روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (26)

وقوله تعالى : { الخبيثات } الخ كلام مستأنف مؤسس على السنة الجارية فيما بين الخلق على موجب أن لله تعالى ملكاً يسوق الأهل إلى الأهل ، وقول القائل

: إن الطيور على أشباهها تقع *** أي الخبيثات من النساء { لِلْخَبِيثِينَ } من الرجال أي مختصات بهم لا يتجاوزنهم إلى غيرهم على أن اللام للاختصاص { والخبيثون } أيضاً { للخبيثات } لأن المجانسة من دواعي الانضمام { والطيبات } منهن { لِلطَّيّبِينَ } منهم { والطيبون } أيضاً { للطيبات } منهن بحيث لا يتجاوزونهن إلى من عداهن وحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الأطيبين وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة رضي الله تعالى عنها من أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ماق يل فيها من الخرافات حسبما نطق به قوله سبحانه : { أُوْلَئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ } على أن الإشارة إلى أهل البيت النبوي رجالاً ونساءً ويدخل في ذلك الصديقة رضي الله تعالى عنها دخولاً أولياً ، وقيل : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . والصديقة . وصفوان ، وقال الفراء : إشارة إلى الصديقة . وصفوان والجمع يطلق على ما زاد على الواحد .

وفي الآية على جميع الأقوال تغليب أو أولئك منزهون مما يقوله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة . وجعل الموصوف للصفات المذكورة النساء والرجال حسبما سمعت رواه الطبراني عن ابن عباس ضمن خبر طويل . ورواه الإمامية عن أبي جعفر . وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما . واختاره أبو مسلم . والجبائي وجماعة وهو الأظهر عندي . وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أخرجها الطبراني أيضاً . وابن مردويه وغيرهما أن { الخبيثات والطيبات } صفتان للكلم { والخبيثون والطيبون } صفتان للخبيثين من الناس وروي ذلك عن الضحاك . والحسن ، و { *الخبيثون } عليه شامل للرجال والنساء على سبيل التغليب وكذا { الطيبون } و { بئاياتنا أولئك } إشارة إلى الطيبين وضمير { يَقُولُونَ } للخبيثين ، وقيل للآفكين أي الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال والنساء أي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحقاء بأن يقال في حقهم خبائث الكلم والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين مختصة وحقيقة بهم وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم طيبات الكلم أولئك الطيبون مبرؤن عن الاتصاف مما يقول الخبيثون وقيل الآفكون في حقهم فمآله تنزيه الصديقة رضي الله تعالى عنها أيضاً .

وقيل : المراد الخبيثات من القول مختصة بالخبيثين من فريقي الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بالخبيثات من القول متعرضون لها والطيبات من القول للطيبين من الفريقين أي مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بالطيبات من القول لا يصدر عنهم غيرها أولئك الطيبون مبرؤن مما يقول الخبيثون أي لا يصدر عنهم مثل ذلك ، وروي ذلك عن مجاهد ، والكلام عليه على حذف مضاف إلى ما ؛ ومآله الحط على الآفكين وتنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } عظيمة لما لا يخلو البشر عنه من الذنب ، وحسنات الأبرار سيئات المقربين { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } هو الجنة كما قاله أكثر المفسرين ، ويشهد له قوله تعالى في سورة الأحزاب في أمهات المؤمنين { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } [ الأحزاب : 13 ] فإن المراد به ثمت الجنة بقرينة { أَعْتَدْنَا } والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وفي هذه الآيات من الدلالة على فضل الصديقة ما فيها ، ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في الإفك وهو دال على فضلها أيضاً ، وكانت رضي الله تعالى عنها تتحدث بنعمة الله تعالى عليها بنزول ذلك في شأنها .

فقد أخرج ابن أبي شيبة عنها أنها قالت : خلال في لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله تعالى مريم ابنة عمران والله ما أقول هذا إني أفتخر على صواحباتي قيل : وما هن ؟ قالت : نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين وأهديت له لتسع سنين وتزوجني بكراً لم يشركه في أحد من الناس وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ورأيت جبريل عليه السلام ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك وأنا .

وأخرج ابن مردويه عنها أنها قالت : لقد نزل عذرى من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً ، وفي قوله سبحانه : { لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } بناءً على شموله عائشة رضي الله تعالى عنها رد على الرافضة القائلين بكفرها وموتها على ذلك وحاشاها لقصة وقعة الجمل مع أشياء افتروها ونسبوها إليها ، ومما يرد زعم ذلك أيضاً قول عمار بن ياسر في خطبته حين بعثه الأمير كرّم الله تعالى وجهه مع الحسن رضي الله تعالى عنه يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة : إني لأعلم أنها زوجة نبيكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلاكم ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها ، ومما يقضي منه العجب ما رأيته في بعض كتب الشيعة من أنها خرجت من أمهات المؤمنين بعد تلك الوقعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأمير كرم الله تعالى وجهه : قد أذنت لك أن تخرج بعد وفاتي من الزوجية من شئت من أزواجي فأخرجها كرم الله تعالى وجهه من ذلك لما صدر منها معه ما صدر ، ولعمري إنّ هذا مما يكاد يضحك الثكلى ، وفي حسن معاملة الأمير كرم الله تعالى وجهه إياها رضي الله تعالى عنها بعد استيلائه على العسكر الذي صحبها الثابت عند الفريقين ما يكذب ذلك ، ونحن لا نشك في فضلها رضي الله تعالى عنها لهذه الآيات ولما جاء في مدحها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يكن من ذلك سوى ما أخرجه ابن أبي شيبة .

وأحمد . والبخاري . ومسلم . والترمذي . والنسائي . وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام " لكني مع هذا لا أقول بأنها أفضل من بضعته صلى الله عليه وسلم الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها والوجه لا يخفى ، وفي هذا المقام أبحاث تطلب من محلها ، ثم إن الذي أراه أن إنزال هذه الآيات في أمرها لمزيد الاعتناء بشأن الرسول عليه الصلاة والسلام ولجبر قلب صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه وكذا قلب زوجته أم رومان فقد اعتراهما من ذلك الإفك ما الله تعالى أعلم به . ولمزيد انقطاع عائشة رضي الله تعالى عنها إليه عز وجل مع فضلها وطهارتها في نفسها ، وقد جاء في خبر غريب ذكره ابن النجار في تاريخ بغداد بسنده عن أنس ابن مالك رضي الله تعالى قال : «كنت جالساً عند أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لأقر عينها بالبراءة وهي تبكي فقالت : هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة وما عرض عليّ طعام ولا شراب فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة فرأيت في منامي فتى فقال لي : مالك ؟ فقلت : حزينة مما ذكر الناس فقال : ادعى بهذه الدعوات يفرج الله تعالى عنك فقلت : وما هي ؟ فقال قولي يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغمم ويا كاشف الظلم يا أعدل من حكم يا حسب من ظلم يا ولي من ظلم يا أول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية يا من له اسم بلا كنية اللهم اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً قالت : فانتبهت أنا ريانة شبعانة وقد أنزل الله تعالى فرجي ، ويسمى هذا الدعاء دعاء الفرج فليحفظ وليستعمل ، ثم إنه عز وجل إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف عنه شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال بالنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب الجميلة والأفاعيل المرضية المستتبعة لسعادة الدارين

فقال سبحانه : { كَرِيمٌ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (26)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معناه: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول...

وقوله:"والطّيّباتُ للطّيّبِينَ" يقول: الطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. نزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. ويقال: الخبيثات للخبيثين: الأعمال الخبيثة تكون للخبيثين، والطيبات من الأعمال تكون للطيبين...

فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون هم المبرّؤون مما قال الخبيثون...

عن قَتادة: "الخبِيثاتُ للْخَبيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّباتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ للطّيّباتِ "يقول: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل...

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء... قال ابن زيد في قوله: "الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّباتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ للطّيّبَاتِ" قال: نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفِرْية، فبرأها الله من ذلك. وكان عبد الله بن أُبي هو خبيث، وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكونَ لها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، وكان أولى أن تكون له الطيبة. وكانت عائشة الطيبة، وكانَ أولى أن يكون لها الطيب. "أُولَئكَ مُبَرّءُون مِمّا يَقُولُونَ" قال: هاهنا بُرّئت عائشة. "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ".

وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية قول من قال: عَنَى بالخبيثات: الخبيثات من القول، وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول هم بها أولى، لأنهم أهلها. والطيبات من القول وذلك حسنه وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول لأنهم أهلها وأحقّ بها.

وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خَصّهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به أشبه من الخبر عن غيرهم.

وقوله: "أُولَئِكَ مُبَرّءُونَ" يقول: الطيبون من الناس مبرّءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم ضرّت قائلها ولم تضرّهم، كما لو قال الطيبَ من القول الخبيثُ من الناس لم ينفعه الله به لأن الله لا يتقبّله، ولو قيلت له لضرّته لأنه يلحقه عارها في الدنيا وذلها في الآخرة... وقوله: "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ" يقول لهؤلاء الطيبين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والخبيث من القول إن كان منهم.

"وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" يقول: ولهم أيضا مع المغفرة عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أُعِدّ لهم فيها من الكرامة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

أي {الخبيثات} من القول تقال أو تعدّ {لِلْخَبِيثِينَ} من الرجال والنساء {والخبيثون} منهم يتعرضون {للخبيثات} من القول، وكذلك الطيبات والطيبون. و {أولئك} إشارة إلى الطيبين، وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم. وهو كلام جار مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب. ويجوز أن يكون {أولئك} إشارة إلى أهل البيت، وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات: النساء، أي: الخبائث يتزوّجن الخباث، والخباث الخبائث. وكذلك أهل الطيب.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الخبيثات يقع على الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك، ويقع أيضا على الكلام الذي هو كالذم واللعن، ويكون المراد من ذلك لا نفس الكلمة التي هي من قبل الله تعالى، بل المراد مضمون الكلمة، ويقع أيضا على الزواني من النساء، وفي هذه الآية كل هذه الوجوه محتملة..

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أي: هم بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان، {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي: عند الله في جنات النعيم. وفيه وعد بأن تكون زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم في الجنة.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :

لا يتكلم بالخبيثات إلاّ الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلاّ الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذمّ للذين قذفوا عائشة بالخبث، ومدح للذين برّءُوها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويختم الحديث عن حادث الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركبه في الفطرة، وحققه في واقع الناس. وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة، وأن تمتزج النفس الطيبة بالنفس الطيبة. وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج. وما كان يمكن أن تكون عائشة -رضي الله عنها- كما رموها، وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض: الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات. والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات. أولئك مبرأون مما يقولون، لهم مغفرة ورزق كريم.. ولقد أحبت نفس رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عائشة حبا عظيما. فما كان يمكن أن يحببها الله لنبيه المعصوم، إن لم تكن طاهرة تستحق هذا الحب العظيم.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

بعد أن برأ الله عائشة رضي الله عنها مما قال عصبة الإفك ففضحهم بأنهم ما جاؤوا إلا بسيء الظن واختلاق القذف وتوعدهم وهددهم ثم تاب على الذين تابوا أنحى عليهم ثانية ببراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن تكون له أزواج خبيثات لأن عصمته وكرامته على الله يأبى الله معها أن تكون أزواجه غير طيبات. فمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم كافية في الدلالة على براءة زوجه وطهارة أزواجه كلهن. وهذا من الاستدلال على حال الشيء بحال مقارنه ومماثله. وفي هذا تعريض بالذين اختلقوا الإفك بأن ما أفكوه لا يليق مثله إلا بأزواجهم، فقوله: {الخبيثات للخبيثين} تعريض بالمنافقين المختلقين للإفك.

والابتداء بذكر {الخبيثات} لأن غرض الكلام الاستدلال على براءة عائشة وبقية أمهات المؤمنين. واللام في قوله: {للخبيثين} لام الاستحقاق. والخبيثات والخبيثون والطيبات والطيبون أوصاف جرت على موصوفات محذوفة يدل عليها السياق. والتقدير في الجميع: الأزواج.

وعطف {والخبيثون للخبيثات} إطناب لمزيد العناية بتقرير هذا الحكم ولتكون الجملة بمنزلة المثل مستقلة بدلالتها على الحكم وليكون الاستدلال على حال القرين بحال مقارنه حاصلاً من أي جانب ابتدأه السامع.

وذكر {والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} إطناب أيضاً للدلالة على أن المقارنة دليل على حال القرينين في الخير أيضاً.

وعطف {والطيبون للطيبات} كعطف {والخبيثون للخبيثات}.

وتقدم الكلام على الخبيث والطيب عند قوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} في سورة الأنفال (37) وقوله: {قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة} في سورة آل عمران (38) وقوله: {ويحرّم عليهم الخبائث} في سورة الأعراف (157).

وغلب ضمير التذكير في قوله: {مبرءون} وهذه قضية كلية ولذلك حق لها أن تجري مجرى المثل وجعلت في آخر القصة كالتذييل.

والمراد بالخبث: خبث الصفات الإنسانية كالفواحش. وكذلك المراد بالطيب: زكاء الصفات الإنسانية من الفضائل المعروفة في البشر فليس الكفر من الخبث ولكنه من متمماته. وكذلك الإيمان من مكملات الطيب فلذلك لم يكن كفر امرأة نوح وامرأة لوط ناقضاً لعموم قوله: {الخبيثات للخبيثين} فإن المراد بقوله تعالى: {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} [التحريم: 10] أنهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر. ويدل لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون {إذ قالت رب ابْننِ لي عندك بيتاً في الجنة} إلى قوله: {ونجني من القوم الظالمين} [التحريم: 11].

والعدول عن التعبير عن الإفك باسمه إلى {ما يقولون} إلى أنه لا يعدو كونه قولاً، أي أنه غير مطابق للواقع كقوله تعالى: {ونرثه ما يقول} [مريم: 80] لأنه لا مال له ولا ولد في الآخرة.

والرزق الكريم: نعيم الجنة. وتقدم أن الكريم هو النفيس في جنسه عند قوله: {درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} في سورة الأنفال (4).

وبهذه الآيات انتهت زواجر قصة الإفك.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

... {أُوْلَئِكَ} إشارة إلى الطيبين {مُبَرءونَ مِمَّا يَقُولُونَ} عنهم من الافتراءات لأن التزامهم بالخط الطيب في العقيدة والسلوك يفرض براءتهم مما لا ينسجم مع إيمانهم والتزامهم الروحي والخُلُقي.. وهذا هو المنهج المنطقي في تقييم الاتهامات المنسوبة إلى الأشخاص، وهو دراسة الجوّ الداخلي الذي يُعبر عنه التزامهم الروحي والأخلاقي، ويؤكده خطهم العملي على صعيد الواقع، ولكن المستقيم قد ينحرف، إلاّ أن انحرافه يبقى حالة طارئة لا حالة طبيعية.. وهذا ما قد يوحي بأن المراد بالطيبين والطيبات الرجال والنساء، باعتبار أن الآية مسوقة لتبرئتهم جميعاً...