روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (139)

{ وَقَالُواْ } حكاية لفن آخر من فنون كفرهم . { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام } يعنون به أجنة البحائر والسوائب كما روي عن مجاهد والسدي وروى ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم يعنون به الألبان ، و «ما » مبتدأ خبره قوله سبحانه : { خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } أي حلال لهم خاصة لا يشركهم فيه أحد من الإناث ، والتاء للنقل إلى الإسمية أو للمبالغة كراوية الشعر أي كثير الرواية له أو لأن الخالصة مصدر كما قال الفراء كالعافية وقع موقع الخالص مبالغة أو بتقدير ذو وهذا مستفيض في كلام العرب تقول : فلان خالصتي أي ذو خلوصي ، قال الشاعر

: كنت أميني وكنت خالصتي *** وليس كل امرىء بمؤتمن

نعم قيل : مجيء المصدر بوزن فاعل وفاعلة قليل ، وقيل : إن التاء للتأنيث بناء على أن «ما » عبارة عن الأجنة .

والتذكير في قوله تعالى : { وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } أي على جنس أزواجنا وهن الإناث باعتبار اللفظ ، واستبعد ذلك بأن فيه رعاية المعنى أولاً واللفظ ثانياً وهو خلاف المعهود في الكتاب الكريم من العكس ، وادعى بعض أن له نظائر فيه ، منها قوله تعالى : { كُلُّ ذلك كَانَ سَيّئُهُ عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } [ الإسراء : 38 ] إذ أنث فيه ضمير «كل » أولاً مراعاة للمعنى ثم ذكر حملاً على اللفظ ، وقيل : إن ما هنا جار على المعهود من رعاية اللفظ أولاً لأن صلة «ما » جار ومجرور تقدير متعلقه استقر لا استقرت ولا وجه لذلك لأن المتعلق والضمير المستتر فيه لا يعلم تذكيره وتأنيه حتى يكون مراعاة لأحد الجانبين ، والذي يقتضيه الإنصاف أن الحمل على اللفظ بعد المعنى قليل وغيره أولى ما وجد إليه سبيل ، وذكر بعضهم أن ارتكاب خلاف المعهود ههنا لا يخلو عن لطف معنوي ولفظي ، أما الأول فموافقة القول الفعل حيث إن المعهود من ذوي المروءة جبر قلوب الإناث لضعفهن . ولذا يندب للرجل إذا أعطى شيئاً لولده أن يبدأ بإنثاهم ، وأما الثاني فمراعاة ما يشبه الطباق بوجه بين خالصة وذكورنا وبين محرم وأزواجنا وهو كما ترى .

{ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً } عطف على ما يفهم من الكلام أي ذلك حلال للذكور محرم على الإناث إن ولد حياً وإن ولدت ميتة { فَهُمُ } أي الذكور والإناث { فِيهِ } أي فيما في بطون الأنعام ، وقيل : الضمير للميتة إلا أنه لما كان المراد بها ما يعم الذكر والأنثى غلب الذكر فذكر الضمير كما فعل ذلك فيما قبله { شُرَكَاء } يأكلون منه جميعاً ، وهذا الذي ذكر في هذه الشرطية إنما يظهر على القول الأول في تفسير الموصول ، وأما على القول الثاني فيه فلا .

