روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا} (6)

{ فَلَعَلَّكَ باخع } أي قاتل { نَّفْسَكَ } وفي معناه ما في صحيح البخاري ملك . والأول مروى عن مجاهد . والسدى . وابن جبير . وابن عباس . وأنشد لابن الأزرق إذ سأله قول لبيد بن ربيعة :

لعلك يوماً ان فقدت مزارها*** على بعده يوما لنفسك باخع

وفي البحر عن الليث بخع الرجل نفسه بخعا وبخو عاقتلها من شدة الوجد وأنشد قول الفرزدق :

ألا أيهذا الباخع الوجد( {[582]} ) نفسه*** لشيء نحته عن يديه المقادر

وهو من بخع الأرض بالزراعة أي جعلها ضعيفة بسبب متابعة الزراعة كما قال الكسائي ، وذكر الزمخشري أن البخع أن يبلغ الذبح البخاع بالباء وهو عرق مستبطن القفا ، وقد رده ابن الأثير وغيره بأنه لم يوجد في كتب اللغة والتشريح لكن الزمخشري ثقة في هذا الباب واسع الإطلاع ، وقرئ { باخع نَّفْسَكَ } بالإضافة وهي خلاف الأصل في اسم الفاعل إذا استوفي شروط العمل عند الزمخشري ، وأشار إليه سيبويه في الكتاب .

وقال الكسائي : العمل والإضافة سواء ، وزعم أبو حيان أن الإضافة أحسن من العمل { على ءاثارهم } أي من بعدهم . يعني من بعد توليهم عن الإيمان وتباعدهم عنه . أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عتبة بن ربيعة . وشيبة بن ربيعة . وأبا جهل بن هشام . والنضر بن الحرث . وأمية بن خلف . والعاصي بن وائل . والأسود بن المطلب . وأبا البختري في نفر من قريش اجتمعوا . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه كا يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء به من النصيحة فأحزنه حزناً شديداً فأنزل الله تعالى : { فَلَعَلَّكَ باخع } الخ ، ومنه يعلم أن ما ذكرنا أوفق بسبب النزول من كون المراد من بعد موتهم على الكفر .

{ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث } الجليل الشأن ، وهو القرآن المعبر عنه في صدر السورة بالكتاب ، ووصفه بذلك لو سلم دلالته على الحدوث لا يضر الأشاعرة وأضرابهم القائلين : بأن الألفاظ حادثة ، وإن شرطية ، والجملة بعدها فعل الشرط ، والجواب محذوف ثقة بدلالة ما سبق عليه عند الجمهور ، وقيل الجواب فلعلك الخ المذكور ، وهو مقدم لفظاً مؤخر معنى ، والفاء فيه فاء الجواب ، وقرئ { إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ } بفتح همزة أن على تقدير الجار أي لأن ، وهو متعلق بباخع على أنه علة له . وزعم غير واحد أنه لا يجوز أعماله على هذا إذ هو اسم فاعل وعمله مشروط بكونه للحال أو الاستقبال ، ولا يعمل وهو للمضي ، وإن الشرطية تقلب الماضي بواسطة { لَمْ } الاستقبال بخلاف أن المصدرية فإنها تدخل على الماضي الباقي على مضيه إلا إذا حمل على حكاية الحال الماضية لاستحضار الصورة للغرابة .

وتعقبه بعض الأجلة بنه لا يلزم من مضي ما كان علة لشيء مضيه ، فكم من حزن مستقبل على أمر ماض سواء استمر أولاً فإذا استمر فهو أولى لأنه أشد نكاية فلا حاجة إلى الحمل على حكاية الحال .

