{ وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاما فإن وما بعدها فاعل ثبت مقدر بقرينة كون { أن } دالة على الثبوت والتحقق وإلى هذا ذهب المبرد ، وقال سيبويه : إن ذلك مبتدأ مستغن عن الخبر لذكر المسند والمسند إليه بعده ، وقيل : مبتدأ خبره مقدر قبله ، وقال ابن عصفور : بعده : و { مَّا فِى الارض } اسم أن و { مِن شَجَرَةٍ } بيان لما أو للضمير العائد إليها في الظرف فهو في موضع الحال منها أو منه أي ولو ثبت أن الذي استقر في الأرض كائناً من شجرة ، و { أَقْلاَمٌ } خبر أن قال أبو حيان : وفيه دليل دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله : إن خبر أن الجائة بعد لو لا يكون اسما جامداً ولا اسما مشتقاً بل يجب أن يكون فعلاً وهو باطل ولسان العرب طافح بخلافه ، قال الشاعر :
ولو أنها عصفورة لحسبتها *** مسومة تدعو عبيداً وأزنماً
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر *** تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
إلى غير ذلك ، وتعقب بأن اشتراط كون خبرها فعلاً إنما هو إذا كان مشتقاً فلا يرد { أَقْلاَمٌ } هنا ولا ما ذكر في البيتين ، وأما قوله تعالى : { لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ } [ الأحزاب : 20 ] فلو فيه للتمني والكلام في خبر أن الواقعة بعد لو الشرطية ، والمراد بشجرة كل شجرة والنكرة قد تعم في الإثبات إذا اقتضى المقام ذلك كما في قوله تعالى : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } [ التكوير : 4 1 ] وقول ابن عباس رضي الله عنهما لبعض أهل الشام وقد سأله عن المحرم إذا قتل جرادة أيتصدق بتمرة فدية لها ؟ تمرة خير من جرادة على ما اختاره جمع ولا نسلم المنافاة بين هذا العموم وهذا التاء فكأنه قيل : ولو أن كل شجرة في الأرض أقلام الخ ، وكون كل شجرة أقلاماً باعتبار الأجزاء أو الأغصان فيؤل المعنى إلى لو أن أجراء أو أغصان كل شجرة في الأرض أقلاماً الخ ، ويحسن إرادة العموم في نحو ما نحن فيه كون الكلام الذي وقعت فيه النكرة شرطاً بلو وللشرط . مطلقاً قرب ما من النفي فما ظنك به إذا كان شرطاً بها وإن كانت هنا ليست بمعناها المشهور من انتفاء الجواب لانتفاء الشرط أو العكس بل هي دالة على ثبوت الجواب أو حرف شرط في المستقبل على ما فصل في المغنى ، واختيار { شَجَرَةٍ } على أشجار أو شجر لأن الكلام عليه أبعد عن اعتبار التوزيع بأن تكون كل شجرة من الأشجار أو الشجر قلما المخل بمقتضى المقام من المبالغة بكثرة كلماته تعالى شأنه : وفي البحر أن هذا مما وقع فيه المفرد موقع الجمع والنكرة موقع المعرفة ، ونظيره { مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } [ البقرة : 6 10 ] { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } [ فاطر : 2 ] { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السموات ومَا فِى والارض مِنْ دَابَّةٍ } [ النحل : 9 4 ] وقول العرب : هذا أول فارس وهذا أفضل عالم يراد من الآيات ومن الرحمات ومن الدواب وأول الفرسان وأفضل العلماء ذكر المفرد النكرة وأريد به معنى الجمع المعرف باللام وهو مهيع في كلام العرب معروف وكذلك يقدر هنا من الشجرات أو من الأشجار اه فلا تغفل .
وقال الزمخشري : إنه قال سبحانه { شَجَرَةٍ } على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر لأنه أريد تفصيل الشجر شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحد إلا وقد بريت أقلاماً . وتعقب بأن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار غير معهود والمعهود إفادته ذلك بالتكرير نحو جاؤوني رجلاً رجلاً فتأمل ، واختيار جمع القلة في { أَقْلاَمٌ } مع أن الأنسب للمقام جمع الكثرة لأنه لم يعهد للقلم جمع سواه وقلام غير متداول فلا يحسن استعماله { والبحر } أي المحيط فأل للعهد لأنه المتبادر ولأنه الفرد للكامل إذ قد يطلق على شعبه وعلى الإنهار العظام كدجلة والفرات ، وجوز إرادة الجنس ولعل الأول أبلع { يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ } أي من بعد نفاده وقيل من ورائه { سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مفروضة كل منها مثله في السعة والإحاطة وكثرة الماء ، والمراد بالسبعة الكثرة بحيث تشمل المائة والألف مثلاً لا خصوص العدد المعروف كما في قوله عليه الصلاة والسلام : «المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء » واختيرت لها لأنها عدد تام كما عرفت عند الكلام في قوله تعالى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } [ البقرة : 169 ] وكثير من المعدودات التي لها شأن كالسماوات والكواكب السيارة والأقاليم الحقيقة وأيام الأسبوع إلى غير ذلك منحصر في سبع فلعل في ذكرها هنا دون سبعين المتجوز به عن الكثرة أيضاً رمزاً إلى شأن كون تلك الأبحر عظيمة ذات شأن ولما لم تكن موضوعة في الأصل لذلك بل للعدد المعروف القليل جاء تمييزها أبحر بلفظ القلة دون بحور وإن كان لا يراد به إلا الكثرة ليناسب بين اللفظين فكما تجوز في السبعة واستعملت للتكثير تجوز في أبجر واستعمل فيه أيضاً ، وكان الظاهر بعد جعل ما في الأرض من شجرة أقلام أن يقال : والبحر مداد لكن جيء بما في النظم الجليل لأن يمده يغنى عن ذكر المداد لأنه من قولك : مد الدواة وأمدها أي جعلها ذات مداد وزاد في مدادها ففيه دلالة على المداد مع ما يزيد في المبالغة وهو تصوير الإمداد المستمر حالاً بعد حال كما تؤذن به صيغة المضارع فأفاد النظم الجليل جعل البحر المحيط بمنزلة الدواة وجعل أبحر سبعة مثله مملوءة مداداً فهي تصب فيه مدادها أبداً صبا لا ينقطع ، ورفع { البحر } على ما استظهره أبو حيان فيه على الابتداء وجملة يمده خبره والواو للحال والجملة حال من الموصول أو الضمير الذي في صلته أي لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً في حال كون البحر ممدوداً بسبعة أبحر ، ولا يضر خلو الجملة عن ضمير ذي الحال فإن الواو يحصل بها من الربط ما لا يتقاعد عن الضمير لدلالتها على المقارنة ، وأشار الزمخشري إلى أن هذه الجملة وما أشبهها كقوله :
وقد اغتدي والطير في وكناتها *** بمنجرد فيد الأوابد هيكل
وجئت والجيش مصطف من الأحوال التي حكمها حكم الظروف لأنها في معناها إذ معنى جئت والجيش مصطف مثلاً ومعنى جئت وقد اصطفاف الجيش واحد وحيث أن الظرف يربطه بما قبله تعلقه به وإن لم يكن فيه ضمير وهو إذا وقع حالاً استقر فيه الضمير فما يشبهه كأنه فيه ضمير مستقر ، ولا يرد عليه اعتراض أبي حيان بأن الظرف إذا وقع حالاً ففي العامل فيه ضمير ينتقل إلى الظرف ، والجملة الاسمية إذا كانت حالاً بالواو فليس فيها ضمير منتقل فكيف يقال إنها في حكم الظرف . نعم الحق أن الربط بالواو كاف عن الضمير ولا يحتاج معه إلى تكلف هذه المؤنة ، وجوز أن تكون الجملة حالاً من الأرض والعامل فيه معنى الاستقرار والرابط ما سمعت أو أل التي في { البحر } بناء على رأي الكوفيين من جواز كون أل عوضاً عن الضمير كما في قوله تعالى : { جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب } [ ص : 0 5 ] أي ولو ثبت كون الذي استقر في الأرض من شجرة أقلاماً حال كون بحرها ممدوداً بسبعة أبحر قال في الكشف : ولا بد أن يجعل { مِن شَجَرَةٍ } بياناً للضمير العائد إلى { مَا } لئلا يلزم الفصل بين أجزاء الصلة بالأجنبي .
و { البحر } على تقدير جعل أل فيه عوضاً عن المضاف إليه العائد إلى الأرض يحتمل أن يراد به المعهود وأن يراد به غيره ، وقال الطيبي : إن البحر على ذلك يعم جميع الأبحر لقرينة الإضافة ويفيد أن السبعة خارجة عن بحر الأرض وعلى ما سواه يحتمل الحصة المعهودة المعلومة عند المخاطب . ورد بأن لا فرق بينهما بل كون بحرها للعهد أظهر لأن العهد أصل الإضافة ولا ينافيه كون الأرض شاملة لجميع الأقطار لأن المعهود البحر المحيط وهو محيط بها كلها ، وجوز الزمخشري كون رفعه بالعطف على محل أن ومعمولها ، وجملة { يَمُدُّهُ } حال على تقدير لو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً وثبت البحر ممدوداً بسبعة أبحر ، وتعقب بأن الدال على الفعل المحذوف هو أن وخبره على ما قرر في بابه فإذن لا يمكن افضاء المحذوف إلى المعطوف دون ملاحظة دال وفي هذا العطف إخراج عن الملاحظة ، وأجيب بأنه يحتمل في التابع ما لا يحتمل في المتبوع ، ثم لا يخفى أن العطف على هذا من عطف المفرد على المفرد لا المفرد على الجملة كما قيل إذ الظاهر أن المعطوف عليه إنما هو المصدر الواقع فاعلاً لثبت وهو مفرد لا جملة ، وجوز أن يكون العطف على ذلك أيضاً بناء على رأي من يجعله مبتدأ ، وتعقب بأنه يلزم أن يلي لو الاسم الصريح الواقع مبتدأ إذ يصير التقدير ولو البحر وذلك على ما قال أبو حيان لا يجوز إلا في ضرورة شعر نحو قوله :
لو بغير الماء حلقي شرق *** كنت كالغصان بالماء اعتصاري
وأجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع كما في نحو رب رجل وأخيه يقولان ذلك ، وقال بعضهم : إنه يلزم على العطف السابق أن يلي لو الاسم الصريح وهو أيضاً مخصوص بالضرورة وأجاب بما أجيب وفيه عندي تأمل ، وجوز كون الرفع على الابتداء ، وجملة { يَمُدُّهُ } خبر المبتدأ والواو واو المعية وجملة المبتدأ وخبره في موضع المفعول معه بناء على أنه يكون جملة كما نقل عن ابن عشام ولا يخفى بعده ، وجوز كون الواو على ذلك للاستئناف وهو استئناف بياني كأنه ؟ قيل : ما المداد حينئذ فقيل : والبحر الخ ، وتعقب بأن اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافية غير معهود ، وما قيل : إنه يقترن بها إذا كان جواباً للسؤال على وجه المناقشة لا للاستعلام مما لا يعتمد عليه ، ومن هنا قيل : الظاهر على إرادة الاستئناف أن يكون نحوياً ، وجوز في هذا التركيب غير ما ذكر من أوجه الأعراب أيضاً .
وقرأ البصريان { والبحر } بالنصب على أنه معطوف على اسم أن و { يمده } خبر له أي ولو أن البحر ممدود بسبعة أبحر .
قال ابن الحاجب في أماليه : ولا يستقيم أن يكون { والبحر يَمُدُّهُ } حالاً لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال ولا يجوز لأنها لبيان الفاعل أو المفعول والمبتدأ ليس كذلك ويؤدي أيضاً إلى كون المبتدأ لا خبر له ولا يستقيم أن يكون { أَقْلاَمٌ } خبراً له لأنه خبر الأول اه ، ولم يذكر احتمال تقدير الخبر لظهور أنه خلاف الظاهر .
وجوز أن يكون منصوباً على شرطية التفسير عطفاً على الفعل المحذوف أعني ثبت ودخول لو على المضارع جائز ، وجملة { يَمُدُّهُ } الخ حينئذ لا محل لها من الإعراب .
وقرأ عبد الله { وبحر } بالتنكير والرفع وخرج ذلك ابن جني على أنه مبتدأ وخبره محذوف أي هناك بحر يمده الخ ، والواو واو الحال لا محالة ، ولا يجوز أن يعطف على { شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } لأن البحر وما فيه ليس من حديث الشجر والأقلام وإنما هو من حديث المداد .
وفي البحران الواو على هذه القراءة للحال أو للعطف على ما تقدم ، وإذا كانت للحال كان { بَحْرٍ } مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة تقدم تلك الواو فقد عد من مسوغات الابتداء بالنكرة كما في قوله :
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا *** محياك أخفى ضوءه كل شارق
اه ولا يخفى أنه إذا عطف على فاعل ثبت فجملة { يَمُدُّهُ } في موضع الصفة له لا حال منه ؛ وجوز ذلك من جوز مجيء الحال من النكرة ، والظاهر على تقدير كونه مبتدأ جعل الجملة خبره ولا حاجة إلى جعل خبره محذوفاً كما فعل ابن جنى .
وقرأ ابن مسعود . وأبي { تمده } بتاء التأنيث من مد كالذي في قراءة الجمهور . وقرأ ابن مسعود أيضاً . والحسن . وابن مصرف . وابن هرمز { والبحر يَمُدُّهُ } بضم الياء التحتية من الأمداد . قال ابن الشيخ : يمد بفتح فضم ويمد بضم فكسر لغتان بمعنى . وقرأ جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما { والبحر } أي ما يكتب به من الحبر ، وقال ابن عطية : هو مصدر { مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } جواب { لَوْ } وفي الكلام اختصار يسمى حذف إيجاز ويدل على المحذوف السياق والتقدير ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله تعالى ما نفدت لعدم تناهيها ونفد تلك الأقلام والمداد لتناهيها ، ونظير ذلك في الاشتمال على إيجاز الحذف قوله تعالى : { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } [ البقرة : 196 ] أي فحلق رأسه لدفع ما به من الأذى ففدية ، والمراد بكلماته تعالى كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه وهو الذي يقتضيه سبب النزول على ما أخرج ابن جرير عن عكرمة قال : سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروم فأنزل سبحانه { ويسألونك عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 5 8 ] فقالوا : تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً فنزلت { وَلَوْ أَنَّ } الخ . وظاهر هذا أن اليهود قالوا : ذلك له عليه الصلاة والسلام مشافهة وهو ظاهر في أن الآية مدنية ، وقيل : إنهم أمروا وفد قريش أن يقولوا له صلى الله عليه وسلم ذلك وهذا القائل يقول : أنها مكية ، وحاصل الجواب أنه وإن كان ما أوتيتموه خيراً كثيراً لكونه حكمة إلا أنه قليل بالنسبة إلى حكمته عز وجل . وفي رواية أنه نزل بمكة قوله تعالى : { وَيَسْئَلُونَكَ } الخ فلما هاجر عليه الصلاة والسلام أتاه أحبار اليهود فقالوا بلغنا أنك تقول : { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } أفعنيتنا أم قومك فقال صلى الله عليه وسلم :
«كلا عنيت » فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك إن أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فقال عليه الصلاة والتحية : «هي في علم الله تعالى قليل وقد أتاكم ما إن عملتم به نجوتم » قالوا : يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول : { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } [ البقرة : 9 26 ] فكيف يجتمع ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «هذا علم قليل وخير كثير » فأنزل الله تعالى هذه الآية . وهذا نص في أن الآية مدنية ، وقيل : المراد بها مقدوراته جل وعلا وعجائبه عز وجل التي إذا أراد سبحانه شيئاً منها قال تبارك وتعالى له : { كُنْ فَيَكُونُ } ( 117 ) ومن ذلك قوله تعالى في عيسى : { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } [ النساء : 171 ] وإطلاق الكلمات على ما ذكر من اطلاق السبب على المسبب ، وعلى هذا وجه ربط الآية بما قبلها أظهر على ما قيل وهو أنه سبحانه لما قال : { للَّهِ مَا فِى السموات والأرض } [ لقمان : 26 ] وكان موهما لتناهي ملكه جل جلاله أردف سبحانه ذلك بما هو ظاهر بعدم التناهي وهذا ما اختاره الإمام في المراد بكلماته تعالى إلا أن في انطباقه على سبب النزول خفاء ، وعن أبي مسلم المراد بها ما وعد سبحانه به أهل طاعته من الثواب وما أوعد جل شأنه به أهل معصيته من العقاب ، وكأن الآية عليه بيان لأكثرية ما لم يظهر بعد من ملكه تعالى بعد بيان كثرة ما ظهر ، وقيل : المراد بها ما هو المتبادر منها بناء على ما أخرج عبد الرزاق . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن قتادة قال : قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت { وَلَوْ أَنَّمَا فِى الارض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } الآية ، وفي وجه ربط الآية عليه بما قبلها وكذا بما بعدها خفاء جدا إلا أنه لا يقتضي كونها مدنية ، وإيثار الجمع المؤنث السالم بناء على أنه كجمع المذكر جمع قلة لإشعاره وان اقترن بما قد يفيد معه الاستغراق والعموم من أل أو الإضافة نظراً لأصل وضعه وهو القلة بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير . وقرأ الحسن . { مَّا نَفِدَتْ } بغير تاء { كَلاَمَ الله } بدل كلمات الله { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يعجزه جل شأنه شيء { حَكِيمٌ } لا يخرج عن علمه تعالى وحكمته سبحانه شيء ، والجملة تعليل لعدم نفاد كلماته تبارك وتعالى .
ثم أخبر عن سعة كلامه وعظمة قوله ، بشرح يبلغ من القلوب كل مبلغ ، وتنبهر له العقول ، وتحير فيه الأفئدة ، وتسيح في معرفته أولو الألباب والبصائر ، فقال : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } يكتب بها { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } مدادا يستمد بها ، لتكسرت تلك الأقلام ولفني ذلك المداد ، و لم تنفد { كَلِمَاتُ اللَّهِ } تعالى ، وهذا ليس مبالغة لا حقيقة له ، بل لما علم تبارك وتعالى ، أن العقول تتقاصر عن الإحاطة ببعض صفاته ، وعلم تعالى أن معرفته لعباده ، أفضل نعمة ، أنعم بها عليهم ، وأجل منقبة حصلوها ، وهي لا تمكن على وجهها ، ولكن ما لا يدرك كله ، لا يترك كله ، فنبههم تعالى تنبيها تستنير به قلوبهم ، وتنشرح له صدورهم ، ويستدلون بما وصلوا إليه إلى ما لم يصلوا إليه ، ويقولون كما قال أفضلهم وأعلمهم بربه : " لا نحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك " وإلا ، فالأمر أجل من ذلك وأعظم .
