{ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ } أي لم يتجاوزوا حد الكرم { وَلَمْ يَقْتُرُواْ } أي ولم يضيقوا تضييق الشحيح ، وقال أبو عبد الرحمن الحبلى : الإسراف هو الإنفاق في المعاصي والقتر الإمسام عن طاعة ، وروي نحو ذلك عن ابن عباس . ومجاهد . وابن زيد ، وقال عون بن عبد الله بن عتبة : الإسراف أن تنفق مال غيرك .
وقرأ الحسن . وطلحة . والأعمش . وحمزة . والكسائي . وعاصم { يَقْتُرُواْ } بفتح الياء وضم التاء . ومجاهد . وابن كثير . وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء . ونافع . وابن عامر بضم الياء وكسر التاء . وقرأ العلاء ابن سبابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة وكلها لغات في التضييق . وأنكر أبو حاتم لغة أقتر رباعيا هنا وقال : إنما يقال أقتر إذا افتقر ومنه { وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } [ البقرة : 236 ] وغاب عنه ما حكاه الأصمعي . وغيره من أقتر بمعنى ضيق { وَكَانَ } انفاقهم { بَيْنَ ذلك } المذكور من الاسراف والقتر { قَوَاماً } وسطار وعدلاً سمى به لاستقامة الطرفين وتعادلهما كأن كلا منهما يقاوم الآخر كما سمي سواء لاستوائهما . وقرأ حسان { قَوَاماً } بكسر القاف ، فقيل : هما لغتان بمعنى واحد وقيل : هو بالكسر ما يقام به الشيء ، والمراد به هنا ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص . وهو خبر ثان لكان مؤكد للأول وهو { بَيْنَ ذلك } أو هو الخبر و { بَيْنَ ذلك } إما معمول لكان على مذهب من يرى أن كان الناقصة تعمل في الظرف وإما حال من { قَوَاماً } لأنه لو تأخر لكان صفة ، وجوز أن يكون ظرفاً لغواً متعلقاً به أو { بَيْنَ ذلك } هو الخبر و { قَوَاماً } حال مؤكدة ، وأجاز الفراء أن يكون «بين ذلك » اسم كان وبنى لاضافته إلى مبني كقوله تعالى : { وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } [ هود : 66 ] في قراءة من فتح الميم . ومنه قول الشاعر :
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت *** حمامة في غصون ذات أوقال
وتعقبه الزمخشري بأنه من جهة الإعراب لا بأس له ولكن المعنى ليس بقوي لأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة . وحاصله أن الكلام عليه من باب كان الذاهب جاريته صاحبها وهو غير مفيد . ولا يخفى أنه غير وارد على قراءة «قواماً » بالكسر على القول الثاني فيه وعلى غير ذلك متجه . وما قيل من أنه من باب شعري شعري والمعنى كان قواماً معتبراً مقبولاً غير مقبول لأنه مع بعده إنما ورد فيما اتحد لفظه وما نحن فيه ليس كذلك . وكذا ما قيل : إن «بين ذلك » أعم من القوام بمعنى العدل الذي يكون نسبة كل واحد من طرفيه إليه على السواء فإن ما بين الاقتار والإسراف لا يلزم أن يكون قواماً بهذا المعنى إذ يجوز أن يكون دون الإسراف بقليل وفق الاقتار بقليل فإنه تكلف أيضاً إذ ما بينهما شامل لحاق الوسط وما عداه الكوسط من غير فرق ومثله لا يستعمل في المخاطبات لا لغازه ، وقيل : لأنه بعد تسليم جواز الأخلار عن الأعم بالأخص يبعد أن يكون مدحهم بمراعاة حاق الوسط مع ما فيه من الحرج الذي نفي عن الإسلام .
وفيه أنه لا شك في جواز الأخبار عن الأعم بالأخص نحو الذي جاءني زيد والقائل لم يرد إلحاق الحقيقي بل التقريبي كما يذل عليه قوله بقليل ولا حرج في مثله فتأمل .
ولعل الأخبار عن إنفاقهم بما ذكر بعد قوله تعالى : { إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } المستلزم لكون إنفاقهم كذلك للتنصيص على أن فعلهم من خير الاْمور فقد شاع خير الأمور أوساطه ، والظاهر أن المراد بالإنفاق ما يعم إنفاقهم على أنفسهم وإنفاقهم على غيرها والقوام في كل ذلك خير ، وقد أخرج أحمد . والطبراني . عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من فقه الرجل رفقه في معيشته »
وأخرج ابن ماجه في سننه عن أنس قال : ْقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت » وحكى عن عبد الملك بن مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز عليه الرحمة حين زوجه ابنته فاطمة ما نفقتك فقال له عمر : الحسنة بين السيئتين ثم تلا الآية . وقد مدح الشعراء التوسط في الأمور والاقتصاد في المعيشة قديماً وحديثاً ، ومن ذلك قوله :
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمور ذميم
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤله *** وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت *** ولم ينهها تافت إلى كل باطل
وساقت إليه الأثم والعار بالذي *** دعته إليه من حلاوة عاجل
ومن باب الإشارة : { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ } [ الفرقان : 67 ] إشارة إلى أن فيوضاتهم حسب قابلية المفاض عليه لا يسرفون فيها بأن يفيضوا فوق الحاجة ولا يقترون بأن يفيضوا دون الحاجة أو إلى أنهم إذا أنفقوا وجودهم في ذات الله تعالى وصفاته جل شأنه لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ولم يقتروا في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} في غير حق، {ولم يقتروا} يعني: ولم يمسكوا عن حق، {وكان بين ذلك قواما} يعني: بين الإسراف والإقتار مقتصدا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يسرفوا في إنفاقها.
ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي عناها الله في هذا الموضع، وما الإسراف فيها والإقتار؛
فقال بعضهم: الإسرافُ ما كان من نفقة في معصية الله، وإن قلّت. قال: وإياها عني الله، وسماها إسرافا، قالوا: والإقتار المنع من حقّ الله...
وقال آخرون: الإسرافُ هو أن تأكل مال غيرك بغير حقّ... والصواب من القول في ذلك، قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحدّ الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام: بين ذلك.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما، لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحقّ فاعله الذمّ. فإن قال قائل: فهل لذلك من حدّ معروف تبينه لنا؟ قيل: نعم، ذلك مفهوم في كلّ شيء من المطاعم والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البرّ وغير ذلك، نكره تطويل الكتاب بذكر كلّ نوع من ذلك مفصلاً، غير أن جملة ذلك هو ما بيّنا، وذلك نحو أكل آكل من الطعام فوق الشبع ما يضعف بدنه، وينهك قواه، ويشغله عن طاعة ربه، وأداء فرائضه، فذلك من السرف، وأن يترك الأكل وله إليه سبيل حتى يضعف ذلك جسمه، ويَنْهَك قواه، ويضعفه عن أداء فرائض ربه، فذلك من الإقتار، وبين ذلك القَوام على هذا النحو، كلّ ما جانس ما ذكرنا. فأما اتخاذ الثوب للجمال، يلبسه عند اجتماعه مع الناس، وحضوره المحافل والجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قوّاه على عبادة ربه، مما ارتفع عما قد يسدّ الجوع، مما هو دونه من الأغذية، غير أنه لا يعين البدن على القيام لله بالواجب معونته، فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القَوام، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أمر ببعض ذلك، وحضّ على بعضه، كقوله: «ما عَلى أحَدِكُمْ لَوِ اتّخَذَ ثَوْبَيْنِ. ثَوْبا لِمِهْنَتِهِ، وَثَوْبا لِجُمْعَتِهِ وَعِيدِهِ» وكقوله: «إذَا أنْعَمَ اللّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً أحَبّ أنْ يَرَى أثَرَهُ عَلَيْهِ»، وما أشبه ذلك من الأخبار التي قد بيّناها في مواضعها.
وأما قوله:"وكانَ بينَ ذلكَ قَوَاما" فإنه النفقة بالعدل والمعروف، على ما قد بيّنا... والقوام في كلام العرب، بفتح القاف، وهو الشيء بين الشيئين. تقول للمرأة المعتدلة الخلق: إنها لحسنة القوام في اعتدالها... فمعنى الكلام: وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواما معتدلاً، لا مجاوزة عن حدّ الله، ولا تقصيرا عما فرضه الله، ولكن عدلاً بين ذلك على ما أباحه جلّ ثناؤه، وأذن فيه ورخص.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا}، قال بعضهم: {لم يسرفوا} في غير حق؛ كسبوا طيبا، وأنفقوا قصدا، وأعطوا فضلا، لا جحودا، واستيسروا. {ولم يقتروا} أي ولم يمسكوا عن الحق.
{وكان بين ذلك قوما} أي بين الإسراف والتقتير مقصدا.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
الإسرافُ أن تنفق في الهوى وفي نصيب النّفْس، فأمّا ما كان لله فليس فيه إسراف، والإقتارُ ما كان ادخاراً عن الله. فأمَّا التضييقُ على النَّفْس منعاً لها عن اتباع الشهوات ولتتعودَ الاجتراء باليسير فليس بالإقتار المذموم.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
اختلف المفسرون في هذه الآية في الإنفاق، فعبارة أكثرهم أن الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة، وإن أسرف، والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، وأن المقتر هو الذي يمنع حقاً عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال عون بن عبد الله بن عتبة «الإسراف» أن تنفق مال غيرك. ونحو هذه الأقوال التي هي غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر، والوجه أن يقال أن النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا وأن لا يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها، ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ومنع غيره من ذلك،
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{والذين إذا أنفقوا} أي للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب {لم يسرفوا} أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها {ولم يقتروا} أي يضيقوا فيضيعوا الحقوق؛ ثم بين العدل بقوله: {وكان} أي إنفاقهم {بين ذلك} أي الفعل الذي يجب إبعاده. ولما علم أن ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلاً، صرح به في قوله: {قواماً} أي عدلاً سواء بين الخلقين المذمومين: الإفراط والتفريط، تخلقاً بصفة قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء} [الشورى: 27] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي عنهم -كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ويكنّ من الحر والقر، قال عمر رضي الله عنه: كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :
وقدم نفي السرف على نفي التقتير؛ لأن الإسراف شرهما، ففيه مجاوزة الحدود، وضياع المال، وفي التقتير مفسدته مع بقاء المال فينفقه في الخير، وقد يبقى لغيره فينتفع به.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهم في حياتهم نموذج القصد والاعتدال والتوازن: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما).. وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات؛ ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال. والمسلم -مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة- ليس حرا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء -كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان. إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير. فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع؛ والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية. والإسراف والتقتير يحدثان اختلالا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب. ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق. والإسلام وهو ينظم هذا الجانب من الحياة يبدأ به من نفس الفرد، فيجعل الاعتدال سمة من سمات الإيمان: (وكان بين ذلك قواما).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمعنى: أنهم يضعون النفقات مواضعها الصالحة كما أمرهم الله فيدوم إنفاقهم وقد رغب الإسلام في العمل الذي يدوم عليه صاحبه، وليسير نظام الجماعة على كفاية دون تعريضه للتعطيل فإن الإسراف من شأنه استنفاد المال فلا يدوم الإنفاق، وأما الإقتار فمن شأنه إمساكُ المال فيُحرم من يستأهله.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإن النص الكريم يفهم منه أمران:
أحدهما ألا ينفق في حرام قط، وألا يضن عن حلال موجود إلا تربية للنفس وتهذيبا، وفطما لها عن الشهوات، ولذا كان عمر رضي الله عنه يعد من يطلب كل ما يشتهي مسرفا، لأنه إذا حق الأمر لا يستطيع قدع نفسه عن شهواتها...
الأمر الثاني أن الإنفاق بين الإسراف والقتر يختلف باختلاف أحوال الأشخاص، فإذا كان الرجل كسوبا عليه أن ينفق في الحلال والجهاد بمقدار كسبه وطاقته ما دام ينفق في مطلوب، وما دام كسبه واسعا، ولقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم من أب بكر كل موفور ماله لأنه تاجر كسوب، يعرف مواضع الكسب والخسارة، ولم يقبله من غيره، وقد قال تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو… (219)} [البقرة]، أي السهل اللين الذي لا يجهد ذا المال إنفاقه ولا يصعب عليه.