روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

{ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول } الذي أرسله الله تعالى لتبليغ الأحكام { النبى } / أي الذي أنبأ الخلق عن الله تعالى فالأول تعتبر فيه الإضافة إلى الله تعالى والثاني تعتبر فيه الإضافة إلى الخلق ، وقدم الأول عليه لشرف وتقدم إرسال الله تعالى له على تبليغه ، وإلى هذا ذهب بعضهم ، وجعلوا إشارة إلى أن الرسول والنبي هنا مراد بهما معناهما اللغوي لاجرائهما على ذات واحدة كما أنهما كذلك في قوله تعالى : { وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا } [ مريم : 54 ] ، وفسر في الكشاف الرسول بالذي يوحى إليه كتاب والنبي بالذي له معجزة ، ويشير إلى الفرق بين الرسول والنبي بأن الرسول من له كتاب خاص والنبي أعم . وتعقبه في الكشف بأن أكثر الرسل لم يكونوا أصحاب كتاب مستقل كاسمعيل . ولوط . والياس عليهم السلام وكم وكم ثم قال : والتحقيق أن النبي هو الذي ينبىء عن ذاته تعالى وصفاته وما لا تستقل العقول بدرايته ابتداء بلا واسطة بشر ، والرسول هو المأمور مع ذلك باصلاح النوع ، فالنبوة نظر فيها إلى الأنبار عن الله تعالى والرسالة إلى المبعوث إليهم ، والثناي وإن كان أخص وجودا إلا أنهما مفهومان مفترقان ولهذا لم يكن رسولاً نبيا مثل انسان هيوان ا ه .

وفيه مخالفة بينة لما ذكر أولاً ، ولا حجر في الاعتبار . نعم ما ذكروه مدفوع بأن الفرق المذكور مع تغاير المفهومين على كل حال من عرف الشرع والاستعمال ، واما في الوضع والحقيقة اللغوية فهما عامان . وقد ورد في القرآن بالاستعمالين فلا تعارض بينهما .

ولا يرد أن ذكر النبي العام بعد الخاص لا يفيد والمعروف في مثل ذلك العكس ، ولا يخفى أن المراد بهذا الرسول النبي نبينا صلى الله عليه وسلم { النبى الامى } أي الذي لا يكتب ولا يقرأ ، وهو على ما قال الزجاج نسبة إلى أمة العرب لأن الغالب عليهم ذلك . وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عمر قال : «قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب » أو إلى أم القرى لأن أهلها كانوا كذلك ، ونسب ذلك إلى الباقر رضي الله تعالى عنه أو إلى أمه كأنه على الحالة التي ولدته امه عليها ، ووصف عليه الصلاة والسلام بذلك تنبيهاً على أن كمال علمه مع حاله احدى معجزاته صلى الله عليه وسلم فهو بالنسبة إليه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام صفة مدح ، وأما بالنسبة إلى غيره فلا ، وذلك كصفة التكبير فإنها صفة مدح لله عز وجل وصفة ذم لغيره .

واختلف في أنه عليه الصلاة والسلام هل صدر عنه الكتابة في وقت أم لا ؟ فقيل : نعم صدرت عنه عام الحديبية فكتب الصلح وهي معجزة أيضاً له صلى الله عليه وسلم وظاهر الحديث يقتضيه ، وقيل : لم يصدر عنه أصلاً وإنما أسندت إليه في الحديث مجازاً .

وجاء عن بعض أهل البيت رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم كان تنطق له الحروف المكتوبة إذا نظر فيها ، ولم أر لذلك سنداً يعول عليه ، وهو صلى الله عليه وسلم فوق ذلك . نعم أخرج أبو الشيخ من طريق مجاهد قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال : «ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال : صدق سمعت أصحابنا يقولون ذلك » وقيل : الأمي نسبة إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب ، ويؤيده قراءة يعقوب { الامى } بالفتح وإن احتملت أن تكون من تغيير النسب أيضاً ، والموصول في محل جر بدل من الموصول الأول ، هو أما بدل كل على أن المراد منه هؤلاء المعهودين أو بعض على أنه عام ويقدر حينئذ منهم ، وجوز أن يكون نعتاً له ، ويحتمل أن يكون في محل نصب على القطع وإضمار ناصب له ، وأن يكون في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقيل : على أنه مبتدأ خبره جملة { يَأْمُرُهُم } أو { أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } وكلاهما خلاف المتبادر من النظم { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا } باسمه ونعوته الشريفة بحيث لا يشكون أنه هو ، ولذلك عدل عن أن يقال : يجدون اسمه أو وصفه مكتوباً { عِندَهُمُ } ظرف لمكتوبا الواقع حالا أو ليجدون ، وذكر لزيادة التقرير وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرة عندهم لا يغيب عنهم أصلا { فِي التوراة والإنجيل } اللذين يعتمد بهما بنو اسرائيل سابقاً ولاحقاً ، وكأنه لهذا المعنى اقتصر عليهما وإلا فهو صلى الله عليه وسلم مكتوب في الزبور أيضاً ، أخرج ابن سعد . والدارمي في مسنده . والبيهقي في الدلائل . وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال : «صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقيضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا لا آله إلا الله ويفتح أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً » ، ومثله من رواية البخاري وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وجاء من حديث أخرجه ابن سعد . وابن عساكر من طريقذ موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال : «قرأت في الإنجيل محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم لا يقبل الصدقة وبركب الحمار .

والبعير ويحلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد » .

وجاء من خبر أخرجه البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال : «إن الله تعالى أوحى في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم باجلهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمداً وأمته على الأمم كلهم ، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم ، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم اضعافاً مضاعفة ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك ، وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا وقالوا : { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } [ البقرة : 156 ] الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم ، فإن دعوني استجبت لهم فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أدخره لهم في الآخرة ، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه من قبره العذاب صبا وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره في قبره ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار » إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بأنه صلى الله عليه وسلم مكتوب في الكتب الإلهية . والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوبا . وذكر الإنجيل قبل نزوله من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم قبل مجيئهما .

{ يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر } كلام مستأنف ، وهو على ما قيل متضمن لتفصيل بعض أحكام الرحمة التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً إذا ما أشارت إليه المتعاطفات من آثار الرحمة والواسعة ، وجوز كونه في محل نصب على أنه حال مقدرة من مفعول يجدونه أو من النبي أو من المستكن في مكتوباً ، وقيل : هو مفسر لمكتوبا أي لما كتب ، والمراد بالمعروف قيل الإيمان ، وقيل : ما عرف في الشريعة ، والمراد بالمنكر ضد ذلك { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } فسر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع كالشحوم ، والثاني بالأشياء التي يستخبثها كالدم ، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس وستلذه الطبع الحل وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل ، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في حكم الشرع والخبيث بما خبث فيه كالربا والرشوة .

