روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (35)

{ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت } أي المسجد الحرام الذي صدوا المسلمين عنه ، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله تعالى فينبغي أن يعظم بالعبادة وهم لم يفعلوا { إِلا } أي صفيراً ، وهو فعال بضم أوله كسائر أسماء الأصوات فإنها تجيء على فعال إلا ما شذ كالنداء من مكا يمكو إذا صفر ، وقرىء بالقصر كبكا { مُكَاء وَتَصْدِيَةً } أي تصفيقاً ، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت ، ووزنه تفعلة من الصد كما قال أبو عبيدة فحول إحدى الدالين ياء كما في تقضي البازي لتقضضه ، ومن ذلك قوله تعالى : { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } [ الزخرف : 57 ] أي يضجون لمزيد تعجبهم ، وأنكر عليه ، وقيل : هو من الصدأ وهو ما يسمع من رجع الصوت عند جبل ونحوه ، والمراد بالصلاة إما الدعاء أو أفعال أخر كانوا يفعلونها ويسمونها صلاة ، وحمل المكاء والتصدية عليها على ما يشير إليه كلام الراغب بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها ولا معنى لها كصفير الطيور وتصفيق اللعب . وقد يقال : المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي تليق أن تقع عند البيت على حد :

تحية بينهم ضرب وجيع *** يروى أنهم كانوا إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون عليه بالصفير والتصفيق ويرون أنهم يصلون أيضاً .

وروى أنهم كانوا يطوفون عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون . وقال بعض القائلين : إن التصدية بمعنى الصد ، والمراد صدهم عن القراءة أو عن الدين أو الصد بمعنى الضجة كما نقل عن ابن يعيش في قوله تعالى : { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } [ الزخرف : 57 ] والمأثور عن ابن عباس وجمع من السلف ما ذكرناه .

نعم روى عن ابن جبير : تفسير التصدية بصد الناس عن المسجد الحرام ، وفيه بعد ، وأبعد من ذلك تفسير عكرمة لها بالطواف على الشمال بل لا يكاد يسلم ، والجملة معطوفة إما على { وَهُمْ يَصُدُّونَ } [ الأنفال : 34 ] فتكون لتقرير استحقاقهم للعذاب ببيان أنهم صدوا ولم يقوموا مقام من صدوه في تعظيم البيت ، أو على { وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ } [ الأنفال : 34 ] فتكون تقريراً لعدم استحقاقهم لولايته . وقرأ الأعمش . { صَلاَتِهِمْ } بالنصب وهي رواية عن عاصم . وأبان ، وهو حينئذ خبر كان ومكاء بالرفع اسمها ، وفي ذلك الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو من القلب عند السكاكي ، وقال ابن جني : لا قلب ثم قال : لسنا ندفع أن جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة قبيح وإنما جاءت منه أبيات شاذة لكن من وراء ذلك ما أذكره ، وهو أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته . ألا تراك تقول : خرجت فإذا أسد بالباب ، فتجد معناه فإذا الأسد ولا فرق بينهما . وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسداً واحداً معيناً وإنما تريد واحد من هذا الجنس ، وإذا كان كذلك جاز هنا النصب والرفع جوازاً قريباً كأنه قيل : وما كان صلاتهم إلا هذا الجنس من الفعل ولا يكون مثل قولك : كان قائم أخاك ، لأنه ليس في قائم معنى الجنسية .

وأيضاً فإنه يجوز مع النفي ما لا يجوز مع الإيجاب . ألا تراك تقول : ما كان إنسان خيراً منك ولا تجيز كان إنسان خيراً منك ، وتمام الكلام عليه في موضعه { فَذُوقُواْ العذاب } يعني القتل والأسر يوم بدر كما روى عن الحسن . والضحاك ، وقيل : عذاب الآخرة ، وقيل : العذاب المعهود في قوله سبحانه : { أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ } [ الأنفال : 32 ] ولا تعيين ، والباء في قوله تعالى : { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } للسببية ، والفاء على تقدير أن لا يراد من العذاب عذاب الآخرة للتعقيب ، وعلى تقدير أن يراد ذلك للسببية كالباء وأمر اجتماعهما ظاهر ، والمتبادر من الكفر ما يرجع إلى الاعتقاد ، وقد يراد به ما يشمل الاعتقاد والعمل كما يراد من الإيمان في العرف ذلك أيضاً .

هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت } وهو ذلك المسجد { إلا مكاء } إلا وساوس وخطرات شيطانية { وَتَصْدِيَةً } [ الأنفال : 35 ] وعزماً على الأفعال الشنيعة

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (35)

35 وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ .

يعني أن اللّه تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه ، وتخلص له فيه العبادة ، فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر ، وأما هؤلاء المشركون الذين يصدون عنه ، فما كان صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً أي : صفيرا وتصفيقا ، فعل الجهلة الأغبياء ، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم ، ولا معرفة بحقوقه ، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها ، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه ، فكيف ببقية العبادات ؟ " .

فبأي : شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، إلى آخر ما وصفهم اللّه به من الصفات الحميدة ، والأفعال السديدة .

لا جرم أورثهم اللّه بيته الحرام ، ومكنهم منه ، وقال لهم بعد ما مكن لهم فيه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وقال هنا فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ} (35)

قوله تعالى : { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديةً } ، قال ابن عباس والحسن : المكاء : الصفير ، وهو في اللغة اسم طائر أبيض ، يكون بالحجاز له صفير ، كأنه قال : إلا صوت مكاء ، والتصدية التصفيق . قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ، ويصفقون . قال مجاهد : كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ، ويستهزءون به ، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون ، فذلك المكاء ، والتصدية التصفيق ، ومنه الصدى ، والمكاء جعل الأصابع في الشدق ، والتصدية : الصفر ، ومنه الصدا الذي يسمعه المصوت في الجبل ، قال جعفر بن ربيعة : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله عز وجل { إلا مكاء وتصدية } فجمع كفيه ، ثم نفخ فيهما صفيراً ، قال مقاتل : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان عن يمينه فيصفران ، ورجلان عن شماله فيصفقان ، ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ، وهم من بني عبد الدار . قال سعيد بن جبير : التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام ، وعن الدين ، والصلاة ، وهي على هذا التأويل : التصددة بدالين ، فقلبت إحدى الدالين ياءً ، كما يقال : تظنيت من الظن ، وتقضي البازي ، إذ البازي كسر ، أي تقضض البازي ، قال ابن الأنباري : إنما سماه صلاة لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد الحرام ، فجعلوا ذلك صلاتهم .

قوله تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .