{ وَإِذْ قُلْتُمْ يا موسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } الظاهر أنه داخل في تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى : { اهبطوا } الخ مع استحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم في التيه من غير كدّ وتعب حيث سألوا ب { لَن نَّصْبِرَ } فإنه يدل على كراهيتهم إياه إذ الصبر حبس النفس في المضيق ، ولذا أنكر عليه بقوله تعالى : { أَتَسْتَبْدِلُونَ } الخ ، فالآية في الأسلوب مثل قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } [ البقرة : 55 ] الخ ، حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا ، ثم أفاض عليهم نعمة الحياة ، قال مولانا الساليكوتي : ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازي لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم ، لأن الإجابة إلى المعصية معصية وهي غير جائزة على الأنبياء وإن قوله تعالى : { كُلُواْ واشربوا } [ البقرة : 0 6 ] أمر إباحة لا إيجاب ، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية ، ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين ( المنّ والسلوى ) اللذين رزقوهما في التيه ، إما باعتبار كونه على نهج واحد كما يقال : طعام مائدة الأمير واحد ولو كان ألواناً شتى بمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب الأوقات ، أو باعتبار كونه ضرباً واحداً لأن المنّ والسلوى من طعام أهل التلذذ والسرف ، وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه ، وقيل : إنهم كانوا يطبخونهما معاً فيصير طعاماً واحداً ، والقول بأن هذا القول كان قبل نزول السلوى نازل من القول ، وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى لأن المنّ كان شراباً ، أو شيئاً يتحلون به ، فلم يعدوه طعاماً آخر ، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنين كما عبر بالاثنين عن الواحد في نحو { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرَحمن : 22 ] وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب .
{ فادع لَنَا رَبَّكَ } أي سله لأجلنا بدعائك إياه بأن يخرج لنا كذا وكذا والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء ، ولغة بني عامر { فادع } بكسر العين جعلوا دعا من ذوات الياء كرمى ، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم ، لأن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من دعاء غيرهم ، على أن دعاء الغير للغير مطلقاً أقرب إليها فما ظنك بدعاء الأنبياء لأممهم ؟ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم / لعمر رضي الله تعالى عنه : " أشركنا في دعائك " وفي الأثر : «ادعوني بألسنة لم تعصوني فيها » وحملت على ألسنة الغير ، والتعرض لعنوان الربوبية لتمهيد مبادئ الإجابة ، وقالوا : ( ربك ) ولم يقولوا : ربنا ، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة ، فكأنهم قالوا : ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به إلينا ، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك .
{ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } المراد بالإخراج المعنى المجازي اللازم للمعنى الحقيقي ، وهو الإظهار بطريق الإيجاد لا بطريق إزالة الخفاء والحمل على المعنى الحقيق يقتضي مخرجاً عنه ، وما يصلح له ههنا هو ( الأرض ) وبتقديره يصير الكلام سخيفاً ، و{ يُخْرِجْ } مجزوم لأنه جواب الأمر ، وجزمه بلام الطلب محذوفة لا يجوز عند البصريين ، و( من ) الأولى تبعيضية أي مأكولاً بعض ما ( تنبت ) ، وادعى الأخفش زيادتها وليس بشيء و( ما ) موصولة والعائد محذوف ، أي تنبته ، وجعلها مصدرية لم يجوّزه أبو البقاء لأن المقدر جوهر ونسبة الإنبات إلى ( الأرض ) مجاز من باب النسبة إلى القابل . وقد أودع الله تعالى في الطبقة الطينية من الأرض أو فيها قوة قابلة لذلك ، وكون القوة القابلة مودعة في الحب دون التراب ربما يفضي إلى القول بقدم الحب بالنوع ، و( من ) الثانية بيانية ، فالظرف مستقر واقع موقع الحال ، أي كائناً من ( بقلها ) . وقال أبو حيان : تبعيضية واقعة موقع البدل من كلمة ( ما ) فالظرف لغو متعلق ب ( يُخرجْ ) وعلى التقديرين كما قال الساليكوتي : يفيد أن المطلوب إخراج بعض هؤلاء ، ولو جعل بياناً لما أفاده ( من ) التبعيضية كما قاله المولى عصام الدين لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة ، وأوهمَ أن المطلوب إخراج جميع هؤلاء لعدم العهد والبقل جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والأنعام ، والمراد به هنا أطاييب البقول التي يأكلها الناس والقثاء هو هذا المعروف ، وقال الخليل : هو الخيار ، وقرأ يحيى بن وثاب وغيره بضم القاف وهو لغة والفوم الحنطة وعليه أكثر الناس حتى قال الزجاج : لا خلاف عند أهل اللغة أن الفوم الحنطة ، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم الفوم . وقال الكسائي وجماعة : هو الثوم ، وقد أبدلت ثاؤه فاء كما في جدث وجدف وهو بالبصل والعدس أوفق وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ونفس شيخنا عليه الرحمة إليه تميل ، والقول بأنه الخبز يبعده الإنبات من ( الأرض ) وذكره مع البقل وغيره . وما في «المعالم » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن الفوم الخبز يمكن توجيهه بأن معناه إنه يقال عليه ، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أولاً ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وهو البقل إذ منه ما هو بارد رطب كالهندبا ، ومنه ما هو حار يابس كالكرفس والسذاب ومنه ما هو حار وفيه رطوبة ، كالنعناع . وثانياً : ما هو بارد رطب وهو القثاء وثالثاً : ما هو حار يابس وهو الثوم ورابعاً : ما هو بارد يابس وهو العدس وخامساً : ما هو حار رطب وهو البصل وإذا طبخ صار بارداً رطباً عند بعضهم ، أو يقال : إنه ذكر أولاً ما يؤكل من غير علاج نار ، وذكر بعده ما يعالج به مع ما ينبغي فيه ذلك ويقبله .
{ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ } استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال لهم ؟ فقيل قال : { أَتَسْتَبْدِلُونَ } الخ ، والقائل إما الله تعالى على لسان موسى عليه السلام ، ويرجحه كون المقام مقام تعداد النعم ، أو موسى نفسه وهو الأنسب بسياق النظم والاستفهام للإنكار ، والاستبدال الاعتياض .
فإن قلت كونهم لا يصبرون على طعام واحد أفهم طلب ضم ذلك إليه لا استبداله به أجيب بأن قولهم : { لَن نَّصْبِرَ } يدل على كراهتهم ذلك الطعام ، وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال ، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها ، وقيل : إنهم طلبوا ذلك ، وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع عنهم المنّ والسلوى فلا يجتمعان ، وقيل : الاستبدال في المعدة وهو كما ترى . وقرأ أبيّ : أتبدلون وهو مجاز ، لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين ، وكان المعنى أتسألون تبديل الذي الخ ، و{ الذي } مفعول { تستبدلون } وهو الحاصل ؛ و{ فَلْيُؤَدّ الذي } دخلت عليه الباء هو الزائل ، وهو { أدنى } صلة { الذي } وهو هنا واجب الإثبات عند البصريين إذ لا طول ، و{ أدنى } إما من الدنو أو مقلوب من الدون ، وهو على الثاني ظاهر ، وعلى الأول مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد للشرف ، فقيل : بعيد المحل بعيد الهمة ، ويحتمل أن يكون مهموزاً من الدناءة ، وأبدلت فيه الهمزة ألفاً ويؤيده قراءة زهير والكسائي { أدنأ } بالهمزة ، وأريد بالذي هو خير المنّ والسلوى ومعنى خيرية هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته ، والنفع الجليل في تناوله ، وعدم الكلفة في تحصيله ، وخلوّه عن الشبهة في حله .
{ اهبطوا مِصْرًا } جملة محكية بالقول كالأولى ، وإنما لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكي لأن الأولى خبر معنى ، وهذه ليست كذلك ، ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الاستبدال ، هذا إذا جعل الجملتان من كلام الله تعالى أو كلام موسى ، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من الله تعالى ، فوجه الفصل ظاهر ، والوقف على ( خير ) كاف على الأول : وتام على الثاني : والهبوط يجوز أن يكون مكانياً بأن يكون التيه أرفع من المصر ، وأن يكون رتبياً ، وهو الأنسب بالمقام ، وقرئ { اهبطوا } بضم الهمزة والباء والمصر البلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين ، قال :
وجاعل الشمس ( مصراً ) لا خفاء به *** بين النهار وبين الليل قد فصلا
وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود ، وأخذه من مصرت الشاة أمصرها إذا حلبت كل شيء في ضرعها بعيد ، وحكي عن أشهب أنه قال : قال لي مالك : هي مصر قريتك مسكن فرعون فهو إذاً عَلَمٌ وأسماء المواضع قد تعتبر من حيث المكانية فتذَكر ، وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث ، فهو إن جعل علماً فإما باعتبار كونه بلدة ، فالصرف مع العلمية ، والتأنيث لسكون الوسط ، وإما باعتبار كونه بلداً فالصرف على بابه ، إذ الفرعية الواحدة لا تكفي في منعه ، ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه : أنه في مصحف ابن مسعود ( مصر ) بلا ألف بعد الراء ويبعده أن الظاهر من التنوين التنكير ، وأن قوله تعالى : { ادْخُلُوا الأرض المُقَدَّسَةَ } [ المائدة : 1 2 ] يعني الشام التي كتب الله تعالى لكم للوجوب كما يدل عليه عطف النهي وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى ، وأن يكون الأمر بالهبوط مقصوراً على بلاد التيه وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين ومن الناس من جعل ( مصر ) معرب مصرائيم كإسرائيل اسم لأحد أولاد نوح عليه السلام وهو أول من اختطها فسميت باسمه ، وإنما جاز الصرف حينئذٍ لعدم الاعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فافهم وتدبر .
{ فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } تعليل للأمر بالهبوط ، وفي «البحر » أنها جواب للأمر وكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة وفي ذلك محذوفان فإن ما يربط الجملة بما قبلها ، والضمير العائد على { مَا } والتقدير : فإن لكم فيها ما سألتموه/ ، والتعبير عن الأشياء المسؤولة ب ( ما ) للاستهجان بذكرها ، وقرأ النخعي ويحيى : { سَأَلْتُمْ } بكسر السين .
{ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } أي جعل ذلك محيطاً بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه ، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين ، و( ضربت ) استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم ، وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين ، وذلك بما ضرب عليهم من الجزية التي يؤدونها عن يَد وهم صاغرون ، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم ، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ذلك مما تراه في اليهود اليوم ، وهذا الضرب مجازاة لهم على كفران تلك النعمة ، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها ، وإنما أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أن ذلك راجع إلى جميع اليهود ، وشامل للمخاطبين ، بقوله تعالى : { فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ } ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة فليس من قبيل الالتفات على ما وهم .
{ وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا ، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبى ؛ أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما أو رجعوا بغضب أي صار عليهم ، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه ، أو صاروا أحقاء به ، أو استحقوا العذاب بسببه وهو بعيد وأصل البواء بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم استعمل في كل مساواة فيقال : هو بواء فلان أي كفؤه ، ومنه :
وحديث : " فليتبوأ مقعده من النار " وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخيم .
{ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } أشار بذلك إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم ، وإنما بَعّدهُ لبعد بعضه حتى لو كان إشارة إلى البوء لم يكن على لفظ البعيد ، أو للإشارة إلى أنهم أدركتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب ، أو للإيماء إلى بعدها في الفظاعة ، والباء للسببية وهي داخلة على المصدر المؤول ولم يعبر به ، وعبر بما عبر تنبيهاً على تجدد الكفر والقتل منهم حيناً بعد حين واستمرارهم عليهما فيما مضى ، أو لاستحضار قبيح صنعهم .
و( الآيات ) إما المعجزات مطلقاً أو التسع التي أتى بها موسى عليه السلام ، أو ما جاء به من التسع وغيرها ، أو آيات الكتب المتلوة مطلقاً ، أو التوراة أو آيات منها كالآيات التي فيها صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أو التي فيها الرجم أو القرآن ، وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم ، وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظم كل عظيم ، وأردفه بقتلهم النبيين لأنه كالمنشأ له ، وأتى بالنبيين الظاهر في القلة دون الأنبياء الظاهر في الكثرة إذ الفرق بين الجمعين إذا كانا نكرتين وأما إذا دخلت عليهما ( أل ) فيتساويان كما في «البحر » فلا يرد أنهم قتلوا ثلاثمائة نبي في أول النهار ، وأقاموا سوقهم في آخره ، وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقداً حقية قتل أحد منهم عليهم السلام ، وإنما حملهم عليه حب الدنيا ، واتباع الهوى والغلو في العصيان ، والاعتداء فاللام في الحق على هذا للعهد ، وقيل : الأظهر أنها للجنس ، والمراد بغير حق أصلاً إذ لام الجنس المبهم كالنكرة ، ويؤيده ما في آل عمران ( 12 ) { بِغَيْرِ حَقّ } فيفيد أنه لم يكن حقاً باعتقادهم أيضاً ، ويمكن أن يكون فائدة التقييد إظهار معايب صنيعهم فإنه قتل النبي ثم جماعة منهم ثم كونه بغير الحق ، وهذا أوفق بما هو الظاهر من كون المنهي القتل بغير الحق في نفس الأمر/ سواء كان حقاً عند القاتل أو لا إلا أن الاقتصار على القتل بغير الحق عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل ، والقول : بأنه يمكن أن يقال لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحداً بغير حق لا يقتص ، ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيداً لما هو الحكم الشرعي بعيد كما لا يخفى ، قال بعض المتأخرين : هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي أي بلا حق ، أما إذا كان بمعناه أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل فالتقييد مفيد لأن قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته ، وقريب من هذا ما قاله القفال من إنهم كانوا يقولون : إنهم كاذبون وأن معجزاتهم تمويهات ويقتلونهم بهذا السبب ، وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق بزعمهم ، ولعل ذلك غالب أحوالهم وإلا فشعياء ، ويحيى وزكريا عليهم السلام لم يقتلوا لذلك ، وإنما قتل شعياء لأن ملكاً من بني إسرائيل لما مات مرج أمر بني إسرائيل ، وتنافسوا الملك ، وقتل بعضهم بعضاً فنهاهم عليه السلام فبغوا عليه وقتلوه ، ويحيى عليه السلام إنما قتل لقصة تلك المرأة لعنها الله تعالى ، وكذلك زكريا لأنه لما قتل ابنه انطلق هارباً فأرسل الملك في طلبه غضباً لما حصل لامرأته من قتل ابنه فوجد في جوف شجرة ففلقوا الشجرة معه فلقتين طولاً بمنشار ، ثم الظاهر أن الجار والمجرور مما تنازع فيه الكفر والقتل ، وفي «البحر » أنه متعلق بما عنده ، وزعم بعض الملحدين أن بين هذه الآية وما أشبهها ، وقوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [ غافر : 1 5 ] تناقضاً وأجيب بأن المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم الرسل ورد بأن قوله تعالى : { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ } إلى قوله سبحانه : { ففَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [ البقرة : 7 8 ] يدل على أن المقتول رسل أيضاً ، وأجاب بعضهم بأن المراد النصرة بغلبة الحجة أو الأخذ بالثأر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبي سبعين ألفاً ، وبكل خليفة خمساً وثلاثين ألفاً ولا يخفى ما فيه ، فالأحسن أن المراد بالرسل المأمورون بالقتال كما أجاب به بعض المحققين لأن أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا يليق بحكمة العزيز الحكيم ، وقرأ علي رضي الله تعالى عنه : ( يقتلون ) بالتشديد ، والحسن في رواية عنه ( وتقتلون ) بالتاء فيكون ذلك من الالتفات ، وقرأ نافع بهمز النبيين وكذا النبي والنبوة ، واستشكل بما روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : «يا نبىء الله بالهمزة فقال : لست بنبىء الله يعني مهموزاً ولكن نبي الله » بغير همزة فأنكر عليه ذلك . ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه عليه الصلاة والسلام على أنه استشكل أيضاً جمع النبي على نبيين وهو فعيل بمعنى مفعول ، وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم ، وأجيب عن الأول بأن أبا زيد حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها ، فمنع لوهم أن معناه يا طريد الله تعالى فنهاه عن ذلك لإيهامه ، ولا يلزم من صحة استعمال الله تعالى له في حق نبيه صلى الله عليه وسلم الذي برأه من كل نقص جوازه من البشر ، وقيل : إن النهي كان خاصاً في صدر الإسلام حيث دسائس اليهود كانت فاشية وهذا كما نهى عن قول : { راعنا } إلى قول : { انظرنا } [ البقرة : 104 ] انتبه أيها المخرج وعن الثاني بأنه ليس بمتفق عليه إذ قيل : إنه بمعنى فاعل ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصل ، ولم يلاحظ فيه هذا إذ يطلقه عليه من لا يعرف ذلك ، فصح جمعه باعتبار المعنى الغالب عليه فتدبر .
{ ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } إشارة إلى الكفر والقتل الواقعين سبباً لما تقدم ، وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدد للتأويل بالمذكور ، ونحوه مما هو مفرد لفظاً متعدد معنى ، وقد يجري مثل ذلك في الضمير حملاً عليه ، والباء للسببية ، وما بعدها سبب للسبب ، والمعنى : إن الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى ، وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم واعتدائهم ومجاوزتهم الحدود ، والذنب يجر الذنب ، وأكد الأول لأنه مظنة الاستبعاد بخلاف مطلق العصيان ، وقيل : الباء بمعنى مع . وقيل : الإشارة بذلك إلى ما أشير إليه بالأول ، وترك العاطف للدلالة/ على أن كل واحد منهما مستقل في استحقاق الضرب فكيف إذا اجتمعا . وضعف هذا الوجه بأن التكرار خلاف الأصل مع فوات معنى لطيف حصل بالأول وسابقه بأنه لا يظهر حينئذٍ لإيراد كلمة ذلك فائدة إذ الظاهر { بِمَا عَصَواْ } الخ ويفوت أيضاً ما يفوت ، وحظ العارف من هذه الآيات الاعتبار بحال هؤلاء الذين لم يرضوا بالقضاء ولم يشكروا على النعماء ولم يصبروا على البلواء كيف ضرب عليهم ذل الطغيان قبل وجود الأكوان ، وقهرهم بلطمة المسكنة في بيداء الخذلان وألبس قلوبهم حب الدنيا وأهبطهم من الدرجة العليا .
ومن باب الإشارة : الطعام الواحد هو الغذاء الروحاني من الحكمة والمعرفة ، وما تنبته الأرض هو الشهوات الخبيثة واللذات الخسيسة والتفكهات الباردة الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن الموجبة للذلة لمن ذاقها والمسكنة لمن لاكها والهلاك لمن ابتلعها ، وسبب طلب ذلك الاحتجاب عن آيات الله تعالى وتجلياته وتسويد القلوب بدرن الذنوب ، وقطع وريدها بقطع واردها ، والذي يجر إلى هذا الغفلة عن المحبوب ، والاعتياض بالأغيار عن ذلك المطلوب نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
فلما طال عليهم المن والسلوى، سألوا موسى نبات الأرض، فذلك قوله عز وجل: {وإذ قلتم يا موسى} في التيه.
{لن نصبر على طعام واحد}، يعني المن والسلوى.
{فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها} يعني الثوم،
{وعدسها وبصلها}، فغضب موسى، عليه السلام،
{قال أتستبدلون الذي هو أدنى}، يقول: الذي هو دون المن والسلوى من نبات الأرض {بالذي هو خير}، يعني المن والسلوى، فقال موسى:
{فإن لكم ما سألتم} من نبات الأرض.
{وضربت عليهم الذلة}، يعني على اليهود الذلة، وهي الجزية.
{وباءو بغضب من الله}، يعني استوجبوا غضب الله عز وجل.
{ذلك} الذل والمسكنة الذي نزل بهم.
{بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله}.
{ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} في أديانهم...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
واذكروا إذ قلتم يا معشر بني إسرائيل: لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد، وذلك الطعام الواحد هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم، وهو السلوى في قول بعض أهل التأويل، وفي قول وهب بن منبه هو الخبز النّقيّ مع اللحم. فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من البقل والقثاء. وما سمى الله مع ذلك وذكر أنهم سألوه موسى. وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا عن قتادة...قال: كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فسألوه موسى، فقال الله تعالى:"اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُمْ"...
فتأويل الكلام إذا على ما وصفنا من أمر من ذكرنا: فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها. والبقل والقثاء والعدس والبصل، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها. وأما الفوم، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه. فقال بعضهم: هو الحنطة والخبز.
وهو في بعض القراءات «وثومها». وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا فوما من اللغة القديمة، حكي سماعا من أهل هذه اللغة: فوّموا لنا، بمعنى اختبزوا لنا وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود «وثومها» بالثاء. فإن كان ذلك صحيحا فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاثور شرّ وعافور شرّ، وكقولهم للأثافي أثاثي، وللمغافير مغاثير، وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاء والفاء ثاء لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء...
"أتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أدْنَى بالّذِي هُوَ خَيْرٌ": قال لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخسّ خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلاً بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا، وذلك كان استبدالهم. وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك.
ومعنى قوله: "أدْنى": أخسّ وأوضع وأصغر قدرا وخطرا، وأصله من قولهم: هذا رجل دنيّ بيّن الدناءة، وإنه ليدني في الأمور -بغير همز- إذا كان يتتبع خسيسها... ولا شكّ أن من استبدل بالمنّ والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه.
وقد تأول بعضهم قوله: "الّذي هُوَ أدْنَى "بمعنى الذي هو أقرب، ووجه قوله: "أدنى" إلى أنه أفعل من الدنوّ الذي هو بمعنى القرب...
" اهْبِطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُمْ": فدعا موسى فاستجبنا له، فقلنا لهم: اهبطوا مصر. وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه. وقد دللنا فيما مضى على أن معنى الهبوط إلى المكان إنما هو النزول إليه والحلول به.
فتأويل الآية إذا: "وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ على طَعامٍ وَاحِدٍ فادْعُ لَنا رَبّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثائها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها" قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخسّ وأردأ من العيش بالذي هو خير منه؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه، فاستجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: "اهْبطُوا مِصْرا فإنّ لَكُمْ ما سألْتُمْ".
ثم اختلف القرّاء في قراءة قوله: مِصْرا؛ فقرأه عامة القرّاء: «مصرا» بتنوين المصر وإجرائه وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نوّنوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار لا مصرا بعينه، فتأويله على قراءتهم: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده: اهبطوا مصرا البلدة التي تعرف بهذا الاسم وهي «مصر» التي خرجوا عنها، غير أنه أجراها ونوّنها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في مصر، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين سبيل من قرأ: "قَوَارِيرا قَوَارِيرا" مِنْ فِضّةٍ منوّنة اتباعا منه خط المصحف. وأما الذي لم ينوّن مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها.
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك نظير اختلاف القرّاء في قراءته:
عن قتادة [وغيره]: "اهْبِطُوا مِصْرا" أي مصرا من الأمصار فإنّ لَكُمْ ما سألْتُمْ.
وقال آخرون: هي مصر التي كان فيها فرعون.
ومن حجة من قال: إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: "اهْبُطُوا مِصْرا" مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة إذ قال لهم: "يا قَوْمُ ادْخُلُوا الأرْضُ المُقَدّسَةَ الّتِي كَتَبَ اللّهُ لكُمْ وَلاَ تَرْتَدّوا على أدْبارِكُم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسَى إنّ فِيهَا قَوْما جَبّارِينَ" إلى قوله: "إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدا ما دَامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قَاعِدُونَ". فحرّم الله جل وعز على قائل ذلك فيما ذكر لنا دخولها حتى هلكوا في التيه وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذرّيتهم الشام، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردّهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر، ونتأوّله أنه ردّهم إليها.
قالوا: فإن احتجّ محتجّ بقول الله جل ثناؤه: "فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرَائِيلَ". قيل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولم يردّهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم.
وأما الذين قالوا: إن الله إنما عنى بقوله جل وعز: "اهْبِطُوا مِصْرا" مِصْرَ، فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها: "فأخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأوْرَثْنَاها بَنِي إسْرَائِيلَ" وقوله: "كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنِعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كذلِكَ وأوْرَثْناها قَوْما آخَرِينَ". قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها إن لم يصيروا أو يصر بعضهم إليها. قالوا: وأخرى أنها في قراءة أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف، قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها مصر بعينها.
والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر، وأهل التأويل متنازعون تأويله.
فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض على ما بينه الله جل وعز في كتابه وهم في الأرض تائهون، فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين: "اهْبِطُوا مِصْرا" وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، واتفاق قراءة القراء على ذلك. ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينها.
" وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالمَسْكَنَةُ".
يعني بقوله: "وَضُرِبَتْ" أي فُرضت، ووضعت عليهم الذلة وأُلزموها من قول القائل: ضرب الإمام الجزية على أهل الذمة، وضرب الرجل على عبده الخراج: يعني بذلك وضعه، فألزمه إياه، ومن قولهم: ضرب الأمير على الجيش البعث، يراد به ألزمهموه.
وأما الذلة، فهي الفعلة من قول القائل: ذلّ فلان يذلّ ذلاً وذلة، والذلة: هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال جل وعز: "قاتِلُوا الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَلاَ بالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقّ مِنَ الّذِين أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"... عن الحسن وقتادة في قوله: "وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ" قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وأما "المسكنة"، فإنها مصدر المسكين، يقال: ما فيهم أسكن من فلان وما كان مسكينا ولقد تمسكن مسكنة. ومن العرب من يقول: تمسكن تمسكنا. والمسكنة في هذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها... [وهي] الفقر.
وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: "وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ وَالمَسْكَنَةُ": قال هؤلاء يهود بني إسرائيل. قلت له: هم قبط مصر، قال: وما لقبط مصر وهذا؟ لا والله ما هم هم، ولكنهم اليهود، يهود بني إسرائيل؛ فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعزّ ذلاّ، وبالنعمة بؤسا، وبالرضا عنهم غضبا، جزاءً منه لهم على كفرهم بآياته وقتلهم أنبياءه ورسله اعتداءً وظلما منهم بغير حقّ، وعصيانهم له، وخلافا عليه.
"وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ": انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولاً إما بخير وإما بشرّ، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بَوْءا وَبَواءً. ومنه قول الله عزّ وجلّ "إني أرِيد أنْ تَبُوءَ بإثْمِي وإثْمِكَ" يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني.
فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط...
" ذلكَ بأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرون بآياتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الحَقّ".
يعني بقوله جل ثناؤه: «ذلك» ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله: «ذلك» وهو يعني به ما وصفنا على أن قول القائل ذلك يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها.
" بِأنّهُمْ كانُوا يَكْفُرونَ": من أجل أنهم كانوا يكفرون، يقول: فعلنا بهم من إحلال الذلّ والمسكنة والسخط بهم من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحقّ... يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا. وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى الكفر: تغطية الشيء وستره، وأن آيات الله: حججه وأعلامه وأدلته على توحيده وصدق رسله.
فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده، وتصديق رسله ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها.
ويعني بقوله: "وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الحَقّ": ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه. وهم جماع واحدهم نبيّ غير مهموز، وأصله الهمز، لأنه من أنبأ عن الله، فهو ينبئ عنه إنباء، وإنما الاسم منه منبئ ولكنه صرف وهو «مُفعِل» إلى «فَعِيل»، كما صرف سميع إلى فعيل من مفعل، وبصير من مبصر، وأشباه ذلك... وقد قال بعضهم: النبي والنبوّة غير مهموز، لأنهما مأخوذان من النّبْوَة، وهي مثل النجوة، وهو المكان المرتفع. وكان يقول: إن أصل النبي الطريق...يقول: إنما سمي الطريق نبيا، لأنه ظاهر مستبين من النّبوّة.
" وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ الحَقّ": أنهم كانوا يقتلون رسل الله بغير إذن الله لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوّتهم.
"ذلكَ بمَا عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ".
وقوله: "ذلكَ": ردّ على «ذلك» الأولى. ومعنى الكلام: وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، من أجل كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغير الحقّ، من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده فقال جل ثناؤه: "ذلك بِمَا عَصَوْا" والمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين. والاعتداء: تجاوز الحدّ الذي حدّه الله لعباده إلى غيره، وكل متجاوز حدّ شيء إلى غيره فقد تعدّاه إلى ما جاوز إليه. ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما عصوا أمري، وتجاوزوا حدّي إلى ما نهيتهم عنه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(وضربت عليهم الذلة) قيل فيه بوجوه: قيل (الذلة) ذلة احتمال المؤنة والشدائد لما سألوا من الأطعمة المختلفة، وقيل: (الذلة) ذلة الجزية والصغار، بعصيانهم ربهم، وقيل (الذلة) ذلة الكسب والعمل لأن الأول كان يأتيهم من غير كسب ولا مؤنة.
قوله تعالى: (والمسكنة) قيل: قطع رجائهم عن الآخرة لما عصوا ربهم.
وقوله تعالى: (وباءوا بغضب من الله) قيل فيه بوجوه: قيل: باءوا رجعوا، وقيل: باءوا استوجبوا، وقيل: باءوا أقروا، وكله يرجع إلى واحد...
[و] الآيات، هي الحجج التي أعطى الرسل، وأجراها على أيديهم...
(ويقتلون النبيئين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) يحتمل أن يكون هذا في غيرهم لأنه لم يكن في زمن موسى نبي سوى هارون، وهم لم يقتلوه، إلا أن يقال: إن ذلك كان من أولادهم بعد موسى أو كان من غيرهم سوى هؤلاء وأولادهم على أن قتل الأنبياء في بني إسرائيل كان ظاهرا حتى قيل: قتل في يوم كذا كذا نبيا، ولم يذكر قتل رسول من الرسل؛ وذلك، والله أعلم، لقوله: (إنا لننصر رسلنا) [غافر: 51] ولقوله: (إنهم لهم المنصورون) [الصافات: 172]. أخبر أنه ينصرهم وأنهم منصورون؛ ومن كان الله ناصره فهو المنصور أبدا، ولأن الرسل هم الذين أوتوا الآيات التي كانت معهم. وأما الأنبياء فلم يكن معهم تلك الآيات المعجزة، وإنما كانوا يدعون الخلق إلى دين الله بالآيات التي كانت للرسل والحجج التي كانت معهم. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
{ويقتلون النبيّين بِغَيْرِ الْحَقِّ} مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
كانوا فلاحة فنزعوا إلى عَكَرِهم فأَجَموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء {على طَعَامٍ واحد} أرادوا ما رزقوا في التيه من المنّ والسلوى. فإن قلت: هما طعامان فما لهم قالوا على طعام واحد؟ قلت: أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، قيل: لا يأكل فلان إلا طعاماً واحداً يراد بالوحدة نفي التبدّل والاختلاف.
ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، لأنهما معاً من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فِلاَحَةٍ أهل زراعات، فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ونحو ذلك.
ومعنى {يُخْرِجْ لَنَا} يظهر لنا و يوجد.
والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها...
{اهبطوا مِصْرًا} وقرئ «اهبُطوا» بالضم: أي انحدروا إليه من التيه. يقال: هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه، إذا خرج...
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة} جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية.
{وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله} من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقاً بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه.
فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق، فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا. وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به القتل عندهم.
وقرأ عليّ رضي الله عنه «ويقتِّلون» بالتشديد
{بِمَا عَصَواْ} بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء، مع كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. وقيل: هو اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم؛ لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا.
واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض:
الأول: أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره،
الثاني: لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفا.
الثالث: لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة.
الرابع: أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء...
{ويقتلون النبيين بغير الحق} فالمعنى أنهم يستحقون ما تقدم لأجل هذه الأفعال أيضا وفيه سؤالات.
السؤال الأول: أن قوله تعالى: {يكفرون} دخل تحته قتل الأنبياء فلم أعاد ذكره مرة أخرى؟ الجواب: المذكور ههنا الكفر بآيات الله، وذلك هو الجهل والجحد بآياته فلا يدخل تحته قتل الأنبياء.
السؤال الثاني: لم قال: {بغير الحق} وقتل الأنبياء لا يكون إلا على هذا الوجه؟ الجواب من وجهين:
(الأول): أن الإتيان بالباطل قد يكون حقا لأن الآتي به اعتقده حقا لشبهة وقعت في قلبه. وقد يأتي به مع علمه بكونه باطلا، ولا شك أن الثاني أقبح فقوله: {ويقتلون النبيين بغير الحق} أي أنهم قتلوهم من غير أن كان ذلك القتل حقا في اعتقادهم وخيالهم بل كانوا عالمين بقبحه ومع ذلك فقد فعلوه.
(وثانيها): أن هذا التكرير لأجل التأكيد كقوله تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} ويستحيل أن يكون لمدعي الإله الثاني برهان.
(وثالثها): أن الله تعالى لو ذمهم على مجرد القتل لقالوا: أن الله يقتلهم ولكنه تعالى قال: القتل الصادر من الله قتل بحق ومن غير الله قتل بغير حق...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذا ضرب آخر مما ذكر الله تعالى به بني إسرائيل في سياق دعوتهم إلى الإسلام قال صاحب الكشاف: كانوا قوما فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجمعوا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء ا ه وقال الأستاذ الإمام في تفسيره ونقده ورده، ما نصه: فلاحة بتشديد اللام جمع فلاح بمعنى الزراع، وعكرهم بكسر العين أصلهم، وأجم الطعام من باب ضرب وعلم كرهه من المداومة عليه. وهو بيان لما بعثهم على أن يسألوا موسى أن يدعو ربه ليخرج لهم تلك الأشياء التي طلبوها والسبب في جهرهم بذلك وثورتهم عليه كأنه يقول: إن الحامل لهم على ذلك هو تمكن العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونوا يألفون نزعوا إلى ما كانوا قد عودوه من قبل. ولو كان الأمر كما قال لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما عد الله هذا القول في خطاياهم، بل إن السآمة من تناول طعام واحد قد يكون من لوازم الطباع البشرية إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة ولا يعد ما هو من منازع الطباع جرما إذا لم يسقط ذلك في محظور. وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم} الخ كل ذلك يدل على أن ما عدد من أفاعيلهم مع تضافر الآيات بين أيديهم وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبث الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها} ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا.
والذي يقع عليه الفهم من الآية أن النزق قد استولى على طباعهم وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم الله له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه. ومع كثرة ما شاهدوا من آيات الله القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم، بل كانوا على ريب منه، وكانوا يظنون أن موسى عليه السلام خدعهم بإخراجهم من مصر وجاء بهم في البرية ليهلكهم، فلذلك دأبوا على إعناته والإكثار من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة، فما ذكره الله عنهم في هذه الآية على حد قولهم {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ويرشد إلى ما فيه من الإعنات قولهم: {لن نصبر على طعام واحد}. فقد عبر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأتي لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده فكأنهم قالوا: اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد فإن كانت لك منزلة عند الله كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن معه أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا – وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة، وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام، ولكنه نزق وبطر كما بينا وطلب للخلاص مما يخشون على أنفسهم. ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخباره. ووصفوا الطعام بالواحد مع أنه نوعان – المن والسلوى – لأنهما طعام كل يوم، والعرب تقول لمن يأكل كل يوم عدة ألوان لا تتغير: إنه يأكل من طعام واحد. كأنهم ينظرون إلى أن مجموع الألوان هي غذاؤه الذي لا يتغير فهي غذاء واحد فإذا تغيرت الألوان تغير نوع الغذاء فكان طعاما متعددا.
والبقل من النبات ما ليس بشجر دقّ ولا جل كما ذكره ابن سيده. وقال أبو حنيفة ما ينبت في بزرة ولا ينبت في أرومة ثابتة. وفرق ما بين البقل ودق الشجر أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت.
وأرادوا من البقل ما يطعمه الإنسان من أطايب الخضر... والقثاء هي أخت الخيار...
{قال} موسى عليه السلام تقريعا لهم على أشرهم وإنكارا لتبرمهم {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟} أي أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المن والسلوى؟ والمن فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية والسلوى من أطيب لحوم الطير وفي مجموعها غذاء تقوم به البنية وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة وتغذية. أقول: والأدنى في اللغة الأقرب، واستعير للأخس والأدون كما استعير البعد للرفعة. والاستبدال طلب شيء بدل من آخر، والباء تدخل المبدل منه المراد تركه. ثم قال {اهبطوا مصرا} من الأمصار {فإن لكم ما سألتم} أي فإنكم إن هبطتموه ونزلتموه وجدتم فيه ما سألتم. أما هذه الأرض التي قضى الله أن تقيموا فيها إلى أجل محدود فليس من شأنها أن تنبت هذه البقول وإن الله جل شأنه لم يقض عليكم بالتيه في هذه البرية إلا لجبنكم وضعف عزائمكم عن مغالبة من دونكم من أهل الأمصار، فلو صح ما تزعمون من كراهتكم للطعام الواحد فأنتم الذين قضيتم به على أنفسكم بما فرط منكم. فإن أردتم الخلاص مما كرهتم فأقدموا على محاربة من يليكم من سكان الأرض الموعودة، فإن الله كافل لكم النصر عليهم، وعند ذلك تجدون طلبتكم فالتمسوا الخير في أنفسكم وفي أفعالكم فإن الله لا يضيع أجر العاملين.
قال تعالى {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} الذلة والذل خلق خبيث من أخلاق نفس الإنسان يضاد الإباء والعزة، وأصل المادة فيه معنى اللين. فالذل بالكسر اللين وبالضم والكسر ضد الصعوبة، وإذا تتبعت المادة وجدتها لا تخلو من هذا المعنى. صاحب هذا الخلق لين ينفعل لكل فاعل، ولا يأبى ضيم ضائم. غير أن هذا الخلق الذي يهون على النفس قبول كل شيء لا يظهر أثره غالبا على البدن وفي القول إلا عند الاستدلال والقهر، وكثيرا ما ترى الأذلاء تحسبهم أعزاء، يختالون في مشيتهم من الكبرياء، ويباهون بما لهم من سلف وآباء، وربما فاخروا من لا يخشون سطوته من الكبراء.
وإذا ما خلا الجبان بأرض***طلب الطعن وحده والنزالا
ولكن متى شعر الذليل بنية من نفس القاهر أو طاف بذهنه خيال يد تمتد إليه استخذى واستكان، وظهر السكون على بدنه، واشتمل الخشوع على قوله وفعله، وهذا الأثر الذي يسطع من النفس على البدن هو الذي يسمى المسكنة. وإنما سمي الفقر مسكنة لأن العائل المحتاج تضعف حركته ويذهب نشاطه فهو بعدم ما يسد عوزه كأنه يقرب من عالم الجماد، فلا تظهر فيه حاجة الاحياء فيسكن. والمشاهدة ترشدنا إلى تحقيق ما عليه أهل المسكنة في أوضاع أعضائهم، وما يبدو على وجوههم، وما طبع في أقوالهم وأعمالهم. فضرب الذلة والمسكنة على اليهود هو جعل الذل وضعف العزيمة محيطين بهم كما تحيط القبة المضروبة بمن فيها. أو إلصاقهما بطباعهم كما تطبع الطغرى على السكة.
{وباؤوا بغضب من الله} أي رجعوا به كما يقال رجع أو عاد بصفقة المغبون – إذا كان ذلك آخر شوطه ومنتهى سعيه. وكذلك كان آخر أطوار اليهود في بغيهم أيام ملكهم. والمراد به فقد الملك وما يتبعه. وقال شيخنا استحقوا غضبه ومن استحقه فقد أصابه، فقد غضب الله عليهم، وتنكير الغضب دلالة على أنه نوع عظيم من سخطه جل شأنه.
{ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} (أقول) أي ذلك العقاب بضرب الذلة والمسكنة وبالغضب الإلهي بسبب ما جروا عليه من الكفر بآيات الله الخ فإنهم بإحراجهم لموسى عليه السلام وإعناتهم له في المطالب، مع كثرة ما شاهدوا من العجائب، وما أظهر الله لهم من الغرائب، قد دلوا على أن لا أثر للآيات في نفوسهم، فهم بها كافرون في الحقيقة. ونسيان الآيات وعدها كأن لم تكن يعده الكتاب العزيز كفرا كما قال شيخنا.
{ويقتلون النبيين بغير الحق} مع أن الكتاب يحرم عليهم قتل غير الأنبياء فضلا عنهم إلا بحقه المبين فيه، كل ذلك دل فيهم على طباع بعيدة عن الكرم، وقلوب غلف دون الفهم، ومن كان هذا شأنه فالأجدر به أن يكون ذليلا مقهورا، ثم هو مهبط غضب الله ومحط نقمه، لأنه أشد الناس كفرا لنعمه، وقوله {بغير الحق} مع أن قتل النبيين لا يكون إلا كذلك يزيد في شناعة حالهم، ويصرح بأنهم لم يكونوا مخطئين في الفهم، ولا متأولين للحكم، بل ارتكبوا هذا الجرم العظيم عامدين، وهم يعلمون أنهم بارتكابه مخالفون لما شرع الله تعالى لهم في كتاب دينهم.
{ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} قال الأستاذ: ذلك الذل وتلك الخلاقة بالغضب إنما لزماهم لأنهم عصوا الله فيما أمرهم أن يأخذوا به من الأحكام، ولأنهم اعتدوا تلك الحدود التي حدها الله لهم في شرائع أنبيائهم، وقد كانت تلك الأحكام والحدود هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة لأنها كانت الكافلة بنظامهم، الحافظ لبناء جماعتهم، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم، وانهدم بناؤهم، وأسرعت إليهم الذلة التي لم تكن فارقتهم، إلا منهزمة من يدي سلطان الشريعة، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل النظام تحت رعايته، ولزمتهم الذلة والمسكنة بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع.
والمتبادر وعده الأستاذ احتمالا أن ترجع الإشارة في (ذلك) إلى الثاني أي الكفر بآيات الله وقتل النبيين. أي إن كفرهم وجراءتهم على النبيين بالقتل إنما منشؤها عصيانهم واعتداؤهم حدود دينهم، لأن الذي يدين بدين أو شريعة أيا كانت يتهيب لأول الأمر مخالفتها، فإذا خالفها لأول مرة تركت المخالفة أثرا في نفسه، وضعفت هيبة الشريعة في نظره، فإذا عاد زاد ضعف سلطة الشريعة على إرادته، ولا يزال كذلك حتى تصير المخالفة طبعا ورينا، وينسى ما قام على الشريعة من دليل وما كان لها من سيطرة، ويضرى بالعدوان، كما يضرى الحيوان بالافتراس وكل عمل يسترسل فيه العامل تقوى ملكته فيه خصوصا ما اتبع فيه الهوى.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
لقد كانوا بين الصحراء بجدبها وصخورها، والسماء بشواظها ورجومها. فأما الحجر فقد أنبع الله لهم منه الماء، وأما السماء فأنزل لهم منها المن والسلوى: عسلا وطيرا.. ولكن البنية النفسية المفككة، والجبلة الهابطة المتداعية، أبت على القوم أن يرتفعوا إلى مستوى الغاية التي من أجلها أخرجوا من مصر، ومن أجلها ضربوا في الصحراء.. لقد أخرجهم الله -على يدي نبيهم موسى- عليه السلام -من الذل والهوان ليورثهم الأرض المقدسة، وليرفعهم من المهانة والضعة.. وللحرية ثمن، وللعزة تكاليف، وللأمانة الكبرى التي ناطهم الله بها فدية. ولكنهم لا يريدون أن يؤدوا الثمن، ولا يريدون أن ينهضوا بالتكاليف، ولا يريدون أن يدفعوا الفدية. حتى بأن يتركوا مألوف حياتهم الرتيبة الهينة. حتى بأن يغيروا مألوف طعامهم وشرابهم، وأن يكيفوا أنفسهم بظروف حياتهم الجديدة، في طريقهم إلى العزة والحرية والكرامة. إنهم يريدون الأطعمة المنوعة التي ألفوها في مصر. يريدون العدس والثوم والبصل والقثاء.. وما إليها! وهذا ما يذكرهم القرآن به. وهم يدعون في المدينة دعاواهم العريضة:
(وإذ قلتم: يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. قال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم.. وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)..
ولقد تلقى موسى- عليه السلام -طلبهم بالاستنكار:
(أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟)..
أتريدون الدنية وقد أراد الله لكم العلية؟
(اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم)..
إما بمعنى أن ما يطلبونه هين زهيد، لا يستحق الدعاء؛ فهو موفور في أي مصر من الأمصار، فاهبطوا أية مدينة فإنكم واجدوه فيها.. وإما بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها.. عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة. إلى حياتكم الخانعة الذليلة.. حيث تجدون العدس والبصل والثوم والقثاء! ودعوا الأمور الكبار التي ندبتم لها.. ويكون هذا من موسى- عليه السلام -تأنيبا لهم وتوبيخا.
وأنا أرجح هذا التأويل الذي استبعده بعض المفسرين، أرجحه بسبب ما أعقبه في السياق من قوله تعالى:
(وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله)..
فإن ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وعودتهم بغضب الله، لم يكن- من الناحية التاريخية -في هذه المرحلة من تاريخهم؛ إنما كان فيما بعد، بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون).
وقد وقع هذا منهم متأخرا بعد عهد موسى بأجيال. إنما عجل السياق بذكر الذلة والمسكنة والغضب هنا لمناسبته لموقفهم من طلب العدس والبصل والثوم والقثاء! فناسب أن يكون قول موسى لهم، (اهبطوا مصرا) هو تذكير لهم بالذل في مصر، وبالنجاة منه، ثم هفوة نفوسهم للمطاعم التي ألفوها في دار الذل والهوان!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
يؤخذ من كلام المفسرين... أن سؤالهم تعويض المن والسلوى بالبقل ونحوه معصية لما فيه من كراهة النعمة التي أنعم الله بها عليهم، إذ عبروا عن تناولها بالصبر والصبر هو حمل النفس على الأمر المكروه، ويدل لذلك أنه أنكر عليهم بقوله: {أتستبدلون الذي هو أدنى}...
فالذي عندي في تفسير الآية أنها انتقال من تعداد النعم المعقبة بنعم أخرى إلى بيان سوء اختيارهم في شهواتهم، والاختيار دليل عقل اللبيب، وإن كان يختار مباحاً، مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم إذ قالوا: {لن نصبر} فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم الكراهية وأتوا بما دل عليه {لن} في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن فإن {لن} تدل على استغراق النفي لأزمنة فعل {نصبر} من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين، فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم ولم يُرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال لهم:
{اهبطوا مصراً} فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديباً وتوبيخاً. قال الشيخ ابن عطاء الله رحمه الله: من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول لو كان في هذا إساءة لعوقبت فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد يقام مقام البعد من حيث لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد. والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف، لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم، وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية؛ فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف، ولكنها من أشباه خطاب الوضع، ترجع إلى ترتب المسببات على أسبابها، وذلك من نواميس نظام العالم، وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية، هو العقاب الأخروي.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
إن بني إسرائيل شأنهم دائما ألا يستقروا، بل هم في تململ مستمر، ولا يهمهم إلا الطعام والشراب؛ ولذا قالوا لموسى عليه السلام الذي ابتلى بهم: {يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.
كان اليهود (لعنهم الله) لا يهمهم إلا ما يطعمون، فسألوا الأكل أولا ثم سألوا الماء ثانيا، ثم سألوا تلون الأطعمة، ولم يفكروا في أمر معنوي، لم يفكروا في العزة بعد الذلة، ولا في النجاة بعد القتل، ولا في المعاني الروحية التي جاء بها موسى عليه السلام، ولا في الإيمان بعد الكفر، ولا في الرفعة بعد الحطة.
لم يفكروا في شيء من هذا إنما فكروا في الطعام وألوانه، لم يطلبوا الهداية، ولكن طلبوا ألوان الطعام، وقال تعالى عنهم: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} والمعنى: اذكروا معشر الحاضرين ما قلتم أنتم وأسلافكم، ولا تفكير لكم في جهاد تجاهدونه، ولكن في طعام تأكلونه، نادوا موسى وهو لهم كالأم الرؤوم: {يا موسى لن نصبر على طعام واحد} وهو المن والسلوى... إن الرجل المادي يسأم ما يقدم له كل يوم، ولو كان أشهى، وقالوا يائسين من أن يرضوا: لن نصبر على طعام، فأكدوا النفي ب "لن"، ودلوا على تململهم بقولهم: "لن نصبر"، أي لن نستطيع أن نضبط أنفسنا فنحملها على الرضا بطعام واحد.
ورتبوا على نفيهم الصبر نفيا مؤكدا قولهم: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها}، الفاء فاء الإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر دل عليه قولهم لن نصبر تقديره؛ فإذا كنا لا نصبر، {فادع لنا ربك} ومعناه اضرع إلى ربك الذي خلقك وربك لا إلى أن يهدينا بل إلى أن يخرج لنا مما تنبت الأرض، وقوله "يخرج "في معنى جواب الأمر، أي إن تدع ربك فإنه يخرج لنا، فهم لتلهفهم على ما يأكلون افترضوا أن الدعاء قد وقع، وافترضوا أن إجابة الدعاء قد تمت، فقالوا هذا الكلام الدال على رغبتهم في الإجابة السريعة...
ولكن موسى عليه السلام لم يسارع بالدعوة التي طلبوها، ولم تكن الإجابة التي رغبوها لإشباع نهمتهم، بل ذاكرهم فيما يطلبون، وبين لهم أنهم يطلبون غير الحسن ويتركون الحسن، فقال لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}، أي أتتركون الخير، وتطلبون بدلا منه الذي هو أدنى منه وإن كان من نعمة الله تعالى.
وعبر عن الذي طلبوه بأنه هو الذي أدنى في الرتبة والمنزلة الغذائية وأنه خلق كذلك، وإن كان نعمة في ذاته ولكن رتبته دون ما أنتم فيه، وعبر بقوله تعالى: {الذي هو أدنى} أي أنه في ذاته دان في رتبته ولا يعلو عنها ولا يصل إلى الذي هو خير في ذاته، وثابت على الخيرية؛ لا يزيل صفة الخيرية ما تطلبون.
والأدنى معناه القريب، ولما كان القريب سهل التناول، والبعيد صعب التناول أطلق الأدنى على كل أمر يسهل الحصول عليه وفي العادة لا يكون ذا منزلة.
والسؤال استفهامي تقريري لإنكار الواقع، أي فيه معنى التوبيخ، لأنهم في نعمة بالطعام الطيب الذي يجيء من غير كد ولا لغوب، وهو المن والسلوى، ولأنهم في مكان من العزة والنعمة يحمدون الله تعالى عليهما، ولا يفكرون في شهوة البطن مع هذه العزة إن كانوا أعزة كراما.
ولقد قال موسى كما أخبر ربه: {اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} ويفيد ذلك ضمنا بأن موسى لم يدع ربه كما طلبوا ولكن بين لهم المكان الذي يرون فيه ذلك، وعبر بقوله: {اهبطوا مصرا}؛ لأن فيه إشارة إلى أنهم ينزلون من منزلة مرتفعة العزة والرفعة إلى مكان دون ذلك؛ لأن الهبوط نزول من مرتفع إلى منخفض، وهم ينزلون من العزة، وضيافة الله تعالى إلى حيث يشبعون بطونهم ويرضون أهواءهم، وبذلك استبدلوا الخبيث بالطيب.
وقوله: {اهبطوا مصرا} بالتنكير يجعلنا نفكر أهي مصر التي اضطهدوا فيها، وذبحت أبناءهم، واستحيت نساءهم، أم مصر فيه ريف وأرض طيبة زارعة منتجة ما يريدون من فوم وقثاء وعدس وبصل.
إن التنكير يفيد أي مصر فيها زرع وثمار، ولكن الكثيرين من المفسرين يذكرون أنها مصر التي أخرجوا منها والتي أرهقوا في حياتهم فيها، ومع ذلك لم يذكر أنهم عادوا إلى أرض مصر، وموسى بينهم؛ ولذا نرجح أن موسى عليه السلام طلب إليهم أن ينزلوا من علياء الضيافة الربانية والعزة الإلهية وأن يشبعوا شهواتهم في أي مصر فيه الريف وما تنبت الأرض من زروع وعيون بدل عزة الصحراء.
بعد هذا يئس موسى من إصلاحهم.. أراد أن يربيهم على الوحدانية فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة.. وأراد موسى عليه السلام، أن يبعدهم عن فرعون وقومه، وأن يخلصهم من أوهامهم، فانتهزوا غيبته، واتخذوا العجل، وعبدوه.. وطلب إليهم أن يقتلوا منابع الأهواء والشهوات في نفوسهم فتابوا وقبل الله تعالى توبتهم.. ولما أراد الله تعالى أن يختبر نفوسهم فأمرهم أن يدخلوا القرية ساجدين، ويطلبوا ضارعين إليه أن يحط عنهم ذنوبهم، (دخلوا على أستاههم طالبين الحنطة).
طلب الله تعالى إليهم كل ذلك، ولكن نفوسهم طبعت على الأهواء والشهوات والأوهام فتركهم الله تعالى لتؤدي هذه الأخلاق إلى ما تنتهي إليه، وهو الذلة، فما أذل النفوس كالشهوات والأهواء، وإذا هانت النفوس ذلت، وإذا سيطرت عليها الأهواء خنعت، ولا يورث في النفس المذلة إلا المطامع.
ولذا قال تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} أي أحاطت بهم المذلة لا يخرجون من دائرتها، بل يتنقلون في دائرتها؛ ينتقلون فيها من جانب إلى جانب، ولا يخرجون منها، فصارت حالهم في ذلتهم، كحال من ضربت عليهم قبة لا يخرجون منها، ولذلك عبر بضربت عليهم، والمسكنة هي الخضوع والاستسلام للوهن والضعف، وهي لازمة للذلة، فحيث كانت الذلة كانت المسكنة، والخضوع للظالم، ولا يرضون إلا بالذل، ولا يقبلون غيره، فإن النفس إذا ألفت الذل، واستمرأته، ترضى بكل من يذلها وتسكن خاضعة له.
فالمسكنة مصدر ميمي على وزن مفعلة معناه الخضوع المطلق والرضا بالظلم، أو الظهور بمظهر قبوله، وهو السكون ممن لا يجابهون أهل الباطل بقولهم الحق يصك آذانهم صكا.
هذه الأخلاق هي نتيجة لسيطرة الأهواء والشهوات، وهي الداء الذي يصحب من يعيشون في خصيب الأرض ولين العيش، ويفكهون في ملاذ الدنيا، ويستمرئون البقاء فيها.
ولقد قرر الله تعالى عقوبة لذوي الضمائر الفاسدة، وهي أنهم يرجعون بغضب الله تعالى، فهم مطرودون من رحمة الله تعالى، فمعنى {وباءوا بغضب من الله} أي أنهم رجعوا مصاحبين غضب الله تعالى ملازما لهم لا ينفكون عن الغضب، بل إنه يلازمهم في كل أدوار حياتهم.
ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك الغضب الذي لازمهم بعد أن طردهم من رحمته، وأنهم لا يستحقونها، ذكر سبحانه وتعالى السبب في ذلك فقال تعالت كلماته: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق}.
الإشارة إلى ما أنزله الله تعالى عليهم من الذلة والمسكنة وأنهم أبعدوا عن رحمة الله مصحوبين بغضبه وقد لبسهم غضب الله تعالى، ومعه الخزي والعار.
قال سبحانه في سبب ذلك: {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} آيات الله تعالى المعجزات الدالة على رسالة موسى، وهي في ذاتها نفع لهم، أنجاهم من فرعون الذي كان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إذ ضرب البحر بعصاه عليه السلام ففرقت البحر ونجا بنو إسرائيل وأغرق الله تعالى فرعون، وأنه أنزل عليهم المن والسلوى إلى آخر آيات الله التي كانت نعما عليهم ومعجزات دالة على نبوة موسى عليه السلام، والتعبير منه سبحانه وتعالى بقوله: {بأنهم كانوا يكفرون} بيان لاستمرار كفرهم، وتكرره بتكرار آياته، فإن "كانوا" دالة على الاستمرار، والتعبير بالمضارع للدلالة على تكرار الكفر بتكرار الآيات، فما جاءتهم آية إلا كفروا بها، وهي باهرة تتضمن نعمة أنعم بها سبحانه وتعالى بها عليهم، فاجتمع فيهم كفر الإيمان بالكفر بدلائله، وكفر النعمة بعدم شكرها، وشكر المنعم واجب بحكم العقل والشرع، وما جرى عليه الناس، ويجرون عليه إلى يوم القيامة.
وقد ذكر سبحانه وتعالى جريمة ثانية إيجابية فالجرائم السابقة كلها سلبية، الكفر سلب، وعدم شكر الله تعالى حيث يجب الشكر جريمة سلبية أيضا، أما الجريمة الايجابية فهي قتلهم الأنبياء بغير حق، فهم لا يكتفون بعصيان الله تعالى وكفرهم بآياته، بل يزيدون على ذلك لإمعانهم في الضلال بقتلهم النبيين الصديقين الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى لهدايتهم ودعوتهم إلى الحق كما قتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام.
ويظهر أنهم لم يقتلوا واحدا، بل كانوا يقتلون النبيين كلما خالفوهم لا يرعون مقامهم من الله تعالى، ولذلك كان التعبير بالمضارع الدال على التكرار، وكأن قتل النبيين كان عادة لهم وشأنا من شئونهم لتغلغل الكفر والعصيان في نفوسهم، واستمرائهم الباطل والعصيان؛ ولذلك علل تعالى تكرار كفرهم للآيات، وقتلهم للأنبياء بقوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61)}.
وقوله تعالى في وصف قتلهم للأنبياء بأنه بغير الحق، وصف لإفادة عتوهم وكفرهم لا لبيان أن القتل للنبيين قد يكون بحق، بل لبيان أن فعلهم إثم وليس له مبرر، وأن كونه بغير الحق للتشنيع على فعلهم، وقبح تصرفاتهم، وقد علل تعالى كما تلونا بأن ذلك كان بعصيانهم واعتدائهم.
{ذلك بما عصوا} أي ذلك الجرم الذي ارتكبوه سببه أنهم عصوا؛ أي أن نفوسهم تمردت واستمرأت العصيان، وأنها أظلمت بتراكم المعاصي حتى استمرأتها، وهل يصدر من النفوس المظلمة إلا ما يكون فسادا وشرا؟! ويصلون إلى أقبح أنواع الشرور، وهو قتل الهداة أحباب الله تعالى وهم الأنبياء.
وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن ذلك لمجرد الاعتداء، فهم في طبيعتهم العدوان؛ لأن المعصية إذا استمرت ولجوا في العصيان، وسيطرت الأثرة عليها يكون من آثارها لا محالة الاعتداء، الاعتداء في طلب الأشياء، والاعتداء بسيطرة الأهواء والشهوات، والاعتداء بقتل الأنبياء، فالاعتداء والعصيان من شئونهم، وهكذا هم بلاء هذا الوجود.