{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق * النبيين * لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } الظرف منصوب بفعل مقدر مخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت ذلك واختار السمين كونه معمولاً لأقررتم الآتي ، وضعفه عبد الباقي بأن خطاب { ءأَقْرَرْتُمْ } بعد تحقق أخذ الميثاق ، وفيه تردد ، وعطفه على ما تقدم من قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَتِ الملئكة } [ آل عمران : 42 ] كما نقله الطبرسي بعيد . واختلف في المراد من الآية فقيل : إنها على ظاهرها ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : لم يبعث الله تعالى نبياً آدم فمن بعده ، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره في أخذ العهد على قومه ثم تلا الآية ، وعدم ذكر الأمم فيها حينئذ إما لأنهم معلومون بالطريق الأولى أو لأنه استغنى بذكر النبيين عن ذكرهم ، ففي الآية اكتفاء وليس فيها الجمع بين المتنافيين ، وقيل : إن إضافة الميثاق إلى النبيين إضافة إلى الفاعل ، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم ، وإلى هذا ذهب ابن عباس فقد أخرج ابن المنذر ، وغيره عن سعيد بن جبير أنه قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرءون { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَمَا ءاتَيْتُكُم } الخ ونحن نقرأ ميثاق النبيين فقال ابن عباس إنما أخذ الله تعالى ميثاق النبيين على قومهم ، وأشار بذلك رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا تناقض بين القراءتين كما توهم حتى ظن أن ذلك منشأ قول مجاهد فيما رواه عنه ابن المنذر وغيره أن { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } خطأ من الكتاب وأن الآية كما قرأ عبد الله وليس كذلك ؛ إذ لا يصلح ذلك وحده منشأ وإلا لزم الترجيح بلا مرجح بل المنشأ لذلك إن صح ، ولا أظن ما يعلم بعد التأمل فيما أسلفناه في المقدمات ، وبسطنا الكلام عليه في «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية » وقيل : المراد أمم النبيين على حذف المضاف ، وإليه ذهب الصادق رضي الله تعالى عنه ؛ وقيل : المضاف المحذوف أولاد ، والمراد بهم على الصحيح بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم وأن السياق في شأنهم ، وأيد بقراءة عبد الله المشار إليها وهي قراءة أبيّ بن كعب أيضاً ، وقيل : المراد ، وإذ أخذ الله ميثاقاً مثل ميثاق النبيين أي ميثاقاً غليظاً على الأمم ، ثم جعل ميثاقهم نفسه ميثاقهم بحذف أداة التشبيه مبالغة ، وقيل : المراد من النبيين بنو إسرائيل وسماهم بذلك تهكماً لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا ، وهذا كما تقول لمن ائتمنته على شيء فخان فيه ثم زعم الأمانة : يا أمين ماذا صنعت بأمانتي ؟ ؟ا وتعقبه الحلبي بأنه بعيد جداً ؛ إذ لا قرينة تبين ذلك ، وأجيب بأن القائل بعد لعله/ اتخذ مقالهم المذكور قرينة حالية ، وقيل : إن الإضافة للتعليل لأدنى ملابسة كأنه قيل : وإذ أخذ الله الميثاق على الناس لأجل النبيين ، ثم بينه بقوله سبحانه : { لَمَا ءاتَيْتُكُم } الخ ولا يخفى أن هذا أيضاً من البعد بمكان ، وقال الشهاب : لم نر من ذكر أن الإضافة تفيد التعليل في غير كلام هذا القائل ، واختار كثير من العلماء القول الأول ، وأخذ الميثاق من النبيين له صلى الله عليه وسلم على ما دل عليه كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه مع علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته ، لا يمنع من ذلك لما فيه مع ما علمه الله تعالى من التعظيم له صلى الله عليه وسلم والتفخيم ورفعة الشأن والتنويه بالذكر ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب ، وتعظم الفائدة إذا كان ذلك الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان كما عليه البعض ويؤيد القول بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من أدركه عليه الصلاة والسلام منهم به ، ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ماحل له إلا أن يتبعني " وفي معناه أخبار كثيرة وهي تؤيد بظاهرها ما قلنا ، ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المطلق والرسول الحقيقي والمشرع الاستقلالي ، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعية له صلى الله عليه وسلم .
وهذا وقد عدوا هذه الآية من مشكلات القرآن إعراباً وقد غاص النحويون في تحقيق ذلك وشقوا الشعر فيه ولنذكر بعض الكلام في ذلك فنقول : قال غير واحد : اللام في { لَمَا ءاتَيْتُكُم } على قراءة الفتح والتخفيف وهي قراءة الجمهور موطئة للقسم المدلول عليه بأخذ الميثاق لأنه بمعنى الاستحلاف وسميت بذلك لأنها تسهل تفهم الجواب على السامع ، وعرفها النحاة كما قال الشهاب : بأنها اللام التي تدخل على الشرط سواء إن وغيرها لكنها غلبت في إن بعد تقدم القسم لفظاً أو تقديراً لتؤذن أن الجواب له لا للشرط كقولك : لئن أكرمتني لأكرمنك ولو قلت : أكرمك ، أو فإني أكرمك ، أو ما أشبهه مما يجاب به الشرط لم يجز على ما صرح به ابن الحاجب وخالفه الفراء فيه فجوز أن يجاب الشرط مع تقدم القسم عليه لكن الأول هو المصحح وكونها يجب دخولها على الشرط هو المشهور وخالف فيه بعض النحاة ، قال : يجوز دخولها على غير الشرط إما مطلقاً أو بشرط مشابهته للشرط كما الموصولة دون الزائدة وقال الزمخشري في سورة هود : إنه لا يجب دخولها على كلم المجازاة ، ونقله الأزهري عن الأخفش ، وذكر أن ثعلباً غلطه فيه فالمسألة خلافية ، و ما شرطية في موضع نصب بآتيت والمفعول الثاني ضمير المخاطب ، و { مِنْ } بيان لما واعترض بأن حمل { مِنْ } على البيان شائع بعد الموصولة ، وأما بعد الشرطية فيحتاج إلى النقل ، ومثل ذلك القول بزيادتها ، لأن زيادتها بعد الموصولة أيضاً كزيادتها بعد الشرطية محتاج لما ذكر ، وأجيب بأن السمين نقل ما يدل على الوقوع عند الأئمة ، وفي «جني الداني » .
