روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (50)

{ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً } استئناف بياني أو بيان ليخلق أو بدل منه بدل البعض على ما اختاره القاضي ، ولما ذكر سبحانه إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع جل وعلا ذلك أن له سبحانه الملك وأنه تعالى يقسم النعمة والبلاء كما شاء بحكمته تعالى البالغة لا كما شاء الإنسان بهواه ، وفيه إشارة إلى أن إذاقة الرحمة ليست للفرح والبطر بل للشكر لموليها وإصابة المحنة ليست للكفران والجزع بل للرجوع إلى مبليها ؛ وتأكيد لإنكار كفرانهم من وجهين . الأول : أن الملك ملكه سبحانه من غير منازع ومشارك يتصرف فيه كيف يشاء فليس على من هو أحقر جزء من ملكه تعالى أن يعترض ويريد أن يجري التدبير حسب هواه الفاسد . الثاني : أن هذا الملك الواسع لذلك العزيز الحكيم جل جلاله الذي من شأنه أن يخلق ما يشاء فأنى يجوز أن يكون تصرفه إلا على وجه لا يتصور أكمل منه ولا أوفق لمقتضى الحكمة والصواب ، وعند ذلك لا يبقى إلا التسليم والشغل بتعظيم المنعم المبلي عن الكفران والإعجاب ، وناسب هذا المساق أن يدل في البيان من أول الأمر على أنه تعالى فعل لمحض مشيئته سبحانه لا مدخل لمشيئة العبد فيه فلذا قدمت الإناث وأخرت الذكور كأنه قيل يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء من الأناسي ما لا يهواه ويهب لمن يشاء منهم ما يهواه فقد كانت العرب تعد الإناث بلاء { وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ } [ النحل : 58 ] ولو قدم المؤخر لاختل النظم ، وليس التقديم لمجرد رعاية مناسبة القرب من البلاء ليعارض بأن الآية السابقة ذكرت الرحمة فيها مقدمة عليه فناسب ذلك تقديم الذكور على الإناث ، وفي تعريف الذكور مع ما فيه من الاستدراك لقضية التأخير التنبيه على أنه المعروف الحاضر في قلوبهم أول كل خاطر وأنه الذي عقدوا عليه مناهم ، ولما قضى الوطر من هذا الأسلوب قيل : { أَوْ يُزَوّجُهُمْ } أي الأولاد { ذُكْرَاناً وإناثا } أي يخلق ما يهبهم زوجاً لأن التزويج جعل الشيء زوجاً فذكراناً وأناثاً حال من الضمير ، والواو قيل للمعية لأن حقه التأخير عن القسمين سياقاً ووجوداً فلا تتأتى المقارنة إلا بذلك ، وقيل ذلك لأن المراد يهب لمن يشاء ما لا يهواه ويهب لمن يشاء ما يهواه أو يهب الأمرين معالاً أنه سبحانه يجعل من كل من الجنسين الذكور والإناث على حياله زوجاً ولولا ذلك لتوهم ما ذكر فتأمله ، ولتركبه منهما لم يكرر فيه حديث المشيئة ، وقدم المقدم على ما هو عليه في الأصل ولم يعرف إذ لا وجه له ، ثم قيل : { وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً } أي لا يولد له فقيد بالمشيئة لأنه قسم آخر ، وكأنه جيء بأو في { أَوْ يُزَوّجُهُمْ } دون الواو كما في سابقه من حيث أنه قسم الانفراد المشترك بين الأولين ولم يؤت في الأخير لاتضاحه بأنه قسيم الهبة المشتركة بين الأقسام المتقدمة فتأمل ، وقيل قدم الإناث توصية برعايتهن لضعفهن لاسيما وكانوا قريبي العهد بالوأد ، وفي الحديث «من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار » وقيل : قدمت لأنها أكثر لتكثير النسل فهي من هذا الوجه أنسب بالخلق المراد بيانه ، وقيل : لتطييب قلوب آبائهن لما في تقديمهن من التشريف لأنهن سبب لتكثير مخلوقاته تعالى ، وقال الثعالبي : إنه إشارة إلى ما في تقدم ولادتهن من اليمن حتى أن أول مولود ذكر يكون مشؤوماً فيقولون له بكر بكرين ؛ وعن قتادة من يمن المرأة تبكيرها بأنثى ، وقيل : قدمت وأخر الذكور معرفاً للمحافظة على الفواصل ، والمناسب للسياق ما علمت سابقاً ، وقال مجاهد في { أَوْ يُزَوّجُهُمْ } التزويج أن تلد المرأة غلاماً ثم تلد جارية ، وقال محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنهما : هو أن تلد توأماً غلاماً وجارية . وزعم بعضهم أن الآية نزلت في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث وهب سبحانه لشعيب ولوط عليهم السلام أناثاً ولإبراهيم عليه السلام ذكوراً ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً وجعل عيسى ويحيى عليهما السلام عقيمين اه { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } مبالغ جل شأنه في العلم والقدرة فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار .

/خ49

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (50)

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ ، وعن نفاذ مشيئته وحكمته ، وعن فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - حيث أوحى إليه بما أوحى ، من هدايات للناس . فقال - تعالى - : { لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض . . . إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } .

وقوله - تعالى - { لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ . . } بيان لكمال قدرته - سبحانه - ، ولنفاذ مشيئته . والملك - بضم الميم - الاستيلاء على الشئ والتمكن من التصرف فيه .

أى : لله - تعالى - وحده ملك جميع ما فى السماوات والأرض ، وليس لأحد معه شئ لا اشتراكا ولا استقلالا ، وهو - سبحانه - " يخلق ما يشاء " أن يخلقه ، من غير أن يكون لأحد وصاية عليه ، أو اختيار لشئ معين . .

ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر هذه القدرة التامة ، والإِرادة النافذة فقال : { يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً } فهذه الجملة الكريمة بدل مفصل من مجمل ، أو بدل بعض من كل . وأحوال الناس بالنسبة للذرية لا تخلو عن هذه الأقسام الأربعة فهو - سبحانه - إما أن يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن ، وإما أن يهب لهم ذكورا لا إناث معهن ،

وإما أن يهب لبعضهم الإِناث والذكور معا وهذا معنى قوله - تعالى - { أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً } إذ التزويج معناه الجمع بين البنين والبنات .

وإما أن يجعل بعضهم عقيما ، أى : لا ذرية له ، ذكرا كان أو أنثى . يقال رجل عقيم وامرأة عقيم ، إذا كانا لا ذرية لهما .

وهذه الأحوال الأربعة كلها مشاهدة فى حياة الناس ، فمنهم من معه الإِناث فقط ، ومنهم من معه الذكور فقط ومنهم من معه الذكور والإِناث ومنهم من ليس معه منهما شئ وهذا كله يدل على كمال قدرته - سبحانه - ، وعلى نفاذ إرادته وحكمته ، إذ أعطى من يشاء إعطاءه بفضله ، ومنع من يشاء منعه لحكمة يعلمها ، لاراد لقضائه ، ولا معقب لحكمه .

فالآية الكريمة مسوقة لبيان أن العطاء والمنع بيد الله - تعالى - وحده ، وأن أحوال البشر بالنسبة للذرية خاضعة لمشييئته وحده ، وهو - سبحانه - يقدرها وفق علمه وإرادته وحكمته ؛ ليس لأحد مدخل فى اختيار نوع معين من الذرية ، وليس عند أحد القدرة على إنجاب شئ منها ، إذا أراد الله منعه من ذلك .

قال صاحب الكشاف ما ملخصه : " فإن قلت : لم قدم الإِناث أولا على الذكور مع تقدمهم عليهن ، ثمرجع فقدمهم ؟ ولم عرف الذكور بعدما نكر الإِناث " .

قلت : قدم الإِناث لبيان أنه - سبحانه - يفعل ما يشاء ، لا ما يشاءه الإِنسان ، فكان ذكر الإِناث اللاتى من جملة ما لا يشاؤه الإِنسان أهم ، والأهم واجب التقديم . .

وأخر - سبحانه - الذكور ، فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم ، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم ، لأن التعريف تنويه وتشهير ، فكأنه قال : ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ، ثم أعطى بذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ، ولكن لمقتض آخر ، فقال : { ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً } .

وقوله - تعالى - { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } تذييل قصد به تأكيد قدرته وحكمته . أى : إنه - سبحانه - واسع العلم بأحوال عباده وبما يصلحهم ، قدير على كل شئ ، فهو يفعل ما يفعله عن قدرة واختيار ، لا مكره له ولا معقب لحكمه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ} (50)

{ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا } { يُزَوِّجُهُمْ } من التزويج وهو الجمع بين البنين والبنات فيعطي من يشاء من عباده ، الزوجين الذكر والأنثى ومثال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أعطي من البنين ثلاثة وهم القاسم وعبد الله وهو المسمى بالطيب والطاهر . ثم إبراهيم وأعطي من البنات أربعا وهن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة .

قوله : { وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا } والعقيم الذي لا ولد له{[4119]} أي يخلق الله من الناس صنفا لا يولد له البتة . ومثال ذلك نبي الله يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام وغيره من عباد الله كثيرون ذوو عقم لا يولد لهم .

فالناس بذلك أصناف أربعة : منهم من يرزق البنات ، ومنهم من يرزق البنين ، ومنهم من يرزق الصنفين الذكور والإناث ، ومنهم من يمنعه الله هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا ولد .

قوله : { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } الله ذو علم بما يخلق ، وقدرته بالغة على صنع ما يشاء فهو لا يعجزه شيء ولا يعز عليه أن يفعل كل شيء{[4120]} .


[4119]:مختار الصحاح ص 448.
[4120]:تفسير ابن كثير ج 4 ص 121 وتفسير القرطبي ج 16 ص 48-52.