{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } عطف على ما قبل ، والفرق الفصل بين الشيئين ، وتعديته إلى البحر بتضمين معنى الشق ، أي فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم ، وبسبب إنجائكم . والباء للسببية الباعثة بمنزلة اللام إذا قلنا بتعليل أفعاله تعالى وللسببية الشبيهة بها في الترتيب على الفعل ، وكونه مقصوداً منه إن لم نقل به وإنما قال سبحانه : { بِكُمْ } دون لكم ، لأن العرب على ما نقله الدامغاني تقول : غضبت لزيد إذا غضبت من أجله وهو حي وغضبت بزيد إذا غضبت من أجله وهو ميت ، ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين ، ويحتمل أن تكون للاستعانة على معنى بسلوككم ويكون هناك استعارة تبعية بأن يشبه سلوكهم بالآلة في كونه واسطة في حصول الفرق من الله تعالى ، ويستعمل الباء . وقول الإمام الرازي قدس سره : إنهم كانوا يسلكون ، ويتفرق الماء عند سلوكهم ، فكأنه فرق بهم يرد عليه أن تفرق الماء كان سابقاً على سلوكهم على ما تدل عليه القصة ، وقوله تعالى : { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } [ الشعراء : 36 ] وما قيل : إن الآلة هي العصا كما تفهمه الآية غير مسلم . والمفهوم كونها آلة الضرب لا الفرق ولو سلم يجوز كون المجموع آلة ، على أن آلية السلوك على التجوز ، وقد يقال : إن الباء للملابسة ، والجار والمجرور ظرف مستقر واقع موقع الحال من الفاعل ، وملابسته تعالى معهم حين الفرق ملابسة عقلية ، وهو كونه ناصراً وحافظاً لهم ، وهي ما أشار إليه موسى عليه السلام بقوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبّي سَيَهْدِينِ } [ الشعراء : 2 6 ] ومن الناس من جعله حالاً من البحر مقدماً وليس بشيء لأن الفرق مقدم على ملابستهم البحر اللهم إلا على التوسع ، واختلفوا في هذا البحر فقيل : القلزم وكان بين طرفيه أربعة فراسخ وقيل : النيل ، والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحراً إذا كثر ، ومنه : { مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ } [ الرحمن : 9 1 ] وأصله السعة ، وقيل : الشق ، ومن الأول : البحرة البلدة ، ومن الثاني : البحيرة التي شقت أذنها ، وفي كيفية الانفلاق قولان : فالمشهور كونه خطياً ، وفي بعض الآثار ما يقتضي كونه قوسياً ، إذ فيه أن الخروج من الجانب الذي دخلوا منه ، واحتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلاً لأن الأعداء في أثرهم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يتعلق بهذا المبحث .
{ فأنجيناكم وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ } في الكلام حذف يدل عليه المعنى والتقدير : وإذا فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم أي من الغرق ، أو من إدراك فرعون وآله لكم ، أو مما تكرهون ، وكنى سبحانه بآل فرعون عن فرعون وآله كما يقال : بني هاشم ؛ وقوله تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءادَمَ } [ الإسراء : 70 ] يعني هذا الجنس الشامل لآدم ، أو اقتصر على ذكر الآل لأنهم إذا عذبوا بالإغراق كان مبدأ العناد ورأس الضلال أولى بذلك ، وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر من كتابه كقوله سبحانه : { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا } [ الإسراء : 103 ] { فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم في اليم } [ القصص : 40 ] وحمل الآل على الشخص حيث إنه ثبت لغة كما في «الصحاح » ركيك غير مناسب للمقام ، وإنما المناسب له التعميم ، وناسب نجاتهم بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام من الذبح بإلقائه وهو طفل في البحر وخروجه منه سالماً ، ولكل أمة نصيب من نبيها وناسب هلاك فرعون وقومه بالغرق هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح لأن الذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم ، والغرق فيه فيه إبطاء الموت ولا دم خارج وكان ما به الحياة وهو الماء كما يشير إليه قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شيء حَي } [ الأنبياء : 0 3 ] سبباً لإعدامهم من الوجود ، وفيه إشارة إلى تقنيطهم وانعكاس آمالهم كما قيل :
إلى الماء يسعى من يغص بلقمة *** ( إلى أين ) يسعى من يغص بماء
ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة ولهذا كان الغريق المسلم شهيداً جعله الله تعالى نكالاً لمن ادعى الربوبية وقال : { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } [ النازعات : 24 ] وعلى قدر الذنب يكون العقاب . ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعي وتغييبه في قعر الماء ، ولك أن تقول لما افتخر فرعون بالماء كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه : { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِي } [ الزخرف : 1 5 ] جعل الله تعالى هلاكه بالماء ، وللتابع حظ وافر من المتبوع وكان ذلك الغرق والإنجاء ، والإغراق يوم عاشوراء والكلام فيه مشهور .
{ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } جملة حالية وفيها تجوز أي وآباؤكم ينظرون ، والمفعول محذوف أي جميع ما مر فإن أريد الأحكام فالنظر بمعنى العلم وعليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه وإن نفس الأفعال من الغرق والإنجاء . والإغراق فهو بمعنى المشاهدة وعليه الجمهور والحال على هذا من الفاعل وهو معمول بجميع الأفعال السابقة على التنازع ، وفائدته : تقرير النعمة عليهم كأنه قيل : وأنتم لا تشكون فيها ، وجوز أن يقدر المفعول خاصاً أي غرقهم ، وإطباق البحر عليهم فالحال متعلق بالقريب ، وهو { أَغْرَقْنَا } وفائدته : تتميم النعمة فإن هلاك العدو نعمة ، ومشاهدته نعمة أخرى ، وفي «قصص الكسائي » أن بني إسرائيل حين عبروا البحر وقفوا ينظرون إلى البحر وجنود فرعون ، ويتأملون كيف يفعلون ، أو انفلاق البحر فيكون الحال متعلقاً بالأصل في الذكر ، وهو { فَرَقْنَا } وفائدته : إحضار النعمة ليتعجبوا من عظم شأنها ، ويتعرفوا إعجازها ، أو ذلك الآل الغريق فالحال من مفعول { أَغْرَقْنَا } متعلق به والفائدة : تحقيق الإغراق وتثبيته ، وقيل : المراد ينظر بعضكم بعضاً وأنتم سائرون في البحر ، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له : أي أصحابنا ؟ فقال : سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم .
قالوا : لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله تعالى أن قل بعصاك هكذا فقال بها على الحيطان ، فصار بها كوى فتراأوا وسمعوا كلام بعضهم بعضاً فالحال متعلق بفرقنا . وفائدته : تتميم النعمة فإن كونهم مستأنسين يرى بعضهم حال بعض آخر نعمة أخرى ، وبعض الناس يجعل الفعل على هذا الوجه منزلاً منزلة اللازم وليس بالبعيد ، نعم البعيد جعل النظر هنا مجازاً عن القرب أي وأنتم بالقرب منهم أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم أنت مني بمرأى ومسمع أي قريب مني بحيث أراك وأسمعك ، وكذا جعله بمعنى الاعتبار أي وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت عليهم . هذا وقد حكوا في كيفية خروج بني إسرائيل وتعنتهم وهم في البحر ، وفي كيفية خروج فرعون بجنوده ، وفي مقدار الطائفتين حكايات مطولة جداً لم يدل القرآن ولا الحديث الصحيح عليها والله تعالى أعلم بشأنها .
والإشارة في الآية : أن البحر هو الدنيا وماءه شهواتها ولذاتها ، وموسى هو القلب ، وقومه صفات القلب ، وفرعون هو النفس الأمارة ، وقومه صفات النفس ، وهم أعداء موسى ، وقومه يطلبونهم ليقتلوهم ، وهم سائرون إلى الله تعالى ، والعدو من خلفهم ، وبحر الدنيا أمامهم ، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من عبوره ولو يخوضونه بلا ضرب عصا لا إله إلا الله بيد موسى القلب فإن له يداً بيضاء في هذا الشأن لغرقوا كما غرق فرعون وقومه ، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم ينفلق فكما أن يد موسى القلب شرط في الانفلاق كذلك عصا الذكر شرط فيه ، فإذا حصل الشرطان ، وضرب موسى بعصا الذكر مرة بعد أخرى ينفلق بإذن الله بحر الدنيا بالنفي وينشبك ماء الشهوات يميناً وشمالاً ، ويرسل الله تعالى ريح العناية ، وشمس الهداية على قعر ذلك البحر فيصير يابساً من ماء الشهوات فيخرج موسى وقومه بعناية التوحيد/ إلى ساحل النجاة { وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } [ النجم : 2 4 ] ويقال لفرعون وقومه إذا غرقوا وأدخلوا ناراً : ألا بعداً للقوم الظالمين .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإذ فرقنا بكم البحر} وذلك أنه فرق البحر يمينا وشمالا كالجبلين المتقابلين كل واحد منهما على الآخر...
{وأغرقنا آل فرعون}، يعني أهل مصر، يعني القبط
{وأنتم تنظرون} أجدادهم يعلمون أن ذلك حق، وكان ذلك من النعم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وَإذْ فَرَقْنا بكُمُ" فإنه عطف على: "وَإذْ نَجّيْناكُمْ" بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وإذ فرقنا بكم البحر.
ومعنى قوله: "فَرَقْنا بِكُمْ": فصلنا بكم البحر، لأنهم كانوا اثني عشر سبطا، ففرق البحر اثني عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها. فذلك فرق الله بهم جل ثناؤه البحر، وفصله بهم بتفريقهم في طرقه الاثني عشر.
" فأنْجَيْناكُمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ".
إن قال لنا قائل: وكيف أغرق الله جل ثناؤه آل فرعون، ونَجّى بني إسرائيل؟ قيل له:...خرج فرعون في طلب موسى... وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم، "فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنّا لَمُدْرَكُونَ" قال موسى: "كَلاّ إنّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ" أي للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده... [ف] أوحى الله إلى البحر -فيما ذكر- إذا ضربك موسى بعصاه فانفلقْ له...فأوحى الله جل وعزّ إلى موسى: "أن اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ" فضربه بها -وفيها سلطان الله الذي أعطاه – "فانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطّوْدِ العَظِيمِ" أي كالجبل على يبس من الأرض. يقول الله لموسى: "اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقا في البَحْرِ يَبَسا لاَ تَخافُ دَرَكا وَلا تَخْشَى"، فلما استقرّ له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده.
... ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: "وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ"...
ويعني بقوله: "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أي تنظرون إلى فَرْقِ الله لكم البحر وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه في الذي أراكم من طاعة البحر إياه من مصيره رُكاما فَلِقا كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته، وهو سائل ذائب قبل ذلك. يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم، ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم، ويحذرهم في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون وآله في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
تقاصرت بصائر بني إسرائيل، فأراهم المعجزات عياناً، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه، وكل من كان أشحذَ بصيرةً، كان الأمر عليه أغمض، والإشارات معه أوفر...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَرَقْنَا} فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء؛ لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط.
فإن قلت: ما معنى {بُكْمٌ}؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما. وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم. وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبساً.
اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه،
(أحدها): أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك.
(وثانيها): أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى.
(وثالثها): أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. (ورابعها): أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم.
(وخامسها): أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية.
(وسادسها): أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى: {وأنتم تنظرون}.
وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه:
(أحدها): أن قوم موسى لمشاهدة تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق.
(وثانيها): أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون.
(وثالثها): أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور.
وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة:
(أحدها): أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه.
(وثانيها): أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية.
(وثالثها): أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر البتة، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام.
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :
واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى عليه الصلاة والسلام،
ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ونحو ذلك، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل: القرآن والتحدي به، والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة تدركها الأذكياء، وإخباره عليه الصلاة والسلام عنها من جملة معجزاته...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكاً للرجال وإبقاء للنساء طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال {وإذ} أي واذكروا إذ {فرقنا} من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل -قاله الحرالي... {بكم} أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط... {فأنجيناكم} من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز- انتهى. ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: وجعل البحر مفروقاً بهم كأنهم سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحياً في سرعة وقت -انتهى.
جواهر التفسير للخليلي 2001 هـ :
وفيما يورده القرآن من هذه القصص إنذار للظالمين وتبشير للضعفاء المضطهدين، فإن المصير لا يختلف، والعاقبة لا تتبدل، ولكل أحد آتاه الله في الدنيا ما يراه ميزة لنفسه بين بني جنسه معتبر فيمن أهلك الله قبله من أمثاله، {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} [القصص: 78]، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 58]...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
[و] الهدف من تذكير بني إسرائيل بهذا الحدث الذي بدأ بخوف شديد وانتهى بانتصار ساحق، هو دفعهم للشكر وللسير على طريق الرسالة الإِلهية المتمثلة في دين النّبي الخاتم. كما أنه تذكير للبشرية بالإمداد الإِلهي الذي يشمل كل أُمّة سائرة بجد وإخلاص على طريق الله.