ولعل الذي يقول به يقرأ الآية بإحدى الأوجه الآتية أو يتأول الضمير ، وقرأ الأعرج وقتادة { خَالِصَةٌ } بالنصب وخرج ذلك على أنه مصدر مؤكد وخبر المبتدأ { لِّذُكُورِنَا } ، وقال القطب الرازي : يجوز أن يكون حالاً من الضمير في الظرف الواقع صلة أي في حال خلوصه من البطون أي خروجه حياً ، والتزم جعلها حالاً مقدرة ولعله ليس باللازم ، ومنع غير واحد جعله حالاً من الضمير فيما بعده أو من ذكورنا نفسه لأن الحال لا تتقدم على العامل المعنوي كالجار والمجرور واسم الإشارة وها التنبيه العاملة بما تضمنته من معنى الفعل ولا على صاحبها المجرور كما تقرر في محله ، وقرأ ابن جبير { خَالِصًا } بدون تاء من النصب أيضاً ؛ والكلام فيه نظير ما مر ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش { خَالِصَةٌ } بالرفع والإضافة إلى الضمير على أنه بدل من ما أو مبتدأ ثان ، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر «وإن تكن » بالتاء «ميتة » بالرفع ، وابن كثير «يكن » بالياء وميتة بالرفع . وأبو بكر عن عاصم «تكن » بالتاء كابن عامر «ميتة » بالنصب . قال الإمام : «وجه قراءة ابن عامر أنه ألحق الفعل علامة التأنيث لما كان الفاعل مؤنثاً في اللفظ ، ووجه قراءة ابن كثير أن { مَيْتَةً } اسم { يَكُنِ } وخبره مضمر أي إن يكن لهم أو هناك ميتة ، وذكر لأن الميتة في معنى الميت » . وقال أبو علي : لم يلحق الفعل علامة التأنيث لأن تأنيث الفاعل المسند إليه غير حقيقي ولا تحتاج كان إلى خبر لأنها بمعنى وقع وحدث ، ووجه القراءة الأخيرة أن المعنى وإن تكن الأجنة أو الأنعام ميتة .

{ سَيَجْزِيهِم } ولا بد { وَصْفَهُمْ } الكذب على الله تعالى في أمر التحليل والتحريم من قوله تعالى : { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } [ النحل : 62 ] وهو كما قال بعض المحققين من بليغ الكلام وبديعه فإنهم يقولون : وصف كلامه الكذب إذا كذب ، وعينه تصف السحر أي ساحر ، وقده يصف الرشاقة بمعنى رشيق مبالغة حتى كان من سمعه أو رآه وصف له ذلك بما يشرحه له ، قال المعري

: سرى برق المعرة بعد وهن *** فبات برامة يصف الملالا

ونصب { وَصْفَهُمْ } على ما ذهب إليه الزجاج لوقوعه موقع مصدر «يجزيهم » فالكلام على تقدير المضاف أي جزاء وصفهم ، وقيل : التقدير سيجزيهم العقاب بوصفهم أي بسببه فلما سقط الباء نصب { وَصْفَهُمْ } .

{ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } تعليل للوعد بالجزاء فإن الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة . واستدل بالآية على أنه لا يجوز الوقف على أولاده الذكور دون الإناث وأن ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف لأن ذلك من فعل الجاهلية ، واستدل بذلك بعض المالكية على مثل ذلك / في الهبة ، وأخرج البخاري في «التاريخ » عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده إن هذا إلا كما قال الله تعالى : { خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (139)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم أخبر عنهم، فقال: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا}، يعني من الولد والألبان، {ومحرم على أزواجنا}، يعني البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فكانوا إذا أنتجوه حيا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وكذلك الألبان، وإن وضعته ميتا اشترك في أكله الرجال والنساء، فذلك قوله: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم} الله العذاب في الآخرة، {وصفهم}، ذلك بالتحليل والتحريم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف أهل التأويل في المعنىّ بقوله:"ما فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ"؛ فقال بعضهم: عنى بذلك اللبن... عن قتادة: "وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الأنْعام خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرّمٌ على أزْوَاجِنا": ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء، وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم...

وقال آخرون: بل عنى بذلك ما في بطون البحائر والسوائب من الأجنة... وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا. واللبن مما في بطونها، وكذلك أجنتها، ولم يخصص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا بعض ذلك حرام عليهنّ دون بعض. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يقال: إنهم قالوا ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حلّ لذكورهم خالصة دون إناثهم، وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم، إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتا فيشترك حينئذٍ في أكله الرجال والنساء...

وأما قوله: "ومُحَرّمٌ على أزْوَاجِنا "فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنّي بالأزواج؛ فقال بعضهم: عنى بها النساء.

وقال آخرون: بل عنى بالأزواج: البنات...

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام، يعني أنعامهم: هذا محرّم على أزواجنا، والأزواج إنما هي نساؤهم في كلامهم، وهن لا شكّ بنات من هن أولاده، وحلائل من هنّ أزواجه...

وقوله: "فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ" فإنه يعني أن الرجال وأزواجهم شركاء في أكله لا يحرّمونه على أحد منهم...

"سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إنّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ" يقول جلّ ثناؤه: سيجزي: أي سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين عليه الكذب في تحريمهم ما لم يحرّمه الله، وتحليلهم ما لم يحلله الله، وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله.

وقوله: "وَصْفَهُمْ" يعني بوصفهم الكذب على الله، وذلك كما قال جلّ ثناؤه في موضع آخر من كتابه: "وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمْ الكَذِبَ"... عن مجاهد، في قوله: "سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ" قال: قولهم الكذب في ذلك...

وأما قوله: "حَكِيمٌ عَلِيمٌ" فإنه يقول جلّ ثناؤه: إن الله في مجازاتهم على وصفهم الكذب وقيلهم الباطل عليه، حكيم في سائر تدبيره في خلقه، عليم بما يصلحهم وبغير ذلك من أمورهم.

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد قوله، ويعلم كيف يرد عليه؛ لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. سيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم).. لقد استطردوا في أوهام التصورات والتصرفات، النابعة من انحرافات الشرك والوثنية، ومن ترك أمر التحليل والتحريم للرجال؛ مع الادعاء بأن ما يشرعه الرجال هو الذي شرعه الله. استطردوا في هذه الأوهام فقالوا عن الأجنة التي في بطون بعض الأنعام -ولعلها تلك المسماة البحيرة والسائبة والوصيلة- إنها خالصة للذكور منهم حين تنتج، محرمة على الإناث، إلا أن تكون ميتة فيشارك فيها الإناث الذكور.. هكذا بلا سبب ولا دليل ولا تعليل، إلا أهواء الرجال التي يصوغون منها دينا غامضاً ملتبسا في الأفهام. ويعقب السياق القرآني تعقيب التهديد؛ لمن صاغوا هذه الشرائع وكذبوا على الله فوصفوها بأنها من شرع الله: (سيجزيهم وصفهم).. (إنه حكيم عليم).. يعلم حقائق الأحوال، ويتصرف فيها بحكمة، لا كما يتصرف هؤلاء المشركون الجهال...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عطف على قوله: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر} [الأنعام: 138]. وأعيد فعل: {قالوا} لاختلاف غرض المقول.

والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها، كما تقدّم، أو إلى الأنعام المذكورة قبل. ولا يتعلّق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء الّتي حرموها لأنّ المقصود التّعجيب من فساد شرعهم كما تقدّم آنفاً، وهذا خبر عن دينهم في أجنّة الأنعام التي حجروها أو حرّموا ظهورها، فكانوا يقولون في أجنّة البحيرة والسّائبة: إذا خرجت أحياء يحلّ أكلها للذكور دون النّساء، وإذا خرجت ميّتة حلّ أكلها للذّكور والنّساء، فالمراد بما في البطون الأجنة لا محالة لقوله: {وإن يكن ميتة} وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسّائبة: يشربها الرّجال دون النّساء، فظنّ بعض المفسّرين أنّ المراد بما في بطون الأنعام ألبانها، وروي عن ابن عَبّاس، ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عبّاس أنّ ما في البطون يشمل الألبان لأنَّها تابعة للأجنّة وناشئة عن ولادتها.

والخالصة: السّائغة، أي المباحة، أي لا شائبةَ حَرج فيها، أي في أكلها، ويقابله قوله: {ومحرم}...

والمحرّم: الممنوع، أي ممنوع أكله، فإسناد الخلوص والتّحريم إلى الذّوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء.