وهذا التمثيل من باب تقريب المعنى ، الذي لا يطاق الوصول إليه إلى الأفهام والأذهان ، وإلا فالأشجار ، وإن تضاعفت على ما ذكر ، أضعافا كثيرة ، والبحور لو امتدت{[673]} بأضعاف مضاعفة ، فإنه يتصور نفادها وانقضاؤها ، لكونها مخلوقة .
وأما كلام اللّه تعالى ، فلا يتصور نفاده ، بل دلنا الدليل الشرعي والعقلي ، على أنه لا نفاد له ولا منتهى ، وكل شيء ينتهي إلا الباري وصفاته { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى }
وإذا تصور العقل حقيقة أوليته تعالى وآخريته ، وأنه كل ما فرضه الذهن من الأزمان السابقة ، مهما تسلسل الفرض والتقدير ، فهو تعالى قبل ذلك إلى غير نهاية ، وأنه مهما فرضه الذهن والعقل ، من الأزمان المتأخرة ، وتسلسل الفرض والتقدير ، وساعد على ذلك من ساعد ، بقلبه ولسانه ، فاللّه تعالى بعد ذلك إلى غير غاية ولا نهاية .
واللّه في جميع الأوقات يحكم ، ويتكلم ، ويقول ، ويفعل كيف أراد ، وإذا أراد لا مانع له من شيء من أقواله وأفعاله ، فإذا تصور العقل ذلك ، عرف أن المثل الذي ضربه اللّه لكلامه ، ليدرك العباد شيئا منه ، وإلا ، فالأمر أعظم وأجل .
ثم ذكر جلالة عزته وكمال حكمته فقال : { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي : له العزة جميعا ، الذي ما في العالم العلوي والسفلي من القوة إلا منه ، أعطاها للخلق ، فلا حول ولا قوة إلا به ، وبعزته قهر الخلق كلهم ، وتصرف فيهم ، ودبرهم ، وبحكمته خلق الخلق ، وابتدأه بالحكمة ، وجعل غايته والمقصود منه الحكمة ، وكذلك الأمر والنهي وجد بالحكمة ، وكانت غايته المقصودة الحكمة ، فهو الحكيم في خلقه وأمره .
ثم ذكر عظمة قدرته وكمالها وأنه لا يمكن أن يتصورها العقل فقال : { مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ }
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} يعني علم الله.
لو أن كل شجرة ذات ساق على وجه الأرض بريت أقلاما، وكانت البحور السبعة مدادا، فكتب بتلك الأقلام، وجميع خلق الله عز وجل يكتبون من البحور السبعة، فكتبوا علم الله تعالى وعجائبه، لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور، ولم ينفد علم الله وكلماته ولا عجائب.
{إن الله عزيز} في ملكه {حكيم} في أمره، يخبر الناس أن أحدا لا يدرك علمه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ولو أن شجر الأرض كلها بريت أقلاما، "والبَحْرُ يَمُدّهُ "يقول: والبحر له مداد، والهاء في قوله "يَمُدّهُ" عائدة على البحر.
وقوله: "منْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ" وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفد ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله... وقوله: "إنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" يقول: إن الله ذو عزّة في انتقامه ممن أشرك به، وادّعى معه إلها غيره، حكيم في تدبيره خلقه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
أحدهما: ما ذكرنا في قوله: {لله ما في السماوات والأرض} [لقمان: 26] أنه بلغ ملكه وسلطانه ما لو صار ما ذكر من الأشجار كلها أقلاما والبحار كلها مدادا، فكتب بها أسماء خلقه وملكه وسلطانه لنفذ ذلك كله، ولم ينفذ خلقه، ولم يبلغوا غاية ذلك.
والثاني: ذكر هذا في وصف القرآن لقول كان من الكفرة في قلته في نفسه وصغر ما كتب فيه أن يقولوا: كيف يسع في هذا المقدار علم الكتب السالفة المتقدمة وهي أوقار، وهو جزء؟ فيخبر، والله أعلم:
أنه جمع في هذا من المعاني والعلم والحكمة ما لو فسره، وبين ما أودع فيه، وضمنه كما لو جعل ما في الأرض من الشجر أقلاما والبحار مدادا، فكتب فيه ما أودع فيه، وضمنه، لتعذر ذلك كله، ولم ينفد ما جمع فيه، وضمنه. هذا، والله أعلم، يشبه أن يكون تأويله وسبب نزوله، والله أعلم، بذلك {إن الله عزيز حكيم}.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
قوله تعالى: {وَلَو أَنّ َمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ..} الآية. وفي سبب نزولها قولان:
أحدهما: ما رواه سعيد عن قتادة أن المشركين قالوا إنما هو كلام -يعني القرآن- يوشك أن ينفد، فأنزل الله هذه الآية يعني أنه لو كان شجر البر أقلاماً ومع البحر سبعة أبحر مداداً لتكسرت الأقلام ونفد ماء البحور قبل أن تنفد عجائب ربي وحكمته وعلمه.
ومعنى: {يَمُدُّهُ} أي يزيد فيه شيئاً بعد شيء فيقال في الزيادة مددته وفي المعونة أمددته.
{مَا نَفَدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} ونفاد الشيء هو فناء آخره بعد نفاد أوله فلا يقال لما فني جملة: نفد.
في {كَلِمَاتُ اللُّهِ} هنا أربعة أوجه:
الثالث: جميع ما قضاه في اللوح المحفوظ من أمور خلقه.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
والآية تقتضي أنه ليس لكلمات الله نهاية بالحكم، لأنه يقدر منها على ما لا نهاية له.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
... والغرض منها الإعلام بكثرة كلمات الله تعالى وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وأيضاً فإن الآية إنما تضمنت أن {كلمات الله} لم تكن لتنفد، وليس تقتضي الآية أنها تنفد بأكثر من هذه «الأقلام» والبحور،...
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
إن عدم نفاد كلمات الله تعالى وإنها غير متناهية أمر ثابت لها لذاتها وما بالذات لا يعلل بالأسباب. فتأمل ذلك.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{إن الله عزيز}: كامل القدرة، فمقدوراته لا نهاية لها. {حكيم}: كامل العلم، فمعلوماته لا نهاية لها.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الغني قد يكون ماله محصوراً كما في السماوات والأرض الذي قدم أنه له، والمحمود قد يكون ما يحمد عليه مضبوطاً مقصوراً أثبت أنه على غير ذلك، بل لا حد لغناه، ولا ضبط لمعلوماته ومقدوراته الموجبة لحمده ولا تناه، فقال: {ولو} أي له الصفتان المذكورتان والحال أنه لو {أنّ ما في الأرض} أي كلها، ودل على الاستغراق وتقصى كل فرد فرد من الجنس بقوله: {من شجرة} حيث وحدها {أقلام} أي والشجرة يمدها من بعدها على سبيل المبالغة سبع شجرات، وأن ما في الأرض من بحر مداد لتلك الأقلام {والبحر} أي والحال أن البحر، وعلى قراءة البصريين بالنصب التقدير: ولو أن البحر {يمده} أي يكون مدداً وزيادة فيه {من بعده} أي من ورائه {سبعة أبحر} فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة كلمات الله {ما نفدت} وكرر الاسم الأعظم تعظيماً للمقام فقال مظهراً للإشارة مع التبرك إلى عدم التقيد بشيء وإن جل: {كلمات الله} وفنيت الأقلام والمداد، وأشار بجمع القلة مع الإضافة إلى اسم الذات إلى زيادة العظمة بالعجز عن ذلك القليل فيفهم العجز عن الكلم من باب الأولى، ويتبع الكلمات الإبداع، فلا تكون كلمة إلا لإحداث شأن من الشؤون
إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] وعلم من ذلك نفاد الأبحر كلها لأنها محصورة، فهي لا تفي بما ليس بمحصور، فيا لها من عظمة لا تتناهى! ومن كبرياء لا تجارى، ولا تضاهى، لا جرم كان نتيجة ذلك قوله مؤكداً لأن ادعاءهم الشريك إنكار للعزة، وعدم البعث إنكار للحكمة: {إن الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من غير قيد أصلاً {عزيز} أي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء {حكيم} يحكم ما أراده، فلا يقدر أحد على نقضه، ولا علم لأحد من خلقه إلا ما علمه، ولا حكمة لأحد منهم إلا بمقدار ما أورثه، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر الأقلام دليلاً على حذف مدادها، وذكر السبعة في مبالغة الأبحر دليلاً على حذفها في الأشجار، وهو من عظيم هذا الفن، وعلم أيضاً من السياق أن المراد بالسبعة المبالغة في الكثرة لا حقيقتها، وأن المراد بجمع القلة في "أبحر "الكثرة، لقرينة المبالغة، وبجمع القلة في {كلمات} حقيقتها لينتظم المعنى، وكل ذلك سائغ شائع في لغة العرب.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والآن تختم هذه الجولة بمشهد كوني يرمز إلى غنى الله الذي لا ينفد، وعلمه الذي لا يحد، وقدرته على الخلق والتكوين المتجددين بغير ما نهاية، ومشيئته المطلقة التي لا نهاية لما تريد:
ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله. إن الله عزيز حكيم. ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. إن الله سميع بصير..
إنه مشهد منتزع من معلومات البشر ومشاهداتهم المحدودة، ليقرب إلى تصورهم معنى تجدد المشيئة الذي ليس له حدود؛ والذي لا يكاد تصورهم البشري يدركه بغير هذا التجسيم والتمثيل.
إن البشر يكتبون علمهم، ويسجلون قولهم، ويمضون أوامرهم، عن طريق كتابتها بأقلام -كانت تتخذ من الغاب والبوص- يمدونها بمداد من الحبر ونحوه. لا يزيد هذا الحبر على ملء دواة أو ملء زجاجة! فها هو ذا يمثل لهم أن جميع ما في الأرض من شجر تحول أقلاما. و جميع ما في الأرض من بحر تحول مدادا. بل إن هذا البحر أمدته سبعة أبحر كذلك.. وجلس الكتاب يسجلون كلمات الله المتجددة، الدالة على علمه، المعبرة عن مشيئته.. فماذا؟ لقد نفدت الأقلام ونفد المداد. نفدت الأشجار ونفدت البحار.. و كلمات الله باقية لم تنفد، ولم تأت لها نهاية.. إنه المحدود يواجه غير المحدود. ومهما يبلغ المحدود فسينتهي؛ ويبقى غير المحدود لم ينقص شيئا على الإطلاق.. إن كلمات الله لا تنفد، لأن علمه لا يحد، ولأن إرادته لا تكف، ولأن مشيئته -سبحانه- ماضية ليس لها حدود ولا قيود.
وتتوارى الأشجار والبحار، وتنزوي الأحياء والأشياء؛ وتتوارى الأشكال والأحوال. ويقف القلب البشري خاشعا أمام جلال الخالق الباقي الذي لا يتحول ولا يتبدل ولا يغيب؛ وأمام قدرة الخالق القوي المدبر الحكيم: إن الله عزيز حكيم..
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
لو شاء أن يبلغ ما في علمه لما وفّت به مخلوقاته الصالحة لتسجيل كلامه بالكتابة فضلاً على الوفاء بإبلاغ ذلك بواسطة القول. وقد سُلك في هذا مسلك التقريب بضرب هذا المثل...
و {كلمات} جمع كلمة بمعنى الكلام كما في قوله تعالى: {كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائلها} [المؤمنون: 100] أي: الكلام المنبئ عن مراد الله من بعض مخلوقاته مما يخاطب به ملائكته وغيرَهم من المخلوقات والعناصر المعدودة للتكون التي يقال لها: كن فتكون، ومن ذلك ما أنزله من الوحي إلى رسله وأنبيائه من أول أزمنة الأنبياء وما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم أي لو فُرض إرادة الله أن يكتب كلامَه كله صُحفاً ففُرضت الأشجار كلها مقسمة أقلاماً، وفرض أن يكون البحر مداداً فكُتب بتلك الأقلام وذلك المدادِ لنفِد البحر ونفِدت الأقلام وما نفدت كلمات الله في نفس الأمر...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
كلمات الله: المتبادر أنها تعني آياته ومخلوقاته ومشاهد ربوبيته ونواميسه الكونية وحكمه.
لماذا جعل الإمداد للماء، ولم يجعله للشجر؟ قالوا: لأن القلم الواحد يكتب بحبر كثير لا حصر له، فالحبر مظنة الانتهاء، كما أن الشجر ينمو ويتجدد، أما ماء البحر فثابت لا يزيد.
"كَلِمَاتُ اللَّهِ".. هي "كن "وكل مرادات الله في كونه، ما علمنا منه وما سنعلم، وما لم نعلم إلا حين تقوم الساعة.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إنّ القرآن الكريم ولأجل تجسيد علم الله اللامتناهي يقول: (ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيم).
«يمدّه» من مادّة (المداد) وهي بمعنى الحبر أو المادّة الملوّنة التي يكتبون بها، وهي في الأصل من (مدّ) بمعنى الخطّ، لأنّ الخطوط تظهر على صفحة الورق بواسطة جرّ القلم.
ونقل بعض المفسّرين معنى آخر لها، وهو الزيت الذي يوضع في السراج ويسبّب إنارة السراج. وكلا المعنيين في الواقع يرجعان إلى أصل واحد.
