روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة ق

وهي مكية وأطلق الجمهور ذلك وفي التحرير عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا قوله تعالى : { ولقد خلقنا السماوات والأرض } الآية فهي مدنية نزلت في اليهود وآيها خمس وأربعون بالأجماع ولما أشار سبحانه في آخر السورة السابقة إلى أن إيمان أولئك الأعراب لم يكن إيمانا حقا ويتضمن ذلك إنكار النبوة وإنكار البعث افتتح عز وجل هذه السورة بما يتعلق بذلك وكان صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرا ما يقرؤها في صلاة الفجر كما في حديث مسلم وغيره عن جابر بن سمرة وفي رواية ابن ماجة وغيره عن قبطة بن مالك أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرؤها في الركعة الأولى من صلاة الفجر وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي عن أبي واقد الليثي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في العيد بقاف واقتربت وأخرج أبو داود والبيهقي وابن ماجه وابن أبي شيبة عن أم هشام ابنة حارثة قالت : ما أخذت { ق والقرآن المجيد } إلا من في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس وفي حديث ابن مردويه عن أبي العلاء رضي الله تعالى عنه مرفوعا تعلموا ق والقرآن المجيد وكل ذلك يدل على أنها من أعظم السور .

{ ق والقرءان المجيد } ذي المجد والشرف من باب النسب كلابن وتامر وإلا فالمعروف وصف الذات الشريفة به ، وصنيع بعضهم ظاهر في اختيار هذا الوجه ، وأورد عليه أن ذلك غير معروف في فعيل كما قاله ابن هشام في { إن رحمت الله قريب } [ الأعراف : 56 ] وأنت تعلم أن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، وشرفه على هذا بالنسبة لسائر الكتب ، أما غير الإلهية فظاهر ، وأما الإلهية فلا عجازه وكونه غير منسوخ بغيره واشتماله مع إيجازع على أسرار يضيق عنها كل واحد منها ، وقال الراغب : المجد السعة في الكرم وأصله مجدت الإبل إذا وقعت في مرعى كثير واسع ، ووصف القرآن به لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأخروية ، ويجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام المجيد فهو وصف بصفة قائله . فالإسناد مجازي كما في القرآن الحكيم أو لأن من علم معانيه وعمل بما فيه مجد عند الله تعالى وعند الناس ، فالكلام بتقدير مضاف حذف فارتفع الضمير المضاف إليه ، أو فعيل فيه بمعنى مفعل كبديع بمعنى مبدع لكن في مجيء فعيل وصفا من الإفعال كلام ، وأكثر أهل اللغة والعربية لم يثبته ، وأكثر ما تقدم في قوله تعالى : { ص والقرءان ذي الذكر } [ ص : 1 ] يجري ههنا حتى أنه قيل : يجوز أن يكون { ق } أمراً من مفاعلة قفا أثره أي تبعه ، والمعنى اتبع القرآن واعلم بما فيه ، ولم يسمع مأثوراً ، ومثله ما قيل : إنه أمر بمعنى قف أي قف عندما شرع لك ولا تجاوزه .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ومن وراء ذلك جبلاً يقال له قاف السماء الدنيا مترفرفة عليه ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها ثم خلق وراء ذلك جبلاً يقال له قاف السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل ثم قال : وذلك قوله تعالى : { والبحر يمده سبعة أبحر } [ لقمان : 27 ] وأخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات » وأبو الشيخ عنه أيضاً أنه قال : خلق الله تعالى جبلاً يقال له قاف محيطاً بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك القرية دون القرية . وأخرج ابن المنذر . وأبو الشيخ في العظمة » . والحاكم . وابن مردويه عن عبد الله بن بريدة أنه قال في الآية : قاف جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كنفا السماء . وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد أنه أيضاً قال : هو جبل محيط بالأرض ، وذهب القرافي إلى أن جبل قاف لا وجود له وبرهن عليه بما برهن ثم قال : ولا يجوز اعتقاد ما لا دليل عليه .

