اجتمع وتقاطر لثقله بالتكاثف ، فالمجتمع سحاب والمتقاطر مطر ، وإن كان قوياً كان ثلجاً وبرداً ، وقد لا ينعقد ويسمى ضباباً .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

وعلى هذا يراد بالنزول من السماء نشوؤه من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية فهي مبدأ مجازي له ، على أن من انجاب عن عين بصيرته سحاب الجهل رأى أن كل ما في هذا العالم السفلي نازل من عرش الإرادة وسماء القدرة حسبما تقتضيه الحكمة بواسطة أو بغير واسطة كما يشير إليه قوله تعالى : { وَإِن مّن شيء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [ الحجر : 21 ] بل من علم أن الله سبحانه في السماء على المعنى الذي أراده وبالوصف الذي يليق به مع التنزيه اللائق بحلال ذاته تعالى صح له أن يقول : إن ما في العالمين من تلك السماء ، ونسبة نزوله إلى غيرها أحياناً لاعتبارات ظاهرة وهي راجعة إليه في الآخرة .

والماء معروف ، وعرفه بعضهم بأنه جوهر سيال به قوام الحيوان ووزنه فعل وألفه منقلبة عن واو همزته بدل من هاء كما يدل عليه مويه ومياه وأمواه وتنوينه للبعضية ، وخصه سبحانه بالنزول من السماء في كثير من الآيات تنويهاً بشأنه لكثرة منفعته ومزيد بركته ، و{ مِنْ } الثانية إما للتبعيض إذ كم من ثمرة لم تخرج بعد ، فرزقاً حينئذ بالمعنى المصدري مفعول له لأخرج و{ لَكُمْ } ظرف لغو مفعول به لرزق أي أخرج شيئاً { مِنَ الثمرات } أي بعضها لأجل أنه رزقكم . وجوّز أن يكون بعض الثمرات مفعول ( أخرج ) ، و( رزقاً ) بمعنى مرزوقاً حالاً من المفعول أو نصباً على المصدر لأخرج ، وإما للتبيين فرزق بمعنى مرزوق مفعول لأخرج و{ لَكُمْ } صفته ، وقد كان { مِنَ الثمرات } صفته أيضاً إلا أنه لما قدم صار حالاً على القاعدة في أمثاله ، وفي تقديم البيان على المبين خلاف ، فجوزه الزمخشري والكثيرون ، ومنعه صاحب «الدر المصون » وغيره ، واحتمال جعلها ابتدائية بتقدير من ذكر الثمرات أو تفسير الثمرات بالبذر تعسف لا ثمرة فيه ، وأل في ( الثمرات ) إما للجنس أو للاستغراق وجعلها له ، ( ومن ) زائدة ليس بشيء لأن زيادة ( من ) في الإيجاب وقبل معرفة مما لم يقبل به إلا الأخفش ، ويلزم من ذلك أيضاً أن يكون جميع الثمرات التي أخرجت رزقاً لنا ، وكم شجرة أثمرت ما لا يمكن أن يكون رزقاً( {[144]} ) وأتى بجمع القلة مع أن الموضع موضع الكثرة فكان المناسب لذلك من الثمار للإيماء إلى أن ما برز في رياض الوجود بفيض مياه الجود كالقليل بل أقل قليل بالنسبة لثمار الجنة ، ولما ادخر في ممالك الغيب أو للإشارة إلى أن أجناسها من حيث إن بعضها يؤكل كله وبعضها ظاهره فقط وبعضها باطنه فقط ، المشير ذلك إلى ما يشير قليلة لم تبلغ حد الكثرة ، وما ذكر الإمام البيضاوي وغيره من أنه ساغ هذا الجمع هنا لأنه أراد بالثمرات جمع ثمرة أريد بها الكثرة كالثمار مثلها في قولك : أدركت ثمرة بستانك ، وليست التاء للوحدة الحقيقية بل للوحدة الاعتبارية ، ويؤيده قراءة ابن السميقع ( من الثمرة ) أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض كقوله تعالى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات } [ الدخان : 5 2 ] و{ ثلاثة قُرُوء } [ البقرة : 8 22 ] أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة لا يخلو صفاؤه عن كدر كما يسفر عنه كلام الشهاب ، وإذا قيل : بأن جمع السلامة المؤنث والمذكر موضوع للكثرة أو مشترك والمقام يخصصه بها اندفع السؤال وارتفع المقال إلا أن ذلك لم يذهب إليه من الناس إلا قليل ، والباء من ( به ) للسببية ، والمشهور عند الأشاعرة أنها سببية عادية في أمثال هذا الموضع فلا تأثير للماء عندهم أصلاً في الإخراج بل ولا في غيره وإنما المؤثر هو الله تعالى عند الأسباب لا بها لحديث الاستكمال بالغير ، قالوا : ومن اعتقد أن الله تعالى أودع قوة الري في الماء مثلاً فهو فاسق وفي كفره قولان ، وجمع على كفره كمن قال : إنه مؤثر بنفسه فيجب عندهم أن يعتقد المكلف أن الري جاء من جانب المبدأ الفياض بلا واسطة وصادف مجيئه شرب الماء من غير أن يكون للماء دخل في ذلك بوجه من الوجوه سوى الموافقة الصورية ، والفقير لا أقول بذلك ولكني أقول : إن الله سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً وقدراً ، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه ، فإنكار الأسباب والقوى جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء ، فقد جعل الله تعالى شأنه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم ، والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه ، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب ، ولو تتبعنا ما يفيد ذلك من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع حقيقة لا مبالغة ، ويالله تعالى العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سبباً لهذا ، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة ، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد ، وأي شرك يترتب عليه ! نستغفر الله تعالى مما يقولون فالله عزوجل يفعل بالأسباب التي اقتضتها الحكمة مع غناه عنها كما صح أن يفعل عندها لا بها ، وحديث الإستكمال يرده أن الإستكمال إنما يلزم لو توقف الفعل على ذلك السبب حقيقة واللازم باطل لقوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها ، ولكن بإذنه وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ، ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول : إلهي ما أودعتني شيئا ولا منحتني قوة وما أنا إلا كيد شلاء صحبتها يد صحيحة تعمل الأعمال وتصول وتجول في ميدان الأفعال ، أفيقال لليد الشلاء لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي ، ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحرية بتلك المقالة ، ولا أظن الأشاعرة يستطيعون لذلك جوابا ، ولا أراهم يبدون فيه خطابا ، وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه السلف الصالح وتلقاه أهل الله تعالى بالقبول ولا يوقعنك في شك منه نسبته للمعتزلة فإنهم يقولون أيضا لا إله إلا الله أفتشك فيها لأنهم قالوها معاذ الله تعالى من التعصب فالحكمة ضالة المؤمن والحق أحق بالإتباع والله تعالى يقول الحق : وهو يهدي السبيل ،

