روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ} (52)

{ ذَلكَ ليَعْلَمَ } الذي ذهب إليه غير واحد أن ( ذلك ) إشارة إلى التثبت مع ما تلاه من القصة أجمع( {[401]} ) فهو من كلام يوسف عليه السلام جعله فذلكة منه لما نهض له أولاً من التشمر لطهارة ذيله وبراءة ساحته ، وقد حكى الله تعالى ما وقع من ذلك طبق الوجود مع رعاية ما عليه دأب القرآن من الإيجاز كحذف فرجع إلى ربه فأنهاه مقالة يوسف فأحضرهن سائلاً قال : ما خطبكن الخ ؛ وكذلك كما قيل في { قالت امرأة العزيز } [ يوسف : 51 ] الخ ، وكذلك هذا أيضاً لأن المعنى فرجع إليه الرسول قائلاً فتش الملك عن كنه الأمر وبان له جلية الحق من عصمتك وأنك لم ترجع في ذلك المقام الدحض بمس ملام فعند ذلك قال عليه السلام : ذلك ليعلم العزيز { أنِّي لَمْ أَخُنْهُ } في حرمته { بالْغيْب } أي بظهر الغيب ، وقيل : ضمير { يعلم } للملك ، وضمير { أخنه } للعزيز ، وقيل : للملك أيضاً لأن خيانة وزيره خيانة له ، والباء إما للملابسة أو للظرفية ، وعلى الأول هو حال من فاعل { أخنه } أي تركت خيانته وأنا غائب عنه ، أو من مفعوله أي وهو غائب عني وهما متلازمان ، وجوز أن يكون حالاً منهما وليس بشيء ، وعلى الثاني فهو ظرف لغو لما عنده أي لم أخنه بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة ، ويحتمل الحالية أيضاً .

{ وَأَنَّ اللهَ } اي وليعلم أن الله تعالى { لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائنينَ } أي لا ينفذه ولا يسدّده بل يبطله ويزهقه فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه ، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب( {[402]} ) كيدهم فأوقع الهداية المنفية على لاكيد وهي واقعة عليهم تجوزاً للمبالغة لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى . وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته وبه في خيانته أمانة الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعدما رأوا الآيات الدالة على نزاهته عليه السلام ، ويجوز أن يكون مع ذلك تأكيداً لأمانته عليه السلام على معنى لو كنت خائناً لما هدى الله تعالى كيدي ولا سدّده ، وتوهم عبارة بعضهم عدم اجتماع التأكيد والتعريض ، والحق أنه لا مانع من ذلك ؛ وأراد بكيده تشمره وثباته ذلك ، وتسميته كيداً على فرض الخيانة على بابها حقيقة كما لا يخفى ، فما في «الكشف » من أنه سماه كيداً استعارة أو مشاكلة ليس بشيء . وقيل : إن ضمير { يعلم } و { لم أخنه } لله تعالى أي ذلك ليعلم الله تعالى أني لم أعصه أي ليظهر أني غ ير عاص ويكرمني به ويصير سبب رفع منزلتي وليظهر أن كيد الخائن لا ينفذ وأن العاقبة للمطيع لا للعاصي فهو نظير قوله تعالى : { لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب } [ البقرة : 143 ] وله نظائر أخر في القرآن كثيرة إلا أن الله تعالى أخبر عن نفسه بذلك وأما غيره فلم يرد في الكتاب العزيز ، وفيه نوع إيهام التحاشي عنه أحسن على أن المقام لما تقدم أدعى .


[401]:- وفي الكشاف صح ذلك لدلالة المعنى عليه ونحوه قوله تعالى: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تامرون)، وفيه دغدغة اهـ منه.
[402]:- في عبارة بعضهم بكيدهم فالباء إما متعلقة بالفعل أو متعلقة بالخائنين، وفيه تنبيه على أنه تعالى يهدي كيد من لم يقصد الخيانة بكيده كيوسف عليه السلام في كيده إخوته كذا قيل، فتدبر اهـ منه.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ} (52)

ثم وصلت امرأة العزيز حديثها فقال : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين } .

أى : ذلك الذي قلته واعترفت به على نفسى من أنى راودته عن نفسه ، إنما قلته ليلعم يوسف أنى لم أخنه في غيبته ، ولم أقل فيه شيئاً يسؤوه بعد أن فارقنى ، ولبث بعيدا عنى في السجن بضع سنين ، وإنما أنا أقرر أمام الملك وحاشيته بأنه من الصادقين . . .

وإنما قررت ذلك لأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ، أى : لا ينفذ كيدهم ولا يسدده ، بل يفضحه ويزهقه ولو بعد حين من الزمان .

لذا فأنا التزمت الأمانة في الحديث عنه ، وابتعدت عن الخيانة ، لأن الله - تعالى - لا يرضاها ولا يقبلها .

فأنت ترى أن هذه المرأة التي شهدت على نفسها شهادة لا تبالى بما يترتب عليها بشأنها ، قد عللت شهادتها هذه بعلتين :

إحداهما : كراهتها أن تخونه في غيبته بعد أن فقد الدفاع عن نفسه وهو في السجن

وثانيتهما : علمها بأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ولا يسدده ، وإنما يبطله ويزهقه . . .