روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ} (83)

{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بني إسرائيل } شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي باستبعاد إيمان أخلافهم ، وقيل : إنه نوع آخر من النعم التي خصهم الله تعالى بها ، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة والموصل إلى النعمة نعمة ، وهذا الميثاق ما أخذ عليهم على لسان موسى وغيره من أنبيائهم عليهم السلام ، أو ميثاق أخذ عليهم في التوراة ، وقول مكي : إنه ميثاق أخذه الله تعالى عليهم وهم في أصلاب آبائهم كالذر لا يظهرهم وجهه هنا .

{ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله } على إرادة القول أي قلنا أو قائلين ليرتبط بما قبله وهو إخبار في معنى النهي كقوله تعالى : { لا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } [ البقرة : 282 ] وكما تقول : تذهب إلى فلان وتقول له كيت وكيت ، وإلى ذلك ذهب الفراء ، ويرجحه أنه أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي كأنه سارع إلى ذلك فوقع منه حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي أي ينبغي أن يكون كذلك فلا يرد أن حال المخبر عنه على خلافه وأنه قرأ ابن مسعود { لاَّ تَعْبُدُواْ } على النهي وأن { قُولُواْ } عطف عليه فيحصل التناسب المعنوي بينهما في كونهما إنشاء ، وإن كان يجوز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب ، وقيل : تقديره أن لا تعبدوا ، فلما حذف الناصب ارتفع الفعل ، ولا يجب الرفع بعد الحذف في مثل ذلك خلافاً لبعضهم وإلى هذا ذهب الأخفش ونظيره من نثر العربره يحفرها ومن نظمها :

ألا أيها الزاجري احضر الوغى *** وإن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

ويؤيد هذا قراءة { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } ويضعفه أن ( أن ) لا تحذف قياساً في مواضع ليس هذا منها ؛ فلا ينبغي تخريج الآية عليه ، وعلى تخريجها عليه فهو مصدر مؤول بدل من الميثاق أو مفعول به بحذف حرف الجر أي بأن لا أو على أن لا ، وقيل : إنه جواب قسم دل عليه الكلام ، أي حلفناهم لا تعبدون ، أو جواب الميثاق نفسه لأن له حكم القسم ، وعليه يخلو الكلام عما مر في وجه رجحان الأول ، وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو عمرو ، وعاصم ، ويعقوب ، بالتاء حكاية لما خوطبوا به والباقون بالياء لأنهم غيب ، وفي الآية حينئذٍ التفاتان في لفظ الجلالة و( يعبدون ) .

{ وبالوالدين إِحْسَانًا } متعلق بمضمر تقديره وتحسنون ، أو أحسنوا ، والجملة معطوفة على ( تعبدون ) وجوّز تعلقه ب ( إحساناً ) وهو يتعدى بالباء ، وإلى ك { أَحْسَنَ بي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السجن } [ يوسف : 100 ] { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } [ القصص : 77 ] ومنع تقدم معمول المصدر عليه مطلقاً ممنوع ، ومن المعربين من قدر استوصوا فبالوالدين متعلق به و( إحساناً ) مفعوله ، ومنهم من قدر ووصيناهم فإحساناً مفعول لأجله ، والوالدان تثنية والد لأنه يطلق على الأب والأم أو تغليب بناءً على أنه لا يقال إلا للأب كما ذهب إليه الحلبي ، وقد دلت الآية على الحث ببر الوالدين وإكرامهما ، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة ، وناهيك احتفالاً بهما أن الله عز اسمه قرن ذلك بعبادته .

{ وَذِي القربى واليتامى والمساكين } عطف على ( الوالدين ) والقربى مصدر كالرجعى والألف فيه للتأنيث وهي قرابة الرحم والصلب . واليتامى وزنه فعالى وألفه للتأنيث ، وهو جمع يتيم كنديم وندامى ، ولا ينقاس ، ويجمع على أيتام . واليتم أصل معناه الانفراد ، ومنه : الدرة اليتيمة ، وقال ثعلب : الغفلة ، وسمي اليتيم يتيماً لأنه يتغافل عن بره ، وقال أبو عمرو : الإبطاء لإبطاء البر عنه ، وهو في الآدميين من قبل الآباء ولا يتم بعد بلوغ وفي البهائم من قبل الأمهات ، وفي الطيور من جهتهما . وحكى الماوردي أنه يقال في الآدميين لمن فقدت أمه أيضاً والأول هو المعروف والمساكين جمع مسكين على وزن مفعيل مشتق من السكون ، كأن الحاجة أسكنته فالميم زائدة كمحضر من الحضور ، وروي تمسكن فلان والأصح تسكن أي صار مسكيناً والفرق بينه وبين الفقير معروف وسيأتي إن شاء الله تعالى وقد جاء هذا الترتيب اعتناءً بالأوكد فالأوكد ، فبدأ بالوالدين إذ لا يخفى تقدمهما على كل أحد في الإحسان إليهما ، ثم بذي القربى لأن صلة الأرحام مؤكدة ، ولمشاركة الوالدين في القرابة وكونهما منشأ لها وقد ورد في الأثر " إن الله تعالى خاطب الرحم فقال : أنت الرحم وأنا الرحمن أصل من وصلك وأقطع من قطعك " ، ثم باليتامى لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب ، وقد جاء : " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين " وأشار صلى الله عليه وسلم إلى السبابة والوسطى وتأخرت درجة المساكين لأن المسكين يمكنه أن يتعهد نفسه بالاستخدام ويصلح معيشته مهما أمكن بخلاف اليتيم فإنه لصغره لا ينتفع به ويحتاج إلى من ينفعه وأفرد ( ذي القربى ) كما في «البحر » لأنه أريد به الجنس ، ولأن إضافته إلى المصدر يندرج فيه كل ذي قرابة ، وكأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربى وإن كثروا كشيء واحد لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم .

{ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي قولاً حسناً سماه به للمبالغة وقيل : هو لغة في الحسن كالبخل والبخل والرشد والرشد ، والعرب والعرب ، والمراد قولوا لهم القول الطيب وجاوبوهم بأحسن ما يحبون قاله أبو العالية وقال سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم/ عن المنكر ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : قولوا لهم لا إله إلا الله مروهم بها ، وقال ابن جريج : أعلموهم بما في كتابكم من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أبي العالية في المرتبة العالية والظاهر أن هذا الأمر من جملة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل : ومن قال : إن المخاطب به الأمة وهو محكم أو منسوخ بآية السيف أو إن الناس مخصوص بصالحي المؤمنين إذ لا يكون القول الحسن مع الكفار والفساق لأنا أمرنا بلعنهم وذمهم ومحاربتهم فقد أبعد .

وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب { حَسَنًا } بفتحتين وعطاء وعيسى بضمتين وهي لغة الحجاز ، وأبو طلحة بن مصرف { حسنى } على وزن فعلى ، واختلف في وجهه فقيل : هو مصدر كرجعى ، واعترضه أبو حيان بأنه غير مقيس ولم يسمع فيه ، وقيل : هو صفة كحبلى أي مقالة أو كلمة حسنى وفي الوصف بها وجهان أحدهما : أن تكون باقية على أنها للتفضيل واستعمالها بغير الألف واللام والإضافة للمعرفة نادر وقد جاء ذلك في الشعر كقوله :

وإن دعوت إلى جلى ومكرمة *** يوماً كرام سراة الناس فادعينا

وثانيهما : أن تجرد عن التفضيل فتكون بمعنى حسنة كما قالوا ذلك في : ( يوسف أحسن إخوته ) وقرأ الجحدري : { وبالوالدين إحسانا } على أنه مصدر أحسن الذي همزته للصيرورة كما تقول : أعشبت الأرض إعشاباً أي صارت ذا عشب فهو حينئذٍ نعت لمصدر محذوف أي قولاً ذا حسن .

{ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَءاتُواْ الزكاة } أراد سبحانه بهما ما فرض عليهم في ملتهم لأنه حكاية لما وقع في زمان موسى عليه السلام وكانت زكاة أموالهم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قرباناً تهبط إليها نار فتحملها وكان ذلك علامة القبول وما لا تفعل النار به كذلك كان غير متقبل ، والقول بأن المراد بهما هذه الصلاة وهذه الزكاة المفروضتان علينا ، والخطاب لمن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم من أبناء اليهود لا غير ، والأمر بهما كناية عن الأمر بالإسلام ، أو للإيذان بأن الكفار مخاطبون بالفروع أيضاً ليس بشيء كما لا يخفى .

{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه . و{ ثُمَّ } للاستبعاد أو لحقيقة التراخي فيكون توبيخاً لهم بالارتداد بعد الانقياد مدة مديدة وهو أشنع من العصيان من الأول ، وقد ذكر بعض المحققين أنه إذا جعل ناصب الظرف خطاباً له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فهذا التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعاً بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكرهم كلهم حينئذٍ على نهج الغيبة ، فإن الخطابات السابقة للأسلاف محكية بالقول المقدر قبل لا تعبدون كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت عليهم وإن جعل خطاباً لليهود المعاصرين فهذا تعميم للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولي بتنزيل الأخلاف منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ ، وقيل : الالتفات إنما يجيء على قراءة { لا يَعْبُدُونَ } بالغيبة ، وأما على قراءة الخطاب فلا التفات ومن الناس من جعل هذا الخطاب خاصاً بالحاضرين في زمنه عليه الصلاة والسلام وما تقدم خاصاً بمن تقدم ، وجعل الالتفات على القراءتين لكنه بالمعنى الغير المصطلح عليه أن( {[174]} ) كون الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يقل به أهل المعاني لكنه وقع مثله في كلام بعض الأدباء وما ذكرناه من التغليب أولى وأحرى خلافاً لمن التفت عنه .

{ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ، ومن الأخلاف من أسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه ، فالقلة في عدد الأشخاص ، وقول ابن عطية : إنه يحتمل أن تكون في الإيمان أي لم/ يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل إذ لا ينفعهم لا يقدم عليه إلا القليل ممن لم يعط فهماً في الألفاظ العربية ، وروي عن أبي عمرو وغيره رفع قليل والكثير المشهور في أمثال ذلك النصب لأن ما قبله موجب ، واختلفوا في تخريج الرفق فقيل : إن المرفوع تأكيد للضمير أو بدل منه ، وجاز لأن ( توليتم ) في معنى النفي أي لم يفوا ، وقد خرّج غير واحد قوله صلى الله عليه وسلم : فيما صح على الصحيح : «العالمون هلكى إلا العالمون ، والعالمون هلكى إلا العاملون ، والعاملون هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر » وقول الشاعر :

وبالصريمة منهم منزل خلق *** عاف تغير إلا النوء والوتد

على ذلك ، وقول أبي حيان إنه ليس بشيء إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بنفي فيلزم جواز قام القوم إلا زيد بالرفع على التأويل والإبدال ولم يجوزه النحويون ليس بشيء كما لا يخفى ، وقيل : إن ( إلا ) صفة بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها ، وقد عقد سيبويه لذلك باباً في «كتابه » فقال : هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعدها وصفاً بمنزلة غير ومثل ، وذكر من أمثلة هذا الباب لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا و{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلهة إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] وقوله :

أينخت فألقت بلدة فوق بلدة *** قليل بها الأصوات إلا بغامها

وخرج جمع جميع ما سلف على هذا ، وفيه أن ذلك فيما نحن فيه لا يستقيم إلا على مذهب ابن عصفور حيث ذهب إلى أن الوصف ب ( إلا ) يخالف الوصف بغيرها من حيث إنه يوصف بها النكرة والمعرفة ، والظاهر والمضمر وأما على مذهب غيره وهو ابن شاهين بالنسبة إليه من أنه لا يوصف بها إلا إذا كان الموصوف نكرة أو معرفة بلام الجنس فلا ، والمبرد يشترط في الوصف بها صلاحية البدل في موضعه ، وقيل : إنه مبتدأ خبره محذوف أي لم يقولوا ولا يرد عليه شيء مما تقدم إلا أن فيه كلاماً سنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : { إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } [ الأعراف : 11 ] .

{ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } جملة معترضة أي وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولي عن المواثيق ، ويؤخذ كونه عادتهم من الاسمية الدالة على الثبوت ، وقيل : حال مؤكدة والتولي والإعراض شيء واحد ويجوز فصل الحال المؤكدة بالواو عند المحققين وفرق بعضهم بين التولي والإعراض بأن الأول قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب . وقيل : إن التولي أن يرجع عوده إلى بدئه ، والإعراض أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق والمتولي أقرب أمراً من المعرض ؛ لأنه متى عزم سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج وأخذ في عرض الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه .

ومن الناس من جوز أن يكون ( معرضون ) على ظاهره ، والجملة حال مقيدة أي لم يتول القليل وأنتم معرضون عنهم ساخطون لهم فيكون في ذلك مزيد توبيخ لهم ومدحاً للقليل فهو بعيد كالقول بأنها مقيدة ومتعلق التولي والإعراض مختلف أي توليتم على المضي في الميثاق وأعرضتم عن اتباع هذا النبي صلى الله عليه وسلم .


[174]:_ والظاهر أنه تعليل لغير المصطلح عليه، وعليه المناسب الإتيان باللام أي لأن. إدارة.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ} (83)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإذ} يعني: ولقد {أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا}، يعني: برا بهما {وذي القربى واليتامى}، يعني: ذوي القرابة صلته، {والمساكين} واليتيم أن تصدق عليه وابن السبيل، يعني: الضيف أن تحسن إليه، {وقولوا للناس حسنا}، يعني: حقا، نظيرها في طه، قوله عز وجل: {ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا} (طه: 86) يعني حقا. {وقولوا للناس حسنا}، يعني {للناس} أجمعين صدقا في محمد وعن الإيمان. {وأقيموا الصلاة}، يعني: أتموا الصلاة لمواقيتها. {وآتوا} وأعطوا {الزكاة}.

{ثم توليتم} يعني: أعرضتم عن الإيمان، فلم تقروا ببعث محمد صلى الله عليه وسلم.

{إلا قليلا منكم وأنتم معرضون}، يعني: ابن سلام، وسلام بن قيس، وثعلبة بن سلام، وقيس ابن أخت عبد الله بن سلام، وأسيد وأسد ابني كعب، ويامين، وابن يامين، وهم مؤمنو أهل التوراة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن الميثاق مفعال، من التوثق باليمين ونحوها من الأمور التي تؤكد القول. فمعنى الكلام إذا: واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل إذْ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله... أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره...

{وَبالْوَالِدَيْنِ إحْسانا}: عطف على موضع «أن» المحذوفة في لا تعبدون إلا الله...فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا. فاكتفى بقوله: وَبالْوَالِدَيْنِ من أن يقال: وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، إذْ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام...

فإن قال قائل: وما ذلك الإحسان الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق؟ قيل: نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما والتحنن عليهما، والرأفة بهما والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما.

{وَذي القُرْبَى وَاليتَامَى وَالمسَاكين}: أن يصلوا قرابته منهم ورحمه. والقربى مصدر على تقدير «فُعْلَى» من قولك: قربت مني رحم فلان قرابة وقربى وقربا بمعنى واحد. وأما اليتامى فهم جمع يتيم، مثل أسير وأَسارى ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث. ومعنى ذلك: {وإذْ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} وحده دون من سواه من الأنداد {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى}، أن تصلوا رَحِمَه، وتعرفوا حقه، {وباليتامى}: أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، {وبالمساكين}: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم. {والمسكين}: هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، وهو «مِفْعيل» من المسكنة، والمسكنة هي ذلّ الحاجة والفاقة.

{وَقُولُوا للنّاس حُسُنا}: إن قال قائل: كيف قيل: {وقُولُوا للنّاس حُسْنا} فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمرٌ، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي، فلو كان مكان: «لا تعبدون إلا الله» «لا تعبدوا إلا الله» على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره كان حسنا صوابا وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبيّ بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز لو كان مقروءا به لأن أخذ الميثاق قول، فكان معنى الكلام لو كان مقروءا كذلك: وإذْ قلنا لبني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: {وَإذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ ورَفَعْنا فَوْقَكُمْ الطّورَ خُذُوا ما آتيْناكُمْ بِقُوّة}. فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع: {لا تعبدون إلا الله}، عطف بقوله: {وَقُولُوا للنّاس حُسْنا} على موضع لا تعبدون، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه، لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع لا تعبدون فكأنه قيل: وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكايات لما أخبرت عنه، ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب، وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب لما في الحكاية من المعنيين...

وأمّا «الحسن» فإن القراءة اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراءة الكوفة غير عاصم: «وَقُولُوا للنّاس حَسَنا» بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قرّاء المدينة: حُسْنا بضم الحاء وتسكين السين. وقد رُوي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: «وَقُولُوا للنّاس حُسْنَى» على مثال «فُعْلَى».

واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله: حُسْنا، وحَسَنا. فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بالحَسَنِ الحُسْنِ، وكلاهما لغة، كما يقال: البُخْل والبَخَل. وإما أن يكون جعل الحُسْنَ هو الحَسَن في التشبيه، وذلك أن الحُسْنَ مصدر، والحَسَنُ هو الشيء الحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك: «إنما أنت أَكْلٌ وشُرْب»، وقال آخر: بل «الحُسْن» هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن، «والحَسَن» هو البعض من معاني الحُسْن، قال: ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين:"وَوَصّيْنا الإنْسانَ بوَالِدَيْهِ حُسْنا" يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه فقال: "وَقُولُوا للنّاسِ حسَنا "يعني بذلك بعض معاني الحُسْن. والذي قاله هذا القائل في معنى «الحُسْن» بضم الحاء وسكون السين غير بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما «الحَسَن» فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله: «وَقُولُوا للنّاسِ حَسَنا» لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم: وقولوا للناس باستعمال الحَسَن من القول دون سائر معاني الحسن، الذي يكون بغير القول، وذلك نعت لخاص من معاني الحُسْن وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين.

وأما الذي قرأ ذلك: «وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنَى» فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام، وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك خروجها من قراءة أهل الإسلام لو لم يكن على خطئها شاهد غيره، فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بفُعْلى وأَفْعل إلا بالألف واللام أو بالإضافة، لا يقال: جاءني أحسن حتى يقولوا الأحسن، ولا يقال أجمل حتى يقولوا الأجمل وذلك أن الأفعل والفُعْلَى لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف، كما تقول: بل أخوك الأحسن، وبل أختك الحسنى، وغير جائز أن يقال: امرأة حُسْنى، ورجل أحسن.

وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل في هذه الآية أن يقولوه للناس، فهو: أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها ورغب عنها حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه... [وهو] لين القول من الأدب الحسن الجميل، والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه...

{وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنا}: قولوا للناس معروفا...

{وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنا}: صدقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم.

{وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنا}: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر.

{وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنا}: من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول حدثنا أبو كريب، {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنا}: للناس كلهم.

{وأقِيمُوا الصّلاةَ}: أدّوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها...وإقامة الصلاة: تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.

{وَآتُوا الزّكاة}. قد بينا فيما مضى قبلُ معنى الزكاة وما أصلها. وأما الزكاة التي كان الله أمر بها بني إسرائيل الذين ذكر أمرهم في هذه الآية، فهي ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنّة كانت لهم غير سنة محمد صلى الله عليه وسلم كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تَقَبّله، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل. وكان الذي قُرّب من مكسب لا يحلّ من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبينه له... {وَآتُوا الزّكاةَ} يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص.

{ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ}: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الاَباء والأمهات، ويَصِلُوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم. فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم فوفى لله بعهده وميثاقه. فقال: {ثُمّ تَوَلّيْتُمْ} يقول: أعرضتم عن طاعتي. "إلاّ قَلِيلاً "منكمْ قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحلّ عقابي بمن تولّى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها.

وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: {وأنتُمْ مُعْرِضُونَ} اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنى بسائر الآية أسلافهم كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: {ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ} ثم تولى سلفكم إلا قليلاً منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم على ما ذكرناه فيما مضى قبل. ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم مُعْرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك وتاركوه ترك أوائلكم.

وقال آخرون: بل قوله: {ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إلاّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وأنْتُمْ مُعْرضُونَ} خطاب لمن كان بين ظهراني مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل، وذمّ لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة وتبديلهم أمر الله وركوبهم معاصيه.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{واليتامى والمساكين} يحتمل على النفل من الصدقة والفرض جميعا.

{وقولوا للناس حسنا} يحتمل وجوها:

يحتمل: لا تكتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه، ولكن أظهروهما.

ويحتمل: الدعاء إلى شهادة: أن لا إله إلا الله،

ويحتمل: المراد به الكل، كل شيء وكل قول، أي لا تقولوا إلا حسنا، والله أعلم.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{إلا قليلا منكم} يعني: من كان ثابتا على دينه ثم آمن بمحمد (صلى الله عليه وسلم) {وأنتم معرضون} عما عهد إليكم كأوائلكم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{لاَ تَعْبُدُونَ} إخبار في معنى النهي وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن المواثيق، والتولية.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم...

[و] هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين، لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه، وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله: {لا تعبدون إلا الله} يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها... [و] إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه.

أحدها: أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى.

وثانيها: أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة، والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر.

وثالثها: أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضا البتة، بل المقصود إنما هو محض الإنعام، والوالدان كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضا ماليا ولا ثوابا، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى.

الرابع: أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما، وإن كان الولد مسيئا إلى الوالدين.

الخامس: كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}

السادس: أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى... [و] اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، ويدل عليه وجوه.

أحدها: أن قوله في هذه الآية: {وبالوالدين إحسانا} غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}.

وثانيها: قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} الآية، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إيذائهما، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم.

وثالثها: أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله: {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا}.

المسألة الرابعة: اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما البتة، ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.

{وذي القربى}... فيه مسائل:

... اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين...

والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق؛ أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.

{واليتامى}... اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب، وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقا على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين.

{والمساكين}... إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينافع به في الاستخدام، فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين.

[و] الإحسان إلى ذي القربى واليتامى، لا بد وأن يكون مغايرا للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

{وقولوا للناس حسنا}... قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية؛ فإن كان في الأمور الدينية؛ فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان، وهو مع الكفار، أو في الدعوة إلى الطاعة، وهو مع الفاسق. أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن كما قال تعالى لموسى وهارون: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} الآية،

وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر، قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} وقال: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}. وأما في الأمور الدنيوية، فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا}...

[و] ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجبا عليهم في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجبا عليهم، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه، وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضا، كذلك من بعض الوجوه، وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق، وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصفة فإنه يلزمنا التصدق عليه، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى إنه إن لم تندفع حاجتهم بالزكاة كان التصدق واجبا، ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به.

التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي 741 هـ :

وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

الولدان: الأب والأمّ، وكل منهما يطلق عليه والد، وظاهر الإطلاق الحقيقة.

[و] الإحسان: النفع بكل حسن.

... هذه الآية مناسبة للآيات الواردة قبلها في ذكر توبيخ بني إسرائيل وتقريعهم، وتبيين ما أخذ عليهم من ميثاق العبادة لله، وإفراده تعالى بالعبادة، وما أمرهم به من مكارم الأخلاق، من صلة الأرحام والإحسان إلى المساكين، والمواظبة على ركني الإسلام البدني والمالي ثم ذكر توليهم عن ذلك، ونقضهم لذلك الميثاق، على عادتهم السابقة وطريقتهم المألوفة لهم.

{وقولوا للناس حسناً}: لما ذكر بعد عبادة الله الإحسان لمن ذكر، وكان أكثر المطلوب فيه الفعل من الصلة والإطعام والافتقاد، أعقب بالقول الحسن، ليجمع المأخوذ عليه الميثاق امتثال أمر الله تعالى في الأفعال والأقوال، فقال تعالى: {وقولوا للناس حسناً}. ولما كان القول سهل المرام، إذ هو بدل لفظ، لا مال، كان متعلقه بالناس عموماً إذ لا ضرر على الإنسان في الإحسان إلى الناس بالقول الطيب.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يُذكّر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الآية إلى أن قال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء: 23 -26]

وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال:"الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال:"أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال:"أباك. ثم أدناك أدناك". وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا} [النساء: 36] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.

تفسير ابن عرفة 803 هـ :

قال ابن عرفة: المراد هو الحسن شرعا، فيدخل فيه تغيير المنكر، فإنّه من القول الحسن، وليس المراد به القول الملائم للناس، ومجرد تحسين الخلق معهم، فإنه يخرج عنه تغيير المنكر مع أن الأمر يتناوله هو وغيره، ويحتمل أن التكليف به لهم في شريعتهم أو في شريعتنا بعد إيمانهم، أو بعد التوفية بذلك، وتقيده بالإعراض إشارة إلى دوامهم على ذلك، والإصرار عليه فإن المتولي على قسمين: فواحد يطمع في رجوعه، وآخر لا يطمع فيه بوجه فهذا هو المعرض.

روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي 1270 هـ :

{وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بني إسرائيل} شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي باستبعاد إيمان أخلافهم.

{ذي القربى} وكأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربى وإن كثروا كشيء واحد لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

{وذي القربى} أي القرابة. قال الأستاذ الحكيم (الإحسان هو الذي يقوي غرائز الفطرة، ويوثق الروابط الطبيعية، حتى تبلغ البيوت، في وحدة المصلحة، درجة الكمال. والأمة تتألف من البيوت، أي العائلات. فصلاحها صلاحها. ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة. وذلك أن عاطفة التراحم وداعية التعاون إنما تكونان على أشدّهما وأكملهما في الفطرة بين الوالدين والأولاد. ثم بين سائر الأقربين. فمن فسدت فطرته حتى لا خير فيه لأهله، فأي خير يرجى منه للبعداء والأبعدين؟ ومن لا خير فيه للناس لا يصلح أن يكون جزءا من بنية أمته. لأنه لم تنفع فيع اللحمة النسبية التي هي أقوى لحمة طبيعية تصل بين الناس. فأي لحمة بعدها تصله بغير الأهل فتجعله جزءا منهم، يسره ما يسرهم ويؤلمه ما يؤلمهم ويرى منفعتهم عين منفعته، ومضرتهم عين مضرته؟

قضى نظام الفطرة بأن تكون نعرة القرابة أقوى من كل نعرة، وصلتها أمتن من كل صلة. فجاء الدين يقدّم حقوق الأقربين على سائر الحقوق. وجعل حقوقهم على حسب قربهم من الشخص.

ثم ذكر تعالى حقوق أهل الحاجة من سائر الناس فقال سبحانه:

{واليتامى والمساكين}... قدم تعالى الوصية به على الوصية بالمسكين، ولم يقيدها بفقر أو مسكنة. فعُلِمَ أنها مقصودة لذاتها. وقد أكد تعالى في الوحي الوصية باليتيم. وفي القرآن والسنة كثير من هذه الوصايا. وحسبك أن القرآن نهى عن قهر اليتيم وشدد الوعيد على أكل ماله تشديدا خاصا. والسر في ذلك هو كون اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه عاطفة الرحمة الفطرية على العناية بتربيته والقيام بحفظ حقوقه والعناية بأموره الدينية والدنيوية. فإن الأم، إن وجدت، تكون في الأغلب عاجزة. لاسيما إذا تزوجت بعد أبيه. فأراد الله تعالى، وهو أرحم الراحمين، بما أكد من الوصية بالأيتام، أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم. يربونهم تربية دينية دنيوية، لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم؛ فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالا. فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد. والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة. فإهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة.

وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون المُلْحِفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم، أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا إلا أنهم قد اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملا ينفع الناس، ولكن المسكين من يعجز عن كسب ما يكفيه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

وفي هذه الآية وما بعدها التذكير بأمهات الأحكام في العبادات والمعاملات وما كان من إهمالها وترك العمل بها. هذا هو المراد أولا وبالذات على أن فيما يأتي إعادة الإشارة إلى بعض ما مضى قضى بها ما كان عليه اليهود من سوء الفهم وغلظ القلوب وكثرة المشاغبات والمماراة فالخطاب معهم دائما في باب الإطناب.

قال الأستاذ الإمام: لاحظ بعض البلغاء والمفسرين أن القرآن يطنب ويبدئ ويعيد في خطاب اليهود خاصة، وذلك لما كانت شحنت به أذهانهم مما يسمى علما أو فقها فأبعدهم عن أن يصل شعاع الحق إلى ما وراء ذلك من نفوسهم، ويكتفي بالإيجاز بل بالإشارة الدقيقة في خطاب العرب لما كانوا عليه من سرعة الفهم ورقة الإحساس لقربهم من السذاجة الفطرية، فالإشارة إلى البرهان في ضمن تمثيل، يغنى عندهم عن الإسهاب والتطويل، ولذلك خاطبهم بمثل قوله في الأصنام (وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب).

{وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أي واذكر أيها الرسول إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق عليهم في سياق خطابهم ولم يبينه لعلمهم به

{لا تعبدون إلا الله} الخ بيان له أي... وهو خبر بمعنى النهي للمبالغة والتأكيد، يلاحظ فيه أن الأمر والنهي قد امتثل فيخبر بوقوعه، أو إنه لتوثيقه والتشديد في تأكيده سيتمثل حتما فيخبر بأنه كائن لا محالة.

(أقول) وهذا النهي عن عبادة غير الله مستلزم للأمر بعبادته تعالى ولم يصرح به لأنهم كانوا يعبدون الله وإنما يخشى عليهم الشرك به كما وقع منهم في بعض الأجيال ومن غيرهم من الشعوب، فالأصل الأول لدين الله على ألسنة جميع رسله هو أن يعبد الله وحده ولا يشرك به عبادة أحد سواه من ملك ولا بشر ولا ما دونهما بدعاء ولا بغيره من أنواع العبادة كما قال {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} فالتوحيد لا يحصل إلا بالجمع بين الأمرين.

ولما كان حب الوالدين للأولاد بمكانة من القوة لا يخشى زوالها ترك النص على الإحسان بهم وثنى بالإحسان بمن دونهم في النسب فقال {وذي القربى}...

وأما قوله عز وجل {وقولوا للناس حسنا} فهو كلام جديد له شأن مخصوص ولذلك تغير فيه الأسلوب فلم يرد على النسق الذي قبله مع دخوله في الميثاق فإنه بين فيما سبق الحقوق العملية وعبر عنها بالإحسان ويستحيل أن يحسن الإنسان بالفعل إلى جميع الناس لأنه لا يمكن أن يعامل جميع الناس، فالذين لا بد له من معاملتهم هم أهل بيته وأقاربه الذين ينشأ فيهم ويتربى بينهم فجاء النص بوجوب الإحسان في معاملتهم لتصلح بذلك حال البيوت. ثم إن اليتامى والمساكين من قومه هم الذين لا يستغنون عن إحسانه وإحسان أمثاله بالفعل، لأنه لا قيم للأولين، ولا غناء عند الآخرين ففرض عليه أن يجعل لهم حظا منه. ثم بعد بيان ما به إصلاح البيوت من إعانة الأقربين وما به صلاح بعض العامة من معونة اليتامى والمساكين على إصلاح بيوتهم بقي بيان حقوق سائر الأمة وهي النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، فهذا هو معنى قوله تعالى {وقولوا للناس حسنا} وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب، فالحسن هو النافع في الدين أو الدنيا، وهو لا يخرج عما ذكرنا، فلما كان هذا النوع من الحقوق مستقلا بذاته جاء بأسلوب آخر ولا شك أن في القيام بهذه الفرائض إصلاح الأمة كلها. جاء الأمر بالعبادة مجملا ليعلم الإنسان أنه مكلف بكل فرد من أفرادها يحسب الطاقة،

ولكن من العبادة ما لا يهتدي إليه الإنسان إلا بهداية إلهية، وأكبر ذلك النوع إقامة الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، وإيتاء الزكاة لإصلاح شئون الاجتماع. لذلك قال تعالى بعد ما تقدم {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وإنما إقامة الصلاة بالإخلاص لله والصدق في التوجه إليه والخشوع لعظمته وجلاله والاستكانة لعز سلطانه، ولا تكون بمجرد الإتيان بصورة الصلاة ورسومها الظاهرة، ولو كان هذا هو المراد لما وصفهم بالتولي والإعراض عنه، فإنهم ما أعرضوا عن صورة الصلاة إلى ذلك اليوم الذي ذكرهم فيه بهذه الآيات وإلى هذا اليوم أيضا.

وأما الزكاة فقد كان بعض أحبارهم يزعم أنها تلك المحرقات والقرابين المفروضة لتكفير الخطايا أو شكر الله تعالى على إخراجهم من مصر وغير ذلك من النعم. وليس الأمر كذلك، فإن لهم زكوات مالية، منها مال مخصوص يؤدى لآل هارون وهو إلى الآن في اللاوين. ومنها مال للمساكين. ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض. ومنها سبت الأرض، وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة.وقد كان سبب ذلك التولي مع الإعراض أن الله أمرهم أن لا يأخذوا الدين إلا من كتابه. فاتخذوا أحبارهم أربابا من دون الله، يحلون برأيهم ويحرمون. ويبيحون باجتهادهم ويحظرون، ويزيدون في الأحكام والشرائع، ويضعون ما شاءوا من الاحتفالات والشعائر، فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. فإن الله هو الذي يضع الدين وحده. وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه وما شرع على ألسنة رسله.

وقد اتبع سنن اليهود في هذا التشريع جميع من بعدهم من أهل الملل وحكم الجميع عند الله تعالى واحد لا يختلف فهو لا يحابي أحدا {ولا يظلم ربك أحدا} وكذلك كانوا قد قطعوا صلات القرابة، وبخلوا بالنفقة الواجبة، وتركوا النهي عن المنكر. وفقدوا روح الصلاة، ومنعوا الزكاة، ولكنهم الآن عادوا إلى بعض ما تركوا. ولم يعد الذين تشبهوا بهم، أو اتبعوا بغير شعور سنتهم، والأمر لله العلي الكبير.

{إلا قليلا منكم}... استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى عليه السلام أو في كل زمن، فإنه لا تخلو أمة من الأمم من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم. والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهي إذا فشا فيها المنكر وقل المعروف. لو تدبر جهالنا هذه الآية لعلموا أنهم مغرورون بالاعتماد على الأقطاب والأوتاد والأبدال في تحمل البلاء عنهم، ومنع العذاب أن ينزل بالأمة ببركتهم، فلو فرض أن هؤلاء الأقطاب موجودون حقيقة فإن وجودهم لا يغني عن الأمة شيئا، وقد عصى الله جماهيرها ونقضوا ميثاقه الذي واثقهم به. فقد جرت سنته تعالى في خلقه بأن بقاء الأمم عزيزة إنما يكون بمحافظة الجماهير فيها على الأخلاق والأعمال التي تكون بها العزة ويحفظ به المجد والشرف. ومن لم يعتبر بآيات الله في كتابه، لا يعتبر بآياته وسننه في خلقه، فقد فتن المسلمون في دينهم ودنياهم وحل بجميع بلادهم ما حل من البلاء وهم لا يعتبرون {47: 24 أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟} {9: 13 أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون}.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

هذه الشرائع من أصول الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على المصالح العامة، في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين، ولهذا أمرنا بها في قوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} إلى آخر الآية.

فقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به، استعصوا، فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة، والعهود الموثقة

{لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} هذا أمر بعبادة الله وحده، ونهى عن الشرك به، وهذا أصل الدين، فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده،

{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان، والأمر بالشيء نهي عن ضده. وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد، بل تكون بالحد، كما تقدم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... تتقرر حقيقتان: الأولى هي وحدة دين الله؛ وتصديق هذا الدين الأخير لما قبله في أصوله.

والثانية هي مقدار التعنت في موقف اليهود من هذا الدين، وهو يدعوهم لمثل ما عاهدوا الله عليه، وأعطوا عليه الميثاق.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وقوله: {ثم توليتم إلا قليلاً منكم} خطاب للحاضرين وليس بالتفات كما علمت آنفاً. والمعنى أخذنا ميثاق الأمة الإسرائيلية على التوحيد وأصول الإحسان فكنتم ممن تولى عن ذلك وعصيتم شرعاً اتبعتموه.

والتولي الإعراض وإبطال ما التزموه، وحذف متعلقه لدلالة ما تقدم عليه، أي توليتم عن جميع ما أخذ عليكم الميثاق به، أي أشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم الصلاة ومنعتم الزكاة.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

يذكر الله تعالى نبيه والمؤمنين بالميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم، وهو ميثاق يصلح نفوسهم، ويهذب جماعتهم ويجعلهم يتآلفون فيما بينهم، ويألفهم الناس، ويأتلفون، ولكن رضوا النفور بدل الائتلاف، والمنازعة بدل الالتقاء في ظل الرحمة والمودة الجامعة، وإن ذلك الميثاق الذي يذكره الله تعالى لهم هو ميثاق كل الأنبياء. والإحسان زيادة في المعاملة عن المعاملة بالمثل أو بالعدل، وإنه زيادة عن العدل، بل فيه المحبة والرحمة؛ ولذا يقول الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان... (90)} [النحل]

والإحسان أصله مصدر أحسن، وهو الإتقان والإجادة، وبلوغ أقصى الغاية في الإجادة، فالإحسان في العبادة أن تبلغ أقصى درجات التجرد لله تعالى بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك،

والإحسان إلى الأبوين أن تبلغ أقصى درجات الوفاء لهم في البر والمكافأة، وأن تزيد في المعاملة الحسنة، عما كان يكون منهما، احتياطا للرعاية والشفقة،

والإحسان إلى الناس أن تعاملهم بالمودة الظاهرة، وإفشاء السلام بينهم فخير الإسلام أن تقرأ السلام على من تعرف ومن لم تعرف، وإحسان العمل إتقانه {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} [الكهف 30].

