روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ} (41)

{ قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً } أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن ، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً ، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله عليه السلام ، وقول السدي : إنه سأل الآية ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ، ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً ، والجعل إما بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين أولهما : { ءايَةً } ، وثانيما : { لِى } والتقديم ؛لأنه المسوغ لكون { ءايَةً } مبتدأ عند الانحلال ، وإما بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى إلى مفعول واحد وهو { ءايَةً } و { لِى } حينئذ في محل نصب على الحال من { ءايَةً } لأنه لو تأخر عنها كان صفة لها ، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالا منها كما تقدمت الإشارة إليه غير مرة ويجوز أن يكون متعلقاً بما عنده وتقديمه للاعتناء به والتشويق لما بعده .

{ قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ الناس } أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير آفة وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن معتمر قال : ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام ، والآية فيه عدم منعه من الذكر والتسبيح ، وعلى كلا التقديرين عدم التكليم اضطراري ، وقال أبو مسلم : إنه اختياري ، والمعنى آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم إلا بالذكر والتسبيح ولا يخفى بعده هنا ، وعليه وعلى القولين قبله يحتمل أن يراد من عدم التكليم ظاهره فقط وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحداً وإلى ذلك ذهب عطاء وهو خلاف الظاهر ، ومع هذا يتوقف قبوله على توقيف ، وإنما خص تكليم الناس للإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى { ثلاثة أَيَّامٍ } أي متوالية ، وقال بعضهم المراد ثلاثة أيام ولياليها ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي ليالي ثلاثة أيام لقوله سبحانه في سورة [ مريم : 10 ] { ثلاث لَيَالٍ } والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد إلا أنه اقتصر تارة على ذكر { ثلاثة أَيَّامٍ } منها وأخرى على { ثلاث لَيَالٍ } وجعل ما لم يذكر في كل تبعاً لما ذكر ، قيل : وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يوم كل ليلة/ قبلها في حساب الناس يومئذ ، وكونه بعدها إنما هو عند العرب خاصة كما تقدمت الإشارة إليه ، واعترض بأن آية الليالي متقدمة نزولاً لأن السورة التي هي فيها مكية والسورة التي فيها آية الأيام مدنية ، وعليه يكون أول ظهور هذه الآية ليلاً ويكون اليوم تبعاً لليلة التي قبلها على ما يقتضيه حساب العرب فتدبر .

فالبحث محتاج إلى تحرير بعد ، وإنما جعل عقل اللسان آية العلوق لتخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءاً لحق النعمة كأنه قيل له : آية حصول النعمة أن تمنع عن الكلام إلا بشكرها ، وأحسن الجواب على ما قيل : ما أخذ من السؤال كما قيل لأبي تمام ، لم تقول ما لا نفهم ؟ فقال : لم لا نفهم ما يقال ؟ وهذا مبني على أن سؤال الآية منه عليه السلام إنما كان لتلقي النعمة بالشكر ، ولعل دلالة كلامه على ذلك بواسطة المقام وإلا ففي ذلك خفاء كما لا يخفى . وأخرج عبد الرزاق وغيره عن قتادة أن حبس لسانه عليه السلام كان من باب العقوبة حيث طلب الآية بعد مشافهة الملائكة له بالبشارة ولعل الجناية حينئذ من باب ( حسنات الأبرار سيآت المقربين ) ومع هذا حسن الظن يميل إلى الأول ، ومذهب قتادة لا آمن على الأقدام الضعيفة قتاده { إِلاَّ رَمْزًا } أي إيماءاً وأصله التحرك يقال : ارتمز أي تحرك ، ومنه قيل للبحر : الراموز ، وأخرج الطيبي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن الرمز فقال : الإشارة باليد والوحي بالرأس فقال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت قول الشاعر :

ما في السماء من الرحمن ( مرتمز ) *** إلا إليه وما في الأرض من وزر

وعن مجاهد أن الرمز هنا كان تحريك الشفتين ، وقيل : الكتابة على الأرض ، وقيل : الإشارة بالمسبحة ، وقيل : الصوت الخفي وقيل : كل ما أوجب اضطراباً في الفهم كان رمزاً وهو استثناء منقطع بناءاً على أن الرمز الإشارة والإفهام من دون كلام وهو حينئذ ليس من قبيل المستثنى منه وجوز أن يكون متصلاً بناءاً على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذاك القبيل ، ولا يخفى أن هذا التأويل خلاف الظاهر ويلزم منه أن لا يكون استثناء منقطع في الدنيا أصلاً ؛ إذ ما من استثناء إلا ويمكن تأويله بمثل ذلك مما يجعله متصلاً ولا قائل به ، وتعقب ابن الشجري النصب على الاستثناء هنا مطلقاً وادعى أن { رَمْزًا } مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض ، والأصل أن لا تكلم الناس إلا برمز ، فالعامل الذي قبل { إِلا } مفرغ في هذا النحو للعمل في ما بعدها بدليل أنك لو حذفت { إِلا } وحرف النفي استقام الكلام تقول في نحو ما لقيت إلا زيداً لقيت زيداً ، وفيما خرج إلا زيد ، خرج زيد ، وكذا لو قلت آيتك أن تكلم الناس رمزاً استقام وليس كذلك الاستثناء ، فلو قلت : ليس القوم في الدار إلا زيداً أو إلا زيد ثم حذفت النفي وإلا ، فقلت : القوم في الدار زيداً ، أو زيد لم يستقم ، فكذا المنقطع نحو ما خرج القوم إلا حماراً لو قلت : خرج القوم حماراً لم يستقم قاله السفاقسي ، وقرأ يحيى بن وثاب { إِلاَّ رمزًا } بضمتين جمع رموز كرسول ورسل .

وقرىء { *ورمزاً } بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو من نادر الجمع وعلى القراءتين يكون حالا من الفاعل والمفعول معا أي مترامزين . ومثله قول عنترة :

متى ما تلقني ( فردين ) ترجف *** روانف أليتيك وتستطارا

وجوز أبو البقاء أن يكون { إِلاَّ رَمْزًا } على قراءة الضم مصدراً ، وجعله مسكن الميم في الأصل والضم عارض للاتباع كاليسر واليسر ، وعليه لا يختلف إعرابه فافهم .

{ واذكر رَّبَّكَ } أي في أيام الحبسة شكراً لتلك النعمة/ كما يشعر به التعرض لعنوان الربوبية ، وقيل : يحتمل أن يكون الأمر بالذكر شكراً للنعمة مطلقاً لا في خصوص تلك الأيام ، وأن يكون في جميع أيام الحمل لتعود بركاته إليه ، والمنساق إلى الذهن هو الأول ، والجملة مؤكدة لما قبلها مبينة للغرض منها ، واستشكل العطف من وجهين : الأول عطف الإنشاء على الإخبار ، والثاني : عطف المؤكد على المؤكد ، وأجيب بأنه معطوف على محذوف أي اشكر واذكر ، وقيل : لا يبعد أن يجعل الأمر بمعنى الخبر عطفاً على ( لا تكلم ) فيكون في تقدير : أن لا تكلم وتذكر ربك ، ولا يخفى ما فيه { كَثِيراً } صفة لمصدر محذوف أو زمان كذلك أي ذكراً كثيراً وزماناً كثيراً { وَسَبّحْ بالعشي } وهو من الزوال إلى الغروب قاله مجاهد وقيل : من العصر إلى ذهاب صدر الليل { والإبكار } أي وقته وهو من الفجر إلى الضحى ، وإنما قدر المضاف لأن الإبكار بكسر الهمزة مصدر لا وقت فلا تحسن المقابلة كذا قيل : وهو مبني على أن { العشي } جمع عشية الوقت المخصوص ، وإليه ذهب أبو البقاء ، والذي ذهب إليه المعظم أنه مصدر أيضاً على فعيل لا جمع . وإليه يشير كلام الجوهري فافهم ؛ وقرئ { بالعشي والابكار } بفتح الهمزة فهو حينئذ جمع بكر كسحر لفظاً ومعنى وهو نادر الاستعمال قيل : والمراد بالتسبيح الصلاة بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى : { فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ الروم : 17 ] وقيل : الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكر القلبي ، و على كلا التقديرين لا تكرار في ذكر التسبيح مع الذكر ، و أل في الوقتين للعموم . وأبعد من جعلها للعهد أي عشي تلك الأيام الثلاثة وأبكارها والجار والمجرور متعلق بما عنده ، وليس من باب التنازع في المشهور ، وجوزه بعضهم في كون الأمر بالذكر مقيداً بهذين الوقتين أيضاً ، وزعم بعضهم أن تقييده بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار . وفيه بعد تسليم أنه مقيد به فقط أن الكثرة أخص من التكرار . وهذا ومن باب البطون : في الآيات { قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } على العلوق لأشكرك على هذه النعمة إذ شكر المنعم واجب وبه تدوم المواهب الإلهية { قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً } بأن يحصر لسانك عن محادثتهم ليتجرد سرك لربك ويكون ظاهرك وباطنك مشغولاً به { إِلاَّ رَمْزًا } تدفع به ضيق القلب عند الحاجة ، وحقيقة الرمز عند العارفين تعريض السر إلى السر وإعلام الخاطر للخاطر بنعت تحريك سلسلة المواصلة بين المخاطب والمخاطب { واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا } بتخليص النية عن الخطرات وجمع الهموم بنعت تصفية السر في المناجاة وتحير الروح في المشاهدات { وَسَبّحْ } أي نزه ربك عن الشركة في الوجود { بالعشي والإبكار } [ آل عمران : 41 ] بالفناء والبقاء .

