النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

قوله عز وجل : { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ{[114]} } فيه تأويلان : أحدهما : وإذ فصلنا بكم البحر ، لأن الفرْقَ : الفصل بين الشيئين ، فَفَرَقَ البحر اثني عشر طريقاً ، وكان عددهم ستمائة ألفٍ وعشرين ألفاً ، لا يُعَدُّ فيهم ابن عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره ، وكان على مقدمة فرعونَ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ ، وسبعمائة ألف حصانٍ ، وذلك قوله :

{ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ في الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ . إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ{[115]} }{[116]} وهذا قول السدي .

والثاني : أن معناه : وإذ فرقنا بينكم وبين البحر ، أي ميزنا ، فأصل الفرق التمييز بين الشيئين ، والفِرْقَةُ من الناس : الطائفة المتميزة من غيرهم .

والبحر سُمِّيَ بحراً لسعته وانبساطه ، ومنه قولهم : تبحَّر في العلم ، إذا اتَّسع فيه ، والبَحِيرَةُ : الناقةُ تُشَقُّ أُذُنُها شَقّاً واسعاً .

قوله تعالى : { فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } فحذف ذِكْرَ فرْعَوْنَ وإن غَرِقَ معهم ، لأنه قد عُلِمَ دخوله فيهم .

قوله تعالى : { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } يعني إلى فَرْقِ البحر ، حتى سلكوا فيه ، وانطباقه على آل فرعون ، حتى غرقوا فيه .


[114]:- ومنه فرق الشعر، ومنه الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل.
[115]:- ذكر المفسرون أنه بحر القلزم أي البحر الأحمر.
[116]:- سورة الشعراء 53-54.