روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (188)

ولما ذكر سبحانه الصيام وما فيه عقبه بالنهي عن الأكل الحرام المفضي إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه فقال :

{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل } والمراد من الأكل ما يعم الأخذ والاستيلاء ، وعبر به/ لأنه أهم الحوائج ، وبه يحصل إتلاف المال غالباً والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض ، فهو على حد { ولا تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [ الحجرات : 11 ] وليس من تقسيم الجمع على الجمع ، كما في ركبوا دوابهم حتى يكون معناه لا يأكل كل واحد منكم مال نفسه ، بدليل قوله سبحانه : { بَيْنَكُمْ } فإنه بمعنى الواسطة يقتضي أن يكون ما يضاف إليه منقسماً إلى طرفين بكون الأكل والمال حال الأكل متوسطاً بينهما وذلك ظاهر على المعنى المذكور والظرف متعلق ب { تَأْكُلُواْ } كالجار والمجرور بعده ، أو بمحذوف حال من الأموال والباء للسببية والمراد من الباطل الحرام ، كالسرقة ، والغصب ، وكل ما لم يأذن بأخذه الشرع .

{ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام } عطف على { تَأْكُلُواْ } فهو منهي عنه مثله مجزوم بما جزم به وجوز نصبه بأن مضمرة ومثل هذا التركيب وإن كان للنهي عن الجمع إلا أنه لا ينافي أن يكون كل من الأمرين منهياً عنه والإدلاء في الأصل إرسال الحبل في البئر ثم استعير للتوصل إلى الشيء أو الإلقاء والباء صلة الإدلاء وجوز أن تكون سببية والضمير المجرور للأموال أي لا تتوصلوا ، أو لا تلقوا بحكومتها والخصومة فيها إلى الحكام وقيل : لا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة ، وقرأ أبيّ { وَلاَ } .

{ الحكام لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم والرفع إليهم { فَرِيقاً } قطعة وجملة . { مِنْ أموالهم الناس بالإثم } أي بسبب ما يوجب إثماً كشهادة الزور واليمين الفاجرة ، ويحتمل أن تكون الباء للمصاحبة أي متلبسين بالإثم والجار والمجرور على الأول : متعلق بتأكلوا . وعلى الثاني : حال من فاعله وكذلك { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ومفعول العلم محذوف أي تعلمون أنكم مبطلون ، وفيه دلالة على أن من لا يعلم أنه مبطل ، وحكم له الحاكم بأخذ مال فإنه يجوز له أخذه ، أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مرسلاً أن عبدان بن أشوع الحضرمي ، وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحلف امرؤ القيس فهم به فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } [ آل عمران : 77 ] فارتدع عن اليمين وسلم الأرض فنزلت .

واستدل بها على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً فلا يحل به الأخذ في الواقع ، وإلى ذلك ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأبو يوسف ومحمد ، ويؤيده ما أخرجه البخاري ومسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار " وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أن الحاكم إذا حكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما يصح أن يبتدأ فهو نافذ ظاهراً وباطناً ويكون كعقد عقداه بينهما ، وإن كان الشهود زوراً كما روي أن رجلاً خطب امرأة هو دونها فأبت فادعى عند علي كرم الله تعالى وجهه أنه تزوجها وأقام شاهدين فقالت المرأة : لم أتزوجه وطلبت عقد النكاح فقال علي كرم الله تعالى وجهه : قد زوجك الشاهدان ، وذهب فيمن ادعى حقاً في يدي رجل وأقام بينة تقتضي أنه له وحكم بذلك الحاكم أنه لا يباح له أخذه وإن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل محظوراً عليه وحمل الحديث على ذلك ، والآية ليست نصاً في مدعي مخالفيه لأنهم إن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ مطلقاً فممنوع وإن أرادوا أنها دليل على عدم النفوذ في الجملة فمسلم ولا نزاع فيه لأن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه يقول بذلك ، ولكن فيما سمعت والمسألة معروفة في الفروع والأصول ولها تفصيل في «أدب القاضي » فارجع إليه .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَأْكُلُواْ } أموال معارفكم { بَيْنِكُمْ } بباطل شهوات النفس ، وترسلوا بها إلى حكام النفوس الأمارة بالسوء { لِتَأْكُلُواْ } الطائفة { مّنْ أَمْوَالِ } القوى الروحانية بالظلم لصرفكم إياها في ملاذ القوى النفسانية { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [ البقرة : 188 ] أن ذلك إثم ووضع للشيء في غير موضعه

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (188)

{ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }

أي : ولا تأخذوا أموالكم أي : أموال غيركم ، أضافها إليهم ، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، ويحترم ماله كما يحترم ماله ، ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة .

ولما كان أكلها نوعين : نوعا بحق ، ونوعا بباطل ، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل ، قيده تعالى بذلك ، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية ، أو نحو ذلك ، ويدخل فيه أيضا ، أخذها على وجه المعاوضة ، بمعاوضة محرمة ، كعقود الربا ، والقمار كلها ، فإنها من أكل المال بالباطل ، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح ، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ، ونحوها ، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم ، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه ، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى ، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات ، والأوقاف ، والوصايا ، لمن ليس له حق منها ، أو فوق حقه .

فكل هذا ونحوه ، من أكل المال بالباطل ، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه ، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع ، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة ، غلبت حجة المحق ، وحكم له الحاكم بذلك ، فإن حكم الحاكم ، لا يبيح محرما ، ولا يحلل حراما ، إنما يحكم على نحو مما يسمع ، وإلا فحقائق الأمور باقية ، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ، ولا شبهة ، ولا استراحة .

فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة ، وحكم له بذلك ، فإنه لا يحل له ، ويكون آكلا لمال غيره ، بالباطل والإثم ، وهو عالم بذلك . فيكون أبلغ في عقوبته ، وأشد في نكاله .

وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه ، لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى : { وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا }