الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ} (1)

مقدمة السورة:

مكية كلها في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر . قال ابن عباس وقتادة : إلا آية ، وهي قوله تعالى : " ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب " [ ق : 38 ] . وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت : لقد كان تَنُّورُنا وتَنُّورُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا سنتين - أو سنة وبعض سنة - وما أخذت " ق والقرآن المجيد " إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي ما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأضحى والفطر ؟ فقال : كان يقرأ فيهما ب " ق والقرآن المجيد " و " اقتربت الساعة وانشق القمر " . وعن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر ب " ق والقرآن المجيد " وكانت صلاته بعد تخفيفا .

قوله تعالى : " ق والقرآن المجيد " قرأ العامة " قاف " بالجزم . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم " قاف " بكسر الفاء ؛ لأن الكسر أخو الجزم ، فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض . وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء حركه إلى أخف الحركات . وقرأ هارون ومحمد بن السميقع " قاف " بالضم ؛ لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقد وقبل وبعد . واختلف في معنى " قاف " ما هو ؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء أخضرت السماء منه ، وعليه طرفا السماء والسماء عليه مَقْبِيَةٌ ، وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل . ورواه أبو الجوزاء عن عبدالله بن عباس . قال الفراء : كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في " ق " ؛ لأنه اسم وليس بهجاء . قال : ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه ، كقول القائل :

قلت لها قِفي فقالت قَافْ

أي أنا واقفة . وهذا وجه حسن وقد تقدم أول " البقرة " {[14141]} . وقال وهب : أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالا صغارا ، فقال له : ما أنت ؟ قال : أنا قاف ، قال : فما هذه الجبال حولك ؟ قال : هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي ، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك ، فتزلزلت تلك الأرض ، فقال له : يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله ، قال : إن شأن ربنا لعظيم ، وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم به بعضها بعضا ، لولا هي لاحترقت من حر جهنم . فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها ، وأين هي من الأرض{[14142]} . قال : زدني ، قال : إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله ترعد فرائصه ، يخلق الله من كل رعدة مائة ألف ملك ، فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رؤوسهم ، فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا الله ، وهو قوله تعالى : " يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " {[14143]} [ النبأ : 38 ] يعني قوله : لا إله إلا الله .

وقال الزجاج : قوله " ق " أي قضي الأمر ، كما قيل في " حم " أي حم الأمر . وقال ابن عباس : " ق " اسم من أسماء الله تعالى أقسم به . وعنه أيضا : أنه اسم من أسماء القرآن . وهو قول قتادة . وقال القرظي : افتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب وقاض وقابض . وقال الشعبي : فاتحة السورة . وقال أبو بكر الوراق : معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما . وقال محمد بن عاصم الأنطاكي : هو قرب الله من عباده ، بيانه " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " [ ق : 16 ] وقال ابن عطاء : أقسم الله بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم ، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله .

قوله تعالى : " والقرآن المجيد " أي الرفيع القدر . وقيل : الكريم ، قاله الحسن . وقيل : الكثير ، مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد ، من قولهم : كثير فلان في النفوس ، ومنه قول العرب في المثل السائر : " كل شجر نار ، واستمجد المَرْخُ والعَفَار{[14144]} " . أي استكثر هذان النوعان من النار فزادا على سائر الشجر ، قاله ابن بحر . وجواب القسم قيل هو : " قد علمنا ما تنقص الأرض منهم " على إرادة اللام ، أي لقد علمنا . وقيل : هو " إن في ذلك لذكرى " وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال : " ق " قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة ، وأقسم أيضا بالقرآن المجيد ، ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات والأرضين وأرزاق العباد ، وخلق الآدميين ، وصفة يوم القيامة والجنة والنار ، ثم قال : " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " [ ق : 37 ] فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال : " ق " أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما اقتصصت في هذه السورة " لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " [ ق : 37 ] . وقال ابن كيسان : جوابه " ما يلفظ من قول " . وقال أهل الكوفة : جواب هذا القسم " بل عجبوا " . وقال الأخفش : جوابه محذوف كأنه قال : " ق والقرآن المجيد " لتبعثن ، يدل عليه " أئذا متنا وكنا ترابا " .


[14141]:راجع جـ 1 ص 155.
[14142]:الزيادة من حاشية الجمل عن القرطبي.
[14143]:راجع جـ 19 ص 184.
[14144]:المر خ والعفار: شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوّى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها.