روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا} (83)

{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا } بالصحة والسعة ونحوهما { عَلَى الإنسان } أي جنسه فيكفي في صحة الحكم وجوده في بعض الأفراد ولا يضر وجود نقيضه في البعض الآخر ، وقيل : المراد به الوليد بن المغيرة { أَعْرَضَ } عن ذكرنا كأنه مستغن عنا فضلاً عن القيام بمواجب شكرنا { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } لوى عطفه عن طاعتنا وولاها ظهره ، وأصل معنى النأي البعد وهو تأكيد للإعراض بتصوير صورته فهو أو في بتأدية المراد منه ، ومثله يجوز عطفه لإيهام المغايرة بينهما وهو أبلغ من من ترك العطف على ما بين في محله ، على أن ما ذكره أهل المعاني من أن التأكيد يتعين فيه ترك العطف لكمال الاتصال غير مسلم ، والجانب على ظاهره والمراد ترك ذلك ، ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار فإن ثنى العطف من أفعال المستكبرين ولا يبعد أن يراد بالجانب النفس كما يقال جاء من جانب فلان كذا أي منه وهو كناية أيضاً كما يعبر بالمقام والمجلس عن صاحبه . وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان { *وناء } هنا وفي فصلت فقيل ذلك من باب القلب ووضع العين محل اللام كراء ووراء ، وقيل لا قلب وناء بمعنى نهض كما في قوله :

حتى إذا ما التأمت مفاصله . . . وناء في شق الشمال كاهله

أي نهض متوكئاً على شماله ، وفسر نهض هنا بأسرع والكلام على تقدير مضاف أي أسرع بصرف جانبه ، وقيل : معناه تثاقل عن أداء الشكر فعل المعرض { بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشر } م مرض أو فقر أو نازلة من النوازل { كَانَ } شديد اليأس من رحمتنا لأنه لم يحسن معاملتنا في الرخاء حتى يرجو فضلنا في الشدة ، وفي إسناد المساس إلى السر بعد إسناد الأنعام إلى ضميره تعالى إيذان بأن الخير مراد بالذات والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكرم المطلق والرحمة الواسعة وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : «اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك وللفلاسفة ومن يحذو حذوهم في ذلك بحث طويل لا بأس بالإطلاع عليه ليؤخذ منه ما صفا ويترك منه ما كدر قالوا : إن الأول تعالى تام القدرة والحكمة والعلم كامل في جميع أفاعيله لا يتصور بخله بإفاضة الخيرات وليس الداعي له لذلك إلا علمه بوجوه الخير ومصالح الغير الذي هو عين ذاته كسائر صفاته وأما النقائص والشرور الواقعة في ضرب من الممكنات وعدم وصولها إلى كمالها المتصور في حقها فهي لقصور قابلياتها ونقص استعداداتها لا من بخل الحق تعالى مجده عن ذلك .

/ وقصور القابلية ينتهي في الآخرة إلى لوازم الماهيات الإمكانية ومنبعها الإمكان وتحقيق ذلك أن الشر يطلق عرفاً على معنيين ، أحدهما ماهو عدم كالفقر والجهل البسيط وهذا على ضربين ، الأول عدم محض ليس بإزاء الوجود الذي يطلبه طباع الشيء ولا مما يمكن حصوله له من الكمالات والخيرات كقصور الممكن عن الوجود الواجبي والوجوب الذاتي وقصور بعض الممكنات عن بعض كقصور الأجسام عن النفس فالخير الذي يقابل هذا منحصر في الواجب تعالى إذ له الكمال المطلق والوجود الحق بلا جهة إمكانية بوجه من الوجوه وما عدا من المهيآت المعروضة للوجود لا يخلو من شوب شرية ما وظلم ما على تفاوت إمكاناتهم حسب تفاوت طبقاتهم في البعد عن ينبوع الوجود ومطلع نور الخير والجود ، وهذا الشر منبعه الإمكان الذاتي ، والثاني ما يكون عدم ما يطلبه الشيء أو ما يمكن حصوله له من الكمالات ولا يتصور هذا في غير الماديات إذ الإبداعيات يكون وجودها على أكمل ما يتصور في حقها فلا يكون لها شرية بهذا المعنى وما عداها من المتعلقة بالمادة لا تخلو من شرية على تفاوت إمكاناتها الاستعدادية بحسب تفاوت مراتبها في التعلق بالهيولي وهذا الشر منبعه الهيولي ومنبعها الإمكان إذ لولاه ما صدرت من مصدرها فآل الشر إلى الإمكان كما سمعت أولاً .

وثانيهما : ما يمنع الشيء عن الوصول إلى الخير الممكن في حقه من الوجود أو كمال الوجود كالبرد والحبر المفسدين للثمار والمطر المانع للقصار عن تبييض الثياب والأخلاق الذميمة المانعة للنفس عن وصولها إلى كمالها العقلي كالبخل وازسراف والجهل المركب والسفاهة والأفعال الذميمة كالزنا والسرقة والنميمة وأشباه ذلك من الآلام والغموم وغير ذلك من الأشياء الوجودية لكن يتبعها إعدام ، وإطلاق الشر عندهم على المعنى الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز لأن الشر الحقيقي لا ذات له بل هو إما عدم ذات أو عدم كمال لذات ، والبرهان عليه أنه لو كان أمراً وجودياً فلا يخلو إما أن يكون شراً لنفسه أو لغيره والأول باطل وإلا لما وجد إذ الشيء لا يقتضي لذاته عدمه أو عدم كماله كيف وجميع الأشياء طالبة لكمالاتها لا مقتضية لعدمها مع أنه لو اقتضى كان الشر ذلك العدم لا نفسه وكذا الثاني لأن كونه لغيره إما لأنه لعدم ذلك الغير أو لأنه لعدم بعض كمالاته فإنه لو لم يكن معدماً لشيء أصلاً لا لوجوده ولا لكمال وجوده لم يكن شراً لذلك الشيء ضرورة أن كل ما لا يوجب عدم شيء ولا عدم كمال له لا يكون شراً له فإذاً ليس الشر إلا عدم ذلك اليء أو عدم كماله لا نفس الأمر الوجودي المعدم بل هو في ذاته من الكمالات النفسانية أو الجسمانية كالظلم فإنه وإن كان شراً بالقياس إلى المظلوم وإلى النفس الناطقة التي كمالها في تسخير قواها وكسرها لكنه خير بالقياس إلى القوة الغضبية التي كمالها بالانتقام ، وكذا الإحراق كمال للنار وشر لمن يتضرر به فعلم أن الشر أما عدم ذات أو عدم كمال لها فالوجود من حيث أنه وجود خير محض والعدم من حيث أنه عدم شر محض ، ثم إنك قد علمت أن الشر الذي هو بمعنى العدم منه ما هو من لوازم الماهيات التي لا علة لها ومنه ما لا يكون من هذا القبيل بل قد يلحق الماهيات لا من ذاتها فلا بد له من علة والكلام ليس في الأول الذي لا لمية له إذ قد تقرر أنه ليس للماهيات في كونها ممكنة ولا في حاجتها إلى علة لوجودها علة ولا لقصور الممكن عن الوجب بذاته ولا لتفاوت مراتب هذا النقصان في الماهيات علة بل إنما ذلك لاختلاف الماهيات في حدود ذاتها لا لأمر خارج عنها كيف ولو كان النقص في جميعها متشابهاً لكانت الماهيات ماهية واحدة بل الكلام في الثاني وهو عدم ما هو من الأمور الزائدة على مقتضى النوع كالجهل بالفلسفة للإنسان مثلاً فإن ذلك ليس شراً له لأجل كونه إنساناً بل لأجل أنه فقد لما اقتضاه شخص مستعد له مشتاق إليه من حيث أنه وجد فيه هذا الاستحقاق والاشتياق الذي لا صلاح في أن يعم .

وهذا الشر إنما يوجد في الأشياء على سبيل الندرة فكل ما وجد فهو خير محض أو خيره أكثر من شره ، وأما ما يكون شراً محضاً أو مستولي الشرية أو متساوي الطرفين فمما لا وجد له أصلاً حتى يحتاج فيه إلى منشأ سوى الواجب تعالى الذي هو خير محض لا يوجد منه شر أصلاً كما توهمه كفرة المجوس ، ثم كل ما كان خيراً محضاً أو كان خيره أكثر يصدر من الواجب بمقتضى أن من شأنه إفاضة الخير لأن ترك الأول شر محض وترك الثاني شر غالب ، وعالم العناصر من القسم الثاني فإن إيجابه للشرور على الوجه النادر ولا تسوغ عناية المبدع ورحمة الجواد إهماله وإلا لزم خير كثير لشر قليل وهو شر كثير على أنها إنما تكون للنفع في أشياء لو لم تخلق لخلق سربال الوجود وقصر رداء الجود وبقي في كتم العدم عوالم كثيرة ونفائس جملة غفيرة فمن هذه الحيثية يكون ذلك الشر القليل مقتضياً بالذات وهي مع ذلك إنما توجد تحت كرة القمر في بعض جوانب الآرض التي هي حقيرة بل لا شيء بالنسبة إلى ما عندك ربك سبحانه وتكون لبعض الأشخاص في بعض الأوقات وليست أيضاً شروراً بالنسبة إلى نظام الكل فإذا تصورت ذرة الشر في أبحر أشعة شمس الخير لا يضرها بل يزيدها بهاء وجمالاً وضياء وكمالاً كالشامة السوداء على الصورة المليحة البيضاء يزيدها حسناً وملاحة وإشراقاً وصباحة .

ولا يخفى أن هذا إنما يتم على القول بأنه تعالى لا يمكن أن تكون إرادته متساوية النسبة إلى الشيء ومقابلة بلا داع ومصلحة كما هو مذهب الأشاعرة وإلا فقد يقال : إن الفاعل للكل إذا كان مختاراً فله أن يختار أيما شاء من الخيرات والشرور لكن الحكماء وأساطين الإسلام قالوا : إن اختياره تعالى أرفع من هذا النمط وأمور العالم منوطة بقوانين كلية وأفعاله تعالى مربوطة بحكم ومصالح جلية وخفية .

وقول الإمام : إن الفلاسفة لما قالوا ءالإيجاب والجبر في الأفعال فخوضهم في هذا المبحث من جملة الفضول والضلال لأن السؤال بلم عن صدورها غير وارد كصدور الإحراق من النار لأنه يصدر عنها لذاتها ناشى من التعصب لأن محققيهم يثبتون الاختيار وليس صدور الأفعال من الله تعالى عندهم صدور الإحراق من النار ، وبعد فرض التسليم بحثهم عن كيفية وقوع الشر في هذا العالم لأجل أن الباري تبارك اسمه خير محض بسيط عندهم ولا يجوزون صدور الشر عما لا جهة شرية فيه أصلاً فيلزم عليهم في بادىء النظر إثبات ما افترته الثنوية من مبدأين خيري وشري فتخلصوا عن ذلك بذلك البحث فو فضل لا فضول ، وبالجملة ما يصدر عنه تعالى إما هو بريء بالكلية عن الشر وإما ما يلزمه شر قليل وفي تركه شر كثير ولا يصدر عنه تعالى ذلك أيضاً في حق شخص إلا بعد طلب ماهيته له في نفسها كما يشير إليه قوله تعالى : { الذى أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وفي الإشارات وشروحها كلام طويل يتعلق بهذا المقام ولعل فيما ذكرنا كفاية لذوي الأفهام .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا} (83)

{ 83 } { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا }

هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ، إلا من هداه الله ، فإن الإنسان- عند إنعام الله عليه - يفرح بالنعم ويبطر بها ، ويعرض وينأى بجانبه عن ربه ، فلا يشكره ولا يذكره .

{ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ } كالمرض ونحوه { كَانَ يَئُوسًا } من الخير قد قطع ربه رجاءه ، وظن أن ما هو فيه دائم أبدًا .

وأما من هداه الله فإنه- عند النعم -يخضع لربه ، ويشكر نعمته ، وعند الضراء يتضرع ، ويرجو من الله عافيته ، وإزالة ما يقع فيه ، وبذلك يخف عليه البلاء .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا} (83)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإذا أنعمنا على الإنسان}، يعني: الكافر بالخير، يعني: الرزق،

{أعرض} عن الدعاء،

{ونأى بجانبه}، يقول: وتباعد بجانبه،

{وإذا مسه الشر}، يعني: وإذا أصابه الفقر،

{كان يئوسا}، يعني: آيسا من الخير...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تبارك وتعالى: وإذا أنعمنا على الإنسان، فنجّيناه من كرب ما هو فيه في البحر، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك بعصوف الريح عليه إلى البرّ، وغير ذلك من نعمنا، أعرض عن ذكرنا، وقد كان بنا مستغيثا دون كلّ أحد سوانا في حال الشدّة التي كان فيها "وَنأَي بِجانِبِهِ "يقول: وبعد منا بجانبه، يعني بنفسه، "كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَيَ ضُرَ مَسّهُ" قبل ذلك...

وقوله عزّ وجل: "وَإذَا مَسّهُ الشّرّ كانَ يَئُوسا" يقول: وإذا مسه الشرّ والشدّة كان قنوطا من الفرج والرّوْح...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} يشبه أن تكون النعمة التي ذكر، هو محمد لما ذكرنا أنهم كانوا في حيرة وعمى، لا يجدون السبيل إلى دين الله... فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ليدعوهم إلى دين الله، ويبين سبيله، فذلك منه نعمة عظيمة؛ وأعرضوا عنه، وتباعدوا عنه...

{وإذا مسه الشر كان يئوسا} أي يائسا من الخير ألا يعود إليه أصلا. وهكذا كانت عادتهم أنهم كانوا يخلصون الدعاء له، إذا مسهم سوء وأصابتهم شدة، ويكفرون به إذا انجلى ذلك لهم، وانكشف...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ثم قال:"واذا أنعمنا على الانسان أعرض" أي ولى عرضه، كأنه لم يقبل علينا بالدعاء والابتهال، وباعد عن إنعامنا عليه بضروب النعم، فلا يشكرها، كما أعرض عن النعمة بالقرآن.

"ونأى بجانبه "أي بعد بنفسه عن القيام بحقوق نعم الله...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان} بالصحة والسعة {أَعْرَضَ} عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبدّ بنفسه {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تأكيد للإعراض: لأنّ الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب: أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار؛ لأنّ ذلك من عادة المستكبرين.

{وَإِذَا مَسَّهُ الشر} من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل {كَانَ يَئُوساً} شديد اليأس من روح الله {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلا عن عبودية الله تعالى متمردا عن طاعة الله كما قال: {إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى}... والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن} إلى قوله: {ربى أهانن} وكذلك قوله: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا}

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

" وإذا مسه الشر كان يؤوسا"... لأنه لا يثق بفضل الله تعالى.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو، إلا من عصم الله تعالى في حالتي سرائه وضرائه، بأنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية، وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه...

{وإذا مسه الشر كَانَ يَئُوسًا} أي: قنط أن يعود يحصل له بعد ذلك خير...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ما هو أعم منه وأبين في الفتنة والاجتراء فقال تعالى: {وإذا أنعمنا} أي بما لنا من العظمة {على الإنسان} أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأيّ نعمة كانت، من إنزال القرآن وغيره {أعرض} أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه النعمة التي لا نعمة مثلها {ونأى} أي تباعد تكبراً {بجانبه} بطراً وعمى عن الحقائق {وإذا مسه الشر} أي هذا النوع وإن قل {كان يئوساً} أي شديد اليأس هلعاً وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان.

ولما كان المفرد المحلى باللام يعم، كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضاً بأن يقال: إنا نرى بعض الإنسان إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وكان هذا الاعتراض ساقطاً لا يعبأ به، أما أولاً فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليه السلام في قوله تعالى {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون} [يونس: 12] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم، وبقوله تعالى في سورة هود عليه السلام {إلا الذين صبروا} [هود: 11] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه عدم، وأما ثانياً فلأن المحلى باللام سواء كان مفرداً أو جمعاً في قوة الجزئي حتى يرد ما يدل على أنه كلي، فلذلك أعرض تعالى عنه وأمره بالجواب عن القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى: {قل} أي يا أشرف خلقنا! {كل} من الشاكر والكافر {يعمل على شاكلته}

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

وفي إسناد المِساسِ إلى الشر بعد إسنادِ الإنعامِ إلى ضمير الجلالةِ إيذانٌ بأن الخيرَ مرادٌ بالذات والشرَّ ليس كذلك...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

إشارة إلى السبب في وقوع هؤلاء الضالين في أودية الضلال. وهو حب الدنيا وإيثارها على الأخرى، وكفران نعمه تعالى بالإعراض عن شكرها، والجزع واليأس من الفرج عند مس شر قضى عليه. وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان. فإن المؤمن ينظر بعين البصيرة، ويشاهد قدرة الله تعالى في كلتا الحالتين؛ ويتيقن في الحالة الأولى أن الشكر رباط النعم، وفي الثانية؛ أن الصبر دفاع النقم؛ فيشكر ويصبر، ويعلم أن المنعم يقدر، فلم يعرض عند النعمة بطرا وأشرا. ولم يغفل عن المنعم ولم يجزع عند النقمة جزعا وضجرا...

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :

... يرتبط اليأس من رحمة الله بالإعراض عن نعمته من جهتين: اليأس وجزاؤه:

الأولى: أن من أعرض عن نعمة الله تعالى فقطع صلته بخالقه، وذهب ممعنا في بعده. فإذا نزلت به المصيبة كان كالمنقطع به في البيداء: يجد نفسه وحده فيأخذه اليأس والقنوط من كل جانب.

الثانية: أن الإعراض عن النعمة ترك لها ولموليها، والآيس متروك لوحده، مغضوب عليه، قد ترك فترك، وكان جزاؤه من جنس عمله...

بصرنا القرآن في هذين الوصفين الذميمين؛ الإعراض عن النعمة، واليأس من الرحمة. ونحن نراهما فاشيين في أكثر الناس على تفاوت بينهم، على حسب ما عندهم من إيمان وعمل صالح. بصرنا القرآن بهما ليحذرنا منهما، ومن سوء عواقبهما فإن الإعراض عن النعمة كفر بها ومقتض لسلبها، وإن اليأس من رحمة الله جهل به، وكفر بما هو متقلب فيه من نعمه وموجب لانطماس القلب، وشلل البدن، وانقطاع الأعمال. فليحذر المؤمن من هذين الوصفين الذميمين، وليعمل على اجتنابهما واجتثاثهما من أصلهما...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والنعمة تطغي وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله، فيرجو ويأمل، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله، فيتفاءل ويستبشر. ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمراد بالإنعام: إعطاء النعمة. وليس المراد النعم الكاملة من الإيمان والتوفيق، كما في قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7]... والإعراض: الصد، وضد الإقبال... فالمفاد من قوله: {وناء بجانبه} صد عن العبادة والشكر. وهذا غير المفاد من معنى {أعرض} فليس تأكيداً له، فالمعنى: أعرض وتباعد... وحذف متعلق {أعرض ونأى} لدلالة المقام عليه من قوله: {أنعمنا على الإنسان}، أي أعرض عنا وأجفل منا، أي من عبادتنا وأمرنا ونهينا... وجملة {وإذا مسه الشر كان يؤوساً} احتراس من أن يتَوهم السامع من التقييد بقوله: {وإذا أنعمنا} أنه إذا زالت عنه النعمة صلح حاله فبين أن حاله ملازم لنكران الجميل في السراء والضراء، فإذا زالت النعمة عنه لم يقلع عن الشرك والكفر ويتب إلى الله ولكنه ييَأس من الخير ويبقى حنقاً ضيق الصدر لا يعرف كيف يتدارك أمره... ودل قوله: {كان يؤوساً} على قوة يأسه إذ صيغ له مثال المبالغة. وأقحم معه فعل (كان) الدال على رسوخ الفعل، تعجيباً من حاله في وقت مس الضر إياه لأن حالة الضر أدعى إلى الفكرة في وسائل دفعه، بخلاف حالة الإعراض في وقت النعمة فإنها حالة لا يستغرب فيها الازدهاء لما هو فيه من النعمة...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{ونأى بجانبه}، أي ثنى وجهه واستدبر من يخاطبه وأدار وجهه وواجه بظهره؛ وهذه سورة [لعلها صورة بصاد] حسية لمن يعرض مطرحا الأمر وراء ظهره، غير ملتفت إليه.. والشر هو ما يسوء ويؤلم ولو كانت عاقبته خيرا، وقوله تعالى: {مسه} إشارة إلى أنه يصيبه ولو قليلا يجعله يائسا من رحمة الله، فالقوة تغريه وتطغيه، والضعف ولو صغيرا يهده ويؤيسه...