وإن أردت تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس فتقول : { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا } الاستعداد { رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } وهي النفس الطاهرة المقدسة عن النقائص { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } [ آل عمران : 38 ] ممن صدق في الطلب { فَنَادَتْهُ } ملائكة القوى الروحانية { وَهُوَ قَائِمٌ } منتهض لتكميل النشأة { يُصَلّى } ويدعو في محراب التضرع إلى الله تعالى المفيض على القوابل بحسب القابليات { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } وهو الروح الحي بروح الحق والصفات الإلهية { مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } وهي ما تلقيها ملائكة الإلهام من قبل الفياض المطلق { وَسَيّدًا } لم تملكه الشهوات النفسانية { وَحَصُورًا } أي مبالغاً في الامتناع عن اللذائذ الدنيوية { وَنَبِيّا } بما يتلقاه من عالم الملكوت ومعدوداً

{ مّنَ الصالحين } [ آل عمران : 39 ] لهاتيك الحضرة القائمين بحقوق الحق والخلق لاتصافه بالبقاء بعد الفناء { قَالَ رَبّ أنى } أي كيف { يَكُونُ لِي غلام وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } وضعف القوى الطبيعية { وامرأتي } وهي النفس الحيوانية { عَاقِرٌ } عقيم عن ولادة مثل هذا الغلام إذ لا تلد الحية إلا حيية { قَالَ كذلك الله } في غرابة الشأن { يَفْعَلُ مَا يَشَاء } [ آل عمران : 40 ] من العجائب التي يستبعدها من قيده النظر إلى المألوفات ، وبقي أسيراً في سجن العادات { قَالَ رَبّ اجعل لِّى ءايَةً } على ذلك لأشكرك مستمطراً زيادة نعمك التي لا منتهى لها { قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً } وهم ما يأنس به من اللذائذ المباحة { ثلاثة أَيَّامٍ } وهي يوم الفناء بالأفعال ويوم الفناء بالصفات ويوم الفناء بالذات { إِلاَّ رَمْزًا } أي قدراً يسيراً تدعو الضرورة إليه { واذكر رَّبَّكَ } الذي رباك حتى أوصلك إلى هذه الغاية { كَثِيراً } حيث منّ عليك بخير كثير { وَسَبّحْ } أي نزه ربك عن نقائص التقيد بالمظاهر { بالعشى والإبكار } أي وقتي الصحو والمحو .