وتعقبه ابن حجر الهيتمي فقال : يرد ذلك ما جاء عن ابن عباس من طرق خرجها الحفاظ وجماعة منهم ممن التزموا تخريج الصحيح ، وقول الصحابي ذلك ونحوه مما لا مجال للرأي فيه حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن وراء أرضنا بحراً محيطاً ثم جبلاً يقال له قاف إلى آخر ما تقدم ، ثم قال : وكما يندفع بذلك قوله : لا وجود له يندفع قوله : ولا يجوز اعتقاد الخ لأنه إن أراد بالدليل مطلق الإمارة فهذه عليه أدلة أو الإمارة القطعية فهذا مما يكفي فيه الظن كما هو جلي انتهى ، والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحس فقد قطعوا هذه الأرض برها وبحرها على مدار السرطان مرات فلم يشاهدوا ذلك ، والطعن في صحة هذه الأخبار وإن كان جماعة من رواتها ممن التزم تخريج الصحيح أهون من تكذيب الحس ، وليس ذلك من باب نفي الوجود لعدم الوجدان كما لا يخفى على ذوي العرفان ، وأمر الزلزلة لا يتوقف على ذلك الجبل بل هي من الأبخرة وطلبها الخروج مع صلابة الأرض وإنكار ذلك مكابرة عند من له أدنى عرق من الإنصاف والله تعالى أعلم .

واختلف في جواب القسم فقيل : محذوف يشعر به الكلام كأنه قيل : والقرآن المجيد إنا أنزلناه لتنذر به الناس ، وقدره أبو حيان إنك جئتهم منذراً بالبعث ونحو ما قيل : هو إنك لمنذر ؛ وقيل : ما ردوا أمرك بحجة .

وقال الأخفش : والمبرد . والزجاج : تقديره لتبعثن ، وقيل : هو مذكور ، فعن الأخفش { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ } [ ق : 4 ] وحذفت اللام لطول الكلام ، وعنه أيضاًوعن ابن كيسان { ما يلفظ من قول } [ ق : 18 ] وقيل : { إن في ذلك لذكرى } [ ق : 37 ] وهو اختيار محمد بن علي الترمذي ، وقيل : { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق : 29 ] وعن نحاة الكوفة هو قوله تعالى : { بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ }

ومنهم من يجعل { ق } إشارة إلى الوجود الحق المحيط بجميع الموجودات { والله من ورائهم محيط } [ ق : 20 ] وقيل : هو إشارة إلى مقامات القرب ، وقيل : غير ذلك ، وطبق بعضهم سائر آيات السورة على ما في الأنفس وهو مما يعلم بأدنى التفات ممن له أدنى ممارسة لكلامهم والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة ق وهي مكية

{ 1-4 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }

يقسم تعالى بالقرآن المجيد أي : وسيع المعاني عظيمها ، كثير الوجوه كثير البركات ، جزيل المبرات . والمجد : سعة الأوصاف وعظمتها ، وأحق كلام يوصف بهذا ، هذا القرآن ، الذي قد احتوى على علوم الأولين والآخرين ، الذي حوى من الفصاحة أكملها ، ومن الألفاظ أجزلها ، ومن المعاني أعمها وأحسنها ، وهذا موجب لكمال اتباعه ، و [ سرعة ] الانقياد له ، وشكر الله على المنة به .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " ق " هي السورة الخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد " المرسلات " .

ويبدو أن نزولها كان في أوائل العهد المكي ، إذ من يراجع ترتيب السور على حسب النزول يرى أنها لم يسبقها سوى اثنتين وثلاثين سورة ، ومعظم السور التي سبقتها كانت من الجزء الأخير من القرآن الكريم( {[1]} ) .

وهي من السور المكية الخالصة ، وعدد آياتها خمس وأربعون آية ، وتسمى –أيضا- بسورة " الباسقات " .

2- وقد ذكر الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره لها جملة من الأحاديث في فضلها ، منها ما رواه مسلم وأهل السنن ، عن أبي واقد الليثي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بسورة " ق " وبسورة [ اقتربت الساعة . . . ] .

وروى الإمام أحمد عن أم هشام بنت حارثة قالت : ما أخذت [ ق والقرآن المجيد ] إلا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يقرؤها كل يوم جمعة إذا خطب الناس .

ثم قال ابن كثير : والقصد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار ، كالعيد والجمع ، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور ، والمعاد والقيام ، والحساب ، والجنة والنار ، والثواب والعقاب ، والترغيب والترهيب . . ( {[2]} ) .

3- والحق ، أن المتأمل في هذه السورة الكريمة يراها قد اشتملت على ما ذكره الإمام ابن كثير ، بأسلوب بليغ بديع .

فهي تبدأ بالثناء على القرآن الكريم ، ثم تذكر دعاوي المشركين وترد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، ثم توبخهم على عدم تفكرهم في أحوال هذا الكون الزاخر بالآيات والكائنات الدالة على وحدانية الله –تعالى- وقدرته .

قال –تعالى- : [ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ، كيف بنيناها وزيناها ، وما لها من فروج . والأرض مددناها ، وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ] .

4- ثم تذكرهم –أيضا- بسوء عاقبة المكذبين من قبلهم ، كقوم نوح وعاد وثمود ، وقوم فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة . .

ثم تتبع ذلك بتذكيرهم بعلم الله –تعالى- الشامل لكل شيء ، وبسكرات الموت وما يتبعها من بعث وحساب ، وثواب وعقاب . .

قال –تعالى- : [ وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ما كنت منه تحيد . ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد . لقد كنت في غفلة من هذا ، فكشفنا عنك عطاءك ، فبصرك اليوم حديد ] .

5- ثم تختتم السورة الكريمة ، بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، وترشده إلى العلاج الذي يعينه على مداومة الصبر ، كما تحكي له أحوالهم يوم القيامة ليزداد يقينا على يقينه ، وتأمره بالمواظبة على تبليغهم ، بما أمره الله –تعالى- بتبليغه .

لنستمع إلى قوله –تعالى- : [ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب . ومن الليل فسبحه وأدبار السجود . واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ، يوم يسمعون الصيحة بالحق ، ذلك يوم الخروج . إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير .

يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير . نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ] .

وهكذا تطوف بنا السورة الكريمة في أعماق هذا الكون ، وفي أعماق النفس الإنسانية ، منذ ولادتها ، إلى بعثها ، إلى حسابها ، إلى جزائها . . وذلك كله بأسلوب مؤثر بديع ، يشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .

القاهرة – مدينة نصر

6 من جمادى الأولى 1406ه - 17/1/1986م .

د . محمد سيد طنطاوي

سورة " ق " من السور القرآنية ، التى افتتحت ببعض حروف التهجى ، وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معنى هذه الحروف ، أنها جئ بها على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن . فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله : ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم .

فإن كنتم فى شك فى كونه منزلا من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله .

فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - سبحانه - .

وهذا الرأى وهو كون " ق " من الحروف الهجائية ، هو الذى تطمئن إليه ، وهناك أقوال أخرى فى معنى هذا الحرف ، تركناها لضعفها كقول بعضهم إن " ق " اسم جبل محيط بجميع الأرض . . وهى أقوال لم يقم دليل نقلى أو عقلى على صحتها .

قال ابن كثير : وقد روى عن بعض السلف ، أنهم قالوا " ق " جبل محيط بالأرض ، يقال له جبل " قل " وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بنى إسرائيل أخذها عنهم بعض الناس . .

والواو فى قوله - تعالى - : { والقرآن المجيد } للقسم ، والمقسم به القرآن الكريم ، وجواب القسم محذوف لدلالة ما بعده عليه ، وهو استبعادهم لعبثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبهم للبعث والحساب . .

وقوله : { المجيد } صفة للقرآن . أى : ذى المجد والشرف وكثرة الخير .

ولفظ المجيد مأخوذ من المجد ، بمعنى السعة والكرم ، وأصله من مجدت الإِبل وأمجدت ، إذا وقعت فى مرعى مخصب ، واسع ، الجنبات ، كثير الأعشاب .

والمعنى : أقسم بالقرآن ذى المجد والشرف ، وذى الخير الوفير الذى يجد فيه كل طالب مقصوده ، إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك من أن البعث حق والحساب حق ، والجزاء حق . . ولكن الجاحدين لم يؤمنوا بذلك .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.