وتعقب بأن الكلام حينئذ يحل ما يحكم بحله ويحرم ما يحكم بحرمته ولا فائدة فيه . وردوه بأنه يفيد فائدة وأي فائدة لأن معناه أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالعقل والرأي ، وجوز بعضهم كون الخبيث بمعنى ما يستخبث طبعاً أو ما خبث شرعاً وقال كالدم أو الربا ومثل للطيب بالشحم وجعل ذلك مبينا على اقتضاء التحليل سبق التحريم والشحم كان محرماً عند بني اسرائيل ، وعلى اقتضاء التحريم سبق التحليل وجعل الدم وأخيه مما حرم على هذا لأن الأصل في الأشياء الحل ، ولا يرد { أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا } [ البقرة : 275 ] لأنه لرد قولهم { إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا } [ البقرة : 275 ] أو لأن المراد ابقاؤه على حله لمقابلته بتحريم الربا ، ودفع بهذا ما توهم من عدم الفائدة { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع موضع النجاسة من الثواب أو منه ومن البدن ، واحراق الغنائم ، وتحريم السبت ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتعين القصاص في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه وان لم يكن مأموراً به في الألواح إلا أنه شرع بعد تشديداً عليهم على ما قيل ، وأصل الأصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك ، والاغلال جمع غل بضم الغين وهي في الأصل كما قال ابن الأثير الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ويقال لها جامعة أيضاً ، ولعل غير الحديد إذا جمع به يد إلى عنق يقال له ذلك أيضاً ، والمراد منهما هنا ما علمت وهو المأثور عن كثير من السلف ، ولا يخفى ما في الآية من الاستعارة .

وجوز أن يكون هناك تمثيل ، وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة وعلى هذا فالاغلال يمكن أن يراد حقيقته ، وقرأ ابن عامر { آصارهم } على الجمع وقرأ { عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } بالفتح على المصدر وبالضم على الجمع أيضاً { فالذين ءامَنُواْ بِهِ } أي صدقوا برسالته ونبوته { وَعَزَّرُوهُ } أي عظموه ووقروه كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عتهما ، وقال الراغب : التعزير النصرة مع التعظيم ، والتعزير الذي هو دون الحد يرجع إليه لأنه تأديب والتأذيب نصرة لأن أخلاق السوء أعداء ولذا قال في الحديث : «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقيل كيف أنصره ظالماً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : تكفه عن الظلم » وأصلح عند غير وأحد المنع والمراد منعوه حتى لا يقوى عليه عدو ، وقرىء { عزروه } بالتخفيف { وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ } على أعدائه في الدين وعطف هذا على ما قبله ظاهر على ما روي عن الحبر وكذا على ما قاله الجمع إذ الأول عليه من قبيل درء المفاسد وهذا من قبيل جلب المصالح ، ومن فسر الأول بالتعظيم مع التقوية أخذا من كلام الراغب قال هنا نصروه لي أي قصدوا بنصره وجه الله تعالى واعلاء كلمته فلا تكرار خلافاً لمن توهمه { واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ } وهو القرآن وعبر عنه بالنور لظهوره في نفسه باعجازه وإظهاره لغيره من الأحكام وصدق الدعوى فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه والمظهر لغيره بل هو نور على نور ، والظرف اما متعلق بانزل والكلام على حذف مضاف أي مع نبوته أو ارساله عليه السلام لأنه لم ينزل معهم وإنما نزل مع جبريل عليه السلام .

نعم استنباؤه أو ارساله كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به وإما متعلق باتبعوا على معنى شاركوه في اتباعه وحينئذ لم يحتج إلى تقدير ، وقد يعلق به على معنى اتبعوا القرآن مع اتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى العمل بالكتاب والسنة ، وجوز أن يكون في موضع الحال من ضمير اتبعوا أي اتبعوا أي اتبعوا النور مصاحبين له في اتباعه وحاصله ما ذكر في الاحتمال الثاني ، وأن يكون حالا مقدرة من نائب فاعل أنزل . وفي مجمع البيان أن مع بمعنى على وهو متعلق بأنزل ولم يشتهر وروي ذلك ، وقال بعضهم : هن هنا مرادفة لعند وهو أحد معانيها المشهورة إلا أنه لا يخفى بعده وإن قيل حاصل المعنى حينئذ أنزل عليه { أولئك } أي المنعوتون بتلك النعوت الجليلة { هُمُ المفلحون } أي هم الفائزون يا لمطلوب لا المتصفون بأضداد صفاتهم ، وفي الإشارة إشارة إلى علية تلك الصفات للحكم ، وكاف البعد للايذان ببعد المنزلة وعلو الدرجة في الفضل والشرف ، والمراد من الموصول المخبر عنه بهذه الجملة عند ابن عباس رضي الله تعالى عنه اليهود الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : ما يعمهم وغيرهم من أمته عليه الصلاة والسلام المتصفين بعنوان الصلة إلى يوم القيامة والاتصاف بذلك لا يتوقف على إدراكه صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى وهو الأولى عندي .

وادعى بعضهم أن المراد من الموصول في قوله تعالى : { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } [ الأعراف : 156 ] المعنى الأعم أيضاً وجعله ابن الخازن قول جمهور المفسرين ، وفيه ما فيه ومما يقضي منه العجب كون المراد منه اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام ، والجملة متفرعة على ما تقدم من نعوته صلى الله عليه وسلم الجليلة الشان ، وقيل : على كتب الرحمة لمن مر ، وذكر شيخ الإسلام أنها تعليم لكيفية اتباعه عليه السلام وبيان علو رتبة متبعيه واغتنامهم مغانم الرحمة الواسعة في الدارين ءثر بيان نعوته الجليلة والإشارة إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم بما في ضمن { يَأْمُرُهُم } الخ ، وجعل الحصر المدلول عليه بقوله سبحانه : { أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } بالنسبة إلى غيرهم من الأمم ثم قال : فيدخل فيهم قوم موسى عليه السلام دخولا أوليا حيث لم ينجوا عما في توبتهم من المشقة الهائلة ، وهو مبني على ما سلكه في تفسير الآيات من أول الأمر ولا يصفو عن كدر

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ احتراز عن سائر الأنبياء ، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم .

والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في الإيمان ، وأن المؤمنين به المتبعين ، هم أهل الرحمة المطلقة ، التي كتبها اللّه لهم ، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية ، التي لا تقرأ ولا تكتب ، وليس عندها قبل القرآن كتاب .

الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ باسمه وصفته ، التي من أعظمها وأجلها ، ما يدعو إليه ، وينهى عنه . وأنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه .

وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو : كل ما عرف قبحه في العقول والفطر .

فيأمرهم بالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين ، والإحسان إلى الجار والمملوك ، وبذل النفع لسائر الخلق ، والصدق ، والعفاف ، والبر ، والنصيحة ، وما أشبه ذلك ، وينهى عن الشرك باللّه ، وقتل النفوس بغير حق ، والزنا ، وشرب ما يسكر العقل ، والظلم لسائر الخلق ، والكذب ، والفجور ، ونحو ذلك .

فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه ، ما دعا إليه وأمر به ، ونهى عنه ، وأحله وحرمه ، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب ، والمناكح .

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح ، والأقوال والأفعال .

وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي : ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر ، لا إصر فيه ، ولا أغلال ، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال .

فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي : عظموه وبجلوه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ وهو القرآن ، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات ، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظافرون بخير الدنيا والآخرة ، والناجون من شرهما ، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح .

وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي ، ويعزره ، وينصره ، ولم يتبع النور الذي أنزل معه ، فأولئك هم الخاسرون .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

ابن العربي: قال ابن وهب، قال مالك: بلغني أن طائفة من اليهود نزلوا المدينة، وطائفة خيبر، وطائفة فدك، مما كانوا يسمعون من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه في أرض بين حرتين، ورجوا أن يكون منهم، فأخلفهم الله ذلك، وقد كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بأسمائه وصفاته. قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات} [الأعراف: 157]. -القرطبي: قال مالك: المحللات.

تفسير الشافعي 204 هـ :

قال الشافعي رحمه الله تعالى: أصل التحريم نص كتاب أو سنة، أو جُملةُ كتاب أو سنة، أو إجماع، قال الله تبارك وتعالى: {اَلذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيئ اَلاُمِّي اَلذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِندَهُمْ فِي اِلتَّوْرياةِ وَالإنجِيلِ يَأمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَياهُمْ عَنِ اِلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ} وقال عز وجل: {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} 853 الآية، وإنما تكون الطيبات والخبائث عند الآكلين كانوا لها، وهم العرب الذين سألوا عن هذا، ونزلت فيهم الأحكام، وكانوا يكرهون من خبيث المأكل ما لا يكرهها غيرهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وهذا القول إبانة من الله جلّ ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبيه عليه السلام أن يكتب لهم الرحمة التي وصفها جلّ ثناؤه بقوله:"وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ" هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يعلم لله رسول وصف بهذه الصفة أعني الأميّ غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويل... وأما قوله: "الّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبا عنْدَهُمْ فِي التّوْرَاةِ والإنْجِيل "فإن الهاء في قوله: "يَجِدُونَهُ" عائدة على الرسول، وهو محمد صلى الله عليه وسلم... عن قتادة، قال الله: "الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبا عِنْدَهُمْ" يقول: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوبا عندهم.

"يَأْمُرُهُمْ بالمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلّ لَهُمُ الطّيِباتِ ويُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ التي كانَتْ عَلَيْهِمْ" يقول تعالى ذكره: يأمر هذا النبيّ الأميّ أتباعه بالمعروف، وهو الإيمان بالله ولزوم طاعته فيما أمر ونهى، فذلك المعروف الذي يأمرهم به، وينهاهم عن المنكر وهو الشرك بالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه.

وقوله: "ويُحِلّ لَهُمُ الطّيّباتِ" وذلك ما كانت الجاهلية تحرّمه من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. "ويُحَرّمُ عَلَيهِمُ الخبَائِثَ" وذلك لحم الخنزير والربا، وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرّمها الله...

وأما قوله: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ" فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: يعني بالإصر: العهد والميثاق الذي كان أخذه على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة...

وقال بعضهم: عني بذلك أنه يضع عمن اتبع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم التشديد الذي كان على بني إسرائيل في دينهم...

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ "الإصر" هو العهد وقد بينا ذلك بشواهده في موضعٍ غير هذا بما فيه الكفاية وأن معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ العهدَ الذي كان الله أخذ على بني إسرائيل، من إقامة التوراة والعملِ بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حُكْم القرآن.

وأما الأغلال التي كانت عليهم، فكان ابن زيد يقول...: الأغلال. وقرأ "غُلّتْ أيْدِيهِمْ" قال: تلك الأغلال، قال: ودعاهم إلى أن يؤمنوا بالنبيّ، فيضع ذلك عنهم.

"فالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" يقول تعالى ذكره: فالذين صدّقوا بالنبيّ الأميّ، وأقرّوا بنبوّته، "وعَزّرُوهُ" يقول: وَقّروه وعظموه وحموه من الناس... عن مجاهد: "وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ" قال: عزّروه: سدّدوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه.

وقوله "نَصَرُوهُ" يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الحرب لهم. "وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ" يعني القرآن والإسلام. "أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جلّ ثناؤه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم المنجحون المدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} أي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه {ويحل لهم الطيبات} ما أحل الله لهم {ويحرّم عليهم الخبائث} ما حرّم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء، ولا يحل شيئا، ولا يحرّم إلا بأمر من الله له. لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة كقوله تعالى: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146] وغيره. وقال القتبيّ: {ويضع عنهم إصرهم} أي ذنبهم الذي كانوا يذنبون، أي عقوبة الذنب الذي أذنبوا في الدنيا.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والأمي: الذي لا يكتب، وقيل: إنه منسوب إلى الأمة، والمعنى أنه على جبلة الأمة قبل استفادة الكتابة، وقيل: إنه منسوب إلى الأم، ومعناه أنه على ما ولدته أمه قبل تعلم الكتابة...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أظهر شرفَ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {النَّبِي الأُمِّي} أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه، أو من تعلُّمه وتكلُّفه، أو من اجتهاده وتصرُّفه.. بل ظهر عليه كلُّ ما ظهر مِنْ قِبَله -سبحانه- فقد كان هو أميَّاً غير قارئٍ للكتب، ولا مُتَتَبِّعٍ للسِّيرَ.

ثم قال: {يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ}: والمعروف هو: القيام بحق الله، والمنكر هو: البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى، والتعريج في أوطان المُنَى، وما تصوِّره للعبد تزويراتُ الدعوى. والفاصلُ بين الجسمين والمميِّزُ بين القسمين -الشريعةُ، فالحَسَنُ من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلَهُم ذلك، والقبيح ما كان موافقاً لِلنَّهْيِ والزجرِ فليس لهم فعل ذلك.

قوله جلّ ذكره: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.

الإصرُ: الثُّقلُ، ولا شيءَ أثقلُ من كَدِّ التدبير، فَمَنْ ترك كد التدبير إلى روْح شهود التقدير، فقد وُضِع عنه كلُّ إصر، وكُفِيَ كُلَّ وِزر وأمر.

والأغلالُ التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه مِنْ قبَلِ أنفسهم باختيارهم في التزامِ طاعات الله ما لم يُفْتَرضْ عليهم، فَوُكِلُوا إلى حَوْلِهمُ ومُنَّتِهم فيها؛ فأهملوها، ونقضوا عهودهم.

ومَنْ لَقِيَ- بخصائص الرضا -ما تجري به المقادير، وشَهِدَ الحقَّ في أجناس الأحداث، فقد خُصَّ بكل نعمة وفضل.

قوله جلّ ذكره: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}.

اعترف لهم بنصرة الرسول- صلى الله عليه وسلم -وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الله حسيبه، ومَنْ كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{الذين يَتَّبِعُونَ الرسول} الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن {النبي} صاحب المعجزات {الذي يَجِدُونَهُ} يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل {مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل... وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات} ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها. أو ما طاب في الشريعة والحكم، مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلي كسبه من السحت، "ويحرّم عليهم الخبائث": ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة. الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت... {وَعَزَّرُوهُ} ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّ. وقرئ بالتخفيف. وأصل العزر: المنع. ومنه التعزير للضرب دون الحدّ، لأنه منع عن معاودة القبيح. ألا ترى إلى تسميته الحدّ، والحدّ هو المنع. و {النور}: القرآن.

فإن قلت: ما معنى قوله {أُنزِلَ مَعَهُ} وإنما أنزل مع جبريل؟ قلت: معناه أنزل مع نبوّته، لأنّ استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به، ويجوز أن يعلق ب"اتبعوا "أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهي عنه، أو واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه.

فإن قلت: كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه؟ قلت: لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعرّض بذلك في قوله: {والذين هُم بآياتنا يُؤْمِنُونَ} وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين لطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يحشروا معهم ولا يفرّق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الألفاظ أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله {فسأكتبها للذين يتقون} [الأعراف: 156] وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما، و {يتبعون} معناه في شرعه ودينه، و {الرسول} و {النبي} اسمان لمعنيين فإن الرسول، أخص من النبي هذا في الآدميين لاشتراك الملك في لفظة الرسول، و {النبي} مأخوذ من النبأ، وقيل لما كان طريقاً إلى رحمة الله تعالى وسبباً شبه بالنبي الذي هو الطريق..

وقوله تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} يحتمل أن يريد ابتداء وصف الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يجعله متعلقاً ب {يجدونه} في موضع الحال على تجوز، أي يجدونه في التوراة أمراً بشرط وجوده فالمعنى الأول لا يقتضي أنهم علموا من التوراة أنه يأمرهم وينهاهم ويحل ويحرم، والمعنى الثاني يقتضي ذلك فالمعنى الثاني على هذا ذم لهم، ونحا إلى هذا أبو إسحاق الزجّاج، وقال أبو علي الفارسي في الإغفال {يأمرهم} عندي تفسير لما كتب من ذكره كما أن قوله تعالى {خلقه من تراب} تفسير للمثل، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في {يجدونه} لأن الضمير للذكر والاسم، والذكر والاسم لا يأمران.

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

ومعلوم أن نفس الدين الذي جاء به، والملة التي دعا إليها من أعظم براهين صدقه، وشواهد نبوته، ومن يثبت لذلك صفات وجودية أوجبت حسنه وقبول العقول له ولضده صفات أوجبت قبحه ونفور العقل عنه، فقد سد على نفسه باب الاستدلال بنفس الدعوة، وجعلها مستدلا عليه فقط.

ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعرف: 157] فهذا صريخ في أن الحلال كان طيبا قبل حله. وأن الخبيث كان خبيثا قبل تحريمه، ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس الحل والتحريم لوجهين اثنين:

أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب فقال:

{الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم} فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل. فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما بحل، ويحرم عليهم ما يحرم. وهذا أيضا باطل؛ فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني.

فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معا.

فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها، وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين: أن تكون بخلاف ما وردت به، وأن الله تعالى يتنزه عن ذلك، كما يتنزه عن سائر ما لا يليق به.

الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 875 هـ :

قلْتُ: وهذه الآيةُ الكريمة مُعْلِمَةٌ بشَرَف هذه الأمَّة على العُمُوم في كلِّ مَنْ آمَنَ باللَّه تعالى، وأقرَّ برسَالة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم هم يتفاوتون بعدُ في الشرف، بحَسَب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبيِّ صلى الله عليه وسلم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{الذين يتّبعون الرّسول النبيّ الأميّ} فصل الاسم الموصول هنا لأنه بيان مستأنف للموصول الأخير أو للموصولين اللذين قبله معا، وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة، والذين يؤمنون بالآيات، ولو وصله فقال: {الذين يتّبعون الرّسول النبيّ الأميّ} الخ لكان مغايرا لهما في المصادق لا في المفهوم بأن يراد بالأخير من يدركون بعثة الرسول النبي الأمي ويتبعونه بالفعل في زمنه وبعد زمنه، ويراد بمن قبلهم من يصدق عليهم معنى صلة الموصولين في زمن موسى وما بعده إلى زمن محمد عليهما السلام ومعنى الفصل على الوجه الأخير اتحاد الموصولات الثلاثة في المفهوم والمصادق جميعا. والمعنى: أن كتابة الرحمة كتبة خاصة هي للمتصفين بما دلت عليه صلات الموصولات الثلاثة وإنما هم الذين يتبعون الرسول الموصوف بأنه النبي الأمي نسبة إلى الأم، والمراد به الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكان أهل الكتاب يسمون العرب بالأميين، ولعله كان لقبا لأهل الحجاز ومن جاورهم دون أهل اليمن. لكن ظاهر قوله تعالى في الخونة من اليهود {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} [آل عمران: 75] العموم وليس بنص فيه، وقال تعالى: {هو الّذي بعث في الأمّيّين رسولا منهم} [الجمعة: 2] ولم ينقل أن الله تعالى بعث نبيا أميا غير نبينا صلى الله عليه وسلم فهو وصف خاص لا يشارك محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فيه أحد من النبيين.

والأمية آية من أكبر آيات نبوته فإنه جاء بعد النبوة بأعلى العلوم النافعة وهي ما يصلح ما فسد من عقائد البشر وأخلاقهم وآدابهم وأعمالهم وأحكامهم وعمل بها فكان لها من التأثير في العالم ما لم يكن ولن يكون لغيره من خلق الله. وتعريف الرسول والنبي الموصوف بالأمية كلاهما للعهد كما يعلم مما سنبينه من بشارات الأنبياء بنبينا صلى الله عليه وسلم. والرسول في اصطلاح الشرع أخص من النبي فكل رسول نبي وما كل نبي رسول، ولذلك جعل بعض المفسرين نكتة تقديم الرسول على النبي هنا كونه أهم وأشرف أو أنهما ذكرا هنا بمعناهما اللغوي كقوله: {وكان رسولا نبيا} [مريم: 51] وما أشرنا إليه من نكتة التقديم أظهر، وهو أن النبي الأمي وصف مميز للرسول الذي يجب على كل أحد اتباعه متى بعث، وأن الرسول هو المعروف الذي نزل فيه {وإذ أخذ اللّه ميثاق النّبيّين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به ولتنصرنّه} [آل عمران: 81] -الخ آيته المعروفة في سورة آل عمران.

والنبي في اللغة (فعيل) من مادة النبأ بمعنى الخبر المهم العظيم الشأن أو بمعنى الارتفاع وعلو الشأن، والأول أظهر، وأكثر العرب لا تهمزه بل نقل أنه لم يهمزه إلا أهل مكة ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على رجل قال له يا نبيء الله. وأما في الاصطلاح فالنبي من أوحى الله إليه وأنبأه بما لم يكن يعلم بكسبه من خبر أو حكم يعلم به علما ضروريا أنه من الله عز وجل، والرسول نبي أمره الله تعالى بتبليغ شرع ودعوة دين وبإقامته بالعمل، ولا يشترط في الوحي إليه أن يكون كتابا يقرأ وينشر، ولا شرعا جديدا يعمل به ويحكم بين الناس. بل قد يكون تابعاً لشرع غيره كله كالرسل من بني إسرائيل كانوا متبعين لشريعة التوراة عملا وحكما بين الناس كما قال تعالى: {إنّا أنزلنا التّوراة فيها هدى ونور يحكم بها النّبيّون الّذين أسلموا للّذين هادوا} [المائدة: 44] الآية.

وقد يكون ناسخا لبعضه كما نسخ عيسى عليه السلام بعض أحكام التوراة وأقر أكثرها كما يدل على ذلك مثل قوله تعالى حكاية لما خاطب به بني إسرائيل {ومصدّقا لما بين يديّ من التّوراة ولأحلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم} [آل عمران: 50]...

وجملة القول إن الرسول أخص في عرف شرعنا من النبي، فكل رسول نبي ولا عكس، وإذا أطلق الرسول بالمعنى الذي يعم رسل الملائكة كان من هذا الوجه أعم من النبي لأن الله اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس، ولم يجعل فيهم أنبياء. فنبينا صلى الله عليه وسلم نبي رسول، وجبريل عليه السلام رسول غير نبي، وآدم عليه السلام نبي غير رسول كأكثر أنبياء بني إسرائيل، وهذا على قول المحققين في نص حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما الناطق بأن نوحا أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وقد تقدم في الكلام على عدد الرسل من تفسير سورة الأنعام جواز تسميته رسولا في عرف بعض أهل الكلام، وأنهم لهذا العرف عدوه من الرسل الذين تجب معرفة رسالتهم وأول هؤلاء حديث الشفاعة تأويلات تجدها هنالك.

وصف الله الرسول الذي أوجب اتباعه على كل من أدركه من بني إسرائيل وغيرهم بصفات ونعوت أولها: (أنه هو النبي الأمي الكامل).

ثانيها- قوله تعالى: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل} ومعناه الذي يجد الذين يتبعونه من بني إسرائيل صفته ونعته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، وإنما ذكر الإنجيل والسياق في قوم موسى لأن المخاطب به بالذات بنو إسرائيل... وقال أبو السعود الذي يجدونه مكتوبا باسمه ونعوته الشريفة بحيث لا يشكون أنه هو ولذلك عدل عن أن يقال يجدون نعته أو وصفه مكتوبا عندهم، والظرف (عندهم) لزيادة التقرير وأن شأنه عليه السلام حاضر عندهم لا يغيب عنهم اه وسيأتي بيان ذلك في فصل خاص.

ثالثها ورابعها- قوله: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} يحتمل أنه استئناف لبيان أهم ما يحتاجون إليه عند بعثته- ويحتمل أنه تفسير لما كتب. والمعروف ما تعرف العقول السليمة حسنه وترتاح القلوب الطاهرة له لنفعه وموافقته للفطرة والمصلحة بحيث لا يستطيع العاقل المنصف السليم الفطرة أن يرده أو يعترض عليه إذا ورد الشرع به. والمنكر ما تنكره العقول السليمة وتنفر منه القلوب وتأباه على الوجه المذكور أيضا. وأما تفسير المعروف بما أمرت به الشريعة والمنكر بما نهت عنه فهو من قبل تفسير الماء بالماء...

خامسها وسادسها- قوله تعالى: {ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث} الطيب ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وتستفيد منه التغذية النافعة، ومن الأموال ما أخذ بحق وتراض في المعاملة. والخبيث من الأطعمة ما تمجه الطباع السليمة وتستقذره ذوقا كالميتة والدم المسفوح، أو تصد عنه العقول الراجحة لضرره في البدن كالخنزير الذي تتولد من أكله الدودة الوحيدة- أو لضرر في الدين كالذي يذبح للتقرب به إلى غير الله تعالى على سبيل العبادة، أي لا ما يذبح لتكريم الضيفان، من صغير وكبير أو أمير أو سلطان. والذي يحرم ذبحه أو أكله لتشريع باطل لم يأذن به الله كالبحيرة والوسيلة والحامي. والخبيث من الأموال ما يؤخذ بغير حق كالربا والرشوة والغلول والسرقة والخيانة والغصب والسحت وقد كان تعالى حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات عقوبة لهم كما قال: {فبظلم من الّذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم} [النساء: 160] الآية. وتقدم تفسيرها في سورة النساء. وحرموا هم على أنفسهم طيبات أخرى لم يحرمها الله تعالى عليهم، وأحلوا لأنفسهم أكل أموال غير الإسرائيليين بالباطل كما حكى الله تعالى عنهم بعد ذكر استحلال بعضهم أكل ما يأتمنهم عليه العرب {ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيّين سبيل ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75] وتقدم تفسيرها في سورة آل عمران.

سابعها- قوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم} الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحراك لثقله، وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم. وكذلك الأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، قالهما الزمخشري. وذكر للثاني عدة أمثلة من شدة أحكام التوراة. وقال ابن كثير: أي أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بعثت بالحنيفية السمحة وقال صلى الله عليه وسلم لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، وتطاوعا ولا تختلفا) والحديث رواه الشيخان وغيرهما وحاصل ما تقدم إن بني إسرائيل كانوا فيما أخذوا به من الشدة في أحكام التوراة من العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية والعقوبات كالذي يحمل أثقالا يئط منها وهو مع ذلك موثق بالسلاسل والأغلال في عنقه ويديه ورجليه.

وقد بينا في مواضع أخرى حكمة أخذ بني إسرائيل بالشدة في الأحكام وأن المسيح عليه السلام خفف عنهم بعض التخفيف في الأمور المادية وشدد عليهم في الأحكام الروحية لما كان من إفراطهم في الأولى وتفريطهم في الأخرى، وكل هذا وذاك قد جعله الله تعالى تربية موقوتة لبعض عباده ليكمل استعدادهم للشريعة الوسطى العادلة السمحة الرحيمة التي بعث بها خاتم الرسل الذي أوجب اتباعه على كل من أدركه من الرسل وأقوامهم.

{فالّذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النّور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} يطلق التعزير في اللغة على الرد والضرب والمنع والتأديب والتعظيم. وقال الراغب: التعزير النصرة مع التعظيم. وروي عن ابن عباس: عزروه عظموه ووقروه. ولكن ورد في سورة الفتح {لتؤمنوا باللّه ورسوله وتعزّروه وتوقّروه وتسبّحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: 9] والأقرب إلى فقه اللغة ما حققه الزمخشري في الكشاف هنا قال: (وعزروه) ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو، وأصل العزر المنع، ومنه التعزير للضرب دون الحد، لأنه منع عن معاودة القبيح ألا ترى إلى تسميته الحد، والحد هو المنع اه وجاء في لسان العرب بعد نقل الأقوال، وجعله من قبيل الأضداد: والعزر النصر بالسيف، وعزره عزراً، وعزره (تعزيرا) أعانه وقواه ونصره، قال الله تعالى: {لتعزروه وتوقروه} [الفتح: 9] وقال تعالى: {وعزرتموهم} [المائدة: 12] جاء في التفسير: لتنصروه بالسيف ومن نصر النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف فقد نصر الله عز وجل، وعزرتموهم عظمتموهم، وقيل نصرتموهم قال إبراهيم بن السري: وهذا هو الحق والله تعالى أعلم- وذلك أن العزر في اللغة الرد والمنع، وتأويل عزرت فلانا أي أدبته إنما تأويله فعلت به ما يردعه عن القبيح، كما إذا نكلت به تأويله فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة. فتأويل عزرتموهم نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزير هو التوقير لكان الأجود في اللغة الاستغناء به والنصرة إذا وجبت فالتعظيم داخل فيها، لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم أو الذب عن دينهم وتعظيمهم وتوقيرهم اه المراد منه.

والمعنى إن الذين آمنوا –أي يؤمنون- بالرسول النبي الأمي عند مبعثه أي من قوم موسى ومن كل قوم- فإنه لم يقل فالذين آمنوا به منهم بل أطلق- ويعزرونه بأن يمنعوه ويحموه من كل من يعاديه مع التعظيم والإجلال، لا كما يحمون بعض ملوكهم مع الكره والاشمئزاز، ونصروه باللسان والسنان، واتبعوا النور الأعظم الذي أنزل مع رسالته وهو القرآن، أولئك هم المفلحون، أي الفائزون بالرحمة العظمى والرضوان، دون سواهم من أهل كل زمان ومكان. فمنهم الفائزون بدون ما يفوز به هؤلاء، كأتباع سائر الأنبياء، ومنهم الخائبون المخذولون، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه، ما دعا إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب، والمناكح. وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال.فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي: عظموه وبجلوه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات، أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظافرون بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح. وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره، وينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

...ومعنى: {يجدونه مكتوباً} وجدان صفاته ونعوته، التي لا يشبهه فيها غيره، فجعلت خاصته بمنزلة ذاته. وأطلق عليها ضمير الرسول النبي الأمي مجازاً بالاستخدام، وإنما الموجود نعته ووصفه، والقرينة قوله: {مكتوباً} فإن الذات لا تكتب، وعُدل عن التعبير بالوصف للدلالة على أنهم يجدون وصفاً لا يقبل الالتباس، وهو: كونه أمياً، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويُحل الطيبات، ويحرم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، وشدة شريعتهم.

وذكر الإنجيل هنا لأنه منزل لِبني إسرائيل، وقد آمن به جمع منهم ومن جاء بعدهم من خلفهم، وقد أعلم الله موسى بهذا.

.. وجملة: {يأمرهم بالمعروف} قال أبو علي الفارسي: « هي بيان للمكتوب عندهم ولا يجوز أن تكون حالاً من ضمير {يجدونه} لأن الضمير راجع للذكر والاسم. والذكر والاسم لا يأمران» أي فتعين كون الضمير مجازاً، وكون الآمر بالمعروف هو ذات الرسول لا وصفه وذِكرُه، ولا شك أن المقصود من هذه الصفات تعريفهم بها؛ لتدلهم على تعيين الرسول الأمي عند مجيئه بشريعة هذه صفاتها.

وقد جعل الله المعروف والمنكر، والطيبات، والخبائث، والإصر والأغلال متعلقات لتشريع النبي الأمي وعلامات، فوجب أن يكون المراد منها ما يتبادر من معاني ألفاظها للأفهام المستقيمة.

فالمعروفُ شامل لكل ما تقبلُه العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما عند قوله تعالى: {ولتْكُن منكم أمة يَدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} في سورة آل عمران (104).

ويجمعها معنى: الفطرة، التي هي قوام الشريعة المحمدية كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30]، وهذه أوضح علامة لتعرف أحكام الشريعة المحمدية.

والطيبات: جمع طيبة، وقد روعي في التأنيث معنى الأكِيلة، أو معنى الطُّعمة، تنبيهاً على أن المراد الطيبات من المأكولات، كما دل عليه قوله في نظائِرها نحو: {يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} في البقرة (168) وقوله: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} في سورة المائدة (4)، وليس المراد الأفعال الحسنة؛ لأن الأفعال عُرّفت بوصف المعروف والمنكر. والمأكولات لا تدخل في المعروف والمنكر، إذ ليس للعقل حظ في التمييز بين مقبُولها ومرفوضها، وإنما تمتلك الناسَ فيها عوائِدُهم، ولما كان الإسلام دينَ الفطرة ولا اعتداد بالعوائد فيه، ناط حال المأكولات بالطّيب وحرمتها بالخُبث، فالطّيب ما لا ضُر فيه ولا وخامَة ولا قذارة، والخبيثُ ما أضر، أوْ كان وَخيم العاقبة، أو كان مستقذراً لا يقبله العقلاء، كالنجاسة، وهذا ملاك المُباح والمحرم من المآكل، فلا تدخل العادات إلاّ في اختيار أهلها ما شاءوا من المباح، فقد كانت قريش لا تأكل الضب، وقد وُضع على مَائدة رسول الله فكره أن يأكل منه، وقال: ما هو بحرام ولكنه لم يكن من طعام قومي فأجدني أعافُه ولهذا فالوجه: إن كل ما لا ضر فيه ولا فساد ولا قذارة فهو مباح، وقد يكون مكروهاً اعتباراً بمضرة خفيفة... وَوْضع الإصر إبطال تشريعه، أي بنسخ ما كان فيه شدة من الشرائع الإلهية السابقة، وحقيقة الوضع الحط من علو إلى سفل، وهو هنا مجاز في إبطال التكليف بالأعمال الشاقة.

وحقه التعدية إلى المفعول الثاني بحرف (في) الظرفية، فإذا عُدي إليْه ب (عن) دل على نقل المفعول الأول من مدخول (عن) وإذا عدي إلى المفعول الثاني ب (على) كان دالاً على حط المفعول الأول في مدخول (على) حطا متمكناً، فاستعير يضعُ عنهم} هنا إلى إزالة التكليفات التي هي كالإصر والأغلال فيشمل الوضْعُ معنى النسخ وغيره...

...

وقد كانت شريعة التوراة مشتملة على أحكام كثيرة شاقة مثل العقوبة بالقتل على معاص كثيرة، منها العمل يومَ السبتِ، ومثلُ تحريم مأكولات كثيرة طيبة وتغليظ التحريم في أمور هينة، كالعمل يوم السبت، وأشد ما في شريعة التوراة من الإصر أنها لم تشرع فيها التوبة من الذنوب، ولا استتابة المُجرم، والإصر قد تقدم في قوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} في سورة البقرة (286) وقرأ ابن عامر وحده في القراءات المشهورة، (آصارهم) بلفظ الجمع، والجمع والإفراد في الأجناس سواء.

و {الأغلالُ} جمع غُل بضم الغين وهو إطار من حديد يجعل في رقبة الأسير والجاني ويمسك بسير من جلد، أو سلسلة من حديد بيد المُوكّل بحراسة الأسير، قال تعالى: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} [غافر: 71] ويستعار الغُل للتكليف والعمل الذي يؤلم ولا يطاق فهوَ استعارة فإن بنيْنا على كلام الزَمخشري كان {الأغلال} تمثيلية بتشبيه حال المحرر من الذل والإهانة بحال من أطلق من الأسر، فتعيّن أن وضع الأغلال استعارة لما يعانيه اليهود من المذلة بين الأمم الذين نزلوا في ديارهم بعد تخريب بيت المقدس، وزوال ملك يهوذا، فإن الإسلام جاء بتسوية أتباعه في حقوقهم في الجامعة الإسلامية، فلا يبقى فيه مَيز بين أصيل ودخيل، وصميم ولصيق، كما كان الأمر في الجاهلية، ومناسبة استعارة الأغلال للذلة أوضح، لأن الأغلال من شعار الإذلال في الأسر والقود ونحوهما.

وهذان الوصفان لهما مزيد اختصاص باليهود، المتحدث عنهم في خطاب الله تعالى لموسى، ولا يتحققان في غيرهم ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قد كان لهم شرع، وكان فيه تكاليف شاقة، بخلاف غير اليهود من العرب والفرس وغيرهم، ولذلك أضاف الله الإصر إلى ضميرهم، ووَصف الأغلال بما فيه ضميرهم، على أنك إذا تأملت في حال الأمم كلهم قبل الإسلام لا تجد شرائعهم وقوانينهم وأحوالهم خالية من إصر عليهم، مثل تحريم بعض الطيبات في الجاهلية، ومثل تكاليف شاقة عند النصارى والمجوس لا تتلاقى مع السماحة الفطرية، وكذلك لا تجدها خالية من رهق الجبابرة، وإذلال الرؤساء، وشدة الأقوياء على الضعفاء، وما كان يحدث بينهم من التقاتل والغارات، والتكايُل في الدماء، وأكلهم أموالهم بالباطل، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بدينِ من شأنه أن يخلص البشر من تلك الشدائِد، كما قال تعالى: {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] ولذلك فسرنا الوضع بما يَعم النسخ وغيره، وفسرنا الأغلال بما يخالف المراد من الأصر، ولا يناكد هذا ما في أديان الجاهلية والمجوسية وغيرها من التحلل في أحكام كثيرة، فإنه فساد عظيم لا يخفف وطأة ما فيها من الإصر

والفاء في قوله: {فالذين آمنوا به} فاء الفصيحة، والمعنى: إذا كان هذا النبي كما علمتم من شهادة التوراة والإنجيل بنبوءته، ومن اتصاف شرعه بالصفة التي سمعتم، علمتم أن الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا هديه، هم المفلحون.

والقصر المستفاد من تعريف المسند ومن ضمير الفصل قصر إضافي، أي هم الذين أفلحوا أي دون من كفر به بقرينة المقام، لأن مقام دعاء موسى يقتضي أنه أراد المغفرة والرحمة وكتابة الحسنة في الدنيا والآخرة لكل من اتبع دينه، ولا يريد موسى شمول ذلك لمن لا يتبع الإسلام بعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم ولكن جرى القصر على معنى الاحتراس من الإيهام، ويجوز أن يكون القصر ادعائياً، دالاً على معنى كمال صفة الفلاح للذين يتبعون النبي الأمي، ففلاح غيرهم من الأمم المفلحين الذين سبقوهم كلاَ فلاح، إذا نُسب إلى فلاحهم، أي إن الأمة المحمدية أفضل الأمم على الجملة، وإنهم الذين تنالهم الرحمة الإلهية التي تسع كل شيء من شؤونهم قال تعالى: {وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107].

ومعنى {عزروه} أيدوه وقّووْه، وذلك بإظهار ما تضمنته كتبهم من البشارة بصفاته، وصفات شريعته، وإعلان ذلك بين الناس، وذلك شيء زائِد على الإيمان به، كما فعل عبد الله بن سَلاَم، وكقول ورقة بن نوفل: « هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، وهو أيضاً مغاير للنصر، لأن النصر هو الإعانة في الحرب بالسلاح، ومن أجل ذلك عطف عليه {ونصروه}.

واتّباع النور تمثيل للاقتداء بما جاء به القرآن: شبه حال المقتدي بهدي القرآن، بحال الساري في الليل إذا رأى نوراً يلوح له اتّبعه، لعلمه بأنه يجد عنده منجاة من المخاوف وأضرار السير، وأجزاءُ هذا التمثيل استعارات، فالإتباع يصلح مستعاراً للاقتداء، وهو مجاز شائِع فيه، والنور يصلح مستعاراً للقرآن؛ لأن الشيء الذي يعلّم الحقّ والرشد يشبّه بالنور، وأحسن التمثيل ما كان صالحاً لاعتبار التشبيهات المفردة في أجزائه.

والإشارة في قوله: {أولئك هم المفلحون} للتنويه بشأنهَم، وللدلالة على أن المشار إليهم بتلك الأوصاف صاروا أحرياء بما يخبر به عنهم بعد اسم الإشارة كقوله: {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5].

وفي هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وهكذا أعلم الله الرسل السابقين على سيدنا رسول الله أن يبلغوا أقوامهم بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن الأقوام التي يشهدون ويعاصرون رسالته صلى الله عليه وسلم، صحيح أن رسول الله لم يكن معاصرا لأحد من الرسل، ولكن البشارة به قد جاءت بها أنبياؤهم وسجلت في الكتب المنزلة عليهم، وكل رسول سبق سيدنا محمدا صلوات الله وسلامه عليه، قد أمره الله أن يبلغ الذين أرسل إليهم أن يتبعوا الرسول محمدا ويؤمنوا به ولا يتمسكوا بسلطة زمنية ويخافوا أن تنزع منهم. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه معجزة وبينة فلابد أن يؤمنوا به

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

الخطوط العامة التي تميز الشريعة الإسلامية: وهذه الخطوط العامة هي ما يميّز الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي محمد (ص)، وهي تتحرك في حياة الناس في نقاط ثلاث: النقطة الأولى؛ هي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فليس هناك عمل يأمر به الإسلام، إلا وهو خاضعٌ لعنوان المعروف، ويعني ما يعرفه الناس في وجدانهم لانسجامه مع المبادئ الخيّرة والقيم الروحية، وارتكازه على قاعدة المصلحة الإنسانية، أو ما لو عرف الناس أساسه التشريعي لأصبح قريباً ممّا يعرفونه أو يألفونه في ما يرتبط بحياتهم المستقبلية... وليس هناك عمل ينهى عنه الإسلام إلاّ وهو خاضعٌ لعنوان المنكر الذي هو ما ينكره الناس في فطرتهم الإنسانية لنتائجه السلبية على حياتهم، ولارتكازه على قاعدة المفسدة والمضرة التي تسيء إلى حركة التوازن في الحياة. وربما كان لهاتين الكلمتين «المعروف» و «المنكر» بعض الإيحاء بأن التشريع ينسجم مع الخطّ الوجداني للفطرة الإنسانية السليمة التي لا تعرف ولا تألف إلاّ الخير، ولا تنكر أو ترفض إلاّ الشرّ، فإذا عرفت الشر، وأنكرت الخير، فإن ذلك يعني الانحراف عن الاستقامة في الفكر والوجدان والشعور. النقطة الثانية؛ تحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، فليس في ما أحلّه الله إلا الطيّب الذي يرتاح إليه الذوق الإنساني، في ما يتذوّقه الناس من الأشياء الطيّبة، أو الذي يلتقي بالمنفعة لحياتهم في أرواحهم وأجسادهم، وليس في ما حرّمه الله إلا الخبيث الذي تعافه النفس، ويستقذره الذوق، وترفضه الفطرة... وإذا كان الناس يستطيبون بعض المحرّمات أو يعافون بعض المحللات، فلأنهم كانوا لا ينظرون إلا إلى الجانب السطحي من تلك الأشياء، ولا يتطلّعون إلى أعماقها ليكتشفوا الجانب الخبيث في عناصرها الذاتية التي يستطيبون، وليعرفوا الجانب الطيب في أعماق الأشياء التي يعافونها، لأنّ المقياس في ذلك كله هو في الخصائص الذاتية للأشياء وللأعمال وليس في الجوانب الظاهرية منها. النقطة الثالثة؛ الإصر وهو الثقل والأغلال، فليس في الإسلام حكم يثقل على الإنسان..

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

هذه الآية في الحقيقة تكمل الآية السابقة التي تحدثت عن صفات الذين تشملهم الرحمة الإِلهية الواسعة، أي من تتوفر فيهم الصفات الثلاث: التقوى، وأداء الزكاة، والإِيمان بآيات الله. وفي هذه الآية يذكر صفات أُخرى لهم من باب التوضيح، وهي اتّباع الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ الإِيمان بالله غير قابل للفصل عن الإِيمان بالنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واتباع دينه، وهكذا التقوى والزكاة لا يتمان ولا يكملان من دون اتباع القيادة.

لهذا يقول تعالى: (الذين يتّبعون الرسول).

ثمّ يبيّن ست صفات لهذا الرّسول مضافاً إلى مقام الرسالة:

أنّه نبيّ الله (النّبي).

والنّبي يطلق على كل من يبيّن رسالة الله إلى الناس، ويوحى إليه وإن لم يكن مكلَّفاً بالدعوة والتبليغ، ولكن الرّسول مضافاً إلى كونه نبيّاً مكلّف بالدعوة إلى دين الله، وتبليغه والاستقامة في هذا السبيل.

وعلى هذا يَكون مقام الرسالة أعلى من مقام النّبوة، وبناءً على هذا يكون معنى النّبوة مأخوذاً في مفهوم الرسالة أيضاً، ولكن حيث أنّ الآية بصدد توضيح وتفصيل خصوصيات النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذا ذكرهما على نحو الاستقلال، وفي الحقيقة إنّ ما أُخذ في مفهوم الرّسول مجملا، ذكر في الآية بصورة مستقلة من باب توضيح وتحليل صفاته.

أنّه نبيّ أُمّي لم يتعلم القراءة والكتابة، وقد نهض من بين جماهير الناس من أرض مكّة أم القرى قاعدة التوحيد الأصلية: (الأُمي).

ثمّ إنّ هذا النّبي هو (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل).

وفي صعيد وجود البشارات المختلفة في كتب العهدين (التوراة والإنجيل) حتى التوراة والإِنجيل المحرفين الحاضرين أيضاً، سيكون لنا بحث تفصيلي بعد الفراغ من تفسير هذه الآية.

ومن سمات هذا النّبي أنّ دعوته تتطابق لنداء العقل مطابقة كاملة، فهو يدعو إلى كل الخيرات وينهي عن كل الشرور والممنوعات العقلية: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر).

كما أنّ محتوى دعوته منسجم مع الفطرة الإنسانية السليمة، فهو يحل ما ترغب فيه الطباع السليمة ويحرم ما تنفر منه (ويحل لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث).

أنّه ليس كأدعياء النّبوة والرسالة الذين يهدفون إلى توثيق الناس بأغلال الاستعمار والاستثمار والاستغلال، بل هو على العكس من ذلك، إنّه يرفع عنهم إصرهم والأغلال التي تكبّل عقولهم وأفكارهم وتثقل كاهلهم (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم).

وحيث أنّ هذه الصفات الست بالإضافة إلى الصفة السابعة وهي مقام الرسالة تشكّل من حيث المجموع علامة واضحة ودليل قاطع على صدق دعواه، فيضيف القرآن الكريم: (فالذين آمنوا به وعزروه، ونصروه، واتّبعوا النّور الذي أنزل معه أُولئك هم المفلحون).

و «عزروه» المشتقّة من مادة «تعزير» تعني الحماية والنصرة المقترنة بالاحترام والتبجيل، ويقول البعض إن هذه اللفظة تعني في الأصل المنع، فإذا كان المنع من العدوّ، كان مفهومه النصرة، وإذا كان المنع من الذنب كان مفهومه العقوبة والتنبيه، ولهذا يقال للعقوبات الخفيفة «تعزير».

والجدير بالانتباه استعمال كلمة (أُنزل معه) بدل «أُنزل إليه» في حين أننا نعلم أنّه لم يكن لشخص النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نزول من السماء، ولكن حيث أن النبوة والرسالة نزلا مع القرآن من جانب الله، لهذا عبر ب «أنزل معه».

وهنا لا بد من الوقوف عند نقاط هامة هي:

خمسة أدلة على النّبوة في آية واحدة

لم ترد في آية من آيات القرآن أدلة عديدة على حقانية دعوة الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما جاء في هذه الآية... فلو أننا أمعنا النظر بدقة في الصفات السبع التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية لنبيه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لوجدنا أنّها تحتوي على سبعة أدلة واضحة لإِثبات نبوته:

الأوّل: أنّه «أمّي» لم يدرس، ولكنّه مع ذلك أتى بكتاب لم يغيّر مصير أهل الحجاز فقط، بل كان نقطة تحول هام في التأريخ البشري، حتى أنّ الذين لم يقبلوا بنبوته لم يشكوا في عظمة كتابه وتعاليمه.

فهل يتفق والحسابات الطبيعية أن يقوم بهذا العمل شخص نشأ في بيئة جاهلية ولم يتتلمذ على أحد؟

الثّاني: أنّ دلائل نبوته قد وردت بتعابير مختلفة في الكتب السماوية السابقة على نحو توجد علماً لدى المرء بحقانيته...

فإنّ البشارات التي جاءت في تلك الكتب لا تنطبق إلاّ عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط.

الثّالث: أن محتويات دعوته تنسجم انسجاماً كاملا مع العقل، لأنّه يدعو إلى المعروف، والنهي عن المنكر والقبائح، وهذا الموضوع يتّضح بجلاء بمطالعة تعاليمه.

الرّابع: أنّ محتويات دعوته منسجمة مع الطبع السليم والفطرة السويّة.

الخامس: لو لم يكن من جانب الله لكان عليه أن يقوم بما يضمن مصالحه الخاصّة، وفي هذه الصورة كان يتعين عليه أن لا يرفع الأغلال والسلاسل عن الناس، بل عليه أن يبقيهم في حالة الجهل والغفلة لاستغلالهم بنحو أفضل، في حين أنّنا نجده يحرر الناس من الأغلال الثقيلة.

أغلال الجهل والغفلة عن طريق الدعوة المستمرة إلى العلم والمعرفة.

أغلال الوثنية والخلافة عن طريق الدعوة إلى التوحيد.

أغلال التمييز بكل أنواعه، والحياة الطبقية بجميع أصنافها، عن طريق الدعوة إلى الأخوة الدينية والإِسلامية، والمساواة أمام القانون.

وهكذا سائر الأغلال الأُخرى.

إنّ كل واحد من هذه الدلائل لوحده دليل على حقانية دعوته، كما أنّ مجموعها دليل أوضح وأقوى.