{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } فيما لا يرضاه { وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } أي مثلهم في صدقهم : وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يقرأ { وَكُونُواْ * مِنَ الصادقين } وكذا روى البيهقي وغيره عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك ، والخطاب قيل : لمن آمن من أهل الكتاب وروي ذلك عن ابن عباس فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة : وجوز أن يكون عاماً لهم ولغيرهم فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في الدين نية وقولاً وعملاً ، وأن يكون خاصاً بمن تخلف وربط نفسه بالسوارى ، فالمناسب أن يراد بالصادقين الثلاثة أي كونوا مثلهم في الصدق وخلوص النية . وأخرج ابن المنذر . وابن جرير عن نافع أن الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا ، والمراد بالصادقين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وبذلك فسره ابن عمر كما أخرجه ابن أبي حاتم . وغيره ، وعن عسيد بن جبير أن المراد كونوا مع أبي بكر . وعمر رضي الله تعالى عنهما .
وأخرج ابن عساكر . وآخرون عن الضحاك أنه قال : أمروا أن يكونوا مع أبي بكر . وعمر . وأصحابهما .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس . وابن عساكر عن أبي جعفر أن المراد كونوا مع علي كرم الله تعالى وجهه . وبهذا استدل بعض الشيعة على أحقيته كرم الله تعالى وجهه بالخلافة ، وفساده على فرض صحة الرواية ظاهر . وعن السدى أنه فسر ذلك بالثلاثة ولم يتعرض للخطاب ، والظاهر عموم الخطاب ويندرج فيه التائبون اندراجاً أولياً ، وكذا عموم مفعول { اتقوا } ويدخل فيه المعاملة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولاً أولياً أيضاً ، وكذا عموم { الصادقين } ويراد بهم ما تقدم على احتمال عموم الخطاب .
وفي الآية ما لا يخفى من مدح الصدق ، واستدل بها كما قال الجلال السيوطي من لم يبح الكذب في موضع من المواضع لا تصريحاً ولا تعريضاً . وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيته شيئاً ثم لا ينجزه وتلا الآية ، والأحاديث في ذمه أكثر من أن تحصى ، والحق أباحته في مواضع . فقد أخرج ابن أبي شيبة . وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو اصلاح بين اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها " وكذا إباحة المعاريض . فقد أخرج ابن عدي عن عمران بن حصين قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب .
هذا ومن باب الإشارة :{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } في جميع الرذائل بالاجتناب عنها { وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } [ التوبة : 119 ] نية وقولاً وفعلاً أي اتصفوا بما اتصفوا به من الصدق ، وقيل : خالطوهم لتكونوا مثلهم فكل قرين بالمقارن يقتدى .
وفسر بعضهم الصادقين بالذين لم يخلفوا الميثاق الأول فإنه أصدق كلمة ، وقد يقال : الأصل الصدق في عهد الله كما قال تعالى : { رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله } [ الأحزاب : 23 ] ثم في عقد العزيمة ووعد الخليقة كما قال سبحانه في إسماعيل : { إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد } [ مريم : 54 ] وإذا روعي الصدق في المواطن كلها كالخاطر والفكر والنية والقول والعمل صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات فهو أصل شجرة الكمال وبذر ثمرة الأحوال وملاك كل خير وسعادة ؛ وضده الكذب فهو أسوأ الرذائل وأقبحها وهو منافي المروءة كما قالوا : لا مروءة لكذوب
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتقوا الله حق تقاته وأن يكونوا مع الصادقين ، وأوجب عليهم الغزة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووعدهم عليه بجزيل الثواب ، وتوعد المتخلفين عنه بشديد العقاب فقال - تعالى - : { ياأيها الذين آمَنُواْ . . . مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
والمعنى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر . . اتقوا الله حق تقاته ، بأن تفعلوا ما كلفكم به . وتتركوا ما نهاكم عنه ، { وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } في دين الله نية وقولا وعملا وإخلاصا ؛ فإن الصدق ما وجد في شئ إلا زانه ، وما وجد الكذب في شئ إلا شأنه .
قال القرطبى : حق من فهم عن الله وعقل منه : أن يلازم الصدق في الأقوال والإِخلاص في الأعمال ، والصفاء في الأحوال ، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى ربنا الغفار .
قال - صلى الله عليه وسلم - " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا " .
والكذب على الضد من ذلك . قال - صلى الله عليه وسلم - " إياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا " .
فالكذب عار ، وأهله مسلوبو الشهادة ، وقد رد - صلى الله عليه وسلم - شهاد رجل من كذبه كذبها . وسئل شريك بن عبد الله فقيل له : يا أبا عبد الله ، رجل سمعته يكذب متعمدا ، أصلى خلفه ؟ قال : لا .
قوله : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } بعد ذكر الثلاثة الذين صدقوا الله فنفعهم صدقهم وثباتهم على دينهم وإيمانهم –يأتي هذه الجملة معترضة لتنبيه على درجة الصدق في ميزان الله . لا جرم أنها درجة رفيعة وعظيمة يجلها الله إجلال ويكرم بها الصادقين من المؤمنين .
وبذلك يأمر الله في الآية عباده المؤمنين أن يكونوا كهؤلاء الثلاثة في صدقهم وثباتهم وخلوص نياتهم ، وقيل : أن يكونوا كالذين صدقوا في دين الله قولا وعملا{[1921]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.