والأزواج جمع زوج، وهو وصف للشّيء الثّاني لغيره، فكلّ واحد من شيئين اثنين هو زوج، ولذلك سمّي حليل المرأة زوجاً وسمّيت المرأة حليلةُ الرّجل زوجاً، وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يُؤنث ولا يثنّى ولا يجمع. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة} في سورة البقرة (35).

وظاهر الآية أن المراد أنّه محرّم على النساء المتزوّجات لأنّهم سمّوهنّ أزواجاً، وأضافوهنّ إلى ضميرهم، فتعيّن أنَّهن النّساء المتزوّجات بهم كما يقال: امرأة فلان. وإذا حملناه على الظاهر وهو الأوْلى عندي كان ذلك دالاً على أنّهم كانوا يتشاءمون بأكل الزّوجات لشيء ذي صفة كانوا يكرهون أن تصيب نساءَهم... أو لأنّه نَتاج أنعام مقدّسة، فلا تحلّ للنّساء، لأنّ المرأة مرموقة عند القدماء قبل الإسلام بالنّجاسة والخباثة، لأجل الحيض ونحو ذلك...وكانت الأحوال الشّائعة بينهم دالّة على المراد.

وأمّا قوله: {وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} أي إنْ يولدْ ما في بطون الأنعام ميّتا جاز أكله للرّجال والأزواج، أو للرّجال والنّساء، أو للرّجال والنّساء والبنات، وذلك لأنّ خروجه ميّتا يبطل ما فيه من الشّؤم على المرأة، أو يذهب قداسته أو نحو ذلك.

...جملة: {سيجزيهم وصفهم} مستأنفة استئنافاً بيانياً، كما قلتُ في جملة: {سيجزيهم بما كانوا يفترون} [الأنعام: 138] آنفاً.

والوصف: ذكر حالات الشّيء الموصوف وما يتيمّز به لمن يريد تمييزه في غرض ما، وتقدّم في قوله: {سبحانه وتعالى عمّا يصفون} في هذه السّورة (100). والوصف، هنا: هو ما وصفوا به الأجنّة من حِلّ وحرمَة لفريق دون فريق، فذلك وصف في بيان الحرام والحلال منه كقوله تعالى: {ولا تَقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116].

وجزاؤهم عنه هو جزاء سوءٍ بقرينة المقام، لأنّه سمّى مزاعمهم السّابقة افتراء على الله. وجُعل الجزاء متعدّيا للوصف بنفسه على تقدير مضاف، أي: سيجْزيهم جزاءَ وصفهم. ضمّن {يجزيهم} معنى يُعطيهم، أي جزاء وفاقاً له.

وجملة: {إنه حكيم عليم} تعليل لكون الجزاء موافقا لجرُم وصفهم. وتؤذن (إنّ) بالربط والتّعليل، وتُغني غناء الفاء، فالحكيم يضع الأشياء مواضعها، والعليم يطّلع على أفعال المجزيين، فلا يضيع منها ما يستحقّ الجزاء.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وإنه يجب أن ننبه هنا إلى أنهم في هذا الإفك الذي يأفكون يجعلون للمرأة من الطعام الشيء الذي يعاف ويجعلون للرجل الطيب من الطعام ولا يحرمونه مما يخص النساء...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

ولكن عبارة (وإِن يكن ميتة) تبيّن أنّ المقصود هو الجنين الذي إِذا ولد حيّاً فهو للذكور، وإِنّ ولد ميتاً وهو ما لم يكن مرغوباً عندهم فهم جميعاً شركاء فيه بالتساوي. هذا الحكم لا يقوم أوّلا على أي دليل، وهو ثانياً قبيح وبشع فيما يتعلق بالجنين الميت، لأنّ لحم الحيوان الميت يكون في الغالب فاسداً ومضراً، ثمّ هو ثالثاً نوع من التمييز بين الرجل والمرأة، بجعل الطيب للرجال فقط، وبجعل المرأة شريكة في الفاسد فقط...