وبعض الملتزمين لذكر البطون ذكر في تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس أن القوى البدنية امرأة عمران الروح نذرت ما في قوتها من النفس المطمئنة فوضعت أنثى النفس فكفلها زكريا الفكر فدخل عليها زكريا محراب الدماغ فوجد عندها رزقاً من المعاني الحدسية التي انكشفت لها بصفائها فهنالك دعا زكريا الفكر بتركيب تلك المعاني واستوهب ولداً مقدساً من لوث الطبيعة فسمع الله تعالى دعاءه فنادته ملائكة القوى الروحانية وهو قائم في أمره بتركيب المعلومات يناجي ربه باستنزال الأنوار في محراب الدماغ { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } العقل مصدقاً بعيسى القلب الذي هو كلمة من الله لتقدسه عن عالم الأجرام { وَسَيّدًا } لجميع أصناف القوى { وَحَصُورًا } عن مباشرة الطبيعة { وَنَبِيّا } بالإخبار عن المعارف والحقائق وتعليم الأخلاق ومنتظماً في سلك الصالحين وهم المجردات ومقربو الحضرة { قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ } ذلك { وَقَدْ بَلَغَنِي } كبر منتهى الطور { وامرأتى } وهي طبيعة الروح النفسانية { عَاقِرٌ } بالنور المجرد فطلب لذلك علامة فقيل له : علامة ذلك الإمساك عن مكالمة القوى البدنية في تحصيل مآربهم من اللذائذ { ثلاثة أَيَّامٍ } كل يوم عقد تام من أطوار العمر وهو عشر سنين { إِلا } بالإشارة الخفية ، وأمر بالذكر في هذه الأيام التي هي مع العشر الأول التي هي سن التميز أربعون سنة/ انتهى وهو قريب مما ذكرته ولعل ما ذكرته على ضعفي أولى منه ، وباب التأويل واسع وبطون كلام الله تعالى لا تحصى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ} (41)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بذلك جلّ ثناؤه خبرا عن زكريا، قال زكريا: يا ربّ إن كان هذا النداء الذي نوديته، والصوت الذي سمعته صوت ملائكتك، وبشارة منك لي، فاجعل لي آية! يقول: علامة أن ذلك كذلك، ليزول عني ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوت غير الملائكة، وبشارة من عند غيرك. وقد دللنا فيما مضى على معنى الآية، وأنها العلامة. {قالَ آيَتُكَ ألاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلاّ رَمْزا}؛ فعاقبه الله فيما ذكر لنا بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إياه بالبشارة، فجعل آيته على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة بيحيى أنه من عند الله آية من نفسه، جمع تعالى ذكره بها العلامة التي سألها ربه على ما يبين له حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصا له من هفوته، وخطأ قيله ومسألته.

وأما الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانا، وذلك غير كثير فيهم، وقد يقال للخفيّ من الكلام الذي هو مثل الهمس بخفض الصوت: الرمز. وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله عزّ وجلّ به في إخباره عن زكريا من قوله: {آيَتُكَ ألاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَةَ أيّامٍ إلاّ رَمْزا} وأيّ معاني الرمز عنى بذلك؟ فقال بعضهم: عنى بذلك: آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا تحريكا بالشفتين، من غير أن ترمز بلسانك الكلام. وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الإيماء والإشارة؛ أن يشير بيده أو رأسه ولا يتكلم.

{وَاذْكُرْ رَبّكَ كَثِيرا وَسَبّحْ بِالعَشِيّ وَالإبْكارِ}: قال الله جلّ ثناؤه لزكريا: يا زكريا آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا بغير خرس، ولا عاهة، ولا مرض {واذْكُرْ رَبّكَ كَثِيرا} فإنك لا تمنع ذكره، ولا يحال بينك وبين تسبيحه وغير ذلك من ذكره... لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا حيث قال: {آيَتُكَ أنْ لاَ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَةَ أيّامٍ إلاّ رَمْزا وَاذْكُرْ رَبّكَ كَثِيرا}.

{وَسَبّحْ بِالعَشِيّ}: عظم ربك بعبادته بالعشيّ. والعشيّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، وأما الإبكار: فإنه مصدر من قول القائل: أبكر فلان في حاجة، فهو يُبْكِرُ إبكارا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى، فذلك إبكار.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{قال آيتك ألا تلكم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} قال بعضهم أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: {أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر} لكن ذلك خطأ، والوجه فيه منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه. ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربه، ويسبح بالعشي والإبكار بقوله: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار}؟... ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله، إذا كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه أن منع اللسان عن النطق هو أعلى أحوال الاحتمال ليكون آية للأول...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

طلب الآية ليعلم الوقت الذي هو وقت الإجابة على التعيين لا لِشك له في أصل الإجابة. وجعل آية ولايته في إمساك لسانه عن المخلوقين مع انطلاقها مع الله بالتسبيح، أي لا تمتنع عن خطابي فإني لا أمنع أوليائي من مناجاتي...

بقلبك ولسانك في جميع أوقاتك... {وَسَبِّحْ بِالعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ}. في الصلاة الدائبة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{ءَايَةً}: علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر. {قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ} تقدر على تكليم الناس {ثلاثة أَيَّامٍ}؛ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذلك قال: {واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار} يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة.

فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت: ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعاً منه.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قال رب اجعل لي آية}: أي علامة تتقدم هذه العناية وتؤذن بها.

ومن سخافات بعض المفسرين التي أومأنا إليها آنفا زعمهم أن زكريا عليه السلام اشتبه عليه وحي الملائكة ونداؤهم بوحي الشياطين ولذلك سأل سؤال التعجب، ثم طلب آية للتثبت، وروى ابن جرير عن السدي وعكرمة أن الشيطان هو الذي شككه في نداء الملائكة وقال له إنه من الشيطان. ولولا الجنون بالروايات مهما هزلت وسمجت لما كان لمؤمن أن يكتب مثل هذا الهزء والسخف الذي ينبذه العقل وليس في الكتاب ما يشير إليه، ولو لم يكن لمن يروي مثل هذا إلا هذا لكفى في جرحه، وأن يضرب بروايته على وجهه، فعفا الله عن ابن جرير إذ جعل هذه الرواية ما ينشر.

{قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا}: قيل معناه أن تعجز عن خطاب الناس بحصر يعتري لسانك إذا أردته، ويرجحه أن الآية تكون بغير المعتاد وقيل معناه أن تترك ذلك مختارا التفرغ لعبادة الله ويؤيده قوله: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} والمشهور الأول. وللمفسرين روايات سقيمة فيه، منها أن هذه الآية عقوبة عاقبه الله تعالى بها أن طلب الآية بعد تبشير الملائكة ومنها أن لسانه ربا فيه حتى ملأه ومثل هذا السخف لا يجوز ذكره إلا لأجل رده على قائله وضرب وجهه به. وفي إنجيل لوقا أن جبريل قال لزكريا "وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته".

وقال الأستاذ الإمام: الصواب أن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه، ويبشر أهله، فسأل عن الكيفية ولما أجيب بما أجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره، ويكون إتمامه إياها وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع للذكر والتسبيح مساء صباح مدة ثلاثة أيام فإذا احتيج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث الليال. واختلفوا في الرمز هل كان بالقول الخفي وتحريك الشفتين أم بغيرهما من الأعضاء كالعينين والحاجبين والرأس واليدين لأن الرمز والإيماء يكون بكل ذلك. والعشي من الزوال إلى الغروب وقيل من الغروب إلى ذهاب صدر من الليل وقال الراغب من زوال الشمس إلى الصباح. والإبكار من الصباح إلى الضحى..

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي؛ فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه...

(قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا. واذكر ربك كثيرا. وسبح بالعشي والإبكار) ويسكت السياق هنا. ونعرف أن هذا قد كان فعلا. فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره.. لسانه هذا هو لسانه.. ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه.. أي قانون يحكم هذه الظاهرة؟ إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية.. فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة.. كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر!!!...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

فلما سمع زكريا منها ذلك قال: ما دام الله يرزق من غير حساب ويأتي بالأشياء بلا أسباب فأنا قد بلغت من الكبر عتيا، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب من ربي أن يهبني غلاما؟ إذن فمقولة مريم: {إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قد لفتت زكريا، ونبهت إيمانا موجودا في أعماقه وحاشية شعوره، ولا نقول أوجدت إيمانا جديدا لزكريا بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ولكنها أخرجت القضية الإيمانية من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فقال زكريا: ما دام الأمر كذلك فأنا أسأل الله أن يهبني غلاما.. وقول زكريا: {هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} دل على أنه وزوجته لا يملكان اكتساب الأبوة والأمومة ولذلك طلب الهبة من الله. والهبة شيء بدون مقابل...

ولنا أن نقول: أكنت تحب أن يمر مثل هذا الأمر الخارق للعادة والخارق للناموس على سيدنا زكريا كأنه أمر عادي لا يندهش له ولا يتعجب؟ لا، لا بد أن يندهش ويتعجب لذلك قال: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ}. فكأن الدهشة لفتته إلى أنه ستأتي آية عجيبة، ولو لم تكن تلك الدهشة لكانت المسألة رتيبة وكأنها أمر عادي. إذن، فهو يلفتنا إلى الأمر العجيب الذي خصه الله به. وأيضا جاءت المسألة على خلاف ناموس التكاثر والإنجاب والنسل: {وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ}...

إن المسألة كلها تفضل وهبة من الله...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

هنا يطلب زكريّا من الله إمارة على بشارته بمجيء يحيى. إنّ إظهار دهشته كما قلنا وكذلك طلب علامة من الله، لا يعنيان أبداً أنّه لا يثق بوعد الله، خاصّة وأنّ ذلك الوعد قد توكّد بقوله: (كذلك الله يفعل ما يشاء). إنَّما كان يريد زكريّا أن يتحوّل إيمانه بهذا إيماناً شهودياً. كان يريد أن يمتلئ قلبه بالاطمئنان، كما كان إبراهيم يبحث عن اطمئنان القلب والهدوء الناشئين عن الشهود الحسّي.

(قال آيتك ألاَّ تكلّم الناس ثلاثة أيّام إلاَّ رمزاً).

«الرمز» إشارة بالشفة، والصوت الخفي. ثمّ اتّسع المعنى في الحوار العادي، فأُطلق على كلّ كلام وإشارة غير صريحة إلى أمر من الأُمور.

أجاب الله طلب زكريّا هذا أيضاً، وعيَّن له علامة، وهي أنّ لسانه كفّ عن الكلام مدّة ثلاثة أيّام بغير أيّ نقص طبيعي، فلم يكن قادراً على المحادثة العادية.

ولكن لسانه كان ينطلق إذا ما شرع يسبّح الله ويذكره. هذه الحالة العجيبة كانت علامة على قدرة الله على كلّ شيء. فالله القادر على فكّ لجام اللسان عند المباشرة بذكره، قادر على أن يفكّ عقم رحم امرأة فيخرج منه ولداً مؤمناً هو مظهر ذكر الله. وهكذا تتّضح العلاقة بين هذه العلامة وما كان يريده زكريّا.

هذا المضمون يرد في الآيات الأُولى من سورة مريم أيضاً.

وفي الوقت نفسه يمكن أن تحمل هذه العلامة معنى آخر في طيّاتها، وهو أنّ إلحاح زكريّا على طلب العلامة والآية وإن لم يكن أمراً محرّماً ولا مكروهاً كان من نوع «ترك الأولى». لذلك قرّر له علامة، إضافة إلى ما فيها من بيان لقدرة الله، طافحة بالإشارة إلى تركه للأولى.

يتبادر هنا للذهن سؤال: أيتّسق بكم نبيّ مع مقام النبوّة وواجب الدعوة والتبليغ؟

ليس من الصعب الإجابة على هذا السؤال، إذ أنّ هذه الحالة لا تتّسق مع مقام النبوّة عند استمرارها مدّة طويلة. أمّا حدوثها لفترة قصيرة يستطيع النبيّ خلالها اعتزال الناس والتوجّه إلى عبادة الله، فلا مانع فيه، كما أنّه خلال هذه المدّة يستطيع أن يخاطب الناس بالإيماء في الأُمور الضرورية، أو بتلاوة آيات الله، التي تعتبر ذكراً لله، وتبليغاً للرسالة الإلهية. وهذا ما قام به فعلاً، إذ كان يدعو الناس إلى ذكر الله بالإشارة.

(واذكر ربّك كثيراً وسبّح بالعشيّ والإبكار).

«العشي» تطلق عادة على أوائل ساعات الليل، كما يقال «الإبكار» للساعات الأولى من النهار. وقيل إنّ «العشي» هو من زوال الشمس حتّى غروبها، و«الإبكار» من طلوع الفجر حتّى الظهر.

والراغب الاصفهاني يقول في «المفردات»: إنّ «العشي» من زوال الشمس حتّى الصباح، و«الإبكار» أوائل النهار.

وفي الآية يأمر الله زكريّا بالتسبيح. إنّ هذا التسبيح والذكر على لسان لا ينطق موقتاً دليل على قدرة الله على فتح المغلق، وكذلك هو أداء لفريضة الشكر لله الذي أنعم عليه بهذه النعمة الكبرى.

من الآيات الأُولى لسورة مريم يستفاد أنّ زكريّا لم ينفّذ هذا البرنامج وحده، بل طلب من الناس إيماءاً أن يسبّحوا الله صباح مساء شكراً على ما أنعم عليهم من موهبة ترتبط بمصير مجتمعهم ومن قائد كفوء مثل يحيى. وأضحت هذه الأيام أيّام شكر وتسبيح عام.