فلا تجعلوا لله أندادا نهي معطوف على اعبدوا مترتب عليه فكأنه قيل : إذا وجب عليكم عبادة ربكم فلا تجعلوا لله ندا وأفردوه بالعبادة ، إذ لا رب لكم سواه وإيقاع الاسم الجليل موقع الضمير لتعيين المعبود بالذات بعد تعيينه بالصفات وتعليل الحكم بوصف الألوهية التي عليها يدور أمر الواحدانية واستحالة الشركة والإيذان باستتباعها لسائر الصفات وقيل : لفظ الرب مستعمل في المفهوم الكلي ، والله علم للجزئي الحقيقي الواجب الوجود تعالى شأنه ، فلا يكون من وضع المظهر موضع المضمر وحينئذ يظهر الفرق بين هذه الآية الكريمة حيث علق العبادة بصفة الربوبية فالمناسب الفاء وبين قوله تعالى : اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا حيث علق العبادة وعدم الشرك بذاته تعالى ، فالمناسب الواو فلا يرد أن المناسب على هذا الواو كما في الآية الثانية أو نفي منصوب بإضمار أن جواب للأمر كما قاله مولانا البيضاوي : واعترض بأنه يأباه ان ذلك فيما يكون الأول سببا للثاني ولا ريب في أن العبادة لا تكون سببا للتوحيد الذي هو أصلها ومنشؤها وأجيب بأن عبادته تعالى أساسها التوحيد وعدم الإشراك به وأما عبادة الرب فليس أصلها عدم الإشراك بذاته تعالى بل من متفرعاته ، والحق أن الآية تضمنت عبادة رب موصوف بما يجعله كالمشاهد من خلقه لهم ولأصولهم وإبداع الكائنات العظيمة والتفضل بإفاضة النعم الجسيمة فدلت عليه دلالة عرفتهم به فمحصلها أعبدوا الله تعالى الذي عرفتموه معرفة لا مرية فيها ولا شك في أن العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك إذ من عرف الله تعالى لا يسوي به سواه ، فالذي سول للمعترض النظرُ للعبادة وقطع النظر عن المعرفة ، ويحتمل أن يكون متعلقا بلعل فينصب الفعل نصب فأطلع على قراءة جعفر من لعلي أبلغ الأسباب إلخ على رأي إلحاقا بالأشياء الستة ؛ لأنها غير موجبة لحصول ما يتضمنها فتكون كالشرط في عدم التحقق ، والقول بالإلحاق لها بليت تنزيلا للمرجو منزلة المتمني في عدم الوقوع يؤول إلى هذا إن أريد بعدم الوقوع عدمه في حال الحكم لا استحالته ، والمعنى خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه فافهم ، ويحتمل أن تكون الفاء زائدة مشعرة بالسببية وجملة النهي بتأويل القول خبر عن الذي على جعله مبتدأ ، وقيل : الجملة متعلقة بالذي ، والفاء جزاء شرط محذوف ، والمعنى هو الذي جعل لكم ما ذكر من النعم المتكاثرة ، وإذا كان كذلك : فلا تجعلوا الخ ، والجعل هنا بمعنى التصيير وهو كما يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفاً ، ومنه ما تقدم على وجه يكون بالقول والعقد .

والأنداد جمع ند كعدل أو أعدال أو نديد كيتيم وأيتام والند مثل الشيء الذي يضاده ويخالفه في أموره وينافره ويتباعد عنه وليس من الأضداد على الأصح ، وأصله من ند ندوداً إذا نفر ، وقيل : الند المشارك في الجوهرية فقط ، والشكل المشارك في القدر والمساحة ، والشبه المشارك في الكيفية فقط ، والمساوي في الكمية فقط ، والمثل عام في جميع ذلك ، وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله في ذاته تعالى وصفاته ولا تخالفه في أفعاله . وإنما عبدوها لتقربهم إليه سبحانه زلفى إشارة إلى استعارة تهكمية ؛ حيث استعير النظير المصادر للمناسب المقرب كما استعير التبشير للإنذار والأسد للجبان ، وإن أريد بالند النظير مطلقاً لم يكن هناك تضاد وإنما هو من استعارة أحد المتشابهين للآخر ، فإن المشركين جعلوا الأصنام بحسب أفعالهم وأحوالهم مماثلة له تعالى في العبادة ، وهي خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم ، ولعل الأول أولى ، وفي الإتيان بالجمع تشنيع عليهم حيث جعلوا { أَندَاداً } لمن يستحيل أن يكون له ند واحد ، ولله در موحد الفترة زيد بن عمر بن نفيل رضي الله تعالى عنه حيث يقول في ذلك :

أربّاً واحداً أم ألف رب *** أدين إذا تقسمت الأمور

تركت اللات والعزى جميعا *** كذلك يفعل الرجل البصير

{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } حال من ضمير ( لا تجعلوا ) والمفعول مطروح أي : وحالكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأي فإذا تأملتم أدنى تأمل علمتم وجود صانع يجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه ، أو مقدر حسبما يقتضيه المقام ويسد مسد مفعولي العلم ، أي : تعلمون أنه سبحانه لا يماثله شيء ، أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله ، والحال على الوجه الأول للتوبيخ أو التقييد إذ العلم مناط التكليف ولا تكليف عند عدم الأهلية ، وعلى الوجه الثاني للتوبيخ لا غير لأن قيد الحكم تعليق العلم بالمفعول ، ومناط التكليف العلم فقط والتوبيخ باعتبار أفراد المخاطبين بالنهي بناء على عموم الخطاب حسبما مر في الأمر فلا يستدعي تخصيص الخطاب بالكفرة على أنه لا بأس بالتخصيص بهم أمراً ونهياً بل قيل : إنه أولى للخلاص من التكلف وحسن الانتظام إذ لا محيص في ظاهر آية التحدي من تجريد الخطاب وتخصيصه بالكفرة مع ما فيه من رباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن حيز الانتظام في سلك الكفرة اللئام والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي فتأمل .

وقد تضمنت هذه الآيات من بدائع الصنعة ودقائق الحكمة وظهور البراهين ما اقتضى أنه تعالى المنفرد بالإيجاد المستحق للعبادة دون غيره من الأنداد التي لا تخلق ولا ترزق وليس لها نفع ولا ضر { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر } [ الأعراف : 4 5 ] .

ومن باب الإشارة أنه تعالى مثل البدن بالأرض ، والنفس بالسماء ، والعقل بالماء ، وما أفاض على القوابل من الفضائل العلمية والعملية المحصلة بواسطة استعمال العقل والحس ، وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بإذن الفاعل المختار ، وقد يقال : إنه تعالى لما امتن عليهم بأنه سبحانه خلقهم والذين من قبلهم ذكر ما يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم فجعل الأرض التي هي فراش مثل الأم التي يفترشها الرجل ، وهي أيضاً تسمى فراشاً ، وشبه السماء التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها ، وضرب الماء النازل من السماء مثلاً للنطفة التي تنزل من صلب الأب وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات مثلاً للولد الذي يخرج من الأم ، كل ذلك ليؤنس عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه كما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها ومخرج أشجارها من بطن الأرض ، فإذا وضح ذلك لهم أفردوه بالألوهية وخصوه بالعبادة وحصلت لهم الهداية :

تأمل في رياض الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات *** على أهدابها ذهب سبيك

على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك


[143]:_ في الكشف الأول من الشعر، والثاني من لبن، والثالث من وبر أو صوف، والرابع من أدم. وفي الثاني نظر وإن ذكره ابن السكيت فليراجع اهـ منه.
[144]:_ وقد نص على إفادة الجمع السالم المذكر والمؤنث القلة ابن الدباج فقال: بأفــعل وبأفعـال وأفـعلة *** وفعلة يعرف الأدنى من العدد وسالم الجمع أيضاً داخل معها *** وذلك الحكم فاحفظها ولا تزد اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (22)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم دل على نفسه بصنعه ليوحدوه، وذَكَّرهم النعمَ، فقال سبحانه: اعبدوا ربكم

{الذي جعل لكم الأرض فراشا}: يعني بساطا. {والسماء بناء}: يعني سقفا. {وأنزل من السماء ماء}: يعني المطر. {فأخرج به}: فأخرج بالمطر من الأرض أنواعا {من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا}: لا تجعلوا مع الله شركاء. {وأنتم تعلمون} أن هذا الذي ذكر كله من صنعه، فكيف تعبدون غيره؟.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"الّذِي جعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشا" مردود على «الذي» الأولى في قوله: "اعْبُدُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ" وهما جميعا من نعت «ربكم»، فكأنه قال: اعبدوا ربكم [الخالق لكم] والخالق [الذين] من قبلكم، الجاعل لكم الأرض فراشا. يعني بذلك أنه جعل لكم الأرض مهادا وموطئا وقرارا يستقرّ عليها.

يذكّر ربنا جل ذكره بذلك من قيله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، ليذكروا أياديه عندهم فينيبوا إلى طاعته، تعطفا منه بذلك عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون...

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشا" فهي فراش يُمْشَى عليها، وهي المهاد والقرار...

"وَالسّماءَ بِناءً": وإنما سميت السماء سماءً لعلوّها على الأرض وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع عليه، ولذلك قيل: سما فلان لفلان: إذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه،... وإنما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة دون الأصنام والأوثان التي لا تضرّ ولا تنفع...

" وأنْزَلَ مِنَ السّمَاءِ ماءً فأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقا لَكُمْ": يعني بذلك أنه أنزل من السماء مطرا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقا لهم غذاءً وأقواتا. فنبههم بذلك على قدرته وسلطانه، وذكرهم به آلاءه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له نِدّا وعِدْلاً من الأوثان والاَلهة.

ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندّا مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا ندّ له ولا عدل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارّ ولا خالقٌ ولا رازق سواه...

"فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا": والأنداد، جمع ندّ، والندّ: العِدْل والمِثْل. عن قتادة: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا" أي عدلاء.

عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا" قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله... قال ابن زيد في قول الله: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْدَادا" قال: الأنداد: الاَلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.

[و] عن ابن عباس في قوله: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا" قال: أشباها.

فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندا وعدلاً في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندّا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم منّي...

"وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ":

اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بهذه الآية،

فقال بعضهم: عني بها جميع المشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب.

وقال بعضهم: عني بذلك أهل الكتابين: التوراة، والإنجيل.

عن ابن عباس، قال: نزل ذلك في الفريقين جميعا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنَى بقوله: "فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أنْدَادا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحقّ لا شك فيه...

[و] عن مجاهد: "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" يقول: وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له في التوراة والإنجيل.

قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي دعا مجاهدا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظنّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإن ذلك لقولٌ ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها أنها كانت تقرّ بوحدانيته، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه: "وَلِئِنْ سألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنّ اللّهُ"... فالذي هو أولى بتأويل قوله: "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين. ولم يكن في الآية دلالة على أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" أحد الحزبين، بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تحدّى الناس كلهم بقوله: "يا أيّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبّكُمْ" أن يكون تأويله ما قاله ابن عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف عالم بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه يشرك معه في عبادته غيره، كائنا من كان من الناس، عربيا كان أو أعجميا، كاتبا أو أميا، وإن كان الخطاب لكفار أهل الكتاب الذين كانوا حوالي دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفاق منهم وممن بين ظهرانيهم ممن كان مشركا فانتقل إلى النفاق بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له:

خلقهم أحياء قادرين أوّلاً؛ لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما،

ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لا بدّ لهم منه، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه،

ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار،

ثم ما سوّاه عزّ وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها. والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقاً لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبراً: ومتسلقاً إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛ ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئاً من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أنداداً وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر.

ومعنى جعلها فراشاً وبساطاً ومهاداً للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده...

فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت: المعنى أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادّة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال، وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة حكماً ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكاراً صالحة، وزيادة طمأنينة، [وسكونا] إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته، ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب...

فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون أنها تخالف الله وتناويه. قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادّته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم. كما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط.

فإن قلت: ما معنى {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قلت: معناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد، والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه. وهكذا كانت العرب، خصوصاً ساكنو الحرم من قريش وكنانة، لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية؟ فقالت جماعة من المفسرين: المخاطب جميع المشركين: فقوله على هذا: {وأنتم تعلمون} يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار.

وقيل المراد كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم أن الله لا ند له.

وقال ابن فورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين. فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد.

وهذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرق من جعل لله نداً، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله، لا رب غيره.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(الذي جعل لكم الأرض فراشا)..

وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض، وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ واقيا كالفراش.. والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه. ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش، وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع. ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة. ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة. ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة!

(والسماء بناء)..

فيها متانة البناء وتنسيق البناء. والسماء ذات علاقة وثيقة بحياة الناس في الأرض، وبسهولة هذه الحياة. وهي بحرارتها وضوئها وجاذبية اجرامها وتناسقها وسائر النسب بين الأرض وبينها، تمهد لقيام الحياة على الأرض وتعين عليها. فلا عجب أن تذكر في معرض تذكير الناس بقدرة الخالق، وفضل الرازق، واستحقاق المعبود للعبادة من العبيد المخاليق.

(وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم)..

وذكر إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به، ما يفتأ يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله، والتذكير بنعمته كذلك.. والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعا. فمنه تنشأ الحياة بكل أشكالها ودرجاتها (وجعلنا من الماء كل شيء حي).. سواء أنبت الزرع مباشرة حين يختلط بالأرض، أو كون الأنهار والبحيرات العذبة، أو انساح في طبقات الأرض فتألفت منه المياه الجوفية، التي تتفجر عيونا أو تحفر آبارا، أو تجذب بالآلات إلى السطح مرة أخرى.

وقصة الماء في الأرض، ودوره في حياة الناس، وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها.. كل هذا أمر لا يقبل المماحكة، فتكفي الإشارة إليه، والتذكير به، في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب.

وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي: وحدة الخالق لكل الخلائق (الذي خلقكم والذين من قبلكم).. ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء. وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم).. فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان، وسماؤه مبنية بنظام، معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس.. والفضل في هذا كله للخالق الواحد:

(فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)..

تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم. وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء. وأنه لم يكن له شريك يساعد، ولا ند يعارض. فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق!

والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة، قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون. فقد تكون الأنداد في صور أخرى خفية. قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة، وفي الخوف من غير الله في أي صورة. وفي الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة.. عن ابن عباس قال:"الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت! وقول الرجل: لولا الله وفلان.. هذا كله به شرك"... وفي الحديث أن رجلا قال لرسول الله [ص] ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا؟ "!

هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله.. فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة، وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة!!!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.والمعنى لا تثبتوا لله أنداداً تجعلونها جعلاً وهي ليست أنداداً. وسماها أنداداً تعريضاً بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون إن الآلهة شفعاء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية: « لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» لكنهم لما عبدوها ونسوا بعبادتها والسعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسم حولها عبادة الله، أصبح عملهم عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله تعالى لأن العبرة بالفعل لا بالقول. وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب الحال ومناقضة الأقوال للأفعال.

جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :

... وما أدق هذه التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله عنهم في معنى الأنداد، وما أعزب فهم كثير من الناس عنها، فلعلهم يتصورون ان اتخاذهم الأنداد لا يعدو عبادة الأصنام المنحوتة من الأحجار، ولا يدركون أن الأمر أعم منه، فقد تكون أصنام البشر أضر من أصنام الحجر إذا ما عُظِّم الطواغيت وانقادت لهم الناس، وخضعوا لأحكامهم الجائرة، وآثروا ضلالهم على هدى الله، ورددوا شعاراتهم الزائفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقصد بها إلا نقض عرى الدين وهدم صرح التوحيد، وإذا كان من شأن عقيدة التوحيد تطهير النفوس من الأوهام، وتزكية الأعمال بإخلاصها لله، فإن من شأنها أيضا تحرير الإِنسانية حتى لا تخضع لغير الله ولا تتحاكم إلى غير شرعه ولا تنقاد إلا لحكمه، ولا تذعن لغير طاعته، فلله الخلق ولله الأمر، وكل من تطاول فأمر بما يخالف أمره تعالى فهو متطاول على سلطان الله...