روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

{ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ } أي في الإيمان الذي تركته ، ولعل للترجي وهو إما راجع للعمل والإيمان لعلمه بعدم الرجوع أو للعمل فقط لتحقيق إيمانه إن رجع فهو كما في قولك : لعلي أربح في هذا المال أو كقولك : لعلي أبني على أس أي أسس ثم أبني ، وقيل : فيما تركت من المال أو من الدنيا جعل مفارقة ذلك تركاً له ، ويجوز أن تكون لعل للتعليل .

/ وفي البرهان حكى البغوي عن الواقدي أن جيمع ما في القرآن من لعل فإنها للتعليل إلا قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } [ الشعراء : 129 ] فإنها للتشبيه .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك نحوه ، ثم إن طلب الرجعة ليس من خواص الكفار . فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مانع الزكاة وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت . وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول : { رَبّ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ } » وهذا الخبر يؤيد أن الراد مما تركت المال ونحوه { كَلاَّ } ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها .

{ أَنَّهَا } أي قوله { رَبّ ارجعون } [ المؤمنون : 99 ] الخ { إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة وتسلط الندم عليه فتقديم المسند إليه للتقوى أو هو قائلها وحده فالتقديم للاختصاص ، ومعنى ذلك أنه لا يجاب إليها ولا تسمع منه بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلة قولها حتى كأن المعتد بها شريك لقائلها . ومثل هذا متداول متداول فيقول من كلمة صاحبه بما لا جدوى تحته : اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع يعني أنها مما لا تسمع منك ولا تستحق الجواب . والكلمة هنا بمعنى الكلام كما في قولهم : كلمة الشهادة وهي في هذا المعنى مجاز عند النحاة . وأما عند اللغويين فقيل حقيقة ، وقيل مجاز مشهور .

والظاهر أن { كَلاَّ } وما بعدها من كلامه تعالى ، وأبعد جداً من زعم أن { كَلاَّ } من قول من عاين الموت وأنه يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم { وَمِن وَرَائِهِمْ } أي أمامهم وقد مر تحقيقه ، والضمير لأحدهم والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم كما أن الأفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ { بَرْزَخٌ } حاجز بينهم وبين الرجعة { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } من قبورهم وهو يوم القيامة ، وهذا تعليق لرجعتهم إلى الدنيا بالمحال كتعليق دخولهم الجنة بقولهم سبحانه : { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } [ الأعراف : 40 ] وعن ابن زيد أن المراد من ورائهم حاجز بين الموت والبعث في القيامة من القبور باق إلى يوم يبعثون ، وقيل : حاجز بينهم وبين الجزاء التام باق إلى يوم القيامة فإذا جاء ذلك اليوم جوزوا على أتم وجه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

{ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } من العمل ، وفرطت في جنب الله . { كَلَّا } أي : لا رجعة له ولا إمهال ، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون ، { إِنَّهَا } أي : مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا { كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } أي : مجرد قول باللسان ، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم ، وهو أيضا غير صادق في ذلك ، فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه .

{ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي : من أمامهم وبين أيديهم برزخ ، وهو الحاجز بين الشيئين ، فهو هنا : الحاجز بين الدنيا والآخرة ، وفي هذا البرزخ ، يتنعم المطيعون ، ويعذب العاصون ، من موتهم إلى يوم يبعثون ، أي : فليعدوا له عدته ، وليأخذوا له أهبته .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ} (100)

قوله تعالى : { لعلي أعمل صالحاً فيما تركت } أي : لعلي أن أقول لا إله إلا الله . وقيل : أعمل بطاعة الله . قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله ، فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب ، { كلا } كلمة ردع وزجر ، أي : لا يرجع إليها ، { إنها } يعني : سؤاله الرجعة ، { كلمة هو قائلها } ولا ينالها { ومن ورائهم برزخ } أي أمامهم وبين أيديهم حاجز ، { إلى يوم يبعثون } والبرزخ الحاجز بين الشيئين ، واختلفوا في معناه هاهنا ، فقال مجاهد : حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا . وقال قتادة : بقية الدنيا . وقال الضحاك : البرزخ ما بين الموت إلى البعث . وقيل : هو القبر ، وهم فيه إلى يوم يبعثون .