{ ثُمَّ بعثناهم } أي أيقظناهم وأثرناهم من نومهم { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ } أي منهم وهم القائلون { لبثنا يوماً أو بعض يوم } [ الكهف : 19 ] والقائلون : { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } [ الكهف : 19 ] وقيل أحد الحزبين الفتية الذين ظنوا قلة زمان لبثهم ، والثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم وكان عندهم تاريخ غيبتهم ، وزعم ابن عطية أن هذا قول جمهور المفسرين وعن ابن عباس أن أحد الحزبين الفتية والآخر الملوك الذين تداولوا ملك المدينة واحداً بعد واحد وعن مجاهد : الحزبان قوم أهل الكهف حزب منهم مؤمنون وحزب كافرون ، وقال الفراء : الحزبان مؤمنان كانوا في زمنهم ، واختلفوا في مدة لبثهم ، وقال السدي : الحزبان كافران ، والمراد بهما اليهود والنصارى الذي علموا قريشاً سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف ؛ وقال ابن حرب : الحزبان الله سبحانه وتعالى ، والخلق كقوله تعالى : { أأنتم أَعْلَمُ أَمِ الله } [ البقرة : 140 ] والظاهر هو الأول لأن اللام للعهد ولا عهد لغير من سمعت { أحصى } أي ضبط فهو فعل ماض وفاعله ضمير { أَيُّ } واختار ذلك الفارسي . والزمخشري . وابن عطية ، وما في قوله تعالى : { لِمَا لَبِثُواْ } مصدرية ، والجار والمجرور حال مقدم عن قوله تعالى : { أَمَدًا } وهو مفعول { أحصى } والأمد على ما قال الراغب : مدة لها حد ، والفرق بينه وبين الزمان أن الأمد يقال : باعتبار الغاية بخلاف الزمان فإنه عام في المبدأ والغاية ، ولذلك قال بعضهم : المدى والأمد يتقاربان ، وليس اسماً للغاية حتى يكون إطلاقه على المدة مجازاً كما أطلقت الغاية عليها في قولهم : ابتداء الغاية وانتهاؤها ، أي ليعلم أيهم أحصى مدة كائنة للبثهم ، والمراد من إحصائها ضبطها من حيث كميتها المنفصلة العارضة لها باعتبار قسمتها إلى السنين وبلوغها من تلك الحيثية إلى مراتب الأعداد كما يرشدك إليه كون المدة عبارة عما سبق من السنين ، وليس المراد ضبطها من حيث كميتها المتصلة الذاتية فإنه لا يسمى إحصاء ، وقيل إطلاق الأمد على المدة مجاز وحقيقته غاية المدة .
ويجوز إرادة ذلك بتقدير المضاف أي لنعلم أيهم ضبط غاية لزمان لبثهم وبدونه أيضاً فإن اللبث عبارة عن الكون المستمر المنطبق على الزمان المذكور فباعتبار الامتداد العارض له بسببه يكون له أمد وغاية لا محالة لكن ليس المراد ما يقع غاية ومنتهى لذلك الكون المستمر باعتبار كميته المتصلة العارضة له بسبب انطباقه على الزمان الممتد بالذات ، وهو آن انبعاثهم من نومهم فإن معرفته من تلك الحيثية لا تخفي على أحد ولا تسمى إحصاء أيضاً ، بل باعتبار كميته المنفصلة العارضة له بسبب عروضها لزمانه المنطبق هو عليه باعتبار انقسامه إلى السنين ووصوله إلى مرتبة معينة من مراتب العدد ، والفرق بين هذا وما سبق أن ما تعلق به الإحصاء في الصورة السابقة نفس المدة المنقسمة إلى السنين فهو مجموع ثلثمائة وتسع سنين وفي الصورة الأخيرة منتهى تلك المدة المنقسمة إليها أعني التاسعة بعد الثلثمائة ؛ وتعلق الإحصاء بالأمد بالمعنى الأول ظاهر ، وأما تعلقه به بالمعنى الثاني فباعتبار انتظامه لما تحته من مراتب العدد ، واشتماله عليها انتهى .