«الكلمات» جمع «كلمة»، وهي في الأصل الألفاظ التي يتحدّث ويتكلّم بها الإنسان، ثمّ أطلقت على معنى أوسع، وهو كلّ شيء يمكنه أن يبيّن المراد والمطلب، ولمّا كانت مخلوقات هذا العالم المختلفة يبيّن كلّ منها ذات الله المقدّسة وعظمته، فقد أطلق على كلّ موجود (كلمة الله)، واستعمل هذا التعبير خاصّة في الموجودات الأشرف والأعظم، كما نقرأ في شأن المسيح في الآية (171) من سورة النساء (إنّما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته) ثمّ استعملت كلمات الله بمعنى علم الله لهذه المناسبة.
والآن يجب أن نفكّر بدقّة وبشكل صحيح بأنّه قد يكفي أحياناً قلم واحد مع مقدار من الحبر لكتابة كلّ المعلومات التي تتعلّق بإنسان ما، بل قد يكون من الممكن أن يسجّل أفراد آخرون مجموعة معلوماتهم على الأوراق بنفس ذلك القلم، إلاّ أنّ القرآن يقول: لو أنّ كلّ الأشجار الموجودة على سطح الأرض تصبح أقلاماً ونحن نعلم أنّه قد تصنع من شجرة ضخمة، من ساقها وأغصانها، آلاف، بل ملايين الأقلام، ومع الأخذ بنظر الاعتبار المقدار العظيم للأشجار الموجودة في الأرض، والغابات التي تغطّي الكثير من الجبال والسهول، وعدد الأقلام الذي سينتج منها..
وكذلك لو كانت كلّ البحار والمحيطات الموجودة، والتي تشكّل ثلاثة أرباع الكرة الأرضيّة تقريباً، بذلك العمق الساحق، تصبح حبراً، عند ذلك يتّضح عظمة ما سيكتب، وكم من العلوم يمكن كتابتها بهذا المقدار من الأقلام والحبر! سيّما مع ملاحظة مضاعفة ذلك بإضافة سبعة أبحر أخرى، وكلّ واحد منها يعادل كلّ محيطات الأرض، وبالأخصّ إذا علمنا أنّ عدد السبعة هنا لا يعني العدد، بل للكثرة والإشارة إلى البحار التي لا عدّ لها، فعند ذلك ستّتضح سعة علم الله عزّ وجلّ وترامي أطرافه، ومع ذلك فإنّ كلّ هذه الأقلام والمحابر تنتهي ولكنّ علومه سبحانه لا تعرف النهاية.
هل يوجد تجسيد وتصوير للاّنهاية أروع وأبلغ وأجمل من هذا التجسيد؟ إنّ هذا العدد حيّ وناطق إلى الحدّ الذي يصطحب معه أمواج فكر الإنسان إلى الآفاق اللامحدودة، ويغرقها في الحيرة والهيبة والجلال.
إنّ الإنسان يشعر مع هذا البيان البليغ الواضح أنّ معلوماته مقابل علم الله كالصفر مقابل اللانهاية، ويليق به أن يقول فقط: إنّ علمي قد أوصلني إلى أن أطّلع على جهلي، فحتّى التشبيه بالقطرة من البحر لتبيان هذه الحقيقة لا يبدو صحيحاً.
ومن جملة المسائل اللطيفة التي تلاحظ في الآية: أنّ الشجرة قد وردت بصيغة المفرد، والأقلام قد وردت بصيغة الجمع، وهذا تبيان لعدد الأقلام الكثيرة التي تنتج من شجرة واحدة بساقها وأغصانها.
وكذلك التعبير ب (البحر) بصيغة المفرد مع (الف ولام) الجنس ليشمل كلّ البحار والمحيطات على وجه الأرض، خاصّة وأنّ كلّ بحار العالم ومحيطاته متّصلة ببعضها، وهي في الواقع بحكم بحر واسع.
والطريف في الأمر أنّه لا يتحدّث في مورد الأقلام عن أقلام إضافية ومساعدة، أمّا فيما يتعلّق بالبحار فإنّه يتحدّث عن سبعة أبحر أخرى، لأنّ القلم يستهلك قليلا أثناء الكتابة، والذي يستهلك أكثر هو الحبر.
انتخاب كلمة (سبع) للكثرة في لغة العرب، ربّما كان بسبب أنّ السابقين كانوا يعتقدون أنّ عدد كواكب المنظومة الشمسية سبعة كواكب وفي أنّ ما يرى اليوم بالعين المجرّدة من المنظومة الشمسية سبعة كواكب لا أكثر ومع ملاحظة أنّ الأسبوع دورة زمانية كاملة تتكوّن من سبعة أيّام لا أكثر، وأنّهم كانوا يقسّمون كلّ الكرة الأرضية إلى سبع مناطق، وكانوا قد وضعوا لها اسم الأقاليم السبعة، سيتّضح لماذا انتخب عدد السبعة كعدد كامل من بين الأعداد، واستعمل لبيان الكثرة.