ووجه ذلك في الكشف بإنه إذا كانت علة البخع عدم الإيمان فإن كانت العلة قد تمت فالمعلول كذلك ضرورة تحقق المعلول عند العلة التامة ، وإن كانت بعد فكمثل ضرورة أنه لا يتحقق بدون تمامها ، وتعقب بأنه غير مسلم ، لأن هذه ليست علة تامة حقيقية حتى يلزم ما ذكر ، وإنما هي منشأ وباعث فلا يضر تقدمها ، وقيل إنه تفوت المبالغة حينئذ في وجده صلى الله عليه وسلم على توليهم لعدم كون البخع عقبه بل بعده بمدة بخلاف ما إذا كان للحكاية ، وتعقب أيضاً بأنه لا وجه له بل المبالغة في هذا أقوى لأنه إذا صدر منه لأمر مضي فكيف لو استمر أو تجدد ؟ ولعل في الآية ما يترجح له البقاء على الاستقبال فتدبر ، وانتصاب قوله تعالى : { أَسَفاً } بباخع على أنه مفعول من أجله .

وجوز أن يكون حالا من الضمير فيه بتأويل متأسفاً لأن الأصل في الحال الاشتقاق وأن ينتصب على أنه مصدر فعل مقدر أي تأسف أسفاً ، والأسف على ما نقل عن الزجاج المبالغة في الحزن والغضب .

وقال الراغب : الأسف الحزن والغضب معا وقد يقال لكل منهما على الإنفراد ، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان على من دونه انتشر فصار غضباً ومتى كان على ما فوقه انقبض فصار حزناً ، ولذلك سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الحزن والغضب فقال : مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظاً وغضباً ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً ، وبهذا النظر قال الشاعر :

فحزن كل أخى حزن أخو الغضب*** وإلى كون الأسف أعم من الحزن والغضب وكون الحزن على من لا يملك ولا هو تحت يد الآسف والغضب على من هو في قبضته وملكه ذهب منذر بن سعد وفسر الأسف هنا بالحزن بخلافه في قوله تعالى : { فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ } [ الزخرف : 55 ] وإذا استعمل الأسف مع الغضب يراد به الحزن على ما قيل في قوله تعالى : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا } [ الأعراف : 150 ] وجعل كل منهما فيه بالنسبة إلى بعض من القوم ، وعن قتادة تفسير الأسف هنا بالغضب ، وفي رواية أخرى بالحزن . وفي صحيح البخاري تفسيره بالندم .

وعن مجاهد تفسيره بالجزع ، وأهل الحزن أكثر ، ولعل للترجى وهو الطمع في الوقوع أو الإشفاق منه ، وهي هنا استعارة أي وصلت إلى حالة يتوقف منك الناس ذلك لما يشاهد من تأسفك على عدم إيمانهم .

وقال العسكري : هي هنا موضوعة موضع النهي كأنه قيل لا تبخع نفسك ، وقيل موضع الاستفهام ، وجعله ابن عطية إنكارياً على معنى لا تكن كذلك ، والقول بمجيء لعل للاستفهام قول كوفي ، والذي يظهر أنها هنا للإشفاق الذي يقصد به التسلي والحث على ترك التحزن والتأسف ، ويمكن أن يكون مراد العسكري ذلك ، وفي الآية عندّ غير واحد استعارة تمثيلية وذلك أنه مثل حاله صلى الله عليه وسلم في شدة الوجد على أعراض القوم وتوليهم عن الإيمان بالقرآن وكمال الحزن عليهم بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه إثر فوت ما يحبه عند مفارقة أحبته تأسفاً على مفارقتهم وتلهفاً على مهاجرتهم ثم قيل ما قيل ، وهو أولى من اعتبار الاستعارة المفردة التبعية في الأطراف . وجوز أن تكون من باب التشبيه لذكر طرفيه وهما النبي صلى الله عليه وسلم وباخع بأن يشبه عليه الصلاة والسلام لشدة حرصه على الأمر بمن يريد قتل نفسه لفوات أمر وهو كما ترى .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } [ الكهف : 6 ] فيه إشارة إلى مزيد شفقته صلى الله عليه وسلم واهتمامه وحرصه على موافقة المخالفين وانتظامهم في سلك الموافقين { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض } من الأنهار والأشجار والجبال والمعادن والحيوانات { زِينَةً لَّهَا } أي لأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } [ الكهف : 7 ] فيجعل ذلك مرآة لمشاهدة أنوار جلاله وجماله سبحانه عز وجل ، وقال ابن عطاء : حسن العمل الإعراض عن الكل ، وقال الجنيد : حسن العمل اتخاذ ذلك عبرة وعدم الاشتغال به .

وقال بعضهم : أهل المعرفة بالله تعالى والمحبة له هم زينة الأرض وحسن العمل النظر إليه بالحرمة .


[582]:- قال أبو عبيدة كان ذو الرمة ينشد الوجد بالرفع وقال الأصمعي إنما هو الوجد بالفتح اهـ فيكون نصبه على أنه مفعول لأجله ونحته مخفف نحته اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا} (6)

{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } أي : مهلكها ، غما وأسفا عليهم ، وذلك أن أجرك قد وجب على الله ، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرا لهداهم ، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار ، فلذلك خذلهم ، فلم يهتدوا ، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم ، ليس فيه فائدة لك . وفي هذه الآية ونحوها عبرة ، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله ، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية ، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه ، مع التوكل على الله في ذلك ، فإن اهتدوا فبها ونعمت ، وإلا فلا يحزن ولا يأسف ، فإن ذلك مضعف للنفس ، هادم للقوى ، ليس فيه فائدة ، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه ، وما عدا ذلك ، فهو خارج عن قدرته ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له : { إنك لا تهدي من أحببت } وموسى عليه السلام يقول : { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } الآية ، فمن عداهم من باب أولى وأحرى ، قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا} (6)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين أحزنه قولهم، قال سبحانه: {فلعلك}، يعني: فعساك،

{باخع نفسك على آثارهم}، يعني: قاتلا نفسك على آثارهم، يعني: عليهم أسفا، يعني: حزنا...

{إن لم يؤمنوا بهذا الحديث}، يعني: لم يصدقوا بالقرآن، {أسفا}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بذلك: فلعلك يا محمد قاتلُ نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا لك "لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا "تمرّدا منهم على ربهم، إن هم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك فيصدّقوا بأنه من عند الله حزنا وتلهفا ووجدا، بإدبارهم عنك، وإعراضهم عما أتيتهم به، وتركهم الإيمان بك...

وأما قوله: "أسَفا" فإنّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛

فقال بعضهم: معناه: فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث غضبا...

وقال آخرون: جَزَعا... وقال آخرون: معناه: حزنا عليهم... وهذه معاتبة من الله عزّ ذكره على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان بالله والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيما...

عن ابن إسحاق "فَلَعَلّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أسَفا" يعاتبه على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم: أي لا تفعل.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} كقوله في آية أخرى: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} (الشعراء: 2) أخبر أنه فاعل ما ذكر، ولم يقل له: افعل، أولا تفعل في هذا، فيشبه أن يكون النهي ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} (فاطر: 8) ولهذا قال بعض الناس: إن في قوله: {فلعلك باخع نفسك} نهيا عن الحُزن عليهم، وعندنا ليس يخرج على النهي ولكن على التَّسَلِّي.

ثم اختلف في قوله: {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} في الأسف؛ قال بعضهم: الأسف هو النهاية في الغضب كقوله: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} (الزخرف: 55) قال أهل التأويل: آسفونا: أغضبونا.

وقال بعضهم: الأسف هو النهاية في الحزن كقوله: {يا أسفى على يوسف} (يوسف: 84) أي يا حزني. ويحتمل أن يكون منه الحزن إشفاقا عليهم أن تَتْلَفَ أنفسهم في النار بتركهم الإيمان، أو كانت نفسه تغضب عليهم بتركهم الإجابة والقول في الله سبحانه على ما قالوا فيه. وكلاهما يجوز: إذ إذا كان ذلك لله كادت نفسه تتلف حزنا عليهم إشفاقا منه، أو كادت تتلف غضبا عليهم. وفيه دلالة أنه لم يكن يقاتل الكفرة للقتل والإتلاف، ولكن كان يقاتلهم ليلمسوا حتى كادت نفسه تتلف إشفاقا عليهم؛ فلا يحتمل أن يكون يقاتلهم للقتل، وفي القتل ترك الشفقة. ولكن كان يقاتلهم ليَضْطَرَّهُمُ القتال إلى الإسلام، فيسلموا، فلا يَهْلكُون. وفيه تذكير للمسلمين وتنبيه من وجهين:

أحدهما: ما أخبر عن عظيم محل الذنوب في قلبه؛ فلعل ذلك يؤذيه، فيلحقهم اللعن كقوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله} الآية (الأحزاب: 57) وفي ذلك زجر عن ارتكاب ما يسوؤه ويؤذيه.

والثاني: تعليم منه لأمته أن كيف يعاملون الكفرة وأهل المناكير منهم...

{بهذا الحديث أسفا} سَمَّى القرآن حديثا، وهو ما قال {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} (الزمر: 23) سماه بأَسَامٍ: قصصا وحديثا وذكرا وروحا وأمثالها...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

الباخع: المتحسر الأسِف، قاله ابن بحر...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

هوَّن.. الله -سبحانه- عليه الحالَ، بما يشبه العتابَ في الظاهر؛ كأنه قال له: لِمَ كل هذا؟ ليس في امتناعهم -في عَدِّنا- أثر، ولا في الدِّين من ذلك ضرر.. فلا عليكَ من ذلك...

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

أسفا: غيظا...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم وتلهفاً على فراقهم. وقرىء «باخع نفسك»، على الأصل، وعلى الإضافة: أي قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ «إن لم يؤمنوا» وللمضي فيمن قرأ «أن لم يؤمنوا» بمعنى: لأن لم يؤمنوا {بهذا الحديث} بالقرآن {أَسَفاً} مفعول له، أي: لفرط الحزن. ويجوز أن يكون حالا والأسف: المبالغة في الحزن والغضب. يقال: رجل أسف وأسيف...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}... المقصود منه أن يقال للرسول: لا يعظم حزنك وأسفك بسبب كفرهم فإنا بعثناك منذرا ومبشرا فأما تحصيل الإيمان في قلوبهم فلا قدرة لك عليه...

وقال الأخفش والفراء أصل البخع: الجهد. يقال: بخعت لك نفسي أي جهدتها... وعلى هذا معنى: {باخع نفسك} أي ناهكها وجاهدها حتى تهلكها ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها والأصل ما ذكرناه، هكذا قال الواحدي...

{على آثارهم} أي من بعدهم يقال مات فلان على أثر فلان أي بعده وأصل هذا أن الإنسان إذا مات بقيت علاماته وآثاره بعد موته مدة ثم إنها تنمحي وتبطله بالكلية فإذا كان موته قريبا من موت الأول كان موته حاصلا حال بقاء آثار الأول فصح أن يقال مات فلان على أثر فلان...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيماً له، خفض عليه سبحانه بقوله تعالى: {فلعلك باخع} أي فتسبب عن قولهم هذا، المباين جداً لما تريد لهم، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن تكون قاتلاً {نفسك} من شدة الغم والوجد، وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى: {على ءاثارهم} أي حين تولوا عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم {إن لم يؤمنوا}.

ولما صور بعدهم، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى: {بهذا الحديث} أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج {أسفاً} منك على ذلك، والأسف: أشد الحزن والغضب.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

{فلعلك باخع}... {نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ}... وسر ذلك – كما قال القاشاني – أن الشفقة على خلق الله والرحمة عليهم من لوازم محبة الله ونتائجه. ولما كان صلى الله عليه وسلم حبيب الله، ومن لوازم محبوبيته محبته لله لقوله: {يحبهم ويحبونه} وكلما كانت محبته للحق أقوى، كانت شفقته ورحمته على خلقه أكثر. لكون الشفقة عليهم ظل محبته لله، وأشد تعطفه عليهم. فإنهم كأولاده وأقاربه. بل كأعضائه وجوارحه في الشهود الحقيقي. فلذلك بالغ في التأسف عليهم، حتى كاد يهلك نفسه...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له: {إنك لا تهدي من أحببت} وموسى عليه السلام يقول: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} الآية، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر}...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وحرف (على) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى: لعلك مهلك نفسك لأجل إعراضهم عنك كما يُعرض السائر عن المكان الذي كان فيه، فتكون (على) للتعليل...

{إن لم يؤمنوا بهذا الحديث}... واسم الإشارة وبيانُه مراد به القرآن، لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار. وبُيّن بأنه الحديث...

والحديث: الخبر. وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من الله لرسوله، إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخباراً وقصصاً. سمي الحديث حديثاً باعتبار اشتماله على الأمر الحديث، أي الذي حدث وجَد، أي الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب، فالحديث فعيل بمعنى مفعول...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وقد حدد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيراً ونذيراً، ولم يكلفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثارِهِمْ}... {إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}... ونتساءل: هل هذا تعبيرٌ عن حالةٍ حقيقيةٍ في مشاعر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهل يتناسب الوضع الشعوري مع العصمة لديه؟ ونجيب بأن هذه المشاعر لا تمثل حالة نقص، بل نجد فيها حالة كمالٍ إنسانيٍّ، ذلك أنها تصدر عن حسٍّ إنسانيٍّ رهيفٍ ناتجٍ عن الشعور بالمسؤولية أمام الآخرين أيّاً كانوا، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) يعي نفسه رسولاً للعالمين، وبالتالي منقذاً لهم، ولهذا فبقدر ما يجد نفسه معنيّاً بالذين يتبعونه، يجد نفسه معنيّاً بالذين لم يتبعوه، أمثال الجاحدين والكافرين، لأن هؤلاء بحكم ما هم عليه، يستحقون الإشفاق أكثر من غيرهم، لأنهم سيسقطون في مهالك الكفر والطغيان لا محالة، فليست هناك عقدةٌ ذاتيةٌ، بل هي حالةٌ إنسانيةٌ رساليةٌ، في المستوى الرفيع لروحية الإنسان تجاه الآخرين...

وإذا كان الخطاب موجهاً إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فإن الامتناع عن التأثر بهذا الموقف السلبيّ، من قِبَل الكافرين، موجٌّه إلى كل داعية لله وللإسلام، بأن يعيش هذا الجوّ، لئلا يقوده الانفعال السلبي إلى الوقوع في الإحباط واليأس والسقوط... فإن هذا قد يكون ممتنعاً في شأن النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي تمنعه عصمته من ذلك، ولكنه ليس ممتنعاً في الآخرين من الدعاة إلى الله، الذين قد يسقطون تحت تأثير ضعفهم، فيفقدون التوازن الفكري والعملي في مواجهة الحالات السلبية في الواقع.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أوّل آية نبحثها الآن، تُشير إلى أحد أهم شروط القيادة، ألا وهي الإِشفاق على الأُمّة فتقول: (فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يُؤمنوا بهذا الحديث أسفاً)...

نستفيد مِن الآيات القرآنية وتأريخ النبوات، أنَّ القادة الإِلهيين كانوا يتألمون أكثر ممّا نتصور لضلال الناس، وكانوا يريدون لهم الإِيمان والهداية...

ويألمون عندما يُشاهدون العطاشى جالسين بجوار النبع الصافي، ويأنون مِن شدّة العطش، الأنبياء يبكون لهم ويجهدون أنفسهم ليلا ونهاراً، ويبلغون سرّاً وجهاراً، ويُنادون في المجتمع مِن أجل هداية الناس. إِنّهم يألمون بسبب ترك الناس للطريق الواضح إلى الطرق المسدودة، هذا الألم يكاد يوصلهم في بعضِ الأحيان إلى حدِّ الموت. ولو لم يكن القادة بهذه الدرجة مِن الاهتمام لما انطبق عليهم المفهوم العميق للقائد.