وأنت تعلم أن ظاهر كلام الراغب وهو هو في اللغة يقتضي أن الأمد حقيقة في المدة وأنه في الغاية مجاز وأن توجيه إرادة الغاية هنا بما ذكر تكلف لا يحتاج إليه على تقدير كون ما مصدرية . نعم يحتاج إليه على تقدير جعلها موصولة حذف عائدها من الصلة أي لنعلم أيهم أحصى أمداً كائناً للذي لبثوه أي لبثوا فيه من الزمان . وقيل ما لبثوا في موضع المفعول له وجيء بلام التعليل لكونه غير مصدر صريح وغير مقارن أيضاً وليس بذاك . وقيل اللام مزيدة وما موصولة وهي المفعول به وعائدها محذوف أي { أحصى } الذي لبثوه والمراد الزمان الذي لبثوا فيه ، و { أَمَدًا } على هذا تمييز للنسبة مفسر لما في نسبة المفعول من الإبهام محول عن المفعول وأصله أحصى أمد الزمان الذي لبثوا فيه . وزعم أنه لا يصح أن يكون تمييزاً للنسبة لأنه لا بد أن يكون محولاً عن الفاعل ولا يمكن ذلك هنا ليس بشيء لأن اللابدية في حيز المنع . والذي تحقق في المعتبرات كشروح التسهيل وغيرها أنه يكون محولاً عن المفعول { وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً } [ القمر : 12 ] كما يكون محولاً عن الفاعل كتصبب زيد عرقاً . ولو جعل تمييزاً لما كان تمييزاً لمفرد . ولم يقل أحد باشتراط التحويل فيه أصلاً .
وجوز في ما على هذا التقدير أن تكون مصدرية وهو بعيد ، وضعف القول بزيادة اللام هنا بأنها لا تزاد في مثل ذلك .
/ واختار الزجاج والتبريزي كون { أحصى } أفعل تفضيل لأنه الموافق لما وقع في سائر الآيات الكريمة نحو { أيهم أحسن عملاً } [ الكهف : 7 ] . { أيهم أقرب لكم نفعاً } [ النساء : 11 ] إلى غير ذلك مما لا يحصى ولأن كونه فعلاً ماضياً يشعر بأن غاية البعث هو العلم بالإحصاء المتقدم على البعث لا بالإحصاء المتأخر عنه وليس كذلك ، واعترض أولاً بأن بناء أفعل التفضيل من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس وما جاء منه شاذ كاعدى من الجرب وافلس من ابن المدلق ، وأجيب بأن في بناء أفعل من ذلك ثلاثة مذاهب الجواز مطلقاً وهو ظاهر كلام سيبويه والمنع مطلقاً وما ورد شاذ لا يقاس عليه وهو مذهب أبي علي ، والتفصيل بين أن تكون الهمزة للنقل فلا يجوز أو لغيره كأشكل الأمر وأظلم الليل فيجوز وهو اختيار ابن عصفور فلعلهما يريان الجواز مطلقاً كسيبويه أو التفصيل كابن عصفور ، والهمزة في { أحصى } ليست للنقل ، وثانياً بأن { أَمَدًا } حينئذٍ إن نصب على أنه مفعول به فإن كان بمصمر كما في قول العباس بن مرداس :
فلم أر مثل الحي حياً مصبحا*** ولا مثلنا لما التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم*** وأضرب منا بالسيوف القوانسا
لزم الوقوع فيما فرا منه حيث لم يجعلا المذكور فعلاً ثم قدرا وإن كان به فليس صالحاً لذلك ، وإن نصب يلبثوا لا يكون المعنى سديداً لأن الضبط لمدة اللبث وأمده لا للبث في الأمد ، ولا يقال : فليكن نظير قولكم أيكم أضبط لصومه في الشهر أي لأيام صومه والمعنى أيهم أضبط لأيام اللبث أو ساعاته في الأمد ويراد به جميع المدة لما قيل يعضل حينئذٍ تنكير { أَمَدًا } والاعتذار بأنهم ما كانوا عارفين بتحديده يوماً أو شهراً أو سنة فنكر على أنه سؤال إما عن الساعات والأيام أو الأشهر غير سديد لأنه معلوم أنه أمد زمان اللبث فليعرف إضافة أو عهداً ويكون الاحتمال على حاله ، ووجه أبو حيان نصبه بأنه على إسقاط حرف الجر وهو بمعنى المدة والأصل لما لبثوا من أمد ويكون من أمد تفسيراً لما أبهم في لفظ ما كقوله تعالى : { مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } [ البقرة : 106 ] { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [ فاطر : 2 ] ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل وهو كما ترى ، وتعقب منع صلاحية أفعل لنصب المفعول به بأنه قول البصريين دون الكوفيين فلعل الإمامين سلكا مذهب الكوفيين فجعلا { أحصى } أفعل تفضيل و { أَمَدًا } مفعولاً له ، والحق أن الذاهب إلى كون أحصى أفعل تفضيل جعل أمداً تمييزاً وهو يعمل في التمييز على الصحيح والقول بأن التمييز يجب كونه محولاً عن الفاعل قد ميزت حاله ، وثالثاً بأن توهم الإشعار بأن غاية البعث هو العلم بالإحصاء المتقدم علين مردود بأن صيغة الماضي باعتبار حال الحكاية ولا يكاد يتوهم من ذلك الإشعار المذكور ، ورابعاً بأنه يلزم حينئذٍ أن يكون أصل الإحصاء متحققاً في الحزبين إلا أن بعضهم أفضل والبعض الآخر أدنى مع أنه ليس كذلك ، وفي «الكشف » أن قول الزجاج ليس بذلك المردود إلا أن ما آثره الزمخشري أحق بالإيثار لفظاً ومعنى أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلأنه تعالى حكى تساؤلهم فيما بينهم وأنه عن العارف لا عن الأعرف وغيرهم أولى به انتهى فافهم ، وأي استفهامية مبتدأ وما بعدها خبرها وقد علقت نعلم عن العمل كما هو شأن أدوات الاستفهام في مثل هذا الوضع وهذا جار على احتمالي كون { أحصى } فعلاً ماضياً وكونه أفعل تفضيل ، وجوز جعل أي موصولة ففي «البحر » إذا قلنا بأن { أحصى } أفعل تفضيل جاز أن تكون أي موصولاً مبنياً على مذهب سيبويه لوجود شرط جواز البناء فيه وهو كون أي مضافة حذف صدر صلتها والتقدير لنعلم الفريق الذي هو أحصى لما لمبثوا أمداً من الذين لم يحصوا وإذا كان فعلاً ماضياً امتنع ذلك لأنه حينئذٍ لم يحذف صدر صلتها لوقوع الفعل مع فاعله صلة فلا يجوز بناؤها لفوات تمام الشرط وهو حذف صدر الصلة انتهى .
وقرأ الزهري { لِيَعْلَمَ } بالباء على إسناد الفعل إليه تعالى بطريق الالتفات ، وأياً ما كان فالعلم غاية للبعث وليس ذلك على ظاهره وإلا تكن الآية دليلاً لهشام على ما يزعمه تعالى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً فقيل هو غاية بجعله مجازاً عن الإظهار والتمييز ، وقيل : المراد ليتعلق علمنا تعلقاً حالياً مطابقاً لتعلقه أولاً تعلقاً استقبالياً كما في قوله تعالى : { لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } [ البقرة : 143 ] واعترضه بعض الأجلة بأن بعث هؤلاء الفئة لم يترتب عليه تفرقهم إلى المحصي وغيره حتى يتعلق بهما العلم تعلقاً حالياً أو الإظهار والتمييز ويتسنى نظم شيء من ذلك في سلك الغاية كما ترتب على تحويل القبلة انقسام الناس إلى متبع ومنقلب فصح تعلق العلم الحالي والإظهار بكل من القسمين وإنما الذي ترتب على ذلك تفرقهم إلى مقدر تقديراً غير مصيب ومفوض العلم إلى الله عز وجل وليس في شيء منهما إحصاءً أصلاً ، ثم قال : إن جعل ذلك غاية بحمل النظم الكريم على التمثيل المبني على جعل العلم عبارة عن الاختبار مجازاً بإطلاق اسم المسبب على السبب وليس من ضرورة الاختبار صدور الفعل المختبر به عن المختبر قطعاً بل قد يكون لإظهاره عجزه عنه على سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالى : { فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } [ البقرة : 258 ] وهو المراد هنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبرهم أيهم أحصى لما لبثوا أمداً فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير ويتعرفوا حالهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانهم فيزدادوا يقيناً بكمال قدرته تعالى وعلمه ويستبصروا به أمر البعث ويكون ذلك لطفاً لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم ، وقد اقتصر ههنا من تلك الغايات الجليلة على مبدئها الصادر عنه سبحانه وفيما سيأتي إن شاء الله تعالى على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدي إليها وهذا أولى من تصوير التمثيل بأن يقال بعثناهم بعث من يريد أن يعلم إذ ربما يتوهم منه استلزام الإرادة لتحقق المراد فيعود المحذور فيصار إلى جعل إرادة العلم عبارة عن الاختبار فاختبر واختر انتهى .
وتعقبه الخفاجي بأن ما ذكره مع تكلفه وقلة جدواه غير مستقيم لأن الاختبار الحقيقي لا يتصور ممن أحاط بكل شيء علماً فحيث وقع جعلوه مجازاً عن العلم أو ما يترتب عليه فلزمه بالآخرة الرجوع إلى ما أنكره واختار جعل العلم كناية عن ظهور أمرهم ليطمئن بازدياد الإيمان قلوب المؤمنين وتنقطع حجة المنكرين وعلم الله تعالى حيث تعذر إرادة حقيقته في كتابه تعالى جعل كناية عن بعض لوازمه المناسبة لموقعه والمناسب هنا ما ذكر ، ثم قال : وإنما علق العلم بالاختلاف في أمده أي المفهوم من أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً لأنه ادعى لإظهاره وأقوى لانتشاره .
وفي «الكشف » توجيهاً لما في «الكشاف » أراد أن العلم مجاز عن التمييز والإظهار كأنه قيل لنظهر ونميز لهم العارف بأمد مال بثوا ولينظر من هذا العارف فإنه لا يجوز أن يكون أحداً منهم لأنهم بين مفوض ومقدر غير مصيب ، والفرق بين ما في «الكشف » وما ذكره الخفاجي لا يخفي على بصير وما في «الكشف » أقل مؤنة منه .
وتصوير التمثيل بأن يقال : بعثناهم بعث من يريد أن يعلم أحسن عندي من التصوير الأول ، والتوهم المذكور مما لا يكاد يلتفت إليه فتدبر جداً . وقرئ { لِيَعْلَمَ } مبنياً للفاعل من الإعلام وخرج ذلك على أن الفاعل ضميره تعالى والمفعول الأول محذوف لدلالة المعنى عليه و { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } الخ من المبتدأ والخبر في موضع مفعولي نعلم الثاني والثالث ، والتقدير ليعلم الله الناس أي الحزبين الخ ، وإذا جعل العلم عرفانياً كانت الجملة في موضع المفعول الثاني فقط وهو ظاهر . وقرئ { لِيَعْلَمَ } بالبناء للمفعول وخرج على أن نائب الفعل محذوف أي ليعلم الناس .
/ والجملة بعد أما في موضع المفعولين أو المفعول حسبما سمعت ، وقال بعضهم : أن الجملة هي النائب عن الفاعل وهو مذهب كوفي ففي «البحر » البصريون لا يجوز كون الجملة فاعلاً ولا نائباً عنه وللكوفيين مذهبان ، أحدهما أنه يجوز الإسناد إلى الجملة مطلقاً ، والثاني أنه لا يجوز إلا إذا كان المسند مما يصح تعليقه وتحقيق ذلك في محله .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } [ الكهف : 12 ] إشارة إلى ردهم إلى الصحو بعد السكر والبقاء بعد الفناء ، ويقال أيضاً : هو إشارة إلى الجلوة بعد الخلوة وهما قولان متقاربان
{ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ } أي : من نومهم { لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } أي : لنعلم أيهم أحصى لمقدار مدتهم ، كما قال تعالى : { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ } الآية ، وفي العلم بمقدار لبثهم ، ضبط للحساب ، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته ، فلو استمروا على نومهم ، لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{لنعلم أي الحزبين}، يعنى لنرى مؤمنهم ومشركهم،
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"ثُمّ بَعَثْناهُمْ لنَعْلَمَ أيّ الحِزْبَيْنِ أحْصَى" يقول: ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أوَوْا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث، أيّ الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مُكْث الفتية في كهفهم رقودا "أحْصَى لِمَا لَبِثُوا أمَدا "يقول: أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا ويعني بالأمد: الغاية...
وذُكر أن الذين اختلفوا في ذلك من أمورهم، قوم من قوم الفتية، فقال بعضهم: كان الحزبان جميعا كافرين. وقال بعضهم: بل كان أحدهما مسلما، والآخر كافرا...
عن قتادة، قوله "ثُمّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أيّ الحِزْبَيْنِ أحْصَى لِما لَبِثُوا أمَدا" يقول: ما كان لواحد من الفريقين علم، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم.
وأما قوله: "أمَدا" فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه؛
وفي نصب قوله "أمَدا" وجهان: أحدهما أن يكون منصوبا على التفسير من قوله أحْصَى كأنه قيل: أيّ الحزبين أصوب عددا لقدر لبثهم.
وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب، لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء.
والآخر: أن يكون منصوبا بوقوع قوله لَبِثُوا عليه، كأنه قال: أيّ الحزبين أحصى للبثهم غاية.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ثم بعثناهم} أي لنعلم ما قد علمناه غائبا شاهدا، إذ كان عالما بما يكون (منهم). وتأويله ما ذكرنا: ليعلم الخلق شاهدا، كما علم هو غائبا، أو ليعلم المخطئ منهم من المصيب...
وقوله تعالى: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} اختلف في قوله {أي الحزبين}... ولكن لسنا ندري من {أي الحزبين}، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة...
ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لَبْثِهِمْ لما في ذلك من العبرة.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... {أَيُّ الحِزْبَيْنِ} المختلفين منهم في مدّة لبثهم؛ لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك، وذلك قوله {قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [الكهف: 19] وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم: هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و {أحصى} فعل ماض أي أيهم ضبط {أَمَدًا} لأوقات لبثهم... فإن قلت: كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدّة غرضاً في الضرب على آذانهم؟ قلت: الله عز وجل لم يزل عالماً بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ليزدادوا إيماناً واعتباراً، ويكون لطفاً لمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفاره...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و «البعث» التحريك بعد سكون، وهذا مطرد مع لفظة البعث حيث وقعت، وقد يكون السكون في الشخص أو عن الأمر المبعوث فيه وإن كان الشخص متحركاً، وقوله {لنعلم} عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وهذا على نحو كلام العرب أي لنعلم ذلك موجوداً...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{ثم بعثناهم} أي نبهناهم من ذلك النوم {لنعلم} علماً مشاهداً لغيرنا كما كنا نعلم غيباً ما جهله من يسأل فيقول: {أي الحزبين} هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم {أحصى} أي حسب وضبط {لما} أي لأجل علم ما {لبثوا أمداً} أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد، أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريباً منه فعلى سبيل الظن والتقريب، لا القطع والتحديد، بقوله تعالى: (قل الله أعلم بما لبثوا} [الكهف: 26] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك، علم أنه المحيط بصفات الكمال، وأنه لم يتخذ ولداً، ولا له شريك في الملك، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}... وفي العلم بمقدار لبثهم، ضبط للحساب، ومعرفة لكمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم، لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
البعث: هنا الإيقاظ، أي أيقظناهم من نومتهم يقظة مفزوع كما يُبعث البعير من مَبركه، وحسن هذه الاستعارة هنا أن المقصود من هذه القصة إثبات البعث بعد الموت فكان في ذكر لفظ البعث تنبيه على أن في هذه الإفاقة دليلاً على إمكان البعث وكيفيته.
والحزب: الجماعة الذين توافقوا على شيء واحد، فالحزبان فريقان: أحدهما مصيب والآخر مخطئ في عد الأمد الذي مضى عليهم. فقيل: هما فريقان من أهل الكهف أنفسهم على أنه المشار إليه بقوله تعالى: {قال قائل منهم كم لبثتم} [الكهف: 19]، وفي هذا بعد من لفظ حزب إذ كان القائل واحداً والآخرون شاكين، وبعيد أيضاً من فعل {أحصى} لأن أهل الكهف ما قصدوا الإحصاء لمدة لبثهم عند إفاقتهم بل خالوها زمناً قليلاً. فالوجه: أن المراد بالحزبين حزبان من الناس أهل بلدهم اختلفت أقوالهم في مدة لبثهم بعد أن علموا انبعاثهم من نومتهم، أحد الفريقين مصيب والآخر مخطئ، والله يعلم المصيب منهم والمخطئ، فهما فريقان في جانبي صواب وخطأ كما دل عليه قوله: {أحصى}.
ولا ينبغي تفسير الحزبين بأنهما حزبان من أهل الكهف الذين قال الله فيهم: {قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم...} [الكهف: 19].
وجُعل حصول علم الله بحال الحزبين علةً لبعثِهِ إياهم كناية عن حصول الاختلاف في تقدير مدتهم فإنهم إذا اختلفوا علم الله اختلافهم عِلْمَ الواقعات، وهو تعلق للعلم يصح أن يطلق عليه تنجيزي وإن لم يقع ذلك عند علماء الكلام.
وقد تقدم عند قوله تعالى: {لنبلوهم أيهم أحسن عملاً} في أول السورة الكهف (7).
و {أحصى} يحتمل أن يكون فعلاً ماضياً، أن يكون اسم تفضيل مصوغاً من الرباعي على خلاف القياس... فالوجه، أن {أحصى} اسم تفضيل، والتفضيل منصرف إلى ما في معنى الإحصاء من الضبط والإصابة. والمعنى: لنعلم أي الحزبين أتقن إحصاءً، أي عدا بأن يكون هو الموافق للواقع ونفس الأمر ويكون ما عداه تقريباً ورجماً بالغيب. وذلك هو ما فصله قوله تعالى: {سيقولون ثلاثة} [الكهف: 22] الآية.
ف "أي "اسم استفهام مبتدأ وهو معلق لفعل "لنعلم" عن العمل، {وأحصى} خبر عن (أي) و {أمداً} تمييز لاسم التفصيل تمييزَ نسبة، أي نسبة التفضيل إلى موصوفه كما في قوله: {أنا أكثر منك مالاً} [الكهف: 34]...
والمعنى: ليظهرَ اضطراب الناس في ضبط تواريخ الحوادث واختلال خرصهم وتخمينهم إذا تصدوا لها، ويعلم تفريط كثير من الناس في تحديد الحوادث وتاريخها، وكلا الحالين يمت إلى الآخر بصلة.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا}. العطف بـ {ثم} في موضعه، لأن الزمن تطاول بين دخولهم الكهف وضرب الله تعالى على آذانهم فقد كانت سنين كثيرة لا تعرف إلا بالعد والإحصاء، وسمى الله تعالى سماعهم بعد أن ضرب على آذانهم بعثا، مع أنه ليس إلا أن يسمعوا بعد أن لم يسمعوا من غير أن يفقدوا حاسة السمع، ولكن كان هناك حجاب يمنع من السماع بإرادة الله تعالى، وسمى ذلك بعثا، لأنه مظهر الحياة بعد أن اختفت، فمع أنهم أحياء واستمروا أحياء طول هذه المدة، وقد يقال في اللغة: بعثه، إذا أيقظه من نومه،.. فبين البعث واليقظة بعد النوم مشابهة تجعل أحدهما كالآخر، وخصوصا أن البعث هنا مع بقاء الحياة، وإنما الذي غَيَّبَ الكلامَ والسماعَ هو الرقاد...
سمى الله تعالى الفريقين حزبين، لأن الحزب ما ينحاز إلى أمر معين من دين أو حرب أو نصرة... {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا}... إن ذلك تنبيهاً إلى طول الأمد حتى تظنن أهله، ولرقودهم الذي يشبه الموت اختلفوا فيه، وليعلم الناس أن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون، وأن الأزمان أمرها نسبي وهي بالنسبة لله تعالى ليست بشيء يحصى...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
جملة (لنعلم...) لا تعني أنّ الله يريد أن يعلم شيئاً جديداً. ويكثُر استخدام هذا التعبير في القرآن، والغرض مِنهُ هو تحقق العلم الإِلهي، بمعنى نحنُ أيقظناهُم مِن المنام حتى يتحقق هذا المعنى، أي حتى يسأل كل واحد الآخر عن مقدار نومهم...