روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (12)

{ وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ } طيب { فُرَاتٌ } كاسر العطش ومزيله .

وقال الراغب : الفرات الماء العذب يقال للواحد والجمع ، ولعل الوصف على هذا على طرز أسود حالك وأصفر فاقع { سَائِغٌ شَرَابُهُ } سهل انحداره لخلوه مما تعافه النفس . وقرأ عيسى { سيغ } كميت بالتشديد ، وجاء كذلك عن أبي عمرو . وعاصم ، وقرأ عيسى أيضاً { *سيغ } كميت بالتخفيف { فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ } متغير طعمه التغير المعروف ، وقرأ أبو نهيك . وطلحة { مِلْحٌ } بفتح الميم وكسر اللام ، قال أبو الفتح الرازي : وهي لغة شاذة ، وجوز أن يكون مقصوراً من مالح للتخفيف ، وهو مبني على ورود مالح والحق وروده بقلة وليس بلغة رديئة كما قيل .

وفرق الإمام بين الملح والمالح بأن الملح الماء الذي فيه الطعم المعروف من أصل الخلقة كماء البحر والمالح الماء الذي وضع فيه ملح فتغير طعمه ولا يقال فيه إلا مالح ولم أره لغيره ، وقال بعضهم : لم يرد مالح أصلاً وهو قول ليس بالمليح { أُجَاجٌ } شديد الملوحة والحرارة من قولهم أجيج النار وأجتها ، ومن هنا قيل هو الذي يحرق بملوحته ، وهذا مثل ضرب للمؤمن والكافر ، وقوله تعالى : { وَمِن كُلّ } أي من كل واحد منهما { تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } أي غضا جديداً وهو السمك على ما روي عن السدى ، وقيل الطير والسمك واختار كثير الأول ، والتعلير عن السمك باللحم مع كونه حيواناً قيل للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل ، ووصفه بالطراوة للاشعار بلطافته والتنبيه على المسارعة إلى أكله لئلا يتسارع إليه الفساد كما ينبىء عنه جعل كل من البحرين مبدأ كله .

واستدل مالك . والثوري بالآية حيث سمي فيها السمك لحما على حنث من حلف لا يأكل لحماً وأكل سمكاً ، وقال غيرهما : لا يحنث لأن مبني الإيمان على العرف وهو فيه لا يسمى لحما ولذلك لا يحنث من حلف لا يركب دابة فركب كافراً مع أن الله تعالى سماه دابة في قوله سبحانه : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 55 ] ولا يبعد عندي أن يراد بلحماً لحم السمك ودعوى التلويح بانحصار الانتفاع بالسمك في الأكل لا أظنها تامّة { وَتَسْتَخْرِجُونَ } ظاهره ومن كل تستخرجون { حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } والحلية التي تستخرج من البحر الملح اللؤلؤ والمرجان ويابس ذلك الرجال والنساء وإن اختلفت كيفية اللبس ، أو يقال عبر عن لبس نسائهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لبسهن لأجلهم ، ولا نعلم حلية تستخرج من البحر العذب ، ولا يظهر هنا اعتبار إسناد ما للبعض إلى الكل كما اعتبر ذلك في قوله تعالى : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } [ الرحمن : 22 ] وكون بعض الضخور التي في مجاري السيول قد تكسر فيوجد فيها ماس وهو حلية تلبس إن صح لا ينفع اعتباره هنا إذ ليس فيه استخراج الحلية من البحر العذب ظاهراً ، وقيل : لا يبعد أن تكون الحلية المستخرجة من ذلك عظام السمك التي يصنع منها قبضات للسيوف والخناجر مثلاً فتحمل ويتحلى بها ، وفيه ما فيه لا سيما إذا كانت الحلية كالحلى ما يتزين به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة ، وقال الخفاجي : لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة وإن لم نره ، ولا يخفي ما فيه من العبد .

وذهب بعض الأجلة للخلاص من القيل والقال أن المراد وتستخرجون من البحر الملح خاصة حلية تلبسونها ويشعر به كلام السدى يحتمل ثلاثة أوجه ، الأول أنه استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع .

والثاني أنه تتميم وتكميل للتمثيل لتفضيل المشبه به على المشبه وليس من ترشيح الاستعارة كما زعم الطيبي في شيء بل إنما هو استدارك لدعوى الاشتراك بين المشبه والمشبه به يلزم منه أن يكون المشبه أقوى وهذا الاستدراك مخصوص بالملح ، وإيضاحه أنه شبه المؤمن والكافر بالبحرين ثم فضل الأجاج على الكافر بأنه قد شارك الفرات في منافع والكافر خلو من النفع فهو على طريقة قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } [ البقرة : 4 7 ] ثم قال سبحانه : { وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الانهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله } [ البقرة : 4 7 ] والثالث أنه من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين وإن اشتركا في بعض الفوائد تفاوتاً فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه ما لم يبقه على صفاء فطرته كذلك المؤمن والكافر وان اتفق اتفاقهمافي بعض المكارم كالشجاعة والسخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر فجملة { وَمِن كُلّ } الخ حالية ، وعندي خير الأوجه الثلاثة أوسطها ، وعلى كل يحصل الجواب عما قيل كيف يناسب ذكر منافع البحر الملح وقد شبه به الكافر ؟ وقال أبو حيان : إن قوله تعالى : { وَمَا يَسْتَوِى البحران } الخ لبيان ما يستدل به كل عاقل على أنه مما لا مدخل لصنم فيه .

وقال الإمام : الأظهر أنه دليل لكمال قدرة الله عز وجل ، وما ذكرنا أولاً من أنه تمثيل للمؤمن والكافر هو المشهور رواية ودراية وفيه من محاسن البلاغة ما فيه { وَتَرَى الفلك } السفن { فِيهِ } أي في كل منعما وانظر هل يحسن رجوع الضمير للحبر الملح لانسياق الذهن إليه من قوله سبحانه : { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } بناء على أن المعروف استخراجها منه خاصة وأمر الفلك فيه أعظم من أمرها في البحر العذب ولذا اقتصر على رؤية الفلك فيه على الحال التي ذكر الله تعالى ، وأفرد ضمير الخطاب مع جمعه فيما سبق وما لحق لأن الخطاب لكل أحد تتأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط { مَوَاخِرَ } شواق للماء يجريها مقبلة ومدبرة بريح واحدة فالمخر الشق .

قال الراغب : يقال مخرت السفينة مخراً ومخوراً إذا شقت الماء بجوجئها ، وفي الكشاف يقال : مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب بنات مخر لأنها تمخر الهواء ، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره ، وقيل المخر صوت جرى الفلك وجاء في سورة النحل { وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ } بتقديم { مَوَاخِرَ } وتأخير { فِيهِ } وعكس ههنا فقيل في وجه لأنه علق { فِيهِ } هنا بترى وثمت بمواخر ، ولا يحسم مادة السؤال .

والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذاك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 4 3 ] فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطراداً أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفاً فقدم فيه { فِيهِ } إيذاناً بأنه ليس المقصود بالذات ذلك ، وكأن الاهتمام بما هن اقتضى أن يقال في تلك الآية { وَلِتَبْتَغُواْ } بالواو ، ومخالفة ما هنا لذلك اقتضت ترك الواو في قوله سبحانه : { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } أي من فضل الله تعالى بالنقلة فيها وهو سبحانه وإن لم يجر له ذكر في الآية فقد جرى له تاعلى ذكر فيما قبلها ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه عز شأنه .

واللام متعلقة بمواخر ، وجوز تعلقها بمحذوف دل عليه الأفعال المذكرة كسخر البحرين وهيأهما أو فعل ذلك { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } تعرفون حقوقه تعالى فتقومون بطاعته عز وجل وتوحيده سبحانه .

ولعل للتعليل على ما عليه جمع من الأجلة وقد قدمنا ذلك ، وقال كثير : هي للترجي ولما كان محالاً عليه تعالى كان المراد اقتضاء ما ذكر من النعم للشكر حتى كأن كل أحد يترجاه من المنعم عليه بها فهو تمثيل يؤل إلى أمره تاعلى بالشكر للمخاطبين .

ومن باب الإشارة : { وَمَا يَسْتَوِى البحران } قيل أي بحر العلم الوهبي وبحر العلم الكسبي { هذا } أي بحر العلم الوهبي { عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ } لخلوه عن عوارض الشكوك والأوهام { وهذا } أي بحر العلم الكسبي { مِلْحٌ أُجَاجٌ } لما فيه من مشقة الفكر ومرارة الكسب وعروض الشكوك والتردد والاضطراب { وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً } إشارات لطيفة تتغذون بها وتتقون على الأعمال { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وهي الأخلاق الفاضلة والآداب الجميلة والأحوال المستحسنة التي تكسب صاحبها زينة { وَتَرَى الفلك } سفن الشريعة والطريقة { فِيهِ مَوَاخِرَ } جارية { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } [ فاطر : 2 1 ] بالوصول إلى حضرته عز وجل فعل ذلك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (12)

{ 12 - 14 } { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }

هذا إخبار عن قدرته وحكمته ورحمته ، أنه جعل البحرين لمصالح العالم الأرضي كلهم ، وأنه لم يسوِّ بينهما ، لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبة فراتا ، سائغا شرابها ، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون ، وأن يكون البحر ملحا أجاجا ، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات ولأنه ساكن لا يجري ، فملوحته تمنعه من التغير ، ولتكون حيواناته أحسن وألذ ، ولهذا قال : { وَمِنْ كُلٍ } من البحر الملح والعذب { تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } وهو السمك المتيسر صيده في البحر ، { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } من لؤلؤ ومرجان وغيرهما ، مما يوجد في البحر ، فهذه مصالح عظيمة للعباد .

ومن المصالح أيضا والمنافع في البحر ، أن سخره اللّه تعالى يحمل الفلك من السفن والمراكب ، فتراها تمخر البحر وتشقه ، فتسلك من إقليم إلى إقليم آخر ، ومن محل إلى محل ، فتحمل السائرين وأثقالهم وتجاراتهم ، فيحصل بذلك من فضل اللّه وإحسانه شيء كثير ، ولهذا قال : { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (12)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وما يستوي البحران} يعني الماء العذاب والماء المالح.

{هذا عذب فرات} يعني طيب {سائغ شرابه} يسيغه الشارب {وهذا ملح أجاج} مر لا ينبت.

{ومن كل} من الماء المالح والعذب {تأكلون لحما طريا} السمك {وتستخرجون حلية} يعني اللؤلؤ.

{تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر} يعني بالمواخر أن سفينتين تجريان إحداهما مقبلة والأخرى مدبرة بريح واحدة، تستقبل إحداهما الأخرى.

{لتبتغوا} في البحر {من فضله} من رزقه {ولعلكم تشكرون}.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وما يعتدل البحران فيستويان، أحدهما عَذْب فُرات والفرات: هو أعذب العذب، "وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ "يقول: والآخر منهما ملح أجاج، وذلك هو ماء البحر الأخضر، والأُجاج: المرّ، وهو أشدّ المياه مُلوحة... وقوله: "وَمِنْ كُل تَأْكُلُونَ لَحْما طَرِيّا" يقول: ومن كلّ البحار تأكلون لحما طَرِيا، وذلك السمك من عذبهما الفرات، وملحهما الأجاج.

"وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها" يعني: الدرّ والمرجان تستخرجونها من الملح الأجاج. وقد بيّنا قبل وجه تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً، وإنما يستخرج من الملح فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

"وَتَرَى الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ" يقول تعالى ذكره: وترى السفن في كل تلك البحار مواخر، تمخُر الماء بصدورها، وذلك خرقها إياه إذا مرّت، واحدتها ماخرة. يقال منه: مَخَرت تمخُر، وتمخَر مَخْرا، وذلك إذا شقّت الماء بصدورها...

وقوله: "لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ" يقول: لتطلبوا بركوبكم في هذه البحار في الفلك من معايشكم، ولتتصرّفوا فيها في تجاراتكم، وتشكروا الله على تسخيره ذلك لكم، وما رزقكم منه من طيبات الرزق، وفاخر الحليّ.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وما يستوي البحران هذا عذب فُرات سائغٌ شرابه وهذا مِلح أُجاج} فيه وجوه من المعتبر:

أحدها: يذكر ألا يستوي في الحكمة الخبيث من الرجال والطيّب منهم كما لا يستوي المالح من الماء والأجاج والعذب منه والسائغ، وقد استوى الطيّب من الرجال والخبيث في منافع الدنيا ومأكلاتها، وفي الحكمة التفريق بينهما والتمييز، دل أن هنالك دارا تميّز بينهما وتفرّق.

والثاني: يخبر عن غناه عما أنشأ من الأشياء ليُعلِم أنه لم يُنشئها لحوائج نفسه، ولكن لما ذكرنا...

والثالث: فيه ترغيب في إيمان الخبيث الكافر، ودفع الإياس من توحيده، وقطع الرجاء عن عوده إلى الكفر حين أخبر عما يأكلون من الماء المالح الأجاج والعذب السائغ جميعا اللحم الطّري، ما حق مثله إذا ألقي فيه أو في مثله اللحم الطّري أن يفسُد من ساعته.

ويذكّرهم أيضا عن قدرته: أن من قدر على حفظ ما ذكر من اللحم الطري في الماء الذي لا يقدر على الدُّنو منه والقرب من الخوض فيه والذوق منه فضلا أن يكون فيه حفظ ما ذكر من الإفساد، فمن قدر على هذا لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.

والرابع: يذكر نعمه التي أنعمها عليهم حين قال: {ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حِلية تلبسونها} يذكر عظم نعمه وقدرته حين جعل البحار مسخّرة مذلّلة، يقدرون على استخراج ما فيها من الحلى والجواهر والوصول إلى المنافع التي هي وراء البحار وقطعها بسفن أنشأها لهم، وأجراها في الماء؛ بل الأعجوبة في إجراء السُّفن بالرياح في المياه الراكدة الساكنة أعظم وأكثر من جريانها على جرية الماء، لأنها في الماء الجاري لا تجري إلا على الوجه الذي يجري الماء، وفي البحار تجري بريح واحدة من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل حيث شاء، دل أن الأعجوبة في هذا أكثر وأعظم، ومن ملك هذا لا يعجزه شيء...

{لتبتغوا من فضله} هذا يدل أن ما يصاب بالأسباب والمكاسب إنما هو فضل الله، إذ قد يكتسب المرء ولا يكون له منه سبب.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الفرات: الذي يكسر العطش، والسائغ: المريء السهل الانحدار لعذوبته ...

...

يحتمل غير طريقة الاستطراد: وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج على الكافر؛ بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ: وجرى الفلك فيه، والكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِي كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] ثم قال: {وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله} [البقرة: 74]...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدرة الله؛ وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة ويختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات والآخر ملح أجاج، ولو كان ذلك بإيجاب لما اختلف المستويان، ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور متشابهة، فإن اللحم الطري يوجد فيهما، والحلية تؤخذ منهما، ومن يوجد في المتشابهين اختلافا ومن المختلفين اشتباها، لا يكون إلا قادرا مختارا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ذكر سبحانه أحد أصليهم: التراب المختلف الأصناف، ذكر الأصل الآخر: الماء الذي هو أشد امتزاجاً من التراب، ذاكراً اختلاف صنفيه اللذين يتفرعان إلى أصناف كثيرة، منبهاً على فعله بالاختيار، ومنكراً على من سوى بينه سبحانه وبين شيء، حتى أشركه به مع المباعدة التي لا شيء بعدها، والحال أنه يفرق بين هذه الأشياء المحسوسة لمباعدة ما؛ فقال: {وما يستوي البحران} ولما كانت الألف واللام للعهد، بيّنه بقوله مشيراً إلى الحلو: {هذا عذب}.

ولما ذكر من متاعه ما هو غاية في اللين، أتبعه من ذلك ما هو غاية في الصلابة فقال: {وتستخرجون حلية تلبسونها}...فما قضى برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار.

ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب.

ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمراً غريباً، لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم بإدراك أنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر، خص بالخطاب فقال: {وترى الفلك} أي السفن تسمى فلكاً لدورانه وسفينة لقشره الماء، وقدم الظرف لأنه أشد دلالة على ذلك فقال: {فيه} أي كل منهما غاطسة إلا قليلاً منها.

ولما تم الكلام، ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال: {مواخر} قال البخاري في باب التجارة في البحر: وقال مجاهد: تمخر السفن الريح، ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام؛ وقال صاحب القاموس: مخرت السفينة كمنع مخراً ومخوراً: جرت أو استقبلت الريح في جريتها.

ثم علق بالمخر معللاً قوله: {لتبتغوا} أي تطلبوا طلباً شديداً.

ولما تقدم الاسم الأعظم في الآية قبلها، أعاد الضمير عليه ليعلم شدة ارتباط هذه الآية بالتي قبلها فقال: {من فضله}

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

هذا إخبار عن قدرته وحكمته ورحمته، أنه جعل البحرين لمصالح العالم الأرضي كلهم، وأنه لم يسوِّ بينهما، لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار عذبة فراتا، سائغا شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، وأن يكون البحر ملحا أجاجا، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما يموت في البحر من الحيوانات ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويمضي السياق إلى لفتة أخرى في هذه الجولة الكونية المتعددة اللفتات. يمضي إلى مشهد الماء في هذه الأرض من زاوية معينة. زاوية تنويع الماء. فهذا عذب سائغ، وهذا ملح مر. وكلاهما يفترقان ويلتقيان -بتسخيرالله- في خدمة الإنسان.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

انتقال من الاستدلال بالأحوال في الأجواء بين السماء والأرض على تفرد الله تعالى بالإِلهية إلى الاستدلال بما على الأرض من بحار وأنهار وما في صفاتها من دلالة زائدة على دلالة وجود أعيانها، على عظيم مخلوقات الله تعالى.

البحر في كلام العرب: اسم للماء الكثير القار في سعة.

والعذب: الحلو حلاوة مقبولة في الذوق.

والملح بكسر الميم وسكون اللام: الشيء الموصوف بالملوحة بذاته لا بإلقاء ملح فيه... {سائغ شرابه} أن شربه لا يكلف النفس كراهة، وهو مشتق من الإِساغة وهي استطاعة ابتلاع المشروب دون غصة ولا كره.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يُقرِّب لنا القضية العقلية القيمية فيعرضها لنا في صورة حسية مُشاهدة {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ} وكأن الله يقول لنا: كما أن هناك أشياء حسية لا تستوي في الحسِّ، كذلك في القيم أشياء لا تستوي.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

...3 ذكرت الآية ثلاث فوائد من فوائد البحار الكثيرة وهي: المواد الغذائية، ووسائل الزينة، ومسألة الحمل والنقل...

يستخرج من البحار وسائل الزينة المختلفة من أمثال

(اللؤلؤ والمرجان والصدف والدرّ) وتركيز القرآن على ذكر هذه المسألة لأنّ روح الإنسان تختلف عن الحيوان باحتوائها على أبعاد مختلفة منها «الحسّ الجمالي» الذي هو منبع ظهور جميع المسائل الذوقية والفنيّة والأدبية التي يؤدّي إشباعها بصورة صحيحة بعيداً عن الإفراط والتفريط والإسراف والتبذير إلى إشاعة السرور في النفس، وإعطاء الإنسان النشاط والهدوء، وتساعد الإنسان على إنجاز أعمال الحياة الشاقّة.

وأمّا مسألة الحمل والنقل والتي تعدّ واحدة من أهم أسس التمدّن الإنساني والحياة الاجتماعية، فمع ملاحظة أنّ البحار تشكّل القسم الأعظم من الكرة الأرضية وأنّها مرتبطة مع بعضها، فإنّها تستطيع أن تقدّم للإنسان أهمّ الخدمات بهذا الخصوص إذ أنّ البضائع التي يتمّ حملها ونقلها عبر البحار، وكذا أعداد المسافرين الذين يتمّ نقلهم من مكان إلى آخر، على درجة من الكثرة بحيث لا يمكن مقايستها مع أيّة من وسائل النقل الأخرى.

بديهي أنّ فوائد البحار لا يمكن حصرها بالأمور التي ذكرت أعلاه، والقرآن الكريم لا يريد بذلك أن يحدّدها ضمن تلك الأقسام الثلاثة المذكورة، فهناك مسألة تكون الغيوم الأدوية النفط، الألبسة، الأسمدة للأراضي البور، التأثير في إيجاد الرياح.. إلى غير ذلك من بركات البحار الاُخرى.