إن اليتامى والمساكين بهذا العموم هم الضعاف في الجماعة، ورعاية الضعفاء وقاية لبناء الأمة من الانهيار، وإلا كانوا أشتاتا غير متراحمين، يأكل بعضهم بعضا.

[و] قدم الإحسان على اليتامى وإن كانوا أغنياء على المساكين؛ لأن اليتيم ضعيف وإن كان كثير المال وهو ذو حاجة وإن كان غنيا، والإحسان إليه أن يقوم القائم عليه بتربيته، وألا يقهره ولا يذله وأن يضمه إلى عياله. فإنه إن لم يحط بالعطف والرعاية والمحبة تربى على النفرة من [الجماعة] فيكون الشذاذ والكارهون للمجتمعات؛ ولذلك كانت النصوص الكثيرة الداعية إلى إكرام اليتيم، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم، وشر بيوت المسلمين بيت يقهر فيه يتيم). فاليتامى إكرامهم فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخلق القويم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

في هذا الفصل من حديث بني إسرائيل، عودة معهم إلى الأصول التي ارتكز عليها التشريع الإلهي في التوراة، مما كان يدخل في حساب تنظيم الحياة الاجتماعية المرتكز على أساس التوحيد الذي تلتقي عليه كلّ التشريعات...

ثُمَّ يبدأ بالمقارنة بين الصورة كما أرادها اللّه، وبين الواقع المتمثّل في ممارساتهم العملية وفي علاقاتهم الاجتماعية، فنكتشف من خلال ذلك الفرق الشاسع بين مستلزمات الإيمان وبين واقع الممارسة. فقد أراد اللّه من بني إسرائيل أن يوحّدوه فلا يعبدوا غيره، وأن تكون علاقاتهم بوالديهم وبأقربائهم وبأيتامهم ومساكينهم مبنيّة على الإحسان الطيب، باعتبارهم من الفئات التي تحتاج إلى ذلك، إمّا من موقع الحاجة الذاتية، وإمّا من موقع ارتباطها بالجانب الإنساني للعلاقات...

ثُمَّ طلب منهم أن يقولوا للنّاس حسناً في مجال المعاشرة والمحاورة، لأنَّ للكلمة الطيبة أثرها الكبير في انفتاح القلوب على الخير والمحبة والإخلاص، وفي انطلاق العقول مع الفكرة بعيداً عن التعصب والتعقيد والعناد والمكابرة، ما يجعل من الكلمة رسولاً حبيباً إلى القلب والعقل، فترتكز الحياة الاجتماعية من أجل ذلك على قاعدةٍ متينة من التفاهم والتحابب والتعاون.

وجاء بعد ذلك دور إقامة الصلاة، باعتبارها معراجاً لروح المؤمن إلى اللّه، حيث ينفتح الإنسان من خلالها يومياً على المعاني الروحية الواسعة الممتدة، التي لا تضيق بالأعباء الكبيرة التي تفرضها الطاعة أو يوحي بها الجهاد، ولا ترتبط بالحياة إلاَّ باعتبارها مجالاً من مجالات العمل والمسؤولية، لأنَّ هذا اللقاء باللّه يملأ النفس شعوراً عميقاً بجديّة الحياة وبارتباطها بالحكمة في كلّ ظواهرها وبواطنها من خلال حكمة الخالق، ما يجعل من السير في طريق الحقّ هدفاً كبيراً لحياة الإنسان.

أمّا إيتاء الزكاة، فإنه يحقّق للنفس إنسانية العطاء عندما لا تختنق في دائرة حاجاتها الذاتية ومطامعها الشخصية في ما أنعم اللّه عليها من نعم المال، بل تعيش الشعور بآلام الآخرين وحاجاتهم ومطامحهم، فتعمل على تلبية حاجات الآخرين، باعتبار أنَّ المال الذي يملكه الإنسان ليس شرفاً وامتيازاً له، بل هو وظيفة ومسؤولية في ما يحتاجه أو يحتاجه الآخرون، وبذلك كانت الزكاة عبادة اجتماعية يشترط في صحتها ما يشترط في كلّ عبادة من نيّة التقرّب بها إلى اللّه، كما كانت الصلاة عبادةً يتقرّب بها الإنسان إلى اللّه في خضوعه لذاته المقدسة.

وتنتهي هذه المجموعة من التشريعات في هذه الآية لتبدأ عملية المحاكمة والمحاسبة والمقارنة، وذلك في لفتةٍ سريعة للواقع الذين يعيشونه، فنلتقي بهم وهم مُعرِضون عن ذلك إلاَّ القليلين منهم ممن آمنوا إيمان الوعي والإخلاص، فثبتوا على خطّ الإيمان واستقاموا فكراً وعملاً في جانب المعاملة، أو في نطاق العلاقة العامة والخاصة...