ومن الناس من قال : إن ( من ) تزاد بالشروط في غير باب التمييز ، وأما فيه فتزاد وإن لم تستوف الشروط نحو لله درك من رجل ، ومن هنا قال مولانا عبد الباقي : يجوز أن تكون ( من ) تبعيضية ذكرت لبيان ( ما ) الشرطية ، أو زائدة داخلة على التمييز ، و { لَتُؤْمِنُنَّ } جواب القسم وحده على الصحيح ، ولدلالته على جواب الشرط واتحاد معناهما تسامح بعضهم فجعله ساداً مسد الجوابين ، ولم يرد أنه جواب القسم وجواب الشرط لتنافيهما من حيث إن الأول : لا محل له ، والثاني : له محل ، والقول بأن الجملة الواحدة قد يحكم عليها بالأمرين باعتبارين التزام لما لا يلزم ، وجوزوا كون ( ما ) موصولة واللام الداخلة عليها حينئذ لام الابتداء ، ويشعر كلام البعض أن اللام بعد موطئة وكأنه مبني على مذهب من جوز دخول الموطئة على غير الشرط من النحاة كما مر وهي على هذا التقدير مبتدأ ، والخبر/ إما مقدر أو جملة { لَتُؤْمِنُنَّ } مع القسم المقدر ، والكلام في مثله شهير ، وأورد عليه أن الضمير في { بِهِ } إن عاد على المبتدأ على ما هو الظاهر كان الميثاق هو إيمانهم بما آتاهم ، والمقصود من الآية أخد الميثاق بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته ، وإن عاد على الرسول كالضمير الثاني المنصوب العائد عليه مطلقاً دفعاً للزوم التفكيك خلت الجملة التي هي خبر عن العائد ، وأجيب بأن الجملة المعطوفة لما كانت مشتملة على ما هو بمعنى المبتدأ الموصول ، ولذلك استغنى عن ضميره فيها مع لزومه في الصلتين المتعاطفتين في المشهور وكان ضمير { بِهِ } راجعاً للرسول مع ملاحظة { مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ } القائم مقام الضمير العائد على ( ما ) اكتفى بمجرد ذلك عن ضمير في خبرها لارتباط الكلام بعضه ببعض ، وإلى ذلك يشير كلام الإمام السهيلي في «الروض الأنف » ، ولا يخفى أنه مع ما فيه من التكلف مبني على اتحاد ما أوتوه ، وما هو معهم ، وفي ذلك إشكال ؛ لأن آتيناكم وجاءكم ، إن كان كلاهما مستقبلين فالظاهر أن المراد بما آتيناكم ، القرآن ؛ لأنه الذي يؤتوه في المستقبل باعتبار إيتائه للرسول الذي كلفوا باتباعه وبما معهم الكتب التي أوتوها ، وحمله على القرآن يأباه الذوق ؛لأنه مع كونه ليس معهم بحسب الظاهر لا يظهر حسن ؛ لكون القرآن مصدقاً للقرآن وهو لازم على ذلك التقدير وإن كانا ماضيين ظهر الفساد من جهة أن هذا الرسول الذي أوجب الله تعالى عليهم الإيمان به ونصرته لم يجيء إذ ذاك ، وإن كان الفعل الأول ماضياً .
والثاني : مستقبلاً جاء عدم التناسب بين المعطوفين وهما ماضيان لفظاً ، وفيه نوع بعد ، ولعل المجيب يختار هذا الشق ويتحمل هذا البعد لما أن ثم مع كونه لا يعبأ بمثله لضعفه تهون أمره ، وجوز أبو البقاء على ذلك التقدير كون الخبر من كتاب ، أي الذي آتيتكموه من الكتاب ، وجعل النكرة هنا كالمعرفة وسوغ كون العائد على الموصول من المعطوف محذوفاً أي جاءكم به مع عدم تحقق شروط حذف مثل هذا الضمير عند الجمهور بل مع خلل في المعنى لأن المؤتى كتاب كل نبي في زمان بعثته وشريعته ؛ والجائي به الرسول هو القرآن بحسب الظاهر لا كتاب كل نبي ، وعود الضمير المقدر يستدعي ذلك ، وعلى تقدير التزام كون المؤتى القرآن أيضاً كما يقتضيه حمل الفعلين على الاستقبال يرد أنه لا معنى لمجيء الرسول إليهم بالقرآن بعد إيتائهم القرآن بمهلة ، والعطف بثم كالنص بهذا المعنى ، وعلى تقدير التزام كون الجائي به الرسول هو كتاب كل نبي بنوع من التكلف يكون وصف الرسول بكونه مصدقاً لما معكم كالمستغني عنه فتدبر .
وقرأ حمزة لما آتيتكم بكسر اللام على أن ( ما ) مصدرية واللام جارّة أجلية متعلقة بلتؤمنن أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه ، واعترض بأن فيه إعمال ( ما ) بعد لام القسم فيما قبلها وهو لا يجوز ، وأجيب بأنه غير مجمع عليه فإن ظاهر كلام الزمخشري يشعر بجوازه ولعل من يمنعه يخصه بما إذا لم يكن المعمول المتقدم ظرفاً لأن ذاك يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره ، نعم الأولى حسماً للنزاع تعلقه بأقسم المحذوف ، وجوز أن تكون ( ما ) في هذه القراءة موصولة أيضاً ، والجار متعلق بأخذ وروى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ لما آتيتكم بالتشديد ، وفيها احتمالان : الأول : أن تكون ظرفية بمعنى حين كما قاله الجمهور خلافاً لسيبويه ، وجوابها مقدر من جنس جواب القسم كما ذهب إليه الزمخشري أي لما آتيتكم بعض الكتاب والحكمة ثم جاءكم رسول مصدق وجب عليكم الإيمان به ونصرته ، وقدره ابن عطية من جنس ما قبلها أي لما كنتم بهذه الحال رؤساء الناس وأماثلهم أخذ عليكم الميثاق وكذا وقع في تفسير الزجاج ، و مآل معناها التعليل ، الثاني : أن أصلها من ( ما ) فأبدلت/ النون ميماً لمشابهتها إياها فتوالت ثلاث ميمات فحذفت الثانية لضعفها بكونها بدلاً وحصول التكرير بها ، ورجحه أبو حيان في «البحر » .
وزعم ابن جني أنها الأولى ، ونظر فيه الحلبي ، و { مِنْ } إما مزيدة في الإيجاب على رأي الأخفش ، وإما تعليلية على ما اختاره ابن جني قيل : وهو الأصح لاتضاح المعنى عليه وموافقته لقراءة التخفيف واللام إما زائدة ، أو موطئة بناءاً على عدم اشتراط دخولها على أداة الشرط ، وقرأ نافع آتيناكم على لفظ الجمع للتعظيم ، والباقون آتيتكم على التوحيد ، ولكل من القراءتين حسن من جهة ، فافهم ذاك فبعيد أن تظفر بمثله يداك
{ قَالَ } أي الله تعالى للنبيين وهو بيان لأخذ الميثاق ، أو مقول بعده للتأكيد { ءأَقْرَرْتُمْ } بذلك المذكور { وَأَخَذْتُمْ } أي قبلتم على حدّ { إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ } [ المائدة : 41 ] . وقيل : معناه هل أخذتم { على ذلكم إِصْرِى } على الأمم . والإصر بكسر الهمزة كما قال ابن عباس ، وأصله من الإصار وهو ما يعقد به ويشد وكأنه إنما سمي العهد بذلك ؛ لأنه يشدّ به ، وقرىء بالضم وهو إما لغة فيه كعبر وعبر في قولهم ناقة عبر أسفار أو هم بالضم جمع إصار استعير للعهد ، وجمع إما لتعدد المعاهدين وهو الظاهر ، أو للمبالغة { قَالُواْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك ؟ فقيل : قالوا : { أَقْرَرْنَا } ، وكان الظاهر في الجواب أقررنا على ذلك إصرك لكنه لم يذكر الثاني اكتفاءاً بالأول { قَالَ } أي الله تعالى لهم { فَأَشْهِدُواْ } أي فليشهد بعضكم على بعض بذلك الإقرار ، فاعتبر المقر بعضاً ، والشاهد بعضاً آخر لئلا يتحد المشهود عليه والشاهد ، وقيل : الخطاب فيه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقط أمروا بالشهادة على أممهم ونسب ذلك إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه ، وقيل : للملائكة فكيون ذلك كناية عن غير مذكور ونسب إلى سعيد بن المسيب { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } أي على إقراركم وتشاهدكم على ما يقتضيه المعنى لأنه لا بد في الشهادة من مشهود عليه . وهنا ما ذكرناه( {[197]} ) للمقام . وعن ابن عباس أن المراد اعلموا وأنا معكم أعلم . وعلى كل تقدير فيه توكيد وتحذير عظيم ، والجار والمجرور خبر أنا و { مَّعَكُمْ } حال ، والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب . وجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير { فَأَشْهِدُواْ } .
ومن باب الإشارة :{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين } [ آل عمران : 18 ] الآية فيه إشارة إلى أنه سبحانه أخذ العهد من نواب الحقيقة المحمدية في الأزل بالانقياد والطاعة والإيمان بها ، وخصهم بالذكر لكونهم أهل الصف الأول ورجال الحضرة ، وقيل : إن الله تعالى أخذ عليهم ميثاق التعارف بينهم وإقامة الدين وعدم التفرق وتصديق بعضهم بعضاً ودعوة الخلق إلى التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى وطاعة النبي وتعريف بعضهم بعضاً لأممهم ، وهذا غير الميثاق العام المشار إليه بقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ } [ الأعراف : 172 ] الخ
{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }
يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل ، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال ، إنه إن بعث الله رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم ، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض ، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله ، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان ، فهم كالشيء الواحد ، فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم ، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته ، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم ، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره ، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى { قالوا أقررنا } أي : قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين { قال } الله لهم : { فاشهدوا } على أنفسكم وعلى أممكم بذلك ، قال { وأنا معكم من الشاهدين } .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني بذلك جلّ ثناؤه: واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين، يعني حين أخذ الله ميثاق النبيين، وميثاقهم: ما وثقوا به على أنفسهم طاعة الله فيما أمرهم ونهاهم. وقد بينا أصل الميثاق باختلاف أهل التأويل فيه بما فيه الكفاية. {لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ} اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق {لَمَا آتَيْتُكُمْ} بفتح اللام من
«لما»، إلا أنهم اختلفوا في قراءة آتيتكم، فقرأه بعضهم {آتَيْتُكُمْ} على التوحيد، وقرأه آخرون: «آتيناكم»، على الجمع.
ثم اختلف أهل العربية إذا قرئ ذلك كذلك، فقال بعض نحويي البصرة: اللام التي مع «ما» في أوّل الكلام لام الابتداء، نحو قول القائل: لزيد أفضل منك، لأن «ما» اسم، والذي بعدها صلة لها، واللام التي في: {لتؤمنن بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ} لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمننّ به، يؤكد في أول الكلام وفي آخره، كما يقال: أما والله أن لو جئتني لكان كذا وكذا، وقد يستغنى عنها فيؤكد في لتؤمننّ به باللام في آخر الكلام، وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر «ما آتيتكم من كتاب وحكمة»، «لتؤمننّ به»، مثل: «لعبدالله والله لا آتينه»، قال: وإن شئت جعلت خبر «ما» «من كتاب» يريد: لما آتيتكم كتابٌ وحكمة، وتكون «من» زائدة. وخطّأ بعض نحويي الكوفيين ذلك كله، وقال: اللام التي تدخل في أوائل الجزاء لا تجاب بما ولا «لا» فلا يقال لمن قام: لا تتبعه، ولا لمن قام: ما أحسن، فإذا وقع في جوابها «ما» و«لا» علم أن اللام ليست بتوكيد للأولى، لأنه يوضع موضعها «ما» و«لا»، فتكون كالأولى، وهي جواب للأولى. قال: وأما قوله: {لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ} بمعنى إسقاط «من» غلط، لأن «من» التي تدخل وتخرج لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع في الخبر أيضا، إنما تقع في الجحد والاستفهام والجزاء.
وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية على قراءة من قرأ ذلك بفتح اللام بالصواب أن يكون قوله: {لَمَا} بمعنى: لمهما، وأن تكون «ما» حرف جزاء أدخلت عليها اللام، وصير الفعل معها على فَعَل، ثم أجيبت بما تجاب به الأيمان، فصارت اللام الأولى يمينا إذ تلقيت بجواب اليمين.
وقرأ ذلك آخرون: «لِما آتَيْتُكُمْ» بكسر اللام من «لما»، وذلك قراءة جماعة من أهل الكوفة.
ثم اختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: معناه إذا قرئ كذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتيتكم، فما على هذه القراءة بمعنى: الذي عندهم. وكان تأويل الكلام: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول: يعني: ثم إن جاءكم رسول، يعني ذكر محمد في التوراة، لتؤمنن به، أي ليكونن إيمانكم به للذي عندكم في التوراة من ذكره.
وقال آخرون منهم: تأويل ذلك إذا قرئ بكسر اللام من «لِما». وإذ أخذ الله ميثاق النبيين للذي آتاهم من الحكمة، ثم جعل قوله: لتؤمنن به من الأخذ، أخذ الميثاق، كما يقال في الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف. فكان تأويل الكلام عند قائل هذا القول: وإذا استحلف الله النبيين للذي آتاهم من كتاب وحكمة، متى جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمننّ به ولينصرنه.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ} بفتح اللام، لأن الله عز وجلّ أخذ ميثاق جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم، كان ممن آتاه كتابا، أو من لم يؤته كتابا. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عزّ وجلّ ورسله، بأنه كان ممن أبيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن منهم من أنزل عليه الكتاب، وأن منهم من لم ينزل عليه الكتاب، كان بيّنا أن قراءة من قرأ ذلك: «لِمَا آتَيْتُكُمْ» بكسر اللام، بمعنى: من أجل الذي آتيتكم من كتاب، لا وجه له مفهوم إلا على تأويل بعيد، وانتزاع عميق.
ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رسل الله مصدّقا لما معه، فقال بعضهم: إنما أخذ الله بذلك ميثاق أهل الكتاب، دون أنبيائهم، واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله: {لَتُؤْمِنَنّ بِه وَلتَنْصُرَنّهُ} قالوا: فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرسل من الأمم بالإيمان برسل الله، ونصرتها على من خالفها. وأما الرسل فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد، لأنها المحتاجة إلى المعونة على من خالفها من كفرة بني آدم، فأما هي فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها. قالوا: وإذا لم يكن غيرها وغير الأمم الكافرة، فمن الذي ينصر النبيّ، فيؤخذ ميثاقه بنصرته؟...
وقال آخرون: بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك الأنبياء دون أممها... عن ابن طاووس، عن أبيه في قوله: {وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ} أن يصدّق بعضهم بعضا... عن قتادة، قوله: {وَإِذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النّبِيّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ...} هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته. فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدّقوه وينصروه...
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه ميثاق النبيين وأممهم، فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر أممها، لأن في ذكر أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التباع، لأن الأمم هم تبّاع الأنبياء... وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: الخبر عن أخذ الله الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضا، وأخذ الأنبياء على أممها، وتباعها الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها، من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به، لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها، ولم يدّع أحد ممن صدق المرسلين أن نبيا أرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عزّ وجلّ، وحججه في عباده، بل كلها، وإن كذّب بعض الأمم بعض أنبياء الله بجحودها نبوّته، مقرّ بأن من ثبتت صحة نبوّته، فعليها الدينونة بتصديقه فذلك ميثاق مقرّ به جميعهم. ولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء، لأن الله عزّ وجلّ، قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين، فسواء قال قائل: لم يأخذ ذلك منها ربها، أو قال: لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت، وقد نصّ الله عزّ وجلّ أنه أمرها بتبليغه، لأنهما جميعا خبران من الله عنها، أحدهما أنه أخذ منها، والاَخر منهما أنه أمرها، فإن جاز الشكّ في أحدهما جاز في الاَخر. وأما ما استشهد به الربيع بن أنس على أن المعنيّ بذلك أهل الكتاب من قوله: {لَتُؤْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنْصُرنّهُ} فإن ذلك غير شاهد على صحة ما قال، لأن الأنبياء قد أمر بعضها بتصديق بعض، وتصديق بعضها بعضا، نصرة من بعضها بعضا.
ثم اختلفوا في الذين عنوا بقوله: {ثُمّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُوءْمِنُنّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنّهُ} فقال بعضهم: الذين عنوا بذلك هم الأنبياء، أخذت مواثيقهم أن يصدّق بعضهم بعضا، وأن ينصروه... وقال آخرون: هم أهل الكتاب أمروا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله وبنصرته، وأخذ ميثاقهم في كتبهم بذلك، وقد ذكرنا الرواية بذلك أيضا عمن قاله.
وقال آخرون ممن قال الذين عنوا بأخذ الله ميثاقهم منهم في هذه الآية هم الأنبياء، قوله: {ثُمّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} معنيّ به أهل الكتاب...
وأولى الأقوال بالصواب عندنا في تأويل هذه الآية: أن جميع ذلك خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أممهم إليه والإقرار به، لأن ابتداء الآية خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم، فقال: هو كذا وهو كذا.
وإنما قلنا إن ما أخبر الله أنه أخذ به مواثيق أنبيائه من ذلك، قد أخذت الأنبياء مواثيق أممها به، لأنها أرسلت لتدعو عباد الله إلى الدينونة، بما أمرت بالدينونة به في أنفسها من تصديق رسل الله على ما قدمنا البيان قبل. فتأويل الآية: واذكروا يا معشر أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيين لمهما آتيتكم أيها النبيون من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، يقول: لتصدقنه ولتنصرنه... {قَالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ على ذَلِكُمْ إِصْرِي؟ قَالُوا أقْرَرْنا}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بما ذكر، فقال لهم تعالى ذكره: أأقررتم بالميثاق الذي واثقتموني عليه من أنكم مهما أتاكم رسول من عندي، مصدّق لما معكم، لتؤمننّ به ولتنصرنه، {وأخَذْتُمْ على ذَلِكُمْ إِصْرِي} يقول: وأخذتم على ما واثقتموني عليه من الإيمان بالرسل التي تأتيكم بتصديق ما معكم من عندي، والقيام بنصرتهم إصري، يعني عهدي ووصيتي، وقبلتم في ذلك مني ورضيتموه. والأخذ: هو القبول في هذا الموضع، والرضا من قولهم: أخذ الوالي عليه البيعة، بمعنى: بايعه، وقبل ولايته، ورضي بها. وقد بينا معنى الإصر باختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول في ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وحذفت الفاء من قوله: {قَالَ أأقْرَرْتُمْ} لأنه ابتداء كلام على نحو ما قد بينا في نظائره فيما مضى. وأما قوله: {قَالُوا أقْرَرْنا} فإنه يعني به: قال النبيون الذين أخذ الله ميثاقهم بما ذكر في هذه الآية: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدّقين لما معنا من كتبك وبنصرتهم.
القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ فَاشْهَدُوا وأنا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه، قال الله: فاشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلي التي تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والحكمة، ونصرتهم على أنفسكم، وعلى أتباعكم من الأمم إذ أنتم أخذتم ميثاقهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
والإصر: العقد، ومنه الإصر: الثقل، لأنه عقد يثقل القيام به...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
أخذ الله ميثاق محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء عليهم السلام، كما أخذ ميثاقهم في الإقرار بربوبيته -سبحانه، وهذا غاية التشريف للرسول عليه السلام، فقد قَرَنَ اسمه باسم نفسه، وأثبت قَدْرَه كما أثبت قدر نفسه، فهو أوحد الكافة في الرتبة، ثم سَهَّلَ سبيلَ الكافة في معرفة جلاله بما أظهر عليه من المعجزات...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{ميثاق النبيين} فيه غير وجه: أحدها أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك. والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول ميثاق الله وعهد الله، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع: أن يراد أهل الكتاب وأن يرد على زعمهم تهكماً بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون...
فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على آتيتكم وهو قوله: {ثُمَّ جَاءكُمْ} لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصفة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟ قلت: بلى لأنّ ما معكم في معنى ما آتيتكم، فكأنه قيل: للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له. وقرأ سعيد بن جبير «لما» بالتشديد، بمعنى حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة. ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته. وقيل: أصله لمن ما، ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به،... {فاشهدوا}: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار {وَأَنَاْ على ذلكم} من إقراركم وتشاهدكم {مّنَ الشاهدين} وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرُّجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين...}: واذكر يا محمد «إذ»، ويحتمل أن يكون «أخذ» هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسماً، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه، ثم جمع اللفظ، في حكاية الحال في هذه الآية، والمعنى: أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل، الظاهرة براهينهم والنصرة له.
{قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ}
هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد الله فيه، وذلك يحتمل موطن القسم، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه، {وأخذتم} في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضاً. وقوله تعالى: {فاشهدوا}: بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به، وشهادة الله تعالى هذا التأويل، وهي التي في قوله {وأنا معكم من الشاهدين} هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم، هذا قول الزجّاج وغيره.
قال القاضي أبو محمد: فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، والقول الثاني هو الأمر بأدائها.
اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعا لعذرهم وإظهارا لعنادهم... إن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الميثاق مأخوذا عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذا على الأنبياء عليهم السلام، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام، أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجبا على أممهم لو كان ذلك أولى، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه...
تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصارا... في قوله {لما آتيتكم من كتاب} إشكال، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم، فالإشكال أظهر، والجواب عنه من وجهين: الأول: أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب، بمعنى كونه مهتديا به داعيا إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه والثاني: أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع...
الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها...
السؤال الأول: ما وجه قوله {ثم جاءكم} والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم؟. والجواب: إن حملنا قوله {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال، وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيين أنفسهم كان قوله {ثم جاءكم} أي جاء في زمانكم...
السؤال الثاني: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم، قلنا: المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق، وأيضا فالمراد من قوله {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم} هو محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بكونه مصدقا لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكورا في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقا لما كان معهم، فهذا هو المراد بكونه مصدقا لما معهم...
السؤال الثالث: حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقا لما معهم فما معنى ذلك الميثاق. والجواب: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولا عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له، فقوله تعالى: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم} يدل على هذين الوجهين، أما على الوجه الأول، فقوله {رسول} وأما على الوجه الثاني، فقوله {مصدق لما معكم}...
ثم قال تعالى: {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إن فسرنا قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى {أأقررتم} معناه: قال الله تعالى للنبيين أأقررتم بالإيمان به والنصرة له، وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله {قال أأقررتم} أي قال كل نبي لأمته أأقررتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم، بل طالبوهم بالإقرار بالقول، وأكدوا ذلك بالإشهاد.
المسألة الثانية: الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته...
{فأشهدوا}: أي ليجعل كل أحد نفسه شاهدا على نفسه ونظيره قوله {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} [الأعراف: 172] على أنفسنا وهذا من باب المبالغة.
الرابع: {فأشهدوا}: أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى.
الخامس: {فأشهدوا}: أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له...
وأما قوله تعالى: {وأنا معكم من الشاهدين} فهو للتأكيد وتقوية الإلزام، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره، فليس محتاجا إلى ذلك الإشهاد، لأنه تعالى لا يخفي عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفي، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيدا آخر فقال: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما بين سبحانه وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر، وذكر كثيراً من الرسل فخص في ذكرهم وعمم، ذكر قانوناً كلياً لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز بينه وبين الكاذب فقال عاطفاً على {إذ أنتم مسلمون} {وإذ أخذ الله} أي الذي له الكمال كله {ميثاق النبيين} أي كافة، والمعنى: ما كان له أن يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس -الأنبياء وغيرهم- بأن يؤمنوا به إذا آتاهم، فيكون بذلك الفعل مكفراً لغيره وكافراً بنعمة ربه، وهذا معنى قوله: {لما} أي فقال لهم الله: لما {آتيتكم} وقراءة نافع: آتيناكم، أوفق لسياق الجلالة -قاله الجعبري {من كتاب وحكمة} أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع، فأمرتم بذلك من أرسلتم إليه {ثم جآءكم رسول} أي من عندي، ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال: {مصدق لما معكم} أي من ذلك الكتاب والحكمة {لتؤمنن به} أي أنتم وأممكم {ولتنصرنه} أي على من يخالفه، فكأنه قيل: إن هذا الميثاق عظيم، فقيل: إنّ، زاد في تأكيده اهتماماً به فقال: {قال ءأقررتم} أي يا معشر النبيين {وأخذتم على ذلكم} أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع {إصري} أي عهدي، سمي بذلك لما فيه من الثقل، فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود، فكأنه قيل: ما قالوا؟ فقيل: {قالوا أقررنا} أي بذلك، فقيل: ما قال؟ فقيل {قال فاشهدوا} أي يا أنبياء! بعضكم على بعض، أو يا ملائكة! عليهم {وأنا معكم من الشاهدين}.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
هذا رجوع على أصل الموضوع الذي افتتحت السورة بتقريره وهو التنزيل، وكون الدين عند الله واحدا، وهو ما كان عليه إبراهيم وسائر النبيين، وكون الله تعالى مختارا فيما يختص به بعض خلقه من مزية أو نبوة. وقد سيقت تلك المسائل لإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإزالة شبهات من أنكر من أهل الكتاب بعثة نبي من العرب واستتبع ذلك محاجتهم وبيان خطئهم في ذلك وفي غيره من أمر دينهم. وهذه المسألة التي تقررها هذه الآية من الحجج الموجهة إليهم لدحض مزاعمهم وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقا لما معهم منه وأن ينصروه. أي فالآية متصلة بما قبلها بالنظر إلى أصل الموضوع...
لما كان القصد من إرسالهم واحدا وجب أن يكونوا متكافلين متناصرين إذا جاء واحد منهم في زمن آخر آمن به ونصره بما استطاع ولا يلزم من ذلك ان يكون متبعا لشريعته، كما آمن لوط لإبراهيم وأيد دعوته إذ كان في زمنه. وكل من القولين حجة على الذين يجعلون الدين سببا للخلاف والنزاع والعداوة والبغضاء، كما فعل أهل الكتاب في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم والكيد له. فكان يدعوهم إلى كلمة سواء فلا يلقى منهم إلا الخلاف والشحناء...
وكذلك يؤمن كل من النبيين المرسلين بكل ما جاء به الآخر وإن وافقه في الأصول دون جميع الفروع. ولا يعقل أن ينسخ ما جاء به الأول على لسان رسول آخر لقوم آخرين. وأما إذا بعث الرسولان في أمة واحدة فإنهما يكونان متفقين في كل شيء، ولا تنس موسى وهارون عليهما السلام. وأما مجيء النبي بعد النبي فيجوز أن ينسخ معظم فروع شرعه. وبهذا يتضح لك معنى تصديق نبينا بالكتب السابقة ولمن جاؤوا بها من الرسل وأنه لا يقتضي أن يكون شرعه التفصيلي موافقا لشرائعهم، ولا أن يقر أقوامهم على ما درجوا عليه...
إن العبارة ليست نصا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت، والمختار عنده [الشيخ محمد عبده] ان المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل... أقول: ومن مباحث اللفظ في الآية أن الإقرار من قر الشيء إذا ثبت ولزم قرارة مكانه. زيدت عليه همزة التعدية، فقيل أقر الشيء إذا أثبته وأقر به إذا نطق بما يدل على ثبوته. والأخذ التناول، وفسرناه هنا بالقبول وهو غايته لأن آخذ الشيء يقبله، وهو مستعمل كذلك في التنزيل قال تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 46] ثم قال: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 123] فقال مرة إنه لا يؤخذ منها عدل ولا يقبل منها عدل...
والأظهر عندي: أن يقول هو العهد الذي يحبس صاحبه ويمنعه من التهاون فيما التزمه وعاهد عليه...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
بعد ذلك يصور حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات، على عهد من الله وميثاق، ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات، وشذوذه عن عهد الله وناموس الكون كله على الإطلاق:...
والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل؛ ويجمعهم كلهم في مشهد. والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة: هل أقروا هذا الميثاق وأخذوا عليه عهد الله الثقيل: (قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟).. وهم يجيبون: (قالوا أقررنا).. فيشهد الجليل على هذا الميثاق ويشهدهم عليه: (قال: فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين): هذا المشهد الهائل الجليل، يرسمه التعبير، فيجف له القلب ويجب؛ وهو يتمثل المشهد بحضرة البارىء الجليل، والرسل مجتمعين.. وفي ظل هذا المشهد يبدو الموكب الكريم متصلا متساندا مستسلما للتوجيه العلوي، ممثلا للحقيقة الواحدة التي شاء الله -سبحانه- أن تقوم عليها الحياة البشرية، ولا تنحرف، ولا تتعدد، ولا تتعارض، ولا تتصادم.. إنما ينتدب لها المختار من عباد الله؛ ثم يسلمها إلى المختار بعده، ويسلم نفسه معها لأخيه اللاحق به. فما للنبي في نفسه من شيء؛ وما له في هذه المهمة من أرب شخصي، ولا مجد ذاتي. إنما هو عبد مصطفى ومبلغ مختار. والله -سبحانه- هو الذي ينقل خطى هذه الدعوة بين أجيال البشر؛ ويقود هذا الموكب ويصرفه كيف يشاء. ويخلص دين الله -بهذا العهد وبهذا التصور- من العصبية الذاتية. عصبية الرسول لشخصه. وعصبيته لقومه. وعصبية أتباعه لنحلتهم. وعصبيتهم لأنفسهم. وعصبيتهم لقوميتهم.. ويخلص الأمر كله لله في هذا الدين الواحد، الذي تتابع به وتوالى ذلك الموكب السني الكريم...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال، بدليل قوله: {فمن تولّى بعد ذلك} إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك}. وبدليل قوله قال: {فاشهدوا} أي على أممكم. وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام: {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم} [البقرة: 129]. وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف.
ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله: {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} (توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين، وستعلم أنه ليس كذلك) فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم. ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع، واحتجوا بقراءة أبي، وابن مسعود، هذه الآية: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب، ولم يقرأ ميثاق النبيئين، وزاد مجاهد فقال: إن قراءة أبي هي القرآن، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان.
وقوله: {لما آتيناكم} قرأ الجمهور « لَمَا» بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ {وآتيناكم} صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه، وعُطف {ثم جاءكم} على {آتيْناكم} أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول. و {لتؤمننّ} اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره.
وقرأه حمزة: بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله: {لتؤمننّ به} أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق، ولا يصح من جهة المعنى تعليق {لما آتيتكم} بفعل القسم المحذوف، لأنّ الشكر علة للجواب، لا لأخْذ العهد.
ولام {لتؤمِننّ} لام جواب القسم، على الوجه الأول، وموطئة للقسم على الوجه الثاني.
وقرأ نافع، وأبو جعفر: آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون {آتيتكم} بتاء المتكلم.
وجملة قال: {أأقررتم} بدل اشتمال من جملة {أخذ الله ميثاق النبيين}.
والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق.
والإصر: بكسر الهمزة، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً} في سورة [البقرة: 286].
وقوله: {فاشهدوا} إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله: {وأنا معكم من الشاهدين} كقوله: {شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
والميثاق الذي أخذه الله على النبيين هو ميثاق بمقتضى الهداية التي جاءوا بها،والحق الذي يناصرونه،وهو مشتق من معنى النبوة، والرسالة الإلهية؛ فإن هذه الرسالة بمقتضى وظيفتها وعملها هي عهد موثق بين العبد المختار، والرب الذي اختاره،كمن يرسل رسولا،فإنه يكون ثمة عهد بين الرسول ومن أرسله،بأن يقوم بواجب الرسالة على الوجه الأكمل. وإنه بمقتضى هذا العهد الموثق الذي اشتق من منصب الرسالة الأسمى،تكون الرسالة الإلهية واحدة في مقصدها وغايتها،وهي إسعاد البشرية،وتنظيم العلاقات الإنسانية على دعائم من الأخلاق الفاضلة المنبعثة من النفس العابدة،والروح الزاهدة،التي لا تحرم طيبات ما احل الله. وإذا كانت الوسائل تختلف أحيانا قليلة، فالغاية واحدة، وهي الرحمة، وإقامة الحق والقسط بين الناس. وكل نبي متمم ما بدأ به النبي الذي سبقه،او بالأحرى يؤكد ما جاء به ويوثقه ويقويه،حتى ختم الله أنبياءه بمحمد صلى الله عليه وسلم،فكان خاتم النبيين،... {قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} في الجملة السابقة بين سبحانه عهد الله على النبيين،وفي هذه الجملة يوثقه ويؤكده بأخذ إقرار منهم بهذا الميثاق،وبأخذ عهد آخر عليهم،وهو ان يتولوا هم أخذ العهد على غيرهم بان يقوموا بعهد الله تعالى الذي عاهدهم عليه؛ أي انه سبحانه يأمرهم بان يأخذوا ذلك العهد على أتباعهم؛ وهذا معنى {وأخذتم على ذلكم إصري} أي أخذتم من أتباعكم على ذلك الميثاق-ان ينفذوه وان يتبعوه،وان يقوموا بحقه عليهم،فثمة إذن عهدان:عهد الله على النبيين، وعهد النبيين على أتباعهم،وهذا هو الإصر الذي أخذوه عليهم... فمعنى قوله تعالى: {قال فاشهدوا} أي فاشهدوا أيها الأنبياء على أتباعكم بأنكم أخذتم عليهم تلك العهود بأن يؤمنوا بالرسول الذي يجئ مصدقا لما معكم،وأنهم إذا لم يفعلوا فقد خالفوا العهد والميثاق،ونقضوا عهد الله بشهادته سبحانه وتعالى،وليس كمثله شيء،وهو السميع البصير؛ ولذا قال سبحانه: {وأنا معكم من الشاهدين} وأي شهادة اجل وأعظم من شهادة خالق السموات والأرض ومن فيهما...
وإن هذه الآية السامية تدل على وحدة الرسالة الإلهية إلى اهل الأرض،فما جاء به إبراهيم وموسى وعيسى هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذا قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ان أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه...13} [الشورى]...
وعندما جاءت النصرانية على اليهودية قال أحبار اليهود: نحن لا نريد النصرانية لماذا؟ لأن السلطة الزمنية كانت في أيديهم، ولو أن هؤلاء الأحبار ظلوا باقين على ما أنزله الله عليهم من منهج لقَبَّلُوا يدي أي رسول قادم شاكرين له مقدَمَة ومجيئه وقالوا له: ساعدنا على أن نعمق فهمنا لمنهج الله. إذن فالخلاف لا يحدث إلا حين توجد أهواء لها سلطات زمنية، وموكب الرسالات من يوم أن خلق الله الإنسان هو منهج متساند لا متعاند. وحينما يأتي رسول ليجد أناسا غير مؤمنين بإله فالمشكلة تكون سهلة، لأنه سيلفتهم إلى إله واحد، وبالمنهج الذي يريده الله، لكن المشكلة تكون كبيرة مع الجماعة التي لها رسول وهم منسوبون إلى السماء فإذا ما جاء رسول من الله فهو يجيء وهؤلاء الأتباع قد أخذوا من ادعائهم بالانتساب لرسالة رسول سابق سلطة زمنية كما حدث مع اليهود والنصارى، فتعصبوا للدين الذي كانوا عليه متناسين أن كبارهم قد حرفوا المنهج لحساب السلطة الزمنية. وقد استمر موكب الرسل إلى الخلق ليحمي الله الخلق من سيادة الانحراف واصطفى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قد ضمن بقاء الخير في هذه الأمة، فإذا رأيت أناسا بالغوا في الإلحاد فثق أن هناك أناسا زادهم الله في المدد حتى يحدث التوازن؛ ... {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] قد يقول قائل: إن هذا القول يصلح عندما يأتي رسول معاصر لرسول مثلما عاصر شعيب سيدنا موسى عليه السلام، وكما عاصر لوط سيدنا إبراهيم عليه السلام، ونقول: هذا يحدث -أيضا- وإن لم تتعاصر الرسل، فالحق سبحانه قد أراد لكل رسول أن يعطي لقومه البلاغ الواضح، وإن لم يتعاصر الرسولان فلا بد أن يعطي الرسول مناعة ضد التعصب، فما داموا قد آمنوا بالرسول واتبعوه فعليهم حسنَ استقبال الرسول القادم من بعد رسولهم، وكان على كل رسول أن يبلغ قومه: كونوا في انتظار أن تتدخل السماء في أي وقت، فإذا تدخلت السماء في أي وقت من الأوقات، وجاءت برسول مصدق لما معكم فإياكم أن تقفوا منه موقف المضارّة، وإياكم أن تقفوا منه موقف العداوة، بل عليكم أن "تنصروه "وهذا قول واضح وجلى ولا لبس فيه. {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ}... هل الدين الخاتم قد جاء بما يختلف عن الأديان السابقة في العقائد؟ أو جاء مصدقاً لها؟ لقد جاء الدين الخاتم مصدقا لما سبقه في العقائد والأخبار والقصص وإن اختلف في التشريعات التي تناسب زمنا ولا تناسب زمنا آخر، فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعصم البشرية من العصبية الهوجاء، والعصبية العمياء التي تنشأ من اتباع رسول لتقف سدا حائلا أمام رسول آخر؛ فالله حين أرسل كل رسول قد أعطاه الأخبار والحقائق وأنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي أرسله بأن يكون على استعداد هو والمؤمنون معه لتصديق كل رسول يأتي معاصرا ومصدقا لما معهم، وأن يؤمنوا به، وأن يبلغ كل رسول أمته بضرورة هذا الإيمان. لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد من الركب الإيماني المتمثل في مواكب الرسل ألا يكون بعضهم لبعض عدوّا، بل عليهم أن يواجهوا أعداء قضية الدين كلها. فالذي يجعل الإلحاد متفشيا في هذا العصر هو أن المنسوبين إلى الأديان السماوية مختلفون، وربما كانت العداوة بينهم وبين بعضهم أقوى من العداوة بينهم وبين الملحدين والمنكرين لله، وهذا الاختلاف يعطي المجال للملحدين فيقولون: لو كانت هذه الأديان حقا لا تفقوا وما اختلفوا، فما معنى أن يقول أتباع كل رسول إنهم يتبعون رسولا قادما من السماء؟...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ليست النبوّات في ما أنزله اللّه سبحانه حركات بشرية منفصلة عن بعضها البعض في الفكر والسلوك والهدف، لتكون مضادة لبعضها البعض في ما اختلفت فيه، وليس الأنبياء بشراً يتحرّكون من خلال تجاربهم الخاصّة وأفكارهم المحدودة ونظراتهم المتنوّعة في ما حولهم من قضايا الحياة لتكون القضية عندهم تنافساً على تأكيد الذات وتنافراً في قضايا الدعوة في ما يختلف فيه فكرها وأسلوبها، بل القضية هي أنَّ النبوات حلقات متصلة في سلسلة الوحي الذي يريد للحياة أن تتكامل فكراً وعملاً وهدفاً، من خلال هذه الحلقات التي تمثِّل مجموعة المراحل التي يكمل بعضها بعضاً؛ فلكلّ مرحلة بعض من فكر، ونوع من أسلوب، ووجه من عمل... وقد تختلف هذه في خصائصها التي تتنوّع في حساب الزمن، ولكنَّها تلتقي في النتيجة والهدف في نهاية المطاف تبعاً لطبيعة التكامل. أمّا الأنبياء فهم القائمون على هذه المراحل، الذين يتلقون وحي اللّه في وعي وانفتاح، ويعملون على أن تكون مرحلتهم استكمالاً للمرحلة السابقة في ما نقص منها في حساب الزمن الجديد الذي يفرض معطيات وحلولاً جديدة لمشاكل طارئة، فلا يتعقدون من الرسالة السابقة لحساب موقع رسالتهم، ولا يعيشون الشعور السلبي تجاه الرسل الذين سبقوهم، لأنَّ القضية لا تمثِّل موقع ذاتية لديهم بحيث يُحاول فيها اللاحق أن يُلغي دور السابق، وتعمل الحركة الجديدة على أن تنسف الحركة القديمة، بل هي قضية الرسالة الممتدة في الزمن في خطوط متصلة في مواكب الأنبياء التي ترسم للحياة حركتها التي تتكامل وتتعانق وتتصاعد لتحقّق هدفها الكبير في لقاء الإنسان باللّه...
[وإذ أخذ اللّه ميثاق النَّبيين] الذين أراد لهم أن يتحرّكوا في الحياة من خلال الرسالة التي حمّلهم مسؤولية إبلاغها للنّاس، على أساس الخطّ الواحد الذي يمثّل المسيرة الواحدة التي يرتبط فيها آخر الزمن بأوله، في عملية تكامل في الفكر والعمل والحركة الواعية، ليتوزّع الأنبياء الأدوار تبعاً للرسالة التي تحدّد للإنسان حاجاته في مدى المتغيرات الحادثة في امتداد الزمن، [لما آتيتكم من كتابٍ وحكمة] في خطّ النظرية من خلال الكتاب، وفي خطّ التطبيق من خلال الحكمة، [ثُمَّ جاءكُم رسُولٌ] برسالة جديدة وكتاب جديد وحكمةٍ جديدة، [مُصدِّقٌ لما معَكُم] لأنَّ الكتب الموحى بها من قبلي، والرسالات المنزلة على النَّاس مني، لا تتناقض ولا تختلف ولا يلغي بعضها بعضاً، بل تتكامل وتنفتح في مفاهيمها المتنوّعة في العقيدة والإنسان والكون والحياة، [لَتُؤمِنُنَّ بهِ] لأنَّه يُمثِّل الحقيقة الرسولية في مسيرة الرسالات، ما يؤكّد أنَّ الإيمان يفرض وحدة الرسل في شرعية الرسالة، [وَلَتَنصُرنَّهُ] بالدعوة إلى الإيمان به من قِبل اتباعهم في الخطوط العامّة لرسالاتكم، بحيثُ يرون أنَّ الإيمان به ونصرته جزءٌ من الإيمان العام الذي ينتمون إليه...