روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ} (16)

{ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ } أي من يصرف العذاب عنه فنائب الفاعل ضمير العذاب ، وضمير { عَنْهُ } يعود على { مِنْ } ، وجوز العكس أي من يصرف عن العذاب . و { مِنْ } على الوجهين مبتدأ خبره الشرط أو الجواب أو هما على الخلاف ، والظرف متعلق بالفعل أو بالعذاب أو بمحذوف وقع حالاً من الضمير . وجوز أن يكون نائب الفاعل . وهل يحتاج حينئذٍ إلى تقدير مضاف أي عذاب يومئذٍ أم لا ؟ فيه خلاف فقيل : لا بد منه لأن الظرف غير التام أي المقطوع عن الإضافة كقبل وبعد لا يقام مقام الفاعل إلا بتقدير مضاف و { يَوْمَئِذٍ } له حكمه . وفي «الدر المصون » لا حاجة إليه لأن التنوين لكون عوضاً يجعل في قوة المذكور خلافاً للأخفش . وذكر الأجهوري أن التنوين هنا عوض عن جملة محذوفة يتضمنها الكلام السابق والأصل يوم إذ يكون الجزاء ونحو ذلك ، والجملة مستأنفة مؤكدة لتهويل العذاب ؛ وجوز أن تكون صفة { عَذَابِ } . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم { مَّن يُصْرَفْ } على أن الضمير فيه لله تعالى . وقرأ أبي { مَّن يُصْرَفْ * الله } بإظهار الفاعل والمفعول به محذوف أي العذاب أو { يَوْمَئِذٍ } بحذف المضاف أو يجعل اليوم عبارة عما يقع فيه ، و { مِنْ } في هذه القراءة أيضاً مبتدأ . وجوز أبو البقاء أن تجعل في موضع نصب بفعل محذوف تقديره من يكرم يصرف الله العذاب عنه فجعل يصرف تفسيراً للمحذوف ، وأن يجعل منصوباً بيصرف ويجعل ضمير { عَنْهُ } للعذاب أي أي إنسان يصرف الله تعالى عنه العذاب .

{ فَقَدْ رَحِمَهُ } أي الرحمة العظمى وهي النجاة كقولك : إن أطعمت زيداً من جوعة فقد أحسنت إليه تريد فقد أتممت الإحسان إليه ، وعلى هذا يكون الكلام من قبيل من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك و " من كانت هجرته إلى الله تعالى " الخبر ، ومن قبيل صرف المطلق إلى الكامل ، وقيل : المراد فقد أدخله الجنة فذكر الملزوم وأريد اللازم لأن إدخال الجنة من لوازم الرحمة إذ هي دار الثواب اللازم لترك العذاب . ونقض بأصحاب الأعراف ، وأجيب بأن قوله تعالى : { وَذَلِكَ الفوز المبين } حال مقيدة لما قبله ، والفوز المبين إنما هو بدخول الجنة لقوله تعالى : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } ( آل عمران ؛ 185 ) وأنت تعلم أنه إذا قلنا : إن الأعراف جبل في الجنة عليه خواص المؤمنين كما هو أحد الأقوال لا يرد النقض ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك ، وما ذكر من الجواب مبني على ما لا يخفى بعده ، والداعي إلى التأويل اتحاد الشرط والجزاء الممتنع عندهم .

وقال بعض الكاملين : إن ما في النظم الجليل نظير قوله صلى الله عليه وسلم : " لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه " يعني بالشراء المذكور ، وإن اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب ، ولك أن تقول : إن الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوح إليه صيغة الماضي والمستقبل والترتيب باعتبار الاخبار . وتعقبه الشهاب بأنه تكلف لأن السبب والمسبب لا بد من تغايرهما معنى ، والحديث المذكور منهم من أخذ بظاهره ومنهم من أوله بأن المراد لا يجزيه أصلاً وهو دقيق لأنه تعليق بالمحال . وأما كون الجواب ماضياً لفظاً ومعنى ففيه خلاف حتى منعه بعضهم في غير كان لعراقتها في المضي اه فليفهم . والإشارة إما إلى الصرف الذي في ضمن { يُصْرَفْ } وإما إلى الرحمة ، وذكر لتأويل المصدر بأن والفعل . ومنهم من اعتبر الرحم بضم فسكون أو بضمتين وهو على ما في «القاموس » بمعنى الرحمة . ومعنى البعد للإيذان بعلو درجة ما أشير إليه ، والفوز الظفر بالبغية ، وأل لقصره على المسند إليه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ} (16)

وذلك اليوم هو اليوم الذي يُخاف عذابه ، ويُحذر عقابه ؛ لأنه مَن صُرف عنه العذاب يومئذ فهو المرحوم ، ومن نجا فيه فهو الفائز حقا ، كما أن من لم ينج منه فهو الهالك الشقي .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ} (16)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{من يصرف} الله {عنه} العذاب {يومئذ} يوم القيامة، {فقد رحمه وذلك} الصرف، يعني صرف العذاب، {الفوز المبين}، يعني: النجاة العظيمة المبينة.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قراء الحجاز والمدينة والبصرة: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ بضم الياء وفتح الراء، بمعنى: من يصرف عنه العذاب يومئذ. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ» بفتح الياء وكسر الراء، بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي، قراءة من قرأه: «يَصْرِفْ عَنْهُ» بفتح الياء وكسر الراء، لدلالة قوله: فَقَدْ رَحِمَهُ على صحة ذلك، وأن القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله:"مَنْ يُصْرَفُ" على وجه ما لم يسمّ فاعله، كان الوجه في قوله: فَقَدْ رَحِمَهُ أن يقال: «فقد رُحِم» غير مسمى فاعله وفي تسمية الفاعل في قوله: فَقَدْ رَحِمَهُ دليل على بين أن ذلك كذلك في قوله: «مَنْ يَصْرِفُ عَنْهُ». وإذا كان ذلك هو الوجه الأولى بالقراءة، فتأويل الكلام: مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ من خلقه يَوْمِئِذٍ عذابه فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ المُبِينُ. ويعني بقوله: "ذَلِكَ": وصرف الله عنه العذاب يوم القيامة، ورحمته إياه الفَوْزُ أي النجاة من الهلكة والظفر بالطلبة المُبِينُ يعني الذي بين لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطلبة.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وذلك الفوز المبين} وذلك الصرف؛ يعني صرف العذاب الفوز المبين. وإنما ذكره، والله أعلم، فوزا مبينا لأنه فوز دائم، لا زوال له، وليس كفوز هذه الدنيا؛ يكون في وقت، ثم يزول عن قريب، وكذلك فوز الآخرة.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي كون ذلك اليوم مصروفا وذلك محال، بل المراد عذاب ذلك اليوم، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن الطاعة لا توجب الثواب، والمعصية لا توجب العقاب لأنه تعالى قال: {من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه} أي كل من صرف الله عنه العذاب في ذلك اليوم فقد رحمه. وهذا إنما يحسن لو كان ذلك الصرف واقعا على سبيل التفضل، أما لو كان واجبا مستحقا لم يحسن أن يقال فيه إنه رحمه ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب العبد، فإذا لم يضربه لا يقال إنه رحمه. أما إذا حسن منه أن يضربه ولم يضربه فإنه يقال إنه رحمه، فهذه الآية تدل على أن كل عقاب انصرف وكل ثواب حصل، فهو ابتداء فضل وإحسان من الله تعالى،...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

والفوز: هو حصول الربح ونفي الخسارة.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير إليه من الخسارة، صرح هنا بما اقتضاه ذلك المتقدم، فقال واصفاً لذلك العذاب مبيناً أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن، فإنها خاصة لا عامة دائمة السبوغ على من نالته، لا زائلة وكذا النعمة، هكذا شأن ذلك اليوم {من يصرف عنه} أي ذلك العذاب؛ ولما كان المراد دوام الصرف في جميع اليوم، قال: {يومئذ} أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به {فقد رحمه} أي فعل به بالإنعام عليه فعل المرحوم {وذلك} أي لا غيره {الفوز} أي الظفر بالمطلوب {المبين} أي الظاهر جداً، ومن لم يصرف عنه فقد أهانه، وذلك هو العذاب العظيم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (16)} أي من يصرف ويحول عن ذلك العذاب في ذلك اليوم العظيم حتى يكون بمعزل عنه، أو من يصرف عنه ذلك العذاب في ذلك اليوم – فقد رحمه الله بإنجائه من الهول الأكبر، وبما وراء النجاة من دخول الجنة، لأن من لا يعذب يومئذ يكون منعما حتما. وذلك الجمع بين النجاة من العذاب والتمتع بالنعيم في دار البقاء هو الفوز المبين الظاهر..

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وقد أراد الحق أن يبين لنا أن المعصوم لا يتأتى منه عصيان الله. لكن هذا القول يأتي على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنعلم أن هناك عذابا عظيما توعد به الله من يعصيه. وهو عذاب يلح على العاصي حتى يأتي إليه. لهذا العذاب خاصية أن تكون بينه وبين العاصي جاذبية كجاذبية المغناطيس لغيره من المواد. ونجاة الإنسان من العذاب تحتاج إلى من يصرف عنه هذا اللون القاسي من العذاب...

فكأن من لا يصرف عنه هذا العذاب هو من ينجذب إلى قوة العذاب؛ لأن لنار جهنم شهيقا يجذب ويسحب إليه الذين قدر عليهم العذاب...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

من هذه الآية نفهم أيضاً أنّ شعور الأنبياء بالمسؤولية يفوق شعور الآخرين بها. ولكي يتّضح أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستطيع شيئاً بغير الاستناد إِلى لطف الله ورحمته، فكل شيء بيد الله وبأمره، وحتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه يترقب بعين الرجاء رحمة الله الواسعة ومنه يطلب النجاة والفوز: (من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين). هذه الآيات تبيّن منتهى درجات التوحيد، وترد على الذين كانوا يرون للأنبياء سلطاناً مستقلا عن إرادة الله، كما فعل المسيحيون عندما جعلوا من المسيح (عليه السلام) المخلّص والمنقذ، فتقول لهم: إِنّ الأنبياء أنفسهم يحتاجون إِلى رحمة الله مثلكم...