{ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ } قويناها بالصبر فلم تزحزحها عواصف فراق الأوطان وترك الأهل والنعيم والإخوان ولم يزعجها الخوف من ملكهم الجبار ولم يرعها كثرة الكفار ، وأصل الربط الشد المعروف واستعماله فيما ذكر مجاز كما قال غير واحد . وفي الأساس ربطت الدابة شددتها برباط والمربط الحبل ، ومن المجاز ربط الله تعالى على قلبه صبره ورابط الجاش .
وفي «الكشف » لما كان الخوف والتعلق يزعج القلوب عن مقارها ألا ترى إلى قوله تعالى { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } [ الأحزاب : 10 ] قيل في مقابله ربط قلبه إذا تمكن وثبت وهو تمثيل .
وجوز بعضهم أن يكون في الكلام استعارة مكنية تخييلية ، وعدي الفعل بعلي وهو متعد بنفسه لتنزيله منزلة اللازم كقوله : يجرح في عراقيبها نصلي { إِذْ قَامُواْ } متعلق بربطنا ، والمراد بقيامهم انبعاثهم بالعزم على التوجه إلى الله تعالى ومنابذة الناس كما في قولهم : قام فلان إلى كذا إذا عزم عليه بغاية الجد ، وقريب منه ما قيل المراد به انتصابهم لإظهار الدين .
أخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها على غير ميعاد فقال رجل منهم : هو أشبههم إني لأجد في نفسي يئاً ما أظن أحداً يجده قالوا : ما تجد ؟ قال : أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض فقالوا أيضاً : نحن كذلك فقاموا جميعاً { فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض } وقد تقدم آنفاً عن ابن عباس القول باجتماعهم على غير ميعاد أيضاً إلا أنه قال : إن بعضهم أخفي حاله عن بعض حتى تعاهدوا فاجتمعوا على كلمة فقالوا ذلك .
وقال صاحب الغنيان المراد به وقوفهم بين يدي الجبار دقيانوس ، وذلك أنهم قاموا بين يديه حين دعاهم إلى عبادة الأوثان فهددهم بما هددهم فبينماهم بين يديه تحركت هرة وقيل فارة ففزع الجبار منها فنظر بعضهم إلى بعض فلم يتمالكوا أن قالوا ذلك غير مكترثين به ، وقيل المراد قيامهم لدعوة الناس سراً إلى الإيمان . وقال عطاء : المراد قيامهم من النوم وليس بشيء ، ومثله منا قيل إن المراد قيامهم على الإيمان ، وما أحسن ما قالوا فإن ربوبيته تعالى للسموات والأرض تقتضي ربوبيته لما فيهما وهم من جملته أي اقتضاء ، وأردفوا دعواهم تلك بالبراءة من إله غيره عز وجل فقالوا : { لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها } وجاؤا بلن لأن النفي بها أبلغ من النفي بغيرها حتى قيل إنه يفيد استغراق الزمان فكيون المعنى لا نعبد أبداً من دونه إلهاً أي معبوداً آخر لا استقلالاً ولا اشتراكاً ؛ قيل وعدلوا عن قولهم رباً إلى قولهم { إلها } للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامهم آلهة ، وللإشعار بأن مدار العبادة وصف الألوهية ، وللإيذان بأن ربوبيته تعالى بطريق الألوهية لا بطريق المالكية المجازية .
وقد يقال : إنهم أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الربوبية ، وبالجملة الثانية إلى توحيد الألوهية وهما أمران متغايران وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا ويقولون بالأول { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان : 25 ] وحكى سبحانه عنهم أنهم يقولون : { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفى } [ الزمر : 3 ] وصح أنهم يقولون أيضاً : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك . وجائا بالجملة الأولى مع أن ظاهر القصة كونهم بصدد ما تشير إليه الجملة الثانية من توحيد الألوهية لأن الظاهر أن قومهم إنما شركوا فيها وهم إنما دعوا لذلك الإشراك دلالة على كمال الإيمان ، وابتدأوا بما يشير إلى توحيد الربوبية لأنه أول مراتب التوحيد ، والتوحيد الذي أقرت به الأرواح في عالم الذر يوم قال لها سبحانه : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } [ الأعراف : 172 ] وفي ذكر ذلك أولاً وذكر الآخر بعده تدرج في المخالفة فإن توحيد الربوبية يشير إلى توحيد الألوهية بناء على أن اختصاص الربوبية به عز وجل علة لاختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به سبحانه وتعالى ، وقد ألزم جل وعلا الوثنية القائلين باختصاص الربوبية بذلك في غير موضع ، ولكون الجملة الأولى لكونها مشيرة إلى توحيد الربوبية مشيرة إلى توحيد الألوهية قيل إن في الجملة الثانية تأكيداً لها فتأمل ، ولا تعجل بالاعتراض .
والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المنكرة بعده ، ولو أخر لكان صفة أي لن ندعوا إلهاً كائناً من دونه تعالى : { لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } أي قولاً ذا شطط أي بعد عن الحق مفرط أو قولاً هو عين الشطط والبعد المفرط عن الحق على أنه وصف بالمصدر مبالغة ثم اقتصر على الوصف مبالغة على مبالغة ، وجوز أبو البقاء كون { شَطَطًا } مفعولاً به لقلنا ، وفسره قتادة بالكذب ، وابن زيد بالخطا ، والسدي بالجور ، والكل تفسير باللازم ، وأصل معناه ما أشرنا إليه لأنه من شط إذا أفرط في في البعد ، وأنشدوا :
شط المراد بحزوى وانتهى الأمل*** وفي الكلام قسم مقدر واللام واقعة في جوابه ، { وَإِذَا } حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر أي لو دعونا وعبدنا من دونه إلهاً والله لقد قلنا الخ ، واستلزام العبادة القول لما أنها لا تعرى عن الاعتراف بألوهية المعبود ، والتضرع إليه ، وفي هذا القول دلالة على أن الفتية دعوا لعبادة الأصنام وليموا على تركها ، وهذا أوفق بكون قيامهم بين يدي الملك .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ قَامُواْ } بنا لنا { فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض } مالك أمرهما ومدبرهما فلا قيام لهما إلا بوجوده المفاض من بحار جوده { لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها } إذ ما من شيء إلا وهو محتاج إليه سبحانه فلا يصلح لأن يدعى { لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } [ الكهف : 14 ] كلاماً بعيداً عن الحق مفرطاً في الظلم ، واستدل بعض المشايخ بهذه الآية على أنه ينبغي للسالكين إذا أرادوا الذكر وتحلقوا له أن يقوموا فيذكروا قائمين ، قال ابن الغرس : وهو استدلال ضعيف لا يقوم به المدعى على ساق .
وأنت تعلم أنه لا بأس بالقيام والذكر لكن على ما يفعله المتشيخون اليوم فإن ذلك لم يكن في أمة من الأمم ولم يجيء في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم بل لعمري أن تلك الحلق حبائل الشيطان وذلك القيام قعود في بحبوحة الخذلان
{ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي صبرناهم وثبتناهم ، وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة ، وهذا من لطفه تعالى بهم وبره ، أن وفقهم للإيمان والهدى ، والصبر والثبات ، والطمأنينة .
{ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي : الذي خلقنا ورزقنا ، ودبرنا وربانا ، هو خالق السماوات والأرض ، المنفرد بخلق هذه المخلوقات العظيمة ، لا تلك الأوثان والأصنام ، التي لا تخلق ولا ترزق ، ولا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ، ولهذا قالوا : { لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا } أي : من سائر المخلوقات { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا } أي : إن دعونا معه آلهة ، بعد ما علمنا أنه الرب الإله الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة ، إلا له { شَطَطًا } أي : ميلا عظيما عن الحق ، وطريقا بعيدة عن الصواب ، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية ، وتوحيد الإلهية ، والتزام ذلك ، وبيان أنه الحق وما سواه باطل ، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم ، وزيادة الهدى من الله لهم .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"وَرَبَطْنا على قُلُوبِهمْ" يقول عزّ ذكره: وألهمناهم الصبر، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش...
وقوله: "إذْ قامُوا فقالُوا رَبّنا رَبّ السّمَوَاتِ والأرْضِ "يقول: حين قاموا بين يدي الجبار (دقينوس)، فقالوا له إذ عاتبهم على تركهم عبادة آلهته: "ربّنا رَبّ السّمَوَاتِ والأرْضِ" يقول: قالوا ربنا ملك السموات والأرض وما فيهما من شيء، وآلهتك مربوبة، وغير جائز لنا أن نترك عبادة الربّ ونعبد المربوب، "لَنْ نَدْعُوَ منْ دُونِه إلَها" يقول: لن ندعو من دون ربّ السموات والأرض إلها، لأنه لا إله غيره، وإن كلّ ما دونه فهو خلقه، "لَقَدْ قُلْنا إذا شَططا" يقول جلّ ثناؤه: لئن دعونا إلها غير إله السموات والأرض، لقد قلنا إذن بدعائنا غيره إلها، شططا من القول: يعني غاليا من الكذب، مجاوزا مقداره في البطول والغلوّ...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} {وربطنا على قلوبهم} هذان الحرفان، معناهما واحد: الزيادة والربط، كل واحد منهما يؤدي معنا صاحبه: زيادة الهدى وتثبيتهم على الهدى...
{إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} يحتمل قوله: {إذ قاموا} بالحجج والبراهين. ويحتمل {إذ قاموا} بالنهوض إلى الكهف حين انضموا إليه، أو قاموا لله ولدينه، أو قاموا من عند أولئك الكفرة {فقالوا} ما ذكر {ربنا رب السماوات والأرض} أي قالوا: {ربنا رب السماوات والأرض} ورب ما فيهن.
{لن ندعوا من دونه إلها} يحتمل قوله: {لن ندعوا من دونه إلها} أي لن نسميهم آلهة على ما سمى قومهم الأصنام التي عبدوها آلهة.
{لقد قلنا إذا شططا} تسميتهم آلهة على زعمهم وعلى ما عندهم كقوله: {فراغ إلى آلهتهم} (الصافات: 91) وقوله: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} (طه: 97) لا يجوز أن يسمي الأنبياء الأصنام التي كانوا يعبدونها آلهة، وهي ليست بآلهة، ولكن قالوا ذلك على زعمهم وعلى ما عندهم. فعلى ذلك قوله: {لن ندعوا من دونه إلها} أي لن نعبد. فإن كان على العبادة ففيه إضمار؛ أي لن نعبد من دونه إلها غير الله كفعل قومنا. ولو فعلنا {لقد قلنا إذا شططا} أي جورا وظلما...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" إذ قاموا فقالوا "معناه حين قاموا بحضرة الملك الجبار، فقالوا هذا القول الذي أفصحوا فيه عن الحق في الديانة ولم يستعملوا التقية، فقالوا: ربنا الذي نعبده هو الذي خلق السموات والأرض...
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
{ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها}.
أما ترى أصحاب الكهف وما كانوا عليه من الكفر طول أعمارهم قاموا وقالوا: {ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها} والتجأوا إليه، كيف قبلهم ثم أعزهم وأكرمهم، فقال: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}، وكيف أعظم لهم الحرمة، وألبسهم المهابة والخشية حتى يقول لأكرم الخلق صلى الله عليه وسلم: {لو اطلعت عليهم لو ليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا}، بل كيف أكرم كلبا تبعهم حتى ذكره في كتابه العزيز مرات، ثم جعله معهم في الدنيا محجوبا، ويدخل في الآخرة الجنة مكرما، فهذا فضله مع كلب خطا خطوات مع قوم عرفوه ووحدوه أياما معدودة من غير عبادة أو خدمة، فكيف فضله مع عبده المؤمن الذي خدمه ووحده وعبده سبعين سنة؟ ولو عاش سبعين ألف سنة كان قاصدا العبودية. [منهاج العابدين: 262-263]...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ} وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام {إِذْ قَامُواْ} بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض... شَطَطًا} قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {وربطنا على قلوبهم} عبارة عن شدة عزم وقوة صبر أعطاها الله لهم، ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال، حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط، ومنه يقال: فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها، ومنه الربط على قلب أم موسى، وقوله {إذ قاموا فقالوا} يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، فإنه مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته، والمعنى الثاني أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله ومنابذة الناس، كما تقول قام فلان إلى أمر كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وربطنا} بما لنا من العظمة {على قلوبهم} أي قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعاً غير مبدد، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة... {ربنا} الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو {رب السماوات والأرض} أي موجدهما و مدبرهما {لن ندعوا من دونه إلهاً} بعد أن ثبت عجز كل من سواه، والله {لقد قلنا إذاً} أي إذا دعونا من دونه غيره {شططاً}...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل، وهذا دليل على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم.
أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للشنقيطي 1393 هـ :
{وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ}... ويفهم من هذه الآية الكريمة: أن من كان في طاعة ربه جل وعلا أنه تعالى يقوي قلبه، ويثبته على تحمل الشدائد، والصبر الجميل...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
الملاحظة الأولى: أن قوله تعالى: {وربطنا} تدل على قوة ما أودعهم الله تعالى من إيمان لا يتزعزع فقد شبه قلوبهم بالحقبة الممتلئة إيمانا، وقد ربط عليها رباطا محكما... يشد عليهم فلا تضطرب أمام جبار كائنا من كان، لأنه عامر بالإيمان لا يضطرب.
الملاحظة الثانية: أنهم أكدوا قولهم، وأصروا على إيمانهم بقولهم: {لقد قلنا إذا شططا}، فإن هذا الكلام يشير إلى أمرين:
الأمر الأول: تأكيد القول باللام الموطئة للقسم وقد الدالة على التحقق.
الأمر الثاني: أنهم أكدوا نفي الألوهية عن غير الله سبحانه وتعالى نفيا مؤكدا، فقالوا: {لن ندعوا من دونه إلها}...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
تشير هذه الآيات إلى الحالة الروحية والمعنوية للفتية في ما كانوا يلتزمونه من إيمانٍ، وما يطرحونه من فكرٍ أمام المجتمع الكافر الطاغي، الذي لا يملك فكراً يقنع به المعارضين له، بل يملك قوّةً تضغط على حريات الناس، وتصادر قرارهم، وتضطهد واقعهم... فيضعفون أمامها، وينسحقون تحت تأثير سلطتها، فيوافقون على ذلك كله. ولكن لم يكن هؤلاء المؤمنون في هذا الموقع الضعيف، بل كانوا في موقع القوة التي استمدوها من الله، فأعلنوا موقفهم بكل جرأةٍ وصراحةٍ، وواجهوا الضغط بمسؤوليةٍ وواقعيةٍ. {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي شددنا عليها، وأوحينا إليهم بالقوّة أمام التحدّي، فلم تهتز أمام التهديد، ولم تعش الحيرة والقلق في مواقع الضغط، بل ثبتت من موقع القناعة المرتكزة على قاعدة الإيمان العميق.
{إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} لقد كان قيامهم في مجتمعهم، أمام الطغاة، أو أمام خط الكفر والانحراف، فلم يقعدوا، أو يسترخوا، أو يعيشوا الأجواء اللاهية العابثة التي تحاول أن تتخفف من المسؤولية بالأعذار الواهية التي لا تقنع أصحابها فضلاً عن غيرهم. لقد كان حسّ المسؤولية عميقاً في نفوسهم، لأنهم يشعرون أن السكوت عن الباطل، والخوف من إعلان الحق أو من ممارسته، يشجع المنحرفين على الامتداد في خط الانحراف، ويمنع المؤمنين من الانطلاق بقوّةٍ في خط الإيمان، ولذا كان القيام يمثل حركة المسؤولية في إيمانهم، سواء كان قيامهم بين يدي ملك زمانهم دقيانوس الجبار كما يقول بعض المفسرين الذي يحتمل أنهم كانوا في مجلسه، أو كان قيامهم في مجتمعهم الذي يعبد الأوثان، ويصدر عنه الأمر بالسير على هذا المنهج، ويجبر الناس على ذلك... فكان قيامهم بالإعلان عن رفضهم لكل الواقع الفكري والعبادي الذي يعيشون فيه، والدعوة إلى الله بدلاً من ذلك. وربما كان المقصود وهو الأقرب إلى جو الآية قيامهم لله ونصرة الحق، من دون نظر إلى المكان، أو إلى الشخص. {فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} قالوا هذه الكلمة، ليؤكدوا الحقيقة الإيمانية التي تضع الإنسان في الدائرة الكونية الواسعة التي تشمل السّموات والأرض وما فيهن وما بينهن، فهو جزء من هذا العالم الرحب المخلوق لله، فلا يختص بربٍّ معينٍ ليعبده من دونه، أو ليشركه بعبادته. ولذلك لم يكتفوا بالإعلان عن هذه الحقيقة، بل أعلنوا الرفض لفكرة كل الآلهة المدّعاة، في شكل بشرٍ، أو حجرٍ، أو أيّ شيءٍ آخر...
{لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلهاً} لأن ذلك لا يمثل أيّ موقع ٍللحق، بل هو الباطل في أكثر من صورة، {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} لو قلنا بما يقوله هؤلاء المشركون، لكنا بذلك نخرج عن الحدّ المعقول للفكر، ونتجاوز عن الحق وهذا هو معنى الشطط...