{ وَتِلْكَ } أي التربية المفهومة من قوله : { أَلَمْ نُرَبّكَ } [ الشعراء : 18 ] الخ { نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا } أي تنعم بها { عَلَىَّ } فهو من باب الحذف والإيصال ، وتمن من المنة بمعنى الإنعام والمضارع لاستحضار الصورة ، وجوز أن يكون من المن والمعنى تلك نعمة تعدها علي فليس هناك حذف وإيصال ، والمضارع قيل على ظاهره من الاستقبال وفيه منع ظاهر { أَنْ عَبَّدتَّ بني إسرائيل } أي ذللتهم واتخذتهم عبيداً يقال : عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبداً . قال الشاعر :
علام يعبدني قومي وقد كثرت *** فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان ؟
وأن وما بعدها في تأويل مصدر مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة حالية أو مفسرة أو على أنه بدل من { تِلْكَ } أو نعمة أو عطف أو منصوب على أنه بدل من الهاء في { تَمُنُّهَا } أو مجرور بتقدير الباء السببية أو اللام على أحد القولين في محل أن وما بعدها بعد حذف الجار ، والقول الآخر أن محله النصب ، وحاصل الرد إن ما ذكرت نعمة ظاهراً وهي في الحقيقة نقمة حيث كانت بسبب إذلال قومي وقصدك إياهم بذبح أبنائهم ولولا ذلك لم أحصل بين يديك ولم أكن في معهد تربيتك ، وقيل : { تِلْكَ } إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدري ما هي إلا بتفسيرها و { أَنْ عَبَّدتَّ } عطف بيان لها ، والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي ، وحاصل الرد إنكار ما امتن به أيضاً . ويريد حمل الكلام على رد كون ذلك نعمة في الحقيقة قراءة الضحاك «وتلك نعمة مالك أن تمنها علي » ، وإلى ذلك ذهب قتادة وكذا الأخفش . والفراء إلا أنهما قالا بتقدير همزة الاستفهام للإنكار بعد الواو ، والأصل وأتلك نعمة الخ ، وأبى بعض النحاة حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع . وقال أبو حيان : الظاهر أن هذا الكلام إقرار منه عليه السلام بنعمة فرعون كأنه يقال : وتربيتك إياي نعمة على من حيث أنك عبدت غيري وتركتني واتخذتني ولداً لكن لا يدفع ذلك رسالتي . وإلى هذا التأويل ذهب السدي . والطبري ولس بذاك .
وأياً ما كان فالآية ظاهرة في أن كفر الكافر لا يبطل نعمته . وذهب بعضهم أن الكفر يبطل النعمة لئلا يجتمع استحقاق المدح واستحقاق الذم ، وفيه أنه لا ضير في ذلك لاختلاف جهتي الاستحقاقين . هذا وذهب الزمخشري إلى أن { إِذَا } في قوله تعالى { فَعَلْتُهَا إِذاً } [ الشعراء : 20 ] جواب وجزاء بين وجه كون الكلام جزاء بقوله : قول { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ } [ الشعراء : 19 ] فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت فقال له موسى عليه السلام : نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله كان نعمته عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء .
واعترض بأن هذا لا يلائم قوله : { وَأَنَاْ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 20 ] لأنه يدل على أنه اعترف بأنه فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً . وفي «الكشف » تحقيق ما ذكره الزمخشري أن الترتيب الذي هو معنى الشرط والجزاء حاصل ولما كانا ماضيين كان ذلك تقديرياً كأنه قال : إن كان ذلك كفراناً بنعمتك فقد فعلته جزاء ، ولكن الوصف أي كونه كفراناً غير مسلم . وأمده بقوله : { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا } وفيه القول بالموجب أيضاً . وقوله : { وَأَنَاْ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 20 ] على هذا كأنه اعتذار ثان أي كنت تستحق ذلك عندي وأيضاً كنت من الحائدين عن منهج الصواب لا في اعتقاد استحقاق مكافأة صنيعك بمثل تلك ولكن في الإقدام قبل الإذن من الملك العلام ، والحاصل أنه نسبه إلى مقابلة الإحسان بالإساءة وقررها بكونه كافراً ، فأجاب عليه السلام بأن المقابلة حاصلة ولكن أين الإحسان وما كنت كافراً بك فإنه عين الهدى بل ضالاً في الإقدام على الفعل وما كنت كافراً لنعمة منعم أصلاً ولكن كنت فاعلاً لذلك خطأ ، ومنه ظهر أن قوله : { وَأَنَاْ مِنَ الضالين } [ الشعراء : 20 ] لا ينافي تقرير الزمخشري بل يؤيده اه .
/ ولا يخفى أن الأوفق بحديث الجزاء أن يكون المراد بقوله : فعلتها وأنا من الضالين فعلتها مقدماً عليها من غير مبالاة على أن الضلال بمعنى الجهل المفسر بالإقدام من غير مبالاة لكن التزام كون { إِذَا } هنا للجواب والجزاء التزام ما لا يلزم فإن الصحيح الذي قال به الأكثرون أنها قد تتمحض للجواب ، وفي «البحر » أنهم حملوا ما في هذه الآية على ذلك ، وتوجيه كونها للجزاء فيها بما ذكر لا يخلو عن تكلف ، والأظهر عندي معنى ما آثره بعض أفاضل المحققين من أنها ظرف مقطوع عن الإضافة ولا أرى فيه ما يقال سوى أنه معنى لم يذكره أكثر علماء العربية . وهم لم يحيطوا بكل شيء علماً ، وإن أبيت هذا فهي للجواب فقط ، ومن العجيب قول ابن عطية : إنها هنا صلة في الكلام ثم قوله : وكأنها بمعنى حينئذٍ ولو اكتفى به على أنه تفسير معنى لكان له وجه فتأمل ، والله تعالى أعلم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وتلك نعمة تمنها علي} يا فرعون تمن علي بإحسانك إلي خاصة فيما زعمت، وتنسى إساءتك {أن عبدت} يقول: استعبدت {بني إسرائيل}، فاتخذهم عبيدا لقومك القبط...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل نبيه موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون "وَتِلكَ نِعْمَةٌ تَمُنّها عَليّ "يعني بقوله: وتلك تربية فرعون إياه، يقول: وتربيتك إياي، وتركك استعبادي، كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ بحقّ. وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ذكر عليه عنه، وهو: وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل وتركتني، فلم تستعبدني، فترك ذكر «وتركتني» لدلالة قوله أن عبّدتّ بني إسرائيل عليه، والعرب تفعل ذلك اختصارا للكلام... ويعني بقوله: "أنْ عَبّدتّ بَنِي إسْرَائِيلَ": أن اتخذتهم عبيدا لك...
وقال آخرون: هذا استفهام كان من موسى لفرعون، كأنه قال: أتمنّ عليّ أن اتخذت بني إسرائيل عبيدا...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل} وهو استعبادك إياهم، أي إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك. وهذا يحتمل وجوها.
أحدها: أن تذكر ما أنعمت علي وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو استعبادك إياهم، أي إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك.
والثاني: أن تلك {نعمة تمنها علي} حين لم تعبدني، وعبدت بني إسرائيل؛ يخرجه على قبول المنة منه.
والثالث: {وتلك نعمة} لو تخليت عن بني إسرائيل، ولم تستعبدهم، لولوا ذلك عنه. وتمام هذا بقبول موسى لفرعون: أتمن علي يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيدا، وكانوا أحرارا، فقهرتهم،.. وقال بعضهم في قوله: {وتلك نعمة تمنها علي} يقول: وهذه منة تمنها علي بقولك {ألم نربك فينا وليدا} يقول: تمن بها علي أن تستعبد بني إسرائيل، وتمن علي بذلك.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل؛ لأنّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت، وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيداً. يقال: عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبداً...
فإن قلت: (إذاً) جواب وجزاء معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ} فيه معنى: إنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك، تسليماً لقوله، لأنّ نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. فإن قلت: لم جمع الضمير في منكم وخفتكم؟ مع إفراده في تمنها وعبدت؟ قلت: الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله...
فأما قوله: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} فهو جواب قوله: {ألم نربك فينا وليدا} يقال عبدت الرجل وأعبدته إذا اتخذته عبدا، فإن قيل كيف يكون ذلك جوابه ولا تعلق بين الأمرين؟ قلنا بيان التعلق من وجوه.
أحدها: أنه إنما وقع في يده وفي تربيته لأنه قصد تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، فكأنه عليه السلام قال له كنت مستغنيا عن تربيتك لو لم يكن منك ذلك الظلم المتقدم علينا وعلى أسلافنا.
وثانيها: أن هذا الإنعام المتأخر صار معارضا بذلك الظلم العظيم على أسلافنا وإذا تعارضا تساقطا.
وثالثها: ما قاله الحسن: إنك استعبدتهم وأخذت أموالهم ومنها أنفقت علي فلا نعمة لك بالتربية.
ورابعها: المراد أن الذي تولى تربيتي هم الذين قد استعبدتهم فلا نعمة لك علي لأن التربية كانت من قبل أمي وسائر من هو من قومي ليس لك إلا أنك ما قتلتني، ومثل هذا لا يعد إنعاما.
وخامسها: أنك كنت تدعي أن بني إسرائيل عبيدك ولا منة للمولى على العبد في أن يطعمه ويعطيه ما يحتاج إليه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ثم قال موسى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: وما أحسنت إلي وربَّيْتني مقابل ما أسأتَ إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفَيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرتَه شيئا بالنسبة إلى ما فعلتَ بهم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما اجتمع في كلام فرعون منّ وتعيير، بدأ بجوابه عن التعيير لأنه الأخير فكان أقرب، ولأنه أهم، ثم عطف عليه جوابه عما منّ به، فقال موبخاً له مبكتاً منكراً عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالاً في القول وإحساناً في الخطاب: {وتلك} أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة التي ذكر تنيها {نعمة تمنها عليّ}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
منطق الأنبياء أمام منطق الطغاة:
وقد نجد في هذه الكلمة القوية الحاسمة المتحدية، الرد على الروح المتعالية التي يحملها الطغاة في نظرتهم إلى ما يقدمونه لشعوبهم من موارد استهلاكية وحاجاتٍ معيشية، في دائرة الحصار الذي يطبق على حريتهم في ما يريدونه للشعوب أن تتحول إلى أدواتٍ صمّاء عمياء لأطماعهم وأغراضهم، وللوصول إلى غاياتهم الظالمة. وهنا تأتي الكلمة الرسالية لتقول لهؤلاء إن مسألة الحرية هي أغلى من كل المتع والمنافع التي يقدمها السادة للعبيد، لأن الحرية تعني الارتفاع بالإنسانية إلى المستوى الأعلى في رحاب الحياة، بينما العبودية تعني الانحطاط بإنسانية الإنسان إلى أسفل دركات الحياة. ولهذا فإنهم يرفضون الشبع مع العبودية ويفضلون الجوع مع الحرية على ذلك كله. إنها كلمة ثورة الحرية المنطلقة من روح القيادة الرسالية في مواجهة